موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٩ ديسمبر / كانون الأول ٢٠٢٣
كلمة المطران حنا جلوف من أجل السلام العالمي
إضاءة على رسالة البابا فرنسيس في "الذكاء الاصطناعي والسلام"

النائب الرسولي في سورية :

 

إن تطور التكنولوجيا اليوم إذا ما أدت إلى تحسين نوعية الحياة البشرية جمعاء، بل تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة والصراعات لا يمكن اعتبارها أبداً تقدماً حقيقياً.

 

يقول قداسته: إن الكتاب المقدس يؤكد على أن الله قد أعطى البشر روحه لكي تكون لهم "مهارة وفهم ومعرفة بجميع االصَّنائع" والذكاء هو تعبير عن الكرامة التي أعطانا إياها الخالق الذي خلقنا على صورته ومثاله، وجعلنا قادرين على أن نجيب على محبته بالحرية والمعرفة. إن العلم والتكنولوجيا يظهران بصورة خاصة هذه الميزة الأساسية العلائقية للذكاء البشري: أنهما منتجان أساسيان استثنائيان لقدرته الابداعية. والمجمع الفاتيكاني الثاني أعاد التأكيد على هذه الحقيقة وأعلن أن الإنسان قد سعى دائماً لتطوير حياته بعمله وذكائه عندما يجتهد البشر بمساعدة التكنولوجيا، لكي تصبح الأرض مسكناً يليق بالعائلة البشرية كلها، هم يعملون بحسب تدبير الله ويتعاونون مع مشيئة لكي يتمموا الخلق وينشروا السلام بين الشعوب.

 

كذلك وبقدر مساهمتها في تحسين نظام المجتمع البشري، وفي زيادة الحرية والشركة الأخوية يؤدي العلم والتنكولوجيا إلى تحسين الإنسان وتحويل العالم يقول قداسته: نحن نفرح ونشعر بالامتنان لإنجازات العلم والتكنولوجيا الرائعة والتي بفضلها وُجِدَ علاج لعدد لا يحصى من الشرور التي كانت تصيب البشرية وتسبب آلاماً كبيرة.

 

في الوقت ذاته يضع التقدم التكنولوجي والعلمي، بين يدي الإنسان مجموعة واسعة من الامكانيات والتي قد تمثل بعضها خطراً على بقاء الإنسان على قيد الحياة لذلك من الضروري أن نطرح على أنفسنا بعض الأسئلة الملحة. ماهي العواقب للتكولوجيات الرقمية الجديدة؟ وماذا سيكون تأثيرها على حياة الأفراد والمجتمعات وعلى الاستقرار الدولي والسلام؟

 

اليوم الأدوات الرقمية الجديدة تغير وجه الاتصالات والادارة العامة والتعليم والاستهلاك والعلاقات بين الاشخاص. ويمكن للتقنيات التي تستخدم أن تسمح بالتحكم على عادات الاشخاص العقلية والعلائقية لأغراض تجارية أو سياسية وتحدُّ من ممارستهم الواعية لحرية الاختيار. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على أشكال الذكاء الاصطناعي؛ التي لا يوجد لها حتى الآن تعريف موحد في عالم التكنولوجيا والعلم. ولا يمكننا أن نفترض بداهة أن تطوّره سيقدّم مساهمة مفيدة لمستقبل البشرية وللسلام بين الشعوب.

 

إن التطورات التكنولوجية التي لا تؤدي إلى تحسين نوعية حياة البشرية جمعاء لا يمكن اعتبارها أبدًا تقدمًا حقيقيًا. فعلينا أن ننتبه للتحولات السريعة القائمة وأن نديرها بطريقة تصون حقوق الإنسان الأساسية وتحترم المؤسسات والقوانين التي تعزز التنمية البشرية المتكاملة. وعلى الذكاء الاصطناعي أن يكون في خدمة  أفضل الامكانات البشرية لا أن يتنافس معها.

 

إن الذكاء الاصطناعي القائم، بأشكاله المتعددة بدأ يُدخِلَ تغييرات ملحوظة في نسيج المجتمعات ويُمارس تأثيراً عميقاً على الثقافات والتصرفات الاجتماعية وبناء السلام. إن قدرة بعض الاجهزة على انتاج نصوص متماسكة ومتناسقة ليس ضماناً لكي نثق بها. إنها تستطيع أن تُبهر" أي أن تخلق عبارات تبدو للوهلة الأولى معقولة. ولكنها في الواقع لا اساس لها من الصحة أو تشير إلى تحيزات. وهذا الأمر يطرح مشكلة خطيرة عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في حملات التضليل التي تنشر أخباراً مزيفة وتؤدي إلى عدم ثقة متزايد إزاء وسائل الاعلام. كذلك تشكل السرّية وحيازة البيانات والملكية الفكرية مجالات أخرى تشكل فيها هذه التكنولوجيات مخاطر جسيمة يضاف إليها المزيد من العواقب السلبية المرتبطة باستخدامها بصورة غير سليمة، مثل التمييز والتدخل في العمليات الانتخابية وانتشار مجتمعات تراقب الاشخاص وتتحكم بهم.

 

إن عالمنا واسع جداً أو متنوع ومعقد لكي نعرفه معرفة كاملة ونصنفه. وبالتالي فإن العقل البشري لن يتمكن أبداً من أن يُسنفذ غناه ولا يمكننا التنبوء بكل شيء، كما لا يمكننا أيضاً أن نحسب كل شيء، لأن الواقع في النهاية، هو أسمى من الفكرة، ومهما كانت قدرتنا الحسابية هائلة سيكون هناك دائماً بقايا يتعذر الوصول إليها وتفلت من أي محاولة للقياس. كذلك فإن كمية البيانات الكبيرة التي يملكها الذكاء الاصطناعي لا تشكل بحدّ ذاتها ضمانة للحيادية وهي تخاطر دائماً بتشويهها وتعيد تكرار أشكال الظلم والأحكام المسبقة في البيئات التي تنشأ فيها. يمكن للآلات الذكية أن تؤدي المهام الموكلة اليها بكفاءة كبيرة، ولكن الإنسان الذي يملك عالمه الخاص من القيم هو الذي سيستمر في تحديد وتفعيل الهدف والمعنى لعملياتها.

 

إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب يشكل سبباً خطيراً للقلق الاخلاقي فلا يمكن لأنظمة الاسلحة المستقلة أن تكون أبداً بأيدي أشخاص مسؤولين أخلاقياً: ولا يمكن اختزال هذه القدرة إلى برمجة آله ما. الآلة تبقى آلة على الرغم من كونها ذكية ولهذا السبب من الضروري أن نضمن رقابة بشرية ملائمة ومعنوية ومتماسكة لأنظمة الأسلحة. لا يمكننا أن نتجاهل حتى إمكانية وقوع أسلحة متطورة في الأيدي الخاطئة. إن العالم لا يحتاج إلى تقنيات جديدة تساهم في التطوير غير العادل لسوق الأسلحة وتجارتها ولكن يحتاج إلى قلب الإنسان الذي يمهد دروب السلام.

 

ومن منظور أكثر إيجابية، إذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز التنمية البشرية المتكاملة، فسيتمكن من أن يدخل ابتكارات مهمة في الزراعة والتعليم والثقافة وتحسين مستوى معيشة أمم وشعوب بأكملها ونمو الأخوة الإنسانية والصداقة الاجتماعية.

 

إن تطوير تكنولوجيا تحترم وتخدم الكرامة البشرية له أثار واضحة على المؤسسات التربوية وعالم الثقافة لذا يجب تعزيزها بالفكر النقدي والقدرة على التمييز.

 

قداسة البابا يحث المجتمع الدولي على العمل معاً من أجل تَبَنيّ معاهدة دولية ملزمة تنظم تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي بأشكاله المتعددة. لا ينبغي أن يكون الهدف من التنظم هو منع الممارسات السيئة فحسب بل ينبغي أن يكون أيضاً تشجيع الممارسات الجيدة وتحفيز الأساليب الجديدة والإبداعية وتسهيل المبادرات الشخصية والجماعية. ومن الضروري تحديد القيم البشرية التي يجب أن تكون أساس التزام المجتمعات في صياغة واعتماد وتطبيق الأطر التشريعية اللازمة.

 

وختم رسالته بالصلاة لهذا العام الجديد بألا يزيد التطور السريع لأشكال الذكاء الاجتماعي بعدم المساواة والظلم الكثيرة الموجودة في العالم بل أن يساهم في وضع حد للحروب والصراعات والألم التي تعاني منها العائلة البشرية لن يعيش العالم بالتضامن والعدل والسلام.