مار بولس.. المعرفة والموضوعية في العلاقات الإسلامية المسيحية

كنيسة القديس بولس - دمشق

مار بولس.. المعرفة والموضوعية في العلاقات الإسلامية المسيحية

القدس - الأب د. بيتر مدروس
2017/07/17

ما زال العالم المسيحيّ الأرثوذكسيّ في أجواء عيد القدّيسَين الرّسولَين الشّهيدَين بطرس وبولس مؤسّسَي كنيسة روما. وفي شأن مار بولس هنالك الكثير من سوء الفهم الّذي يعكّر أيضًا صفاء العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة. وقبل الخوض في هذا الميدان، يجدر بالمرء أن يوضح، خصوصًا لمعشر المسيحيّين، ليس فقط أنّ "اختلاف الآراء لا يُفسد للودّ قضيّة"، بل أنّ المعرفة ليست شرًّا وأنها ليست عائقًا أمام التّفاهم والتّعايش، بل بخلاف ذلك: فكلّما عرفتَ مبدأ قوم أو مذهبهم، علمتَ طريقة التّعامل الفُضلى معهم، وحرصتَ على ألاّ تجرح مشاعرهم، مع تمسّكك بدينك ومذهبك. ويعترف المرء أنّ خلقًا من الكاثوليك، على حسن نيّتهم وسلامة طويّتهم، ولسوء إدراكهم للمجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني، صاروا يهربون من المعرفة بذريعة المحبّة، وقد انحدر قوم منهم، كما يلحظ الأب أجيديو باجينيليّ، من الاحترم للخاطىء إلى احترام الخطيئة، ومن المحبّة للإنسان الذي شطّ عن العقيدة والخلق القويم إلى محبّة لذلك الشّطّ وذلك الانحراف، ولا سيّما في قضايا المثليّة أو الإجهاض أو الموت الرّحيم أو تبنّي مثليّين لأطفال، مع العلم أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة لن تؤيّدها أبدًا بسبب مخالفة تلك التّجاوزات للشّريعة الإلهيّة الطّبيعيّة وللكتاب المقدّس وتعليم الكنيسة الواحدة الواحد منذ ألفَي سنة تقريبًا.

القول أنّ بولس الطّرسوسيّ مؤسّس المسيحيّة

تعوّد المرء، في هذا المنبر الأغرّ وسواه، ألاّ يتطفّل على العالم الإسلاميّ وعلمائه وأهل مكّة الّذين هم "أدرى بشعابها". ومن "أجل العدل والبِرّ والإنصاف" والمودّة والأخوّة في الإنسانيّة وفي الوطن الواحد، يقدر رجُل دين مسيحيّ أن يشير إلى معطيات المصادر الإسلاميّة، وهو يترك منطقيًّا وأخلاقيًّا المجال لرجال الدّين المسلمين أن يرشدوه في شأن مصادرهم وتفسيراتها الشّرعيّة الموضوعيّة. "ورحم الله امرًأ عرف قدر نفسه". وهنالك أمور واضحة لا يختلف عليها اثنان، منها أنّ النّصّ القرآنيّ لا يشير إلى "بولس الرّسول" لا من قريب ولا من بعيد، بحيث أنّ لا أساس قرآنيًّا لا لمدحه ولا لذمّه. ويبقى الباب مفتوحًا لاجتهادات منها ما يُصيب ومنها ما يُخطىء.

ويجدر هنا أن يضيف المرء أنّ نسبة كبيرة من سوء الفهم لبولس الرّسول موجودة أيضًا عند خلق من "العقلانيّين" كثير، ما كلّف أحد منهم خاطره أن يطّلع على المصادر التّاريخيّة الحياديّة، منها العربيّة الإسلاميّة.

مراجع تاريخيّة إسلاميّة عربيّة ثمينة

ويأتي كُتّاب ومؤرّخون ومسلمون، منهم الطّبريّ الذي يقدّم معلومات ثمينة: "بطرس الحواريّ ومعه بولس وكان (أي بولس) من الأتباع ولم يكن من الحواريّين، إلى رومية". ("تاريخ الرّسل والملوك"، الجزء الأوّل، ص 737). أمّا المسعوديّ، فقد كتب في "مروج الذّهب" (الجزء الثّالث، 303 و304): "يقال أنّه قُتل في مُلك (نيرون) بطرس وبولس في رومية على حسب ما قدّمنا". وأيضًا: "ودانت امرأة الملك بالنصرانيّة واسمها فروطانقي ويقال لها "بطريقية"... لثلاث سنة (أو: سنين) خلت من مُلك نيرون، قُتل بطرس وبولس بمدينة رومية".

أمّا ابن الأثير فقد ذكر ("تاريخ الكامل" الجزء الأوّل، ص 128) بَعثة المسيح "لشمعون الصّفا (أي مار بطرس) رأس الحواريّين" ونجاته من الحبس وسيره إلى إنطاكية ثم دخوله رومية واستشهاده فيها مع بولس. وكتب ابن خلدون (ص 148): "أمّا بطرس كبير الحواريّين وبولس اللّذان بعثهما عيسى صلوات الله عليه إلى رومة فإنّهما مكثا هنالك يقيمان دين النّصرانيّة.

بطرس وبولس يقيمان "النّصرانيّة"

كتابات المؤرّخين العرب المسلمين المذكورين صحيحة دقيقة تنمّ عن حسن اطّلاع وقريب مودّة. ويتأثّر المرء لدى قراءته لتلك الأوصاف الصّائبة التي يستنتج منها الكثير. وما كتب أيّ مرجع إسلاميّ تاريخيّ أن بولس دعا إلى "البولسيّة" ولا أنّه أنشأ دينًا جديدًا هو مركزه وشخصه محوره. بل، لا يميّز المؤرّخون النّجباء النّزهاء المُستَشهد بهم هنا بين بطرس وبولس. بل يعلنون في شأنهما أنّهما كانوا رسولَي السيّد المسيح، أحدهما رأس الحواريّين ورئيسهم بطرس شمعون الصّفا كيفا، وثانيهما أي شاوول بولس "من الأتباع" بمعنى أنه ما كان من الرّسل الاثنَي عشر، ولا عرف السيّد المسيح ولا كان من صحابته الّذين رافقوه مدّة ثلاث سنين قبل ارتفاعه.

غبار الأيّام وسحاب القرون يحجبان عنّا أحيانًا رؤية الحقيقة الرّوحانيّة السّامية المعجزة بقوّة  الله!

قالت العرب بصواب: "البُعد جفاء"، ليس فقط بُعد المكان بل بُعد الزّمان. وبُعد الزّمان أقسى بكثير وأقصى من بُعد المكان الّذي قد نقطعه اليوم في ساعات. نحن في القرن الحادي والعشرين ويصعب علينا تصوّر الأمور في القرن الميلادي الأوّل وبالذّات في رومة الوثنيّة. فلنسبرنّ شيئًا من غور ذلك الماضي السّحيق لنكتشف كنوز نعمة الله في الرّسولَين بطرس وبولس. وهكذا يتبدّد الجهل ويزول سوء الفهم ويدرك الإنسان النّزيه والباحث الموضوعيّ الحقيقة التي تحرّر بدل الجهل الّذي يضلّل ويستعبد وبدل الأحكام المسبقة التي هي النّقيض للعقلانيّة.

بطولة "إقامة النّصرانيّة" في روما الوثنيّة!

تجرّأ الرّسولان بطرس وبولس، وسط العاصمة وعلى خطوات من قصر الإمبراطور الطّاغية نيرون، أن يعلنا الإيمان بالإله الواحد وبالحثّ على المعروف والنّهي عن المنكر، انطلاقًا من هدى الإنجيل الطاهر ونوره، "وسط جيل معوجّ فاسد"، اشتهر بالموبقات والكبائر وتعدّد الآلهة –والعياذ بالله- والتشدّق بالانحرافات (مثل بعض الغربيين المخالفين للمسيحيّة في أيّامنا!). ويكفينا، لضيق المقام، أن نعود إلى المسعوديّ لنعلّق، مع الأب الراحل استفانوس سالم الفرنسيسكاني ("في رئاسة بطرس، شهادات مشاهير العرب"، ص 19–20) على عظيم فضل الحواريَّين الكبيرَين بطرس وبولس بنعمته تعالى: "لا عجب إذا انتحل النصرانيّة برومية بعض نساء الأسرة الملكيّة وغيرهنّ من الطّبقة الارستقراطيّة، من حيث أنّهن اقتنعن بكلمة بطرس (وبولس) ورأين فيها ما لم يرينه في باقي الديانات. ولكي ندرك عن كثب هذه الحقيقة، لنلقينّ نظرة سريعة على حياة الرّومانيّين "الرّوحيّة" في ذلك العصر لمّا نزل بطرس وبولس روميا ووجداها في قبضة إبليس ترزح تحت نير أفظع الرّذائل... فما أشدّ ما كان ألم النساء اللواتي لمّا وجدن أمامهنّ باب الإباحة مفتوحًا على مصراعيه دخلنه فرحات، لكنهنّ ما عتمن حتّى لهجن بمسيس الحاجة إلى يد حنّانة مخلّصة تنتشلهن من هوّة الهلاك وتطهّرهنّ من مآثمهنّ القبيحة الفظيعة. فتشبّثن توًّا بخزعبلات الدّيانات الوثنيّة الشّرقيّة لا سيّما المصريّة، واجتهدن بإتقان عبادة –حاشى وكلاّ- المعبودة إيزيس أخت المعبود أوزيريس وامرأته معًا (!)، وأذعنّ لكلّ أوامر تلك العبادة الباطلة. وعلى قول المؤرّخ الرّومانيّ "يوفيناليس" (الجزء السادس، الفقرة 511) كُنّ حُبًّا للتّطهير من خطاياهنّ يغتسلن في نهر "التايبر" ثلاث مرّات كلّ صباح في أيّام الصّقيع، ويزحفن على رُكَبهنّ المدميات حول الميدان  الواسع للمعبود "مارس"... ولعلّ المسعوديّ يشير هنا "بامرأة الملك" إلى فلافيا دوميتيلاّ التي تنصّرت على يد القديس بطرس وتلميذه إكليمنضس (إقليموس)، خلفه الرّابع".

خاتمة

هكذا، وبواضح الكلام ومختصره، يقدّم مؤرّخون مسلمون عرب مشاهير ومراجع ثقات - الجهود البطوليّة للحواريَّين (بالمعنى الذي سبق تفسيره) بطرس وبولس حتّى الاستشهاد من أجل السيّد المسيح. وما كان لأيّ منهما مصلحة في الموت العنيف ولا مكسب. وبنعمة الله تحوّلت "المدينة الخالدة" عاصمة الوثنيّة والموبقات إلى "المختارة التي في بابل" (1 بطرس 5: 13) المصطفاة وسط بلبلة الوثنيّة ووحل الإباحيّة. وأصبحت كما يكتب القديس الأسقف الإنطاكي الشهيد أغناطيوس "المترئسة للأخوة في المحبّة"، وكما سيشيد بها في القرن السّابع بطريرك القدس القدّيس صفرونيوس الّذي سيستقبل الفاروق على أبواب المدينة المقدسة ويقدّم له مفتاحها: "كنيسة روما هي كنيسة الرومانيّين جزيلة القداسة وهي بمثابة المنارة لجميع الكنائس تحت الشّمس. إنها كرسي العقائد القويمة". وتمّت بهذا، مرّة أخرى، في روما التي تنصّرت بعد وثنيّة وتنقّت بعد تلوّث، الكلمة المأثورة التي ألهمها الله وأوحى بها إلى بولس الرسول بالضّبط إلى أهل رومة: "حيث كثرت الخطيئة، فاضت النّعمة" (رومية 5 : 20).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء