إميل أمين يكتب لأبونا: مسيحيون ومسلمون ويهود... معًا على الطريق

إميل أمين يكتب لأبونا: مسيحيون ومسلمون ويهود... معًا على الطريق

القاهرة - إميل أمين
2017/09/14

رغم الظلمة التي خيمت على العالم في الأعوام الأخيرة، إلا أن هناك بوادر أمل حقيقية، تمضى بنا إلى الأمام، معًا مسيحيين ومسلمين ويهود، متشابكي الأيدي، متكئين بعضًا إلى بعض، رافضين الكراهية ومقبلين بمحبة صادقة وحوار بناء على تاريخ جديد... من ظلمة الليل وعتمته لابد للنهار أن يرجع.

عدة قراءات يتوقف المرء أمامها في الفترة الأخيرة، جميعها تعطينا ثقة في أن هناك "ركب لم تجثو" بعد لبعل التفرقة والهويات المتقاتلة، مهما علت أصوات الإرهاب، أو كثرت حوادثه الآثمة.

في أواخر أغسطس آب الماضي قال المونسنيور دومينكو سورنيتنو، أسقف مدينة أسيزي الإيطالية، مدينة السلام، موطن القديس فرنسيس: "إن الارهابيين لن يجرفوننا إلى حرب دينية، فحروب دينية كثيرة جدًا أدمت في الماضي، دولاً مسيحية أيضًا داخلية".

هل كان الأسقف الكاثوليكي يشير إلى تبعات واستحقاقات العمليات الارهابية الاخيرة في أوروبا لا سيما ما جرى في مدينة برشلونة باسبانيا؟

يبدو أن ذلك كذلك فعلاً وقولاً، وقد جاءت تصريحاته هذه على هامش أمسية صلاة من أجل السلام، أضاف فيها متسائلاً: "متى سنتمكن من المشاركة في لقاء صلاة دون الحاجة لسماع أخبار عن حرب أخرى، مع قتلى وجرحى، مع درب دموية لا نهاية لها؟".

الأصوات التي تسعى للسلام في أوروبا اليوم عديدة، وكأنها تصيح "الذين معنا أكثر من الذين علينا"، والمعنى هنا أن الذين يحبون السلام ويفضلونه ويعملون على نشره أكثر من الذين يسعون للهدم والنار والدمار.

في هذا السياق كانت جماعة "سانت ايجيديو" الكاثوليكية وفي الفترة من 25 إلى 27 من الشهر الماضي، تدعو للقاء في برشلونة لشباب من جميع أنحاء أوروبا، جاءوا جميعهم ليقولوا "نعم للسلام والتضامن ولا للإرهاب والانقسامات التي تقوض التعايش في القارة ومستقبلها. كان اجتماع برشلونة في واقع الأمر صيحة عالية للتعبير عن رؤية شباب أوروبي للسلام ولإطلاق نداءات قوية من أجل السلام في أوربا والعالم، أصوات ترتفع في مواجهة دعوات اليمين المتطرف، والعلمانية الجافة المسطحة المجردة عن جذور دينية إيمانية حقيقية، وهو تيار يتصاعد ومن أسف شديد في أوروبا مؤخرًا لسبب أو لآخر، ما يهدد سلام وأمن وأمان العيش الأوروبي المشترك مع الآخر، والذي بدأ قبل بضعة مئات من السنين وليس وليد اليوم.

كان من الواضح أن شهر أغسطس الماضي، شهر العطلات الرسمية في القارة الاوربية، فرصة طيبة للغاية لتعميق المودات ولبناء الجسور وهدم الجدران.

خلال الرحلة التي قام بها إلى ساراييفو في السادس من حزيران يونيو عام 2015، حث البابا فرنسيس شبيبة البوسنة والهرسك على بناء الجسور لا الجدران، وقد وجه هذا النداء إلى الشبان الكاثوليك، الذين يشكلون أقلية في هذا البلد البلقاني، وأيضًا إلى أترابهم المسلمين والارثوذكس.

في هذا السياق، وكقبول لدعوة الحبر الاعظم، نظمت في 31 أغسطس مبادرة شارك فيها ثلاثون شابًا وشابة قدموا من البوسنة والهرسك، ومن ألبانيا وإيطاليا ينتمون إلى ديانات مختلفة عملوا معًا على مشروع يصب في مجال حماية البيئة والإفادة من الفسحات المتروكة في المدينة.

منظمو هذه المبادرة أشاروا إلى أنها تعكس رغبة كنيسه البوسنة والهرسك في الاسهام لصالح الخير العام، وذلك من خلال إطلاق مشاريع في مدينة ذات اغلبية مسلمة.

القيمون على المشروع قالوا ان المتطوعين من كاثوليك وارثوذكس ومسلمون، تمكنوا من إنقاذ أحد الاحراج في الضاحية الجنوبية لساراييفو وتم تدشين الحديقة العامة بحضور العمدة "سمير إفنديتش" الذي عبر عن دعمه لهذا المشروع.

ما جرى في سراييفو يمكن في واقع الحال أن تجري به المقادير في كثير من دول العالم، لا سيما عالمنا العربي والاسلامي، حيث لا يزال النسيج المجتمعي متماسكا رغم طعنات الغدر في الاعوام القليلة الماضية.

لقد أظهر الشبان البوسنيين والايطاليين والالبان الذين عملوا ضمن هذه المبادرة ومن خلال اسهامهم الفاعل، أنهم قادرون على تنمية المجتمعات المحلية وتعزيز الخير العام لجميع البشر.

لم تكن بولندا بدورها الشهر الماضي بعيد عن اعمال الامل المصحوب بالعمل، فقد استضافت بلدة "أوشفيتز" البولندية، التي ترتبط في الذاكرة الانسانية بالهولوكوست، في الفترة من الحادي عشر ولغاية السادس عشر منه، ورشة عمل للحوار بين الاديان، نظمتها مؤسسه "ماكسيمليان كولبي" الراهب الفرنسيسكاني الذي قتل في معسكر الاعتقال في أو شفيتز.

اختارت المؤسسة هذه المدينة لأنها شكلت رمزًا لأهوال الحرب العالمية الثانية، كي تكون نقطة انطلاق باتجاه تعزيز المصالحة والسلام، وشهدت ورشات العمل مشاركة شبان وشابات قدموا من أربعة عشر بلدًا حول العالم لاسيما من روسيا واوكرانيا، والولايات المتحدة الامريكية، والمانيا وبولندا، ومن بين هولاء أربع مشاركين أوفدهم مجلس الحوار بين الاديان في البوسنة والهرسك، يمثلون الجماعات العربية الارثوذكسية والكاثوليكية والإسلامية واليهودية، في قصد لا يغيب ولا يخيب، اعتبره المطران لودينك شيك، رئيس أساقفة برامبرغ في المانيا... اداة لان تتعرف الاجيال الفتية اليوم على تاريخها، حتى وإن امتلأ بالالام، كي تتمكن لاحقا من الترويج للمصالح، الامر الذي ينبغي العمل عليه بجهد على صعيد القارة الاوربية، لافتا إلى أن السلام لا يحافظ عليه الا من خلال الالتزام المتواصل، ورأى أن من يتخلى عن هذا الالتزام يفقد السلام والمصالحة.

بدورها شهدت مدنية "ريميني" الايطالية أعمال الدورة الثامنة والثلاثين لما يعرف لقاء "الصداقة بين الشعوب"، والذي يعقد سنويا هناك وقد ارسل البابا فرنسيس رسالة للجميع هناك شجعهم فيها على النظر بدقة ليتمكنوا من قراءة علامات الحاجة إلى الله كالمغزى الاسمى للوجود، وبهذه الطريقة فقط، نستطيع أن نقدم للاشخاص أجوبة على الاسئلة الكبرى التي يطرحها القلب البشري، وتمني البابا فرنسيس في ختام رسالته أن يتمكن جميع المشاركين والزوار من النظر إلى المنظمين والمتطوعين على انهم شهود للرجاء الذي لا يخيب.

لم تكن دائرة الامل في التئام شمل أبناء ابراهيم لتكتمل إلا بوجود اطراف يهودية ضمن دائرة الحوار، وهنا نؤكد ومن جديد انه لا خلاف ولا كراهية مع اليهود كديانة ولا مع اليهود كاتباع موسى الكليم، وإنما جل المشكلة في السياسات الظالمة أو العدوانية التي تفرزها الحكومات الاسرائيلية يوما تلو الآخر.

في الشهر الماضي كذلك، استقبل البابا فرنسيس ممثلي مؤتمر الحاخامات الاوروبي، ولدى استقباله لهم اشار بابا روما إلى اننا أمام توازن ايجابي لمسيرة مشتركة بدأت بوثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني "في عصرنا"، وهي الوثيقة الاهم للحوار مع العالم اليهودي"، مبينا انه "على مدى العقود الماضية، تمكنا من التقارب عبر الحوار بشكل فعال ومستمر".

في هذا اللقاء سلم حاخامات أوربا وامريكا واسرائيل وثيقة للبابا عنوانها "بين روما والقدس"، تتجة نحو العالم الكاثوليكي كشركاء وحلفاء واصدقاء وأخوة في السعي المشترك نحو عالم أفضل يمكنه التمتع بالسلام والعدالة الاجتماعية والامن.

تعليق البابا على الوثيقة واللقاء انه رغم الخلافات اللاهوتية العميقة بين الكاثوليك واليهود، فإن الديانتين تمتلكان معتقدات مشتركة، وهذا "أمر مهم جدا"، بل إلى أبعد من ذلك ذهب الحبر الاعظم حين أكد على أن "الاديان يجب أن تلتزم السلوك الاخلاقي والتعليم الديني، وليس الحرب، أو الاكراه أو الضغط الاجتماعي لممارسة قدرتها على التأثير والالهام.

هل من خلاصة أولية للسطور السابقة؟

يمكن القطع بأن هناك أرادة طيبة فعلية عند كثير من أتباع الاديان، لاسيما الابراهيمية، لتعزيز حضور إنساني فاعل، يملأ الارض محبة وسلام، ويقف صدًا في وجه دعوات الانغلاق والاقصاء والعزل... معًا على طريق الحياة في مواجهة حفاري القبور ودعاة الموت... المحبة لا تسقط... الحوار هو الحل.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء