عودة «لانا مامكغ» إلى الكتابة:‎ قبل هدْم البناء الأسري!

عودة «لانا مامكغ» إلى الكتابة:‎ قبل هدْم البناء الأسري!

عمّان - د. لانا مامكغ
2017/01/16

وأعودّ بفرحٍ إلى شغفي العتيق، إلى الكتابة في هذه الصّحيفة الأم «الرّأي» التي شهدت مقالتي الأولى ذات زمن، وتعود لتستقبلني بعد غياب فأستأنف بها ومعها المشوار الجميل نحو عقل القارىء وقلبه، آملةً أن أوفَّق في التواصل المثمر مع متابعين أعزّاء ربطتني بهم وما زالت علاقاتٌ رائعة شكّلت رصيداً إنسانياً باهراً سأبقى أفخرُ به وأعتز.

وبعد، فما يستدعي المقاربة كثيرٌ وملحّ، وقائمة القضايا التي رصدّتها باهتمامٍ وقلق مؤخّراً، كانت ظاهرة الطلاق في الأردن التي لم تلق ما تستدعيه من التفات ومتابعة، فكيف يتّفق أن تسجّل تلك الأرقام المفزعة لحالات الانفصال خلال السنوات الأخيرة؟ كيف نسكت أمام زلزالٍ بات يمعن في تدمير ما اتفقنا على تسميته بالّلبنة الأولى للمجتمع؟ الأسرة؛ رجل وامرأة وأبناء... ومن يزعم أن إعصار الطلاق لا يترك بصمته المؤلمة في ذاكرة الأطراف جميعهم واهمٌ، هذا مع التّسليم بآثاره الموجعة الأخرى...

وفي حين لا يتّسع المجال هنا لمناقشة أسبابه العديدة، فسأتوقّف عند الشّعار الباهر الذي أسميناه بحماسة «تمكين المرأة» فدون أيّ رغبةٍ في استفزاز القطاعات النسائية المحتفية به ، وسعيها لزيادة أعداد النساء المتمكّنات اقتصادياً، بتّ أعتقد أن التّمكين الثقافي والعاطفي والوجداني أشدّ أهمية من التّمكين المادي... فالأرقام تشير إلى أن المرأة المستقلّة مالياً باتت أكثر جرأة وإقداماً على السّعي نحو الانفصال، وليس في ذلك خطيئة عندما تستحيل الحياة مع الآخر، وثمّة خصوصية لكل حالة. لكن المفزع هو عندما يقود ذلك الاستقلال المادي المرأة إلى منزلق الفردية والأنانية، خاصّة عندما تكون أمّاً... ألا تستدعي الأمومة بقدسيتها إعادة لترتيب الأولويات، ولبعض الصّبر ولشيءٍ من التّضحية؟ أم باتت تلك جميعها إرثٌ عتيق للجيل القديم من النّساء الذي أنشأنا نحن؟

ففي الوقت الذي نستهجن فيه ونشفق على من تعيش مع شريك على مضض لمجرد أنه معيلٌ لها ولأبنائها، فالأمر لا يختلف كثيراً عن تلك التي تسارع لطلب الطلاق لمجرد أنها قادرة مالياً، دون إدراك تأثيرات ذلك على صغارها، هل قزّمنا دور الأم أو الأب في الإنفاق فقط؟ أهكذا تُبنى الشّخصية الإنسانية وتُربّى وتكتسب عناصر قوّتها وعنفوانها وصلابتها في هذه الحياة؟

ولعلّ الوقت قد حان لمواجهة قصورنا الفاضح في تأهيل الجنسين بثقافة تعين على ديمومة العلاقة الزّوجية، فالشّريكان ضحية، في الغالب، لارتفاع سقف توقّعاتهما من الارتباط، إضافة إلى محدودية في حُسن إدارة العلاقة مع الآخر، وقصور في التكيّف مع إيقاع الحياة الزوجية وفنون الحوار التي تساعدهما على الالتقاء في منتصف الطريق، بدل اتخاذ المواقف المتعسّفة ، وتحديداً مع تدخّل الأهل ومواقفهم العاطفية المتشنّجة التي غالباً ما تزيد الشّرخ بين الزّوجين، كما نعرف جميعاً.

في هذا السّياق، لابدّ من وقفة شكر وتقدير لمبادرة دائرة قاضي القضاة في محاولة الإصلاح بوجود مختصّين قبل لجوء الطّرفين إلى المحاكم والدخول في مرحلة الّلاعودة بعد نسف الجسوروحرق السّفن!

رغم تلك الالتفافة الحضارية النّاضجة، إلا أن المبادرة النّبيلة محاولة لمعالجة النّتائج، في حين يقتضي الأمر معالجة المقدّمات، التي هي مسؤولية مجتمعية تقتضي إجراءاتٍ حاسمة وسريعة من المؤسّسات المعنّية مثل توفير مراكز استشارات زوجية لمعالجة الخلافات في بداياتها... أيّ مراكز وقاية من الحرائق قبل نشوبها!

وأخيراً، وفي ضوء هواجسنا العديدة وما يؤرّقنا في ظواهر التطرّف والإرهاب، قد يجدر ألا نغفل عن أثر الأسر المفكّكة في توفير منبتٍ سوء لا يُستهان به لأفرادٍ فقدوا توازنهم النّفسي حين وجدوا أنفسهم في عمر البراءة بين أبوين قرّرا هدمَ السّقف الأول والأساسي فوق رؤوسهم الصّغيرة في يومٍ ما!

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء