موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٣ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

إيماننا والصليب - 1

بقلم :
المونسنيور بيوس قاشا - العراق
إيماننا والصليب

إيماننا والصليب

 

المقدمة

 

كل سنة نتكلم عن الصليب، بل ربما يومياً نتكلم عنه. لذا اليوم، سنتكلم عن الصليب، ومعناه في حياة المسيح، وموت المسيح على الصليب، وعن عيد الصليب تاريخياً، ومعنى ذلك وأبعاده في الحياة المسيحية.

 

إنَّ سبب صلب يسوع هو إنه جعل نفسه المسيح ابن المبارك، وكلامه عن خراب الهيكل، فهو نبي كاذب ومجدِّف، وإنْ كان يشير هو إلى ملكوت الله "تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مر15:1 ومتى17:4).

 

لم يأتِ يسوع ليموت ميتةً بشعة، لكن طريقه حياته وسلوكه وكلامه كان متوقَّع أنْ يصلَ إلى أسوأ العواقب، ليس لمواقفه الشجاعة ولكن لخلاص الإنسان ورسالته.

 

كلُّنا نعلم في البدء أنّ المسيح مات على الصليب، وهذه حقيقة ترويها لنا الأناجيل الأربعة بكل وضوح (متى، مرقس، لوقا، يوحنا)، وكتابات العهد الجديد، والمصادر التاريخية.، والتي كانت مبعث السخرية للوثنيين والذين كانوا يعتبرون المسيحيين الأولين أنهم يعبدون إنساناً مات ميتة العبيد معلَّقاً على الخشبة.

 

بحرية تامة أراد المسيح أن يموت على الصليب وليس على الخشبة (كما تقول فيروز: اليوم عُلِّق على خشبة... وآخرون). وقد كان إشعيا قد سبق (في الجيل الثامن قبل الميلاد، سنة 740) وتنبّأ في الاختيار الحُرّ "عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع ولم يَفتَحْ فاهُ كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ" (اشعيا7:53).

 

 والمسيح أكّد موتَهُ بنفسِهِ إذ قال:"ما مِن أَحَدٍ يَنتزِعُها مِنِّي (نفسي) بل إنّني أَبذِلُها بِرِضايَ. فَلي أَن أَبذِلَها ولي أَن أَنالَها ثانِيَةً وهذا الأَمرُ تَلَقَّيتُه مِن أَبي" (يو18:10) ممّا جعل مار بطرس في خطابه الأول بعد العَنصرة يقول:"ذاكَ الرَّجُلَ الَّذي أُسلِمَ بِقضاءِ اللهِ وعِلمِه السَّابِق فقتَلتُموه إِذ علَّقتُموه على خَشَبةٍ بأَيدي الكافِرين" (أع23:2) أو حينما يقول:"فأَتَمَّ اللّهُ ما أَنبأَ مِن ذي قَبْلُ بِلِسانِ جَميعِ الأَنبِياء، وهو أَنَّ مَسيحَهُ سَوفَ يَتأَلَّم" (أع18:3). وأيضاً يقول سفر أعمال الرسل:"تحالَفَ حَقّاً في هذهِ المَدينةِ هِيرودُس وبُنْطيوس بيلاطُس والوَثَنِيُّونَ وشُعوبُ إِسرائيلَ على عَبدِكَ القُدُّوسِ يسوعَ الَّذي مَسَحتَه، فأَجرَوا ما خَطَّتهُ يَدُكَ من ذي قَبلُ وقَضَت مَشيئَتُكَ بِحُدوثِه" (أع27:4-28).

 

تحتفل الكنيسة في نهاية السنة الطقسية بـ "عيد الصليب المقدس" ويسمى حسب الطقس "عيد ارتفاع الصليب المقدس" أو "عيد تكريم الصليب المقدس"، ويتراوح بين 6-8 أسابيع.

 

يعتبر الصليب أقصى مكان للإذلال والوحشية، لكي يحمل ذنب العالم ويتألم عن آلام العالم. وهكذا استعاد العالمَ مجدَّداً إلى الله من خلال محبته الكاملة، فالله لا يقول:"الله لا يعلم ما احتمله من الألم".

 

تحت إشارة الصليب يضع المسيحي نفسه، ويبدأ نشاطه "باسم الآب والابن والروح القدس" في مطلع النهار وفي بدء الصلاة وفي مستهلّ أعماله. "إنّ الدعاء إلى الله الثالوث باسمِهِ، يقدّس الأمور التي نقوم بها، ويمنحنا البركة، ويقوّينا في المصاعب والتجارب" (البابا بندكتس السادس عشر).

 

إذاً، من هنا نعلم أنّ المسيح اختار حَمْلَ الصليب ليكون مذبحاً مقدَّساً، وبهذا صار الصليب أداة الفداء الشامل للجميع. ويقول مار بولس الرسول:"وأَن يُصالِحَ بِه ومِن أَجلِه كُلَّ موجود مِمَّا في الأَرْضِ ومِمَّا في السَّمَوات وقَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه" (كولوسي20:1)، وأيضاً "ومَحا ما كَانَ علَينا مِن صَكٍّ وما فيه مِن أَحْكامٍ وأَزالَ هذا الحاجِزَ مُسَمِّراً إِيَّاه على الصَّليب" (كولوسي14:2).

 

فإذن كان الصليبُ طريقاً أليمة، سار فيها المسيح لتحقيق رسالته الخلاصية، إذ يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبي:"فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء" (فيلبي8:2-9).

 

 

الصليب عبر الأجيال

 

لقد رأى المسيحيون في الصليب منذ القِدَم، حتى قبل اكتشاف عود الصليب، علامةً للخلاص، وبرهاناً للمحبة، فقدّموا له الإكرامَ الواجب، ورسموه على ذواتِهِم وفنونهم، وصوَّروه في صلبانٍ يكرِمُون به منازلَهم أو يعلّقونه على صدورِهِم أو في سياراتِهِم أو في أي مكان.

 

لذا، انبرى عدد من المسيحيين للدفاع عن هذه العقيدة ضد الوثنيين القائلين "إنَّ المسيحيين يعبدون الخشبة". فنرى ترتليانوس (في مطلع القرن الثالث) قد وضّحَ الأمور وقال:"إنّ المسيحيين لا يعبدون خشبةً بذاتِها، بل يُكْرِمونَ خشبةَ الصليب كرمزٍ للفداء". وحثَّ المسيحيين على إكرام الصليب، وعلى رسم إشارة الصليب في بدء أعمالهم وفي ختامها. وبالنظر إلى الاضطهادات المتلاحقة، لم يستطِع المسيحيون المجاهرة دوماً بإكرام الصليب لا سيما في القرون المسيحية الأولى، فأخذوا يصوِّرونَ إشارة الصليب على شكل حرف (X) اليوناني، ثم أضافوا في وسطها حرف (I) لتصبح رمزاً يدمج الحرفين الأولين من اسم "يسوع المسيح" باليونانية (إيسوس خريستوس Χριστός)، وأخذت هذه العلامة تظهر بشكل متكرر على مدافن الشهداء في أزمنة الاضطهاد كشاهد على إيمانهم. ثم اختصروا هذا الرمز برسم سمكة، التي تعني باليونانية (إيختيس - ΙΧΘΥΣ) حيث يشكّل كلُّ حرفٍ منها بداية لجملة "يسوع المسيح ابن الله المخلص". وبعد انتصار قسطنطين ومنحه الحرية الدينية للمسيحيين، أخذت رسوم الصليب تزداد وضوحاً.

 

في القرن الخامس كان الصليبُ خالياً من المصلوب، وكان يحمل زخارف وأمور رمزية (مثل سعف الزيتون أو حمامة أو حمامَتَيْن) ترمز للنفس المؤمنة المخلَّصة بالصليب. ثم ظهر المصلوب، وشرعت هذه العادة تنتشر لا سيّما في القرن السادس، فكانت صورة المسيح منقوشة أو محفورة بهيئه ظافر، متوشّحاً بثيابه كلّها، بدون مسامير ولا آثار آلام. ومنذ القرن الثالث عشر، جرت العادة بوضع المسيح على الصليب بهيئة "ضحية التعويض"، عارياً ومتألماً ومائتاً.

 

لقد اتُّخِذَ الصليب علامةً يفخرون في إظهارها كالملك قسطنطين، كذلك ظهرت علامة الصليب في الرايات، وعلى الصدور، وفي البيوت، حيث كان المسيحيون يرون في الصليب زينةً وعلاجاً وحماية...

 

وإلى الحلقة الثانية