الرد على الإرهاب في تعزيز الحضور المسيحي

الرد على الإرهاب في تعزيز الحضور المسيحي

بيت لحم - د. شارلي يعقوب أبو سعدى
2016/12/16

لا أدري كيف أصف الحادث الارهابي الأليم الذي وقع قبل أيام قليلة بالكنيسة البطرسية الواقعة في محيط الكاتدرائية المرقسية في قلب القاهرة. فالحادث أثّر فينا جميعاً وخصوصاً من الناحية النفسية، لكنه وفي نفس الوقت لن يثنينا عن مواصلة البحث في كيفية تعزيز الحضور المسيحي في المشرق العربي، فنحن كنا وسنبقى وسنكون ولن نختفي ولن نركع إلا لله الخالق.

نعم الصعوبات كثيرة والمستقبل غامض، والشهداء الذين سقطوا في القاهرة، وأولئك الذين رووا بدمائهم ثرى سوريا والعراق واليمن وليبيا هم خير دليل على وجود مشكلة معقدة على الساحة العربية بشكل عام. والسؤال هنا لماذا يستهدف المتطرفون الوجود والحضور المسيحي في المشرق العربي؟ وهل للمسيحيين المشرقيين دور في مستقبل الأمة العربية والاسلامية؟ وإلى متى ستستمر الطائفية العمياء والتقوقع والتعصب في التواجد في عقول الكثيرين؟

إذا ما رجعنا إلى أحداث الأسبوع الماضي فلا بد لنا أن نذكر أنه وقبل حادثة الكنيسة كان قد تم استهداف مسجد في مصر. فلم تكن الكنيسة البطرسية هي الوحيدة المستهدفة، مع أنه لم يقع شهداء في حادثة المسجد. إن الجميع مستهدف، بدايةً من الدولة العلمانية إلى كافة أبناء مصر والامة العربية والاسلامية.

ومن الناحية الروحية فلا بد لنا كمسيحيين من أن نعيش كما عاش يسوع المسيح على الأرض. فكوننا كنيسة أي جماعة من المؤمنين بيسوع المسيح القائم من بين الأموات يعني أن نعيش دائماً تحت الصليب. فلكل منا صليبه الذي عليه أن يحمله كسمعان القيرواني الذي كانت مهمته خدمة يسوع المسيح في حمله للصليب المقدس (لوقا 23، 26). وكان يسوع المسيح قد قال: "من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني" (متى 10، 38). ومن الواضح أن المسيحيين المشرقيين يختبرون في هذه السنوات القليلة حال ألا ّ يكونوا مقبولين لدى بعض الناس الذين يضعون أنفسهم مكان الله الديّان العادل، فيصدرون أوامر قتل وذبح وتخريب. فالكنيسة المشرقية تعاني في سوريا والعراق ومصر أيضاً، وهذا النوع من المعاناة يتضمن ألم أن نكون غرباء ومنبوذين في المجتمع، فيُساء فهمنا ونواجه بالكراهية. أما ردة فعلنا فهي سلبية للأسف، إذ تقوقعنا في كنائسنا وقُرانا وبيوتنا مساهمين بذلك في ترسيخ مبدأ الانشطار في المجتمع. ومن جهة أخرى فلا بد أن نعي وندرك أننا لسنا الوحيدين في هذا المأزق، فالاخوة المسلمين يعانون أيضاً من نفس الصعوبات فهم أيضاً مستهدفون، لكن مسؤوليتهم في تدارك الوضع وتغييره واصلاحه هي أكبر من مسؤوليتنا نحن.

أما جوابنا على هذه المعاناة فلا بد أن يكون من شطرين: محبة الله فوق كل شيئ ومحبة الآخر. وهذا لا بد أن يأتي عن طريق عبادة الله من جهة وخدمة الناس الذين حولنا ومسامحتهم والشهادة لهم من الجهة الأخرى. والآخر هنا قد يكون أي شخص كان، مسلم أم مسيحي، ويجب أن نسعى لرؤية وجه الله والخير في كل شخص يكون أمامنا. وهذا بالفعل ما رأيته في بيان الكنيسة القبطية الذي صدر بعد الحادث الاجرامي، والذي جاء فيه: "وإذ نأسف لهذا العنف والإرهاب الذي يعتدي على مصليين آمنيين، فإننا نصلي من أجل هؤلاء الشهداء ومن أجل المصابين... ونصلي أيضًا لأجل المعتديين لكي ما يرجعوا إلى ضمائرهم، حيث ينتظرهم حكم الديان العادل، والذي الكل مكشوف أمامه".

هذا المطلوب من طرف المسيحيين المشرقيين: عدم اليأس وتعزيز محبتنا لله وعبادته ومواصلة خدمة جميع الناس مهما كانت هفواتهم وهويتهم ولونهم. كما يجب علينا تعزيز الحضور في المجتمع من خلال التواجد المغيِّر والانخراط الفعّال الذي يستطيع اظهار الوجه الحقيقي للمسيح وللمسيحية في المجتمع.

أما الاخوة المسلمين فلا بد لهم من العمل الجاد والدؤوب على التغيير. وليس المطلوب هنا تغيير القرآن الكريم، بل تغيير الفكر الديني ومواجهة الفكر الارهابي بالفكر المتنور والوسطي والعادل. أقتبس مما كتبه صديقي الخوري رفيق جريش من مصر بعد المجزرة: "هناك ضحايا غير الشهداء والمصابين. إنهم الشباب المغيّب، مثل ذاك الشاب الذي فجر نفسه... بعد أن تعرض لغسيل مخ باسم الدين. فلا بد من تغيير الفكر الديني وترسيخ مبادئ الاسلام الصحيح المحب للآخر والمسالم والوسطي... والفكر المستنير يعمل على ترسيخ المبادئ والقيم والأخلاق وتصحيح الوعي والمفاهيم المغلوطة وزرعها في الأطفال ليصبحوا شباباَ آمن على نفسه وأسرته ومكان عبادته ووطنه". ويقع عاتق تنفيذ كل هذا على الحكومات العربية وخصوصاً وزارات التربية والتعليم والثقافة، بالإضافة إلى المساجد والكنائس والمدارس والأهل ومؤسسات العمل المجتمعي.

علىينا جميعاً العمل كفريق واحد ومتكامل في سبيل مستقبل بشري مشرق، وهذا يتطلب وجود قادة دينيين، مشايخ وكهنة، يتحلون بشجاعة كبيرة ليتخذوا قرارات هدفها تغيير وتحويل حجج الناس المغلوطة إلى أفكار نيّرة تنير المستقبل العربي الاسلامي المسيحي المشرقي. وعلى كل منا أن يبدأ من نفسه وشخصه، فهكذا فقط يبدأ التغيير. وكفانا كلمات وخطابات رنّانة كتلك التي سمعناها من تحت قبة البرلمان المصري مؤخراً، بل نريد أفعالاً وأعمالاً تغيّر الواقع وتقلبه من سيئ إلى حسن.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء