أصحافة أم مُعتقل فكري؟

أصحافة أم مُعتقل فكري؟

أشخين ديمرجيان
2012/06/24

هل المحصول جيّد فعلاً؟

ذات صباح، قال محرّر صحيفة ما لمدبّرة شؤون منزله: "في اعتقادي سيكون لدينا محصول جيّد من التفاح هذه السنة" فأكّدت له مدبّرة شؤون المنزل بأنّ المحصول قليل بخلاف توقّعاته تماماً بناءً على تقارير وزارة الزراعة والدوائر المختصّة وشكاوى المزارعين.

تجاهل المحرّر ملاحظتها، وقدّم إلى مكتبه أمراً بنشر خبر عن حالة محصول التفاح وجودته في صحيفة المساء. وفي تلك الليلة نفسها عندما عاد إلى البيت، وجد مدبّرة المنزل في انتظاره وامارات الحزن والخجل تلوح على وجهها المرهق، وفي يدها نسخة من صحيفة المساء ونبأ موسم التفاح الجيّد. استهلّت مدبّرة المنزل كلامها بالاعتذار: "يبدو أنّني كنت مخطئة وتسرّعت في تحليل الأمور. كان تحليلك وتكهّنك صباح هذا اليوم في مكانه. ها هي الصحيفة المسائيّة أيضاً تؤكّد تحسّبك وقد نشرتْ خبراً مفاده بأنّ محصول التفاح سيكون وافراً وممتازاً في هذا الموسم".

وسائل الإعلام

يميل الإنسان بطبيعته البشريّة إلى تصديق كلّ ما يقرأه في الصحف أو يشاهده في وسائل الإعلام الحديثة ونشرات الأنباء، أكثر من تصديقه لكلام يسمعه حتّى لو كان الكلام مبنيّاً على دراسات وأسس علميّة. وغالباً نحيد عن الحقيقة حينما نتقبّل ببساطة كلّ ما تقدّمه أجهزة الدعاية والتوجيه والإرشاد كالراديو والتلفزيون ولا نجتهد في تحليل صدق النبأ. ونؤيّد قضايا أو آراء نعتبرها جيّدة أو صادقة... بسبب افتقارنا إلى حسّ نقديّ ونستند إلى أحكام مُسبَقَة ونعيش في مُعتقلات أفكار خاطئة مشوّهة...

نلاحظ اليوم أنّ خلقاً كثيراً يترك ميادين العمل طمعاً منه في الحصول على وظائف لها علاقة بوسائل الإعلام أو بالميادين الكتابيّة. خاصة منذ ظهور الأقمار الصناعيّة في العالم، واستخدامها الهائل في الثورة المعلوماتيّة والتكنولوجيّة. أضف إلى ذلك الشبكة العنقوديّة أي شبكة الإنترنت التي يمكن من خلالها ربط المؤسسات ومراكز البحوث والبيوت من خلال شبكة الهاتف المنزلي. والبريد الإلكترونيّ عبر الحاسوب شكل من أشكال الاتصالات اللاسلكيّة، نستطيعُ من خلاله بثّ الرسائل والتواصل مع المعارف والأقرباء والأصدقاء، عن طريق خطوط الهاتف مباشرة وبسرعة فوريّة، ونعلم بوصول الخبر أو عدم وصوله بدل اعتماد نظام البريد التقليديّ.

أرسالة حقيقيّة أم مصالح

ومع أنّ الصحافة هي رسالة مهمّة تقوم على جمع وتحليل أهمّ الأخبار والأحداث اليوميّة والتحقق من مصداقيّتها ليطلع عليها الجمهور، إلاّ أنّ نظاماً واحداً في الكون احتكر منذ زمن بعيد، ولا يزال يحتكر الصحافة العالميّة لمصلحته، فيأمر بإلغاء مستجدّات الأحداث والحقائق ذات الأهميّة التي تضرّ بمصالح دولته، ويسمح بتحوير الأنباء وبنشر الأخبار الكاذبة الملفّقة التي تطابق دوافعه السياسيّة وأطماعه وأهدافه، مع عدم تطابقها مع الواقع من قريب أو بعيد. وهكذا يقرّر هذا النظام بإجراءاته التعسّفيّة المتعجرفة مصير الشعوب والأمم حسب رغباته وأطماعه.

يوهمنا هذا النظام بأنّه يعتمد سياسة ليبراليّة وبأنّنا نعيش عصر انفتاحات علميّة واقتصاديّة، وقد كتم أنفاس الجميع بتصرّفاته المشينة وديكتاتوريّته ووحشيّته خلف قناع الديمقراطية والرغبة في سلام الشعوب، وهو يمارس القمع والبطش والحروب والدمار، ولفلفة الأخبار، وقبضة حديديّة من وراء الستار. ومن المضحك المُبكي أنّ معظم حكام أوروبا اليوم من أتباعه وتحت قبضته ورحمته وهم غافلون أو يتغافلون. للأسف الشديد ما من رئيس دولة يستحقّ اليوم لقب رجل عظيم أو قائد، وهذا يذكّرني بالفيلسوف الاغريقي ديوجينوس الذي مشى يحمل مصباحاً في وضح النهار باحثاً عن رجل فاضل.

حاضرة الفاتيكان وقداسة الحبر الأعظم

هناك تعتيم في الصحف على أقوال قداسة الحبر الأعظم البابا بندكتس السادس عشر الذي يذكّر دوماً حكّام هذا العالم بتوصيات السيّد المسيح في نصرة الفقير والمريض ورفض الغنى الفاحش وقد أدرجه في لائحة الخطايا العظيمة. وتطرّق البابا هذا الأسبوع إلى اليوم العالمي للاجئين الذي أعلنته الأمم المتحدة واحتُفل به الأربعاء الماضي.  ودعا قداسته إلى احترام حقوق اللاجئين ضحايا الحروب. وطالب بمزيد من الاهتمام باللاجئين الذين لا يحملون أوراقاً ثبوتيّة أثناء مرورهم في مطارات العالم. وطالب قداسة الحبر الأعظم بقانون دولي يضمن التأمين الصحّي لكلّ فرد من أفراد العالم. وما من إعلام ينشر هذه المستجدّات باستثناء مواقع الكنيسة الالكترونيّة. لأنّ هذه المبادئ تضرّ بمصالح هذا النظام الأهوج حليف الشيطان، وأطماعه الكبيرة.  لذلك تجده يحارب الفاتيكان كي يصول ويجول في العالم أجمع بلا رقيب أو حسيب.

خاتمة

ها هو الرئيس الأمريكي أوباما يهدّد الحرية الدينية ويريد إرغام الكنيسة على دفع مبالغ طائلة لتمويل "تحديد النسل المجاني"... والحلّ؟ أن تتحرّك العقول المفكّرة المدبّرة بحماس وجرأة كافية لمحاربة انتهاكات الضمير الإنساني، والوقوف بالمرصاد مهما كلّف الأمر، والسيّد المسيح وعدنا بقوله "تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم" (يوحنا 8: 32) وقد سبقنا له المجد وقاوم الباطل. ويذكّرنا اليوم قائلاً: "ليكن لكم إيمان بالله لأني الحق أقول لكم إنّ مَن قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشكّ في قلبه بل يؤمن أنّ ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له. لذلك أقول لكم كلّ ما تطلبونه حينما تصلّون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مرقس 11: 22-24).

في تتبّعنا للأحداث ينبغي أن ننتقل دائماً من الظن إلى اليقين بعد تحليل دقيق للأمور ومناقضة أقوال أو قرارات مناهضي حقوق الإنسان، ومنازلتهم كلمة بكلمة، وفقرة بفقرة، وإظهار الحق بدل الباطل فيتمّ فيهم قول الكتاب المقدّس: "قال لي الرب: خذ لنفسك لوحاً كبيراً واكتب عليه بقلم إنسان .." (أشعيا 8: 1).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

1 - أتمنى أن يعمل قداسة الحبر

Tue, 06/26/2012 - 16:33

أتمنى أن يعمل قداسة الحبر الأعظم كما وصفتيه ومن يجلسون على عروش الرئاسات الروحية كافة بتوصيات السيّد المسيح في نصرة الفقير والمريض ورفض الغنى الفاحش

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء