آفة الواسطة والظلم المبكر للطفولة

آفة الواسطة والظلم المبكر للطفولة

د. صلاح جرّار
2017/11/16

لا يستطيع أحدٌ أن ينكر أنّ ثقافة الواسطة داءٌ متفشٍّ في مجتمعنا، وأنها واحدٌ من الأسباب التي تقف وراء حالات من الفساد الإداري وغيره، وأنّها تتسبب بحالة من التبرّم والتذمّر والشكوى والاتهاميّة وسوء الظنّ وفقدان الثقة لدى قطاع كبير من النّاس. كما أدّت الواسطات في بعض الأحيان إلى حرمان أصحاب حقوق من حقوقهم ومنحها لمن لا يستحقونها، سواءً أكانت حقوقاً ماليّة أم معنويّة. ومع أنّ سنّ قوانين وتشريعات بهذا الخصوص وتفعيل الأجهزة الرقابيّة ومؤسسات المحاسبة و المساءلة قد حدّ نوعاً ما من آثار هذه الآفة، إلاّ أنّها تأخذ أشكالاً وصوراً مختلفة في المجتمع، حيث ظهرت طرق للتحايل والالتفاف عليها، ممّا يدعو إلى ضرورة التشدّد في متابعة هذا الداء وآثاره قريبة المدى وبعيدة المدى على المجتمع.

إنّ أخطر أنواع آفة الواسطة هو ما تكون ضحاياه من الأطفال الذين يتعرّضون للظلم وسرقة الحقوق ومنحها لغيرهم من الأطفال جهاراً نهاراً، كأن يحدث ذلك داخل الأسرة الواحدة فيقوم الأب أو الأم بانتزاع حقّ أحد أطفالهما وإعطائه لطفلٍ آخر، أو أن يحدث ذلك في أحد النوادي الرياضية أو الثقافية عندما يفوز طفلٌ في مباراة أو مسابقة ثمّ يفاجأ بأنّ الجائزة ذهبت إلى طفلٍ آخر تدخّل والده أو والدته أو أحد أقاربه ممّن لهم منفذٌ أو تأثير على الإدارة لتغيير نتائج المسابقة أو المباراة، أو أن يحدث ذلك في إحدى المدارس أو في مسابقةٍ ثقافية بين المدارس، فيفوز طفلٌ وتغيّر النتيجة بعد ذلك ليكون الفوز من نصيب طفل آخر من أقارب مدير المدرسة أو أحد الإداريين المنظمين للمسابقة، ويقع ذلك كلّه بعلم من الطفل المظلوم وتحت نظره.

إنّ حرمان طفلٍ من حقّه نتيجة الواسطة والمحاباة وإعطاءه لطفل آخر هو جريمة نكراء موجعة وخطيرة، ولها آثار نفسيّة بعيدة المدى على الطفل، فهي لا تكسر خاطره فقط، بل تفقده الثقة بكل من كان يثق بهم من معلّمين وإدارات ومسؤولين في وقت مبكر من حياته، وربما يدفعه ذلك في المستقبل إلى الحقد على مجتمعه والاعتقاد بأنه يستطيع أن ينزع حقوق الآخرين كما انتزعت منه حقوقه ظلماً وعدواناً. كما أنّ معاناة الطفل للظلم في وقت مبكر من أقرب الناس إليه: الأسرة والنادي والمدرسة ربما يكون مصدر ألم دفين عنده، ممّا يبعده عن الانتماء في أعماقه للمجتمع، ولا يكون فيه عنصراً فاعلاً ومنتجاً وإيجابيّاً.

ومثلما يؤثر هذا النوع من الظلم تأثيراً سلبيّاً على الطفل الذي أنتزعت منه حقوقه فإنّه يؤثر كذلك سلباً على الطفل الذي منحت له حقوقٌ ليس أهلاً لها، إذ يشكل ذلك له بداية مسلكٍ فاسدٍ في حياته وبداية اعتداء مستمر على حقوق الآخرين.

ولذلك فإن كلّ من يحرم طفلاً من حقّه الذي حصل عليه بجهده وعرق جبينه وكلّ من يمارس تحيّزاً إلى طفلٍ على حساب طفلٍ آخر نتيجة وساطة أو صلة قربى أو غيرها يكون مجرّداً من الأخلاق والضمير والحسّ الإنسانيّ والوطني.

(نقلا عن الراي الاردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء