موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٦ يناير / كانون الثاني ٢٠٢١

عظة عيد ظهور الرب

بقلم :
الأب فارس سرياني - الأردن
المسيحُ لا يُريد منكَ سوى أنْ تهبَهُ ذاتَك، مُسلِّمًا له قلبَك، مُستسلِمًا بين يديه

المسيحُ لا يُريد منكَ سوى أنْ تهبَهُ ذاتَك، مُسلِّمًا له قلبَك، مُستسلِمًا بين يديه

 

فَرَأينا مجدَه

 

أيّها الإخوةُ والأخواتُ في المسيحِ يسوع. في هذا اليوم، نحتفِلُ بعيدِ ظهورِ الرّب، أو ما دَرجت العادةُ على تَسميتِه بعيد الغطاس. فَمَا هو هذا العيد؟ وَلِماذا تشعرُ أنّ هناكَ شيئًا من تضارُبِ المعاني أو تعدّد التّسميات؟ فالبعضُ يدعونَهُ عيد الغطاس، والبعضُ الآخر عيد الظّهور الإلهي، والبعضُ الآخر عيد الدّنح؟! لِذلك، رأيتُ أن لا بدّ من توضيح الأمر، ليكونَ جليًّا بدون لُبس.

 

عيدُ الظّهورِ الإلهي هو من الأعياد الكُبرى الإلزامية في الكنيسة، أي تلكَ الواجب على المؤمنين حضورها، إلى جانب عيدِ الميلادِ والفصح والصّعود والعَنصرة، وعيدِ الانتقال.

 

حَسب الليتورجية أو المفهوم الغربي لهذا العيد، فهو مُرتبِط بزيارة المجوس الثّلاثة إلى الطّفل يسوع وتقديمهم الهدايا له. لذلكَ يُسمّى أيضًا بعيد (زيارة المجوس) والّذي يُعتبرُ إيمانيًّا بأنّه حدثُ ظهورِ الرّب للأُمم الوثنية والشّعوبِ من غيرِ اليهود. لذلك يُسمّى عيدُ الظّهور، أي عِندما أظهرَ المسيحُ مجدَه لغيرِ اليهود، والّذينَ يُمثّلهم أشخاص المجوسُ.

 

أمّا حسب الّليتورجية الشّرقية، فهذا العيدُ يُسمّى بالغطاس، فهو ذِكرى معمودية المسيح في مياه نهرِ الأردن. ومِن هنا جاءَت كلمة (غطاس)، أي هو عيد نزول المسيح في مياه الأردن، واعتمادِه على يد يوحنّا المعمدان. ففي الّليتورجية الشّرقية عيدُ الغطاس هو نفسُه عيدُ عماد الرّب. ويُحتفلُ بِه في 19 كانون الثّاني، سيرًا على التّقويم اليولياني القديم، حيثُ أنّ هناكَ 13 يوم فرق بينَه وبين التّقويم الغريغوري الجديد الّذي نسيرُ عليه اليوم. وبالمناسبة، التّقويم الشّرقي المتّبع في بعض الكنائس هو أيضًا تقويم غربي، وُضِعَ في مدينة روما إبّان حكمِ الإمبراطور يوليوس قيصر عام 47 ق.م، ونُسِب إلى اسمِه. فالتقويم الغربي غربي والتقويم الشرقي هو أيضا غربي، فكلاهما وُضِعَ في روما.

 

ومن هنا أيضًا دَرَجت العادةُ في هذا الزّمن على تكريس البيوت، أو تغطيسِها كما يدعوها كثيرون، بالماء المبارك. وهي عادة كنسيّة قديمة نَشأت منذ القرون الأولى للمسيحية.

 

أمّا في الّليتورجية الغربية، فنحنُ لدينا عيدان مُنفصِلان، بحيثُ أنّنا نحتفِل بعيد ظهورِ الرّب للأُمم الوثنية في السّادس من كانون الثّاني، ونحتفل بعيد معمودية المسيح في الأحد الّذي يَليه مباشرة. والتّسميةُ الأدَق لعيد اليوم، حسب المفهوم الّلاتيني هي (عيدُ الظّهورِ الإلهي) وليسَ عيد الغطاس. نسبةٍ للمسيحِ الإله الّذي أظهرَ وكشفَ مجدَه للأمم الوثنية. حيث أنّ الكلمة اليونانية المستخدمة لتسمية هذا العيد هي: (إيبي-فا-نيّا)، وتعني حرفيًّا يُظهِر أو يُعلِن.

 

أمّا تَسمية (عيد الدِّنح)، فهذهِ الكلمة هي من سريانيّة الأصل (دِنحا)، والتّي تعني أيضًا الظهورَ والإشراق، ففي هذا العيد أشرقَ مجدُ المسيح وظهرَ للعالم. فالدِّنح هو عيد ظهور سرّ يسوع للعالم بصفته المسيح كلمة الله، وظهور سرّ الثالوث الأقدس، في آنٍ واحد يوم المعمودية.

 

مِن ناحية تاريخيّة، فتقليد الكنيسة مِن القرون الأولى، يذكر أنَّ المسيحيين احتفلوا بعيد الميلاد وعيد العماد في يومٍ واحد، هو السّادس من كانون الثّاني، وكان يُسمّى ايبي فا نيّا، على أساس أنَّ العيدين معًا يؤدّيان غرضًا واحدًا هو ظهور كلمةِ الله في الجسد للنّاس. ثم جاء الفصلُ بين الحَدثين، فنُقِل عيدُ الميلاد ليوم الخامس والعشرين من كانون الأوّل، ليحلَّ محل عيد الشّمس الوثني. ففي ميلادِه، أشرقَ المسيح شمسُ البِرِّ، وأظهرَ مجده للعالمين. وبقي عيدُ العماد في السّادس من كانون الثّاني.

 

أمّا في الكنيسةِ الكاثوليكية، ومع التجديد الليتورجي، الذي أجراه المجمع الفاتيكاني الثّاني، سنة 1969، تمَّ نَقلُ عيد عماد الرب إلى الأحد الّذي يَلي عيد الظهور، حتّى تكون بداية الزمن العادي مع بداية حياة يسوع العلنية، يومَ ظهرَ مجدُه ساعة اعتمادِه في مياهِ نهر الأردن. ففي عيدِ عُمّاد الرّب، حلَّ عليه الرّوح القُدسُ، وسُمِعَ صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب، الّذي عنه رَضيت".

 

ومِن هنا كانَ الفصلُ بينَ الحدثين، حيثُ يُحتفلُ بكلِّ واحدٍ في يومٍ مختلفٍ عن الآخر. فكلُّ حَدث يُمثّل مرحلة مختلفة من حياة المسيح: الأوّل ظهورُه للأمم الوثنية من غير اليهود في شخوص المجوس الثّلاثة، والثّاني ظهوره للعلن يوم اعتمادِه في مياه الأردن. أمّا الشّرقيون فيقصِدون به حدثَ المعمودية أو تغطيس يسوع في مياه الأردن.

 

خلاصةُ الحديث: نحنُ في الكنيسةِ الّلاتينية، في زمن الميلادِ المجيد، نُحي ظهورَ المسيح، من خلال ثلاثةِ أحداث، نحتفلُ بها في ثلاثة أعيادٍ مُنفصِلة من ناحية الموعد، ولكنَّ الهدف منها واحد؛ وهو ظهور مجدِ المسيح وإعلان لاهوتِه: الحدث الأوّل هو عيد ميلادِ المسيح في الجسد، وهو ظهور موجّه إلى الشعب اليهودي الذي كان ينتظر مولِدَ المسيحِ تحقيقًا للنّبوءات. الحدث الثّاني هو عيدُ الظهور الإلهي الّذي نحتفل به اليوم وهو ظهورٌ موجّهٌ إلى الأمم الوثنية. وأخيرًا الحدث الثّالِث وهو عيد عِمّاد الرّب في مياه نهر الأردن، وهو ظهور الله الآب والابن والرّوح القدس والانطلاقة العَلنيّة لرسالة يسوع.

 

أيّها الأحبّة، في هذا اليوم، جاءَ المجوسُ إلى المسيحِ يحمِلونَ الهدايا مُكرّمين ساجدين. لم يأتوا إليهِ بأيادٍ فارغة مغلولة، بل أتوا بأيادٍ مليئةٍ بأجمل الأشياء وأثمنها وأكثرِها معانٍ ودلائِل. واليوم، تأتي إلى بيت الرّب، وتدخلُ في حضرتِه، فماذا جِئت تقدّمُ له، وماذا أتيت تحمل إليه؟ يكفي أن تُقدّم لله حُبّك الصّافي الّلامع كالذهب، والزّكي كرائحة البخور، بالرّغم ممّا قد يحمله أحيانًا من مرارة وألم. المسيحُ لا يُريد منكَ سوى أنْ تهبَهُ ذاتَك، مُسلِّمًا له قلبَك، مُستسلِمًا بين يديه، فهو قدّم لكَ كلَّ شيء، فهلّا قدّمت لهُ بعضَ الشّيء.