موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
سلسلة قراءات كتابيّة بين العهديّن (خر 11: 1- 10؛ كو 1: 15- 20)
مقدّمة
القُراءّ الأفاضل، نعلم أنّ الابن البكر على مستوانا البشري (حبذا الابن الذكر بحسب الفكر العبري والشرقي)، فالابن/ة الّذي يفتح رحم الأم له/ا مكانة خاصة على مستوى الأسرة الصغيرة وعلى مستوى العائلة الكبيرة. في زمن الفصح المبارك سنقترب من لفظ الابن البكر من الناحيتين البشرية والإلهية. سنتعمق من الناحية البشرية بالعهد الأوّل حيث قال الرّبّ لموسى: «قَدَّسْ لي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فاتِحِ رَحِمٍ مِن بَني اسرائيل» (خر 13: 1). هذا البكر له دور هام بمستقبل إسرائيل بشريًا، وسيكون له دور خاص قبل الفصح العبري مباشرة. هكذا في العهد الثاني سنُفاجأ بأنّ دور البكر الإلهي، في الفصح المسيحي، يحمل الكثير من المعاني الإيمانيّة والكتابيّة لكل مؤمن اليوم. لفظ البكر سمعناه ولازلنَّا نسمعه ونقرأه في نصوص الفصح المجيد. "الابن البكر" موضوع كثيراً ما دار في مناقشاتنا الكتابية ودراساتنا اللّاهوتية حتى اللقاءات الكتابية الـمُعاصرة، لأنّه يلمس واقعنا وحياتنا. وها نحن اليوم نتباحث معًا في التعرّف على ما يُنمي إيماننا من الناحية الكتابيّة فيما بين العهدين. بينما نسير ككنيسة سينودسيّة، في طريق الزمن الفِصْحيّ الّذي تمَّ في ابن الله "البكر الإلهي". على ضوء كلمات كاتب سفر الخروج بالعهد الأوّل، سنقترب لنتعرف على دور "البكر البشري" (11: 1- 10) بحسب الفكر العبري بالقدم. وعلى ضوء هذا النص سننتقل إلى مرحلة تالية لنتعرف على أهمية دور البكر الإلهي في اللّاهوت البولسي (كو 1: 15- 20). يسوع-البكر الإلهي، بحسب الرسول بولس، هو الّذي فيه تحقق عمل الآب الخلاصي على الصليب. فصار "بكر الراقدين" وبه افتتح الآب الملكوت والحياة الأبدية فصار لنا الأخ الأكبر أمام أبيه السماوي وبفضل بنوته الطبيعية نلنا بنوة إلهية بالتبني الإلهي كمؤمنين بالرّبّ.
1. البكر بحسب سفر الخروج (11: 1- 10)
بحسب لّاهوت سفر الخروج كشف كاتب السفر عن الضربات العشر ضد فرعون والمصريين. بالدراسة نعلم أن الضربات لم تكن عقاب من الله بقدر إنها أشكال لكشف القدرة الإلهية لفرعون مصر ولكل المصريين والهدف الإلهي هو: «لتَعلَمُ مِصرُ أَنِّي أَنا الرَّبّ» (خر 7: 5أ). سيتم اعتراف فرعون والمصريين بألوهية بني اسرائيل بعد الضربة الأخيرة والقاضية وهي "موت البكر البشري" لكل أسرة. يمكننا القول أنّ الضربات ما هي إلا كشف إلهي لأنّ الضربات بحسب الدراسات اللّاهوتية الأخيرة ما هي إلّا ظواهر متكررة ومعروفة بمصر. على سبيل المثال: المياه الّتي تتحول إلى دم، في كل عام، موسم ربيعي عند فيضان النيل بسبب سقوط الأمطار في شمال أفريقيا، قبل بناء السد العالي، وبالتالي الطمي يكثر ويرتفع منسوب المياه، لذا تتلون بلون الطمي الأحمر سنويًا، هكذا باقي الضربات الأخرى.
2. موت البكر البشري (خر 12: 10- 13)
حينما نُحلل الضربة الأخيرة وهي رواية "موت البكر" نجد إنها ظاهرة مُبالغ فيها كتابيّاً بحسب كاتب هذا الزمن. أصل هذا الحدث هو موت بكر الفرعون والذي أُعلن عنه مُسبقًا حينما قال الرّبّ في رسالته لموسى: «إِسْرائيلُ هو ابنِيَ البِكْر. قُلتُ لَكَ: أَطلِقِ اَبنِي لِيَعبُدَني، وإِن أَبَيتَ أَن تُطلِقَه فهاءَنذا قاتِلٌ آبنَكَ البِكْر» (خر 4: 22). موت البكر هو بمثابة تجربة أليمة على كل مصر، لأنّه بموت بكر الفرعون يموت وارث العرش المستقبلي مما يُشكل مشكلة كبرى للبلاد. فقد يتوقف التسلسل الملكي عند موت البكر. وبالتالي هذه الضربة تقضي على الـُملك وعلى مستقبل البلاد، لذا فهي ضربة قاضية. نتلمس المبالغة في السرد الكتابي إذ يعلن عن موت ابكار الأسر المصرية وابكار الحيوانات حينما بأنه سيتم ضرب: «كُلَّ بِكْرٍ في أَرضِ مِصْر، مِنَ النَّاسِ إِلى البَهائِم، وبِجَميعِ آِلهَةِ المِصرِيِّينَ [...] إِذا ضَرَبتُ أرضَ مِصْر» (خر 12: 12- 13).
ويُشار من خلال الدراسات الطبيّة في هذه الحقبة القديمة بأنّه كان هناك مرض خاص يصيب فقط ابكار البشر والحيوانات. فهناك احتمال توافق هذا الحدث مع موت بكر ملك مصر.
لّاهوتيًا يتم تفسير هذه الظاهرة التي تمت في الضربة الأخيرة بأنّ سلطة الفرعون كملك على مصر، ما هي إلّا سلطة محدودة وليس نهائية كالسلطة الإلهية. فهو لا يمكن أن يُحدد فيضان النيل، أو تغطية الحقول بالجراد، أو حلول الظلام والرياح، الضفادع، الناموس والحشرات، ولا يمكنه من شفاء البشر أو الحيوانات التي تعاني من مرض ما، ... . لذا عليه الاعتراف بسلطته المحدودة وعليه ترك الشعب العبري ليتمتع بحريته لأنّه ليس هو الخالق. هذه هي الرسالة اللّاهوتية الّتي يمكننا تقديمها من خلال الضربات العشر عامة والضربة الأخيرة القاضية وهي موت البكر البشري. فالرّبّ أعطي الوقت وأرسل العديد من التحذيرات، من خلال الضربات، ليكشف عن ألوهيته للفرعون وللمصريين.
حينما لم يعترف فرعون مصر بسلطة إله بني إسرائيل أتمَّ الله مخططه بعد تسع محاولات من الضربات التي سمح بها لفرعون مصر وللمصريين أن ليس سواه إله لبني إسرائيل فيروي الكاتب: «فلَمَّا كانَ نِصفُ اللَّيل، ضَرَبَ الرَّبُّ كُلَّ بِكْرٍ في أَرضِ مِصْر، مِن بِكر فِرعَونَ الَّذي سَيَجلِسُ على عَرشِه إِلى بِكرِ الأَسيرِ الَّذي في الجُبّ، وجَميعَ أَبكارِ البَهائِم. فقامَ فِرعَونُ لَيلاً، هو وجَميعُ حاشِيَتِه وسائِرُ المِصرِيِّين، وكانَ صُراخٌ عَظيمٌ في مِصْر، إذ لم يَكُنْ بَيتٌ إِلاَّ وفيه مَيْت. فدعا فِرعَونُ موسى وهارونَ لَيلاً وقال: "قوما فأخُرجا مِن بَينِ شَعْبي، أَنتُما وبَنو إِسْرائيل، واذهَبوا واعبُدوا الرَّبَّ، كما قُلتُم. وغَنَمُكم أَيضاً وبَقَرُكم خُذوها كما قُلُتم واذهَبوا، وباركوني أَيضاً". وأَلَحَّ المِصرِيُّونَ على الشَّعب، لِيُعَجِّلوا إِطْلاقَهم مِنَ الأَرض، لأَنَّهم كانَوا يَقولون: "سَنَموت بِأَجمَعِنا". فحَمَلَ الشَّعبُ عَجينَهم قَبلَ أَن يَختَمِر، فكانَت مَعاجِنُهم مَشْدودةً في ثِيابِهم على مَناكِبِهم» (خر 12: 29- 34). حينما فقد فرعون والمصريين ابكارهم البشريين، جاءت ردة فعله مُتممة لمشروع الله إذ طرد العبرانيين الذين بأرض مصر. مما ساعد هذا التحرير على احتفال بني إسرائيل بأوّل فصح عبري، كاستباق لنوال حريته، كهدف كاتب سفر الخروج. وهذا هو المخطط الإلهي الذي حرر الرّبّ شعبه به (راج خر 15: 1ت).
3. البكر الإلهي (كو 1: 15- 20)
على ضوء ما ذكرناه من دور البكر البشري بالعهد الأوّل سنتعمق معًا بدور البكر الإلهي بالعهد الثاني. إذ يردّ لفظ البكر بالأناجيل الأربعة مرتين بحسب لوقا في أحداث الميلاد (راج 2: 7. 23). إلا أن بولس يكرره في رسائله. البكر الإلهي هو يسوع المصلوب والقائم كبكر الراقدين. هدفنا أن نُحلل موت وقيامة البكر بالعهد الثاني من خلال نص بولس إلى أهل كولوسي (1: 15- 20). في هذه الآيات القليلة يلحّ بولس على فكرتين:
الأوّلى: البدء والبكر (كو 1: 15- 18أ)
قد يتبين لنا من خلال قرائتنا بالعهد الأوّل قساوة الله، إذ استعمل الموت كوسيلة ليؤمن بسيادته ملك مصر والمصريين. هذا هو الهدف الذي أراده الرّبّ، ليكشف عن ذاته بشكل تدريجي فاختار المصريين ليظهر لهم ألوهيته وهذا ما نكتشفه لاحقًا: «فقالَ المِصرِيُّون: لِنَهرُبْ مِن وَجهِ إِسْرائيل، لأَنَّ الرَّبَّ يُقاتِلُ عنهُمُ المِصرِيِّين"» (خر 14: 22). ثم يأتي صوت بولس (من الأصل اليهودي والفريسي) كاشفًا الجديد بقوله: «[يسوع-البكر] هو صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى وبِكْرُ كُلِّ خَليقَة. ففيه خُلِقَ كُلُّ شيَء مِمَّا في السَّمَواتِ ومِمَّا في الأَرْض [...] هو قَبْلَ كُلِّ شيَء وبِه قِوامُ كُلِّ شيَء[...] هو البَدْءُ والبِكْرُ مِن بَينِ الأَموات» (كو 1: 15- 18أ). أراد بولس أن يكشف عن حقيقة يسوع كبكر إلهي، من خلال طبيعته البشرية صار باكورة الراقدين من الموت الّذي انتصر وحمل لنا الانتصار على كل ما هو ليس من الله. يسوع-البكر الإلهي حملنا للآب، وبه صرنا أبناء الله وأخوة له. يمكننا القول أن قيامتنا الأبدية تحققت بقيامة أخينا البكر.
الثانية: أوّليّة المسيح (كو 1: 18ب-20)
يلحّ ما بولس في الفكرة اللّاهوتية الثانية على أوّلية المسيح وهو البكر الإلهي فيقول: «لِتَكونَ لَه الأَوَّلِيَّةُ في كُلِّ شيَء. فقَد حَسُنَ لَدى الله أَن يَحِلَّ بِه الكَمالُ كُلُّه. وأَن يُصالِحَ بِه ومِن أَجلِه كُلَّ موجود مِمَّا في الأَرْضِ ومِمَّا في السَّمَوات» (كو 1: 18ب- 20أ). لفظ الأوّلية يؤكد سيادة الله الآب من خلال البكر الإلهي على كل البشرية، إذ فيه يتحقق الكمال الّذي أراده الآب منذ الخلق.
ثم يعلن بولس في آخر كلماته لهذا النص بأن البكر الإلهي «قَد حَقَّقَ السَّلامَ بِدَمِ صَليبِه» (كو 1: 20ب). لم يعد بعد دم الحمل هو الهدف ولا سيادة ملك بشري هي الّتي تُحدد مستقبل مَن ينتمي للرّبّ، بل كشف خلاص الآب بموت وقيامة البكر الإلهي. وهنا كل موت ليس كلمة أخيرة بقدر أن البكر الإلهي قدّم حياة ومستقبل لا ينتهي. مدعوين بناء على ما تعمقنا فيه أن نعطي الأوّليّة للبكر الإلهي فيسود هو علينا وتسود مصالحتنا مع الآب في قيامته كأخينا البكر.
الخلَّاصة
من خلال تعمقنا في الضربة القاضية للضربات العشر الّتي تجسدّت في موت البكر البشري لفرعون مصر وللمصريين بالعهد الأوّل (11: 1- 10)، وتلمسنا بفعل الحب الذي ظهر في موت وقيامة البكر الإلهي بالعهد الثاني (كو 1: 15- 20) مما كشف عن دور البكر لّاهوتيًا وفيضه على مستقبلنا الأبدي بقيامته. نستعين في ختام مقالنا بكلمات اشعيا التي تحوي على مفهوم جديد وهو كثمرة لموت أبكار مصر: «في ذلك اليَوم، يَكونُ إِسرائيلُ ثالِثاً لِمِصرَ وأَشُّور، وبَرَكَةً في وَسَطِ الأَرض، فيُبارِكُه رَبُّ القُوَّات قائِلاً: مُبارَكٌ شَعْبي مِصرُ [...]» (19: 24- 25). بعد إتمام مخطط الرّبّ الـمُحرر لإسرائيل كابنه البكر من عبودية المصريين، نالت مصر والمصريين نعمة معرفة الرّبّ، فصارت مصر بمثابة مكان لبركته الإلهية حينما تصالح الآب بمصر وقال ليوسف في الحلم: «قُم فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّه واهرُبْ إِلى مِصْر وأَقِمْ هُناكَ حَتَّى أُعْلِمَك، [...] لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ: مِن مِصرَ دَعَوتُ ابني» (مت 2: 13- 14). وهنا تحولت اللعنة القاسية التي مات فيها أبكار المصريين إلى بركة حينما لجأ الابن الإلهي إلى مصر كملجأ، ثمَّ مات وقام كبكر الله لأجل كل البشرية. قيامة البكر الإلهي هي النعمة الّتي أفاضها علينا كمؤمنين وعلى كل البشر. اليوم، حياتنا تعود لموت وقيامة البكر الإلهي، حيث يمكننا أن نتمتع بنعمة الآب الـمُعلنة في ابنه البكر حُبًا بنا وبدون استحقاقنا. يسوع هو البكر الذي بموته وقيامته صار أخينا وصالحنا بالآب. نعم تمّت في البكر الإلهي قيامتنا وأبديتنا، فلنسبحه معًا، أيها القراء الأحباء.