إنما السلام بالأفعال، وليس بالأقوال

إنما السلام بالأفعال، وليس بالأقوال

ناديا هاشم العالول
2017/11/28

فعلاً فالسلام ليس بالكلام وإنما بالأفعال، فما أكثر ما يتراجع مستوى السلام لكثرة تناقضهما واتساع شقّة الخلاف بين التنظير والتطبيق. ولا عجب أن يصبح العنف سيّد الموقف. وعلى رأي المثل المصري: "أسمع كلامّك أصدّقُه أشوف أحوالك أتعجِّب". وهكذا بين حقوق تُؤكَل واتفاقيات تُجْهض وأرواح بريئة تُزهق "نقرأ السّلام على السّلام".

فغياب السلام الداخلي عند الأفراد والجماعات يخلق بدوره تراكمات سلبية تنعش خطاب كراهية يضيّع بوصلة الحوار والتفاهم واحترام الآخر، تفاقمه وسائل تواصل اجتماعي تؤجج نيران الفرقة لعدم إدراكها بأن أيّ اختلاف من أيّ نوع لا يولّد الخلاف. فعلى سبيل المثال اختلاف الثقافات هو بمثابة "رسالة تكامل" تحثّ الثقافات المختلفة، لأن ترفد بعضها لتخلق تكاملا يمد العالم بنكهات فريدة تنعشه حضاريًا من جهة قاضية بذلك على رتابة التكرار من جهة أُخرى.

تُرانا ماذا نحن فاعلون إزاء معرقلي "تكامل الثقافات" رافضين بدورهم مدّ جسور التفاهم لوجود سوس ناخر يحمل بين ثناياهم عناصر الشر والدمار. عناصر مثل: 1- الجهل، 2- الطمع، 3- الأنانية، 4- الحسد... منفردة او مجتمعة فهي قادرة على بعثرة أي محاولة للسلام، مدمرة بخبثها كل محاولة للتقارب بين الأفراد والدول والجماعت! إذ ما فائدة منظمات السلام وما فائدة سفراء السلام إن تواجدت هذه العناصر الهدّامة في البنية التحتية الثقافية للعالم؟ أو البلد؟ أو المجتمع؟ أو الأُسر؟

فمنذ عهد الرسل والأنبياء ممن عكفوا على نشر رسالة السلام ، ونحن نشهد على معاناة الإنسانية من ويلات النزاعات فيكفينا قول النبي محمد «صلعم»: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويده"، رابطًا بين الإيمان والسلام، وقول المسيح عليه السلام: "من ضربك على خدك الأيمن، فأدِرْ له الأيْسر". إضافة لقول بوذا: "لا توقِفُ الكراهيةُ الكراهيةَ، بل يوقِفُها الحبُّ.. وهذه هي القاعدة الخالدة".

ناهيك عن جهود هيئة الأمم والمنظمات العالمية والمؤسسات الإقليمية والمحلية لحماية السلام مخرّجة سفراء السلام لحماية الإنسانية من الإنقراض، فتحتفل اليونيسكو سنويًا في 21 أيلول بيوم السلام العالمي مكرّسة جهودها بالتعليم من أجل السلام لتعزّز ثقافة الحوار الضرورية لحلّ النزاعات شاملاً حقوق الإنسان وآداب العيش معًا وإحترام الآخر. كما نفتخر بوجود "أكاديمية السلام الدولية" لتخريج سفراء السلام عندنا بالأردن الذي برهن بانه حاضنة متميّزة للسلام.

فحركات السلام متعددة أنْتقي منها واحدة في كوريا الجنوبية، شاهدت فيها عن كثب جهود IWPG وهي مجموعة نسائية للسلام، تنمّي ثقافة السلام من خلال قلوب النساء والأمهات المعروفات بغريزتهن الطبيعية الميّالة للسلام، فتشكّل بحد ذاتها أحد اضلاع مثلّث السلام، الى جانب المجموعة الدولية لنور السلام السماويHWPL ، وأيضا مجموعة الشباب الدولية للسلام IPYG لتتعاون هذه الثلاثية المتناغمة لإنجاز السلام عالميًا. شاهدنا بحينها كيف تجتمع ثقافات وديانات العالم معًا بعرس سلام استثنائي متشحة بألوان زاهية، حاملة أعلامًا تخفق بقلوب يملؤها شَغَف السلام.

منظر رائع لا يغيب عن ذاكرتنا مؤكدا على ان مواطني العالم جميعهم متفقون على تحقيق السلام الذي ما فتىء يتعثر بسبب "الطمع والجهل والأنانية"، ولهذا نلمس تراجعا بالسلام، فبالرغم من أن الغالبية تعكف على صنع السلام وانتاجه، إلا انها ما زالت تتعثّر بتسويقه!

مؤكدين بدورنا بأن العلة ليست بسفراء السلام أنفسهم التي باتت مهمتهم زيارة الجرحى والمخيمات والمكلومين كدعم من الإغاثة الدولية والإقليمية والمحلية، فاللاجىء والمشرَّد والمجروح والجريح بأمس الحاجة للكلمة الطيبة، للإبتسامة، وللمسة حنان، وللمساعدات العينية التي ينقلها له سفير السلام.

فالمداواة مطلوبة لكن الوقاية مطلوبة أولا وبصورة أكبر، فالوقاية خير من قنطار علاج: الوقاية من العنف والعدوان والحرب والقتل والتهجير والتدمير ولهذا ما أحوجنا إلى نشر ثقافة السلام: تربويا بالأسرة والمدرسة والمجتمع وعبر وسائل الإعلام والتعليم والمناهج المدرسية، والتركيز على ان السلام مع النفس لن يتحقق ما دامت السَّكينة الذاتية المولّدة للهدوء الداخلي مفقودة في داخل الذات الإنسانية.

فلندرك بأن ينبوع السلام القابع بأعماق "الذات" بأمسّ الحاجة لتغذية دائمة تجعله يتدفق متجاوزًا حدود "الأنا" رافدًا "الآخر". فلنحط الرَّحال بمحطة السّلام لنعيد للذاكرة اجتماع الحائزين معا على جائزة نوبل للسلام في البتراء بالذات عام 2007، اجتماع يحمل مدلولات عدة، فالحائزون على السلام هم من المتميزين وبإمكانهم تجيير معرفتهم لخدمة السلام، وأما لماذا في مدينة البتراء بالذات لأن لها عمقًا تاريخيا في الحضارات، وهي مجمع للحكمة. ومع ذلك فالبتراء بعظمتها تقف شاهدة على الحضارات الفانية مما يؤكد على أنه ما لم يتم دعم أية حضارة بالسلام فحتما ستفنى. وهذه هي حكمة السلام.

فلنرفع دومًا شعارًا نطبّقه: لا سلام مع الآخر بدون سلام مع النفس. فالسلام الحقيقي يبدأ بالنفس أولاً!

(نقلا عن الرأي الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء