عام سلام ووئام أم حرب وخصام؟

عام سلام ووئام أم حرب وخصام؟

إميل أمين
2017/01/04

مع نهاية عام وبداية عام جديد، ما الذي يحتاجه العالم بشكل عاجل لمداواة الجروح التي خلفتها أزمات كثيرة منصرمة وبعضها لا يزال مستقرًا ومستمرًا؟

المؤكد أن الحاجة إلى عالم مليء بالسلام، خالٍ من الخصام يظل الحلم اليوتوبي الأول والأخير للإنسانية كلها، ولذا فإن كل الحواضر الدينية والعلمانية تسعى لأن يكون العام الجديد عامًا من السلام، تتقلص فيه مساحات الحروب، وتداوى فيه الجراح، غير أن عالمًا بهذه الأوصاف لا يمكن الوصول إليه دون سياسات سلمية بعيدة عن العنف.

جرى العرف أن يصدر بابا الفاتيكان رسالة في اليوم الأول من الشهر الأول من العام الميلادي، ذلك اليوم المعروف تقليديًا بـ«يوم السلام العالمي».

هذا العام أصدر البابا فرانسيس بابا روما رسالته تحت عنوان «اللاعنف... أسلوب سياسة من أجل السلام».. هل كانت دموية العام الماضي وراء تلك الرسالة؟ أم المخاوف من أن يكون 2017 كما يتوقع كثيرون عامًا للمواجهة الكونية التي لا تبقي ولا تذر هي الدافع الرئيسي وراء تلك الرسالة؟ وعليه كيف ينظر بابا الفاتيكان لحال العالم في اللحظات الآنية؟

لا يزال عند رؤيته بأنه إذا كان القرن الماضي قد شهد حربين عالميتين، وقد عرف تهديد الحرب النووية، وعددًا كبيرًا من النزاعات الأخرى، فإن عالمنا اليوم يعيش في قبضة حرب عالمية رهيبة مجزأة، وليس من السهل أن نعرف إن كان العالم حاليًا أكثر أو أقل عنفًا مما كان عليه في الأمس، ولا إن كانت وسائل الاتصال الحديثة والحركة التي تميز عصرنا تجعلنا أكثر إدراكًا للعنف أو أكثر اعتيادًا عليه.

رسالة اليوم العالمي للسلام تؤكد أن اللاعنف الممارس بحزم وصدق قد ولد نتائج مذهلة، فالنجاحات التي حققها المهاتما غاندي وخان عبد الغفار خان في تحرير الهند، ومارتن لوثر كينغ الابن ضد التمييز العنصري لن تنسى أبدًا، وعليه فإن مسيرة الانتقال السياسي نحو السلام قد أصبحت ممكنة بفضل «الالتزام اللاعنيف لأشخاص، فيما رفضوا على الدوام الاستسلام لسلطة القوة، وعرفوا كيف يجدون مرة تلو أخرى أشكالاً فعالة ليقدموا شهادة للحقيقة، ومن هنا يمكن للبشر أن يتعلموا الكفاح من أجل العدالة دون عنف، وأن يتخلوا عن كفاح الطبقات في الخلافات الداخلية وعن الحرب في الخلافات الدولية».

هل اللاعنف هو إرث كنسي فقط؟ وهل من دين بعينه يحث مؤمنيه أو تابعيه على المضي في طريق الترهيب وكذا الترويع وإثارة الخوف والذعر في نفوس الناس تقتيلاً واختطافًا، تدميرًا وحرقًا وغرقًا كما رأينا عند البعض في السنوات القليلة الماضية؟

يذهب البابا وراء تقديم إجابة تأخذ في عين الاعتبار أحوال ومآلات العالم الآنية، وكذا حالة الإسلاموفوبيا المنتشرة في أوروبا والمتفشية في أميركا بنوع خاص.

يرى البابا أن الكنيسة قد التزمت من أجل تحقيق استراتيجيات غير عنيفة لتعزيز السلام في كثير من البلدان، وحثت الأطراف الأشد عنفًا على جهود من أجل بناء سلام عادل ودائم، غير أنه يرى في الوقت ذاته أن هذا الالتزام لضحايا الظلم والعنف ليس إرثًا خاصًا بالكنيسة الكاثوليكية، وإنما هو من ميزة كثير من التقاليد الدينية، حيث «الشفقة واللاعنف أساسيان ويشيران إلى درب الحياة».

ويؤكد البابا فرانسيس من جديد وبقوة هذه المرة، أنه ما من دين إرهابي، وأن العنف هو تدنيس لاسم الله، ويشير إلى أنه لا يتعب ولا يمل من تكرار القول: «لا يمكن لاسم الله أن يبرر العنف أبدًا...».

تدعونا رسالة البابا عن اللاعنف للتساؤل حول الحاجة إلى السلام، وهل هو سلام واحد أم هناك أنواع «سلام» متعددة؟

حكمًا هناك السلام السياسي، وهو تعبير عن انتفاء الحروب وإزالة الأحقاد وتنقية الأطماع وضبط التوترات وتشريع العلاقات بين الأوطان. وهو داخلي يسود علاقات المواطنين بعضهم ببعض في نطاق الانتماء الواحد إلى الوطن. وهو خارجي يسود علاقات الأوطان بعضها بعضًا في نطاق الانتماء الواحد إلى البشرية القاطنة على وجه البسيطة.

أما السلام الاقتصادي، فهو تعبير عن توزيع عادل للخيرات، واستثمار سليم للموارد، ومراعاة حكيمة لأوضاع الأقاليم وأحوال المناطق، وتضامن صريح بين الميسورين والمعوزين، وتعاون صادق في سبيل تجاوز عقبات النمو في البلدان المحرومة.

فيما السلام الاجتماعي تعبير عن تعايش محمود بين الأجيال والذهنيات، واحترام عميق للحقوق والواجبات، وتمثيل عادل لجميع التيارات والأفكار والآراء، وتواصل مثمر بين الأوساط والبيئات والقطاعات.

يتبقى السلام النفسي وهو الإدارة الحكيمة للتنازعات الداخلية والمشادات الباطنية، وانسجام دائم بين القول والفعل، وتنسيق الإيقاع والمنغمة بين أوضاع الجسد وقوانينه، وأحكامه ومتطلباته وأحوال الباطن وأحاسيسه ومشاعره وانفعالاته، والتوفيق المتجدد بين مضامين الرغبات ومقتضيات الواقع.

هل يكون العام الجديد عام سلام ووئام أم عام حرب وخصام وإكمال لمسيرة عنف تنذر وتحذر بأن البشرية مقبلة على مواجهة كونية لا تحتاج إلا إلى أعواد الثقاب والعقول المنفلتة؟

التحديات جسيمة وكثيرة، لكنها تعطي البشرية فرصة متميزة لإثبات الإرادة الطيبة عند البشر، إرادة الحياة في مواجهة دعاة الموت، وإرادة الوفاق في أزمنة الافتراق، وهو عمل يبدأ من الذات الفردية، مرورًا بالجماعات البشرية والعرقية المختلفة، وصولاً إلى الإنسانية كلها التي سئمت من النار والدمار والإرهاب الأسود.

(نقلاً عن الشرق الأوسط)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء