موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يُفتتح الزمن الأربعيني صفحة جديدة من حياتنا مع أربعاء الرماد،الذي يُعدّ دعوة للتغيير والتجديد وليس للحزن والعبوسة كما يظن البعض. اللون البنفسجي الذي يكسو الكنائس في هذه الأيام يذكّرنا بأن هذا الزمن هو زمن الاستعداد، زمن التوبة، وزمن القلب المنفتح للضوء الإلهي.
اللون البنفسجي هو لون التأمل والتحول، لون التجاوز عن القديم واستقبال الجديد، لون يربط بين الحزن الخفيف على ما أضعناه وبين الرجاء القوي بما سيأتي.
الرماد الذي يوضع على رؤوسنا ليس مجرد علامة خارجية، بل له معنى عميق: هو تذكير بحقيقة طبيعتنا، أننا غبار من الأرض وأن الحياة هبة من الله وحده. يقول البابا فرنسيس: «نحن منه وله. هو الذي نفخ فينا نفخة الحياة، ومن دونه نحن غبار». الرماد يذكرنا أن كل ادعاء بالاكتفاء الذاتي هو وهم، وأن حياتنا الحقيقية ترتبط بالله وبالآخرين. هو أيضًا دعوة للتواضع وللتأمل في أعماقنا، لنرى ما يعيق وفرحنا.
الصوم الأربعيني ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بل هو فرصة لنكشف أنفسنا ونتحرر من كل ما يثقلنا: المقارنة أو الغرور، أو الرغبة في الظهور وملاحقة الترندات... يقول الرب يسوع «إِيَّاكُم أَن تَعمَلوا بِرَّكم بِمَرأًى مِنَ النَّاس لِكَي يَنظُروا إِليكم، فلا يكونَ لكُم أَجرٌ عندَ أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَوات». (متّى 6، 1). هذه دعوة للشباب على وجه الخصوص: لا تجعلوا حياتكم مسرحًا لإعجاب الآخرين، بل اجعلوها مساحة للحقيقة والحرية، لأن «أَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك»
القلب أحيانًا يكون مثقلاً بأشياء لا نريدها أن تموت: مشاعر الغضب أو الحقد، رغباتنا المفرطة في السيطرة أو الظهور، خوفنا من الرفض أو الضعف. الصوم هو دعوة لنسمي هذه الأشياء بأسمائها، ونعرف أنها لا تستحق تفكيرنا اهتمامنا، تمامًا كما تموت الخلايا المريضة عندما يُقطع عنها مصدر حياتها. حين نحرر أنفسنا من كل هذه الأعباء، نشعر بحرية حقيقية وفرح أصيل.
الرماد هو بداية الرحلة الروحية في العودة والأنطلاق:
العودة إلى حقيقة أنفسنا، بمعرفة أننا غبار ونحتاج إلى الله، وأن حياتنا ليست بيدنا وحدنا.
ومن ثم العودة إلى الله، الذي يحبنا ويستمر في انتظارنا برحمة لا تنتهي.
وأخيرًا العودة إلى الآخرين، لأن الحياة علاقة قبل أن تكون إنجازًا شخصيًا، ومن خلالها نعيش المحبة ونُجدد قلوبنا.
الزمن الأربعيني هو وقفة صادقة أمام أنفسنا، لنزيل الأقنعة اليومية التي نرتديها لنبدو مثاليين، ونجعل من الصلاة الصامتة ثوباً نرتديه لنكتشف جمال العلاقات، ولعيش المحبة والرحمة مع مَن تضعه العناية الالهية أمامنا. هو فرصة جديدة لنكون أكثر قربًا من الله، وأكثر رحمة مع الآخرين، لنعيش الحياة كما صمّمها الآب لنا.