انهيار ثقافة الاختلاف مسؤولية من؟

انهيار ثقافة الاختلاف مسؤولية من؟

د. محمد القضاة
2017/11/22

حديث المجالس والندوات لا تغيب عنه الظواهر اليومية التي يعاينها الناس، وتتشابك هذه الاحاديث مع اسئلة كثيرة تطرح على مسامع الجميع منها؛ لماذا كلّ هذا العنف؟ مَنَ المستفيد مِن انتهاء حالة الاستقرار والأمن في العالم؟ لماذا ينتشر القتل في معظم الأرجاء؟ لماذا تتفاقم هذه الظاهرة بهذا الاتساع، حتى إنه لا تكاد تمرّ ساعة من غير أن نسمع عن حالة عنف هنا أو هناك. حين تقرأ الأسباب، تضع يدك على قلبك من الشرر الذي يتطاير في كلّ مكان، وتطول الأسئلة التي تبحث عن أسباب انتشار ذلك الصدع واتساعه، هل نعزو ذلك إلى السلوك السياسيّ السلبيّ الذي يلفّ معظم الدول؟ أم هل يكمن السبب الرئيس في المشكلات الاقتصاديّة وما رافقها من إفلاس وبطالة وفقر؟ أم أنّ الشعوب التي أرهقتها ظروفها السياسيّة هي المحرّك لذلك؟ أم التفاوت الاجتماعيّ والاقتصاديّ وصراع الطبقات؟ أم التطرّف الذي تقوده جماعات لا تفهم من الدين غير الدم والقتل؟ أم الخلل في العلاقات الإنسانيّة وما يرافقها من تسلط وقهر وعنصريّة وجاهليّة عمياء؟ ها هي ثقافة العنف تنتشر في كلّ مكان، بين الأفراد، وبين الفرد والمجتمع، أليست الأسرة هي الحلقة الاجتماعيّة الأولى التي تردع العنف؟ ولماذا يغيب الحوار فيها؟ ألا يساعد ذلك على انتقال السلوك والعادات من جيل إلى آخرَ انتقالاً آليًّا من غير أدنى إحساس بالمسؤوليّة؟ وهنا تنتشر ظواهر الكذب، والكذب المضادّ، والنفاق، والادّعاء، والنرجسيّة، وحبّ الذات، والخداع، والظلم، والعلاقات المزيّفة بين الناس، والعنف ضدّ المرأة، كلّ ذلك يفضي إلى أجواء مشحونة تؤدّي إلى عنف في التربية، عنف تتسلسل ثقافته إلى كلّ مرافق حياتنا الاجتماعيّة، يأتي على كلّ شيء، تنهار معه ثقافةُ الحوار والاختلاف والقبول بالآخر، ويغدو المجتمع مفتوحًا على الاحتمالات كلّها، وحينها يعيش السَّجَّانُ والسجين في رعب كبير وخوف أكبر، ويصبح السِّلْم الاجتماعيّ استثناءً وشذوذًا، وها هي تلك الثقافة تدبّ في مجتمعاتنا وتستشري بين طلابنا، تتمرّد على الواقع وتتخطّى حدود الأعراف وتعتدي على القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، وتلحق الأذى الماديّ والمعنويّ بالناس ومؤسسات المجتمع والوطن برمّته.

أقول للآباء: أين أنتم من أولادكم؟ لماذا تغيبون عنهم ولا تسألونهم عن سلوكاتهم ورفاقهم وأوقات فراغهم وتحصيلهم في جامعاتهم؟ لماذا تتغاضون عنهم حين يمارسون (الغلط) أمام عيونكم وتربُتون على أكتافهم؟ لماذا هذا الاستهتار الأبويّ تجاههم؟ لماذا كلّ هذا الدّلال الذي أفسدهم حتى غدوا لا يعرفون نتائج طيشهم وأفعالهم؟ لماذا غابت رسالة الآباء وأصبحت نسيًا منسيًّا؟ أين أنتم من فسادهم وغيابهم الطويل عنكم؟ هل تعرفون كيف ومتى يحضرون إلى مدارسهم وجامعاتهم؟ أما الطلبة، فمنهم من يستحقّ أجمل الأوسمة، ومنهم من يعرف هدفه ويحترم نفسه وجامعته وثقة أهله، ومنهم الجادّ والمجتهد والذكي الذي يتحمّل المسؤوليّة، غير أنّ بينهم من لا يرى أبعد من أنفه، وهؤلاء القلّة هم من يسرقون تميّز الاستقرار إلى المجهول، هؤلاء من يحتاجون إلى حزم وعزم لا يلين من كلّ الأطراف؛ البيت والمدرسة والجامعة والمجتمع والوطن، يحتاجون إلى قرارات صارمة ترفض التحاقهم بأيّ جامعة مهما كانت الأسباب والظروف؛ كي تحافظ جامعاتنا على سمعتها ورسالتها العلمية.

الشباب مرحلة عمرية متوقدة تحتاج ثقافة حوار تسمح لهم أن يبدوا آراءهم بأريحيّة وحريّة، يحتاجون إلى عقول مفتوحة تتحمّل رأيهم حتى لو كان قاسيًا، يحتاجون إلى ثقافة حواريّة، إلى فكر يشعرهم بقيمة وجودهم، فكرٍ يغرز في نفوسهم ثقافة الحبّ، ويشعرهم أنهم من نسيج هذا الوطن وأرضه، يحتاجون إلى أساتذة لا يقفون عند رسالتهم العلميّة حَسْبُ؛ وإنما يشاركون في إعادة رسم الطريق الصحيح أمام جيل يشعر بتقاطع معهم، ويعزّزون الحوار معهم لاستقطابهم وتنمية مدركاتهم وإبداعاتهم. غيرَ أنّ الأمر لا يقتصر على ذلك؛ إذ إنه ينبغي للشباب الذين يعتدّون بأنفسهم أن يعترفوا بزملائهم وأقرانهم، وأن يعلموا بأنّ ثقافة الحوار هي سبيلهم، تلك الثقافة التي لا تتم من طرف واحد، ولا تنطلق من ثقافة سطحيّة، وإنما تحتاج إلى ندوات وقراءات ومحاضرات من الطرف الآخر الذي يحاورهم شريطة ألا يكون واعظًا على منبر بمقدار ما يكون صديقًا سميرًا صادقًا في أطروحاته وأفكاره، بحيث يستطيع تقريب المسافات وردم الهُوّة معهم لاستيعابهم وتثقيفهم وتعليمهم أسلوب الحوار الحضاريّ. فهل ندرك جميعًا أهميّة ثقافة الحوار في بناء قدرات هذا الجيل لكي نتخلّص من ثقافة العنف التي باتت تهدّدنا بين حين وآخر؛ خاصةً أنّ القوانين وحدها لا تردع العنف من غير إعادة نظر جذريّة في البنى الأكاديميّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والمؤسسيّة، ومن غير تعزيز ثقافة الشفافيّة وحقوق الإنسان؛ حتى لا يبقى سؤال العنف ماثلاً بيننا: متى وكيف نخرج من حلقاته المجنونة؟ وبعدُ، فلا بدّ من محاربة ثقافة العنف بكلّ الوسائل المُتاحة، ولا بدّ من الالتفات إلى دور المعلم والأستاذ كلّ في مكانه، والمؤسف أنّ معظم المقالات التي تتناول هذه الظاهرة لا تلتفت إلى أهمّ نقطة محوريّة في التعليم والجامعة، وهم الأساتذة الذين يؤثرون تأثيرًا كبيرًا في طلبتهم. ومن ثَمّ فقد بات لزامًا على المؤسسات الاكاديمية ووزارة التربية أن تبدأ حواراتها معَ الأساتذة قبل الطلبة، وهنا أدعو الجميع أن يبادروا من مواقعهم المختلفة إلى محاربة ثقافة العنف واحلال ثقافة السلم مكانها بالوسائل المتاحة للخروج من اجواء الشحن والشجن والعنف.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء