مختصر الإرشاد الرسولي: الكنيسة في الشرق الأوسط

المطران مارون لحام، النائب البطريركي للاتين في الأردن

مختصر الإرشاد الرسولي: الكنيسة في الشرق الأوسط

المطران مارون لحام - الأردن
2013/12/24

يتألّف الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط" من مقدّمة وثلاثة فصول وخاتمة، وهو وثيقةٌ كتبها قداسة البابا إستنادًا إلى المقترحات الـ44 التي قدّمها الأساقفة المجتمعون في السينودس الخاص للشرق الأوسط والذي عُقد في الفاتيكان من 10-26 تشرين أول عام 2010، وموضوعه "الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط: "شركة ورسالة". "وكان جماعة الذين آمنوا قلبا واحدا ونفسًا واحدة" (أعمال 4، 32).

المقدمة: يحثّ الإرشاد الرسولي الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط على إحياء الشركة بين مختلف الكنائس، وإلى والاهتمام بالمؤمنين، الأصليّين والاجانب المقيمين، والمنتمين إلى مختلف الكنائس في بلاد الشرق الأوسط، وإلى الحوار مع المسلمين ومع اليهود. والشركة المطلوبة هي الوحدة المنشودة مع الأخذ بعين الاعتبار مختلف الظروف الجغرافية والدينية والثقافية والسوسيو-سياسية في الشرق الأوسط. وفي نفس الوقت يحثّ البابا على المحافظة وتشجيع مختلف الطقوس الشرقية التي تشكّل ترُاثًا غنيًّا في كنيسة المسيح.

الفصل الأول

يدعو البابا أوّلاً إلى عدم إهمال المسيحيين الذين يعيشون في الشرق الأوسط والذين لهم مساهمة "نبيلة وأصيلة" في بُنيان جسد المسيح. وفيما يصف البابا الأوضاعَ في المناطق التي يعيش فيها هؤلاء المسيحيّون، يركّز بقوّة على الأموات وعلى ضحايا "العَمى البشري" والخوف ومختلف أشكال الإذلال. "الظاهر أنه لا حدود لجريمة قائين". ثم يذكّر البابا، دون الدخول في التفاصيل، أن موقف الكرسي الرسولي بخصوص الصراعات القائمة في المنطقة ووضع مدينة القدس والأماكن المقدسة بالتحديد، معروفةٌ بشكل واسع. ثم يدعو الإرشاد إلى التوبة والسلام – الذي ليس هو مجرّد غياب الحرب – بل السلام الداخلي المرتبط بالعدل وبالتخلّي عن جميع أنواع التمييز المؤسّس على العرق أو الجنس أو الطبقة الإجتماعية، بحيث يمكن للبشر أن يعيشوا فضيلة المغفرة على المستوى الفردي والجماعي.

الحياة المسيحية والحركة المسكونية. يركّز معظم الفصل الأول على الوحدة المسكونية التي ليست "خلطًا بين مختلف التقاليد والطقوس". ففي السياق السياسي المضطرب والذي يميل حاليًّا إلى العنف، نمت الكنيسةُ من خلال أشكال متعدّدة، منها ما هو متأصّل في القِدم ومنها ما له وجهٌ كنسيّ حديث. نحن أمام لوحة من الفسيفساء، ولا بدّ من القيام بكل ما يلزم كي يصبح هذا التنوّع غنىً للشهادة المسيحية. وفي الأمانة لتعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، يدعو البابا إلى "المسكونية الروحية" وإلى التواصل الذي لا يعني الذوبان في الآخر، بل قبول الآخر المختلف واحترامَه. وفي نفس الوقت يشدّد الإرشاد الرسولي على ضرورة العمل اللاهوتي داخل اللجان المسكونية كما في داخل مختلف الكنائس، كي تتكلّم جميعها بصوت واحد – في الأمانة لتعليم الكنيسة الرسمي – في الأمور الأخلاقية الأساسية (العائلة، الحياة الجنسية، طب الحياة، الحرية، العدل، السلام). وفي نفس الوقت، ف "المسكوية الخدميّة أمرٌ في غاية الأهمية على مستوى التربية والمحبة المسيحية. لذا يُعطي الإرشاد الرسولي بعض الاقتراحات العملية لعمل مسكوني فعليّ عام، منها تطبيق انفتاح المجمع الفاتيكاني على المشاركة في الأسرار بين مختلف الكنائس (أي قبول المؤمن الأسرار المقدسة في كنيسة ليست كنيستَه الأصلية) وبالخصوص أسرار التوبة والقربان الأقدس ومسحة المرضى. ثم يعتبر البابا أنه من الممكن الوصول إلى ترجمة موحدة لصلاة "أبانا" بين الكنائس في اللغات المحلية المشتركة في نفس المنطقة.

الحوار بين مختلف الأديان. يذكّر الإرشاد الرسولي بالروابط التاريخيّة والروحيّة التي تجمع بين المسيحيين من جهة واليهود والمسلمين من جهة أخرى، ويركّز على أن الحوار بين مختلف الأديان – والذي هو من صُلب طبيعة الكنيسة ودعوتِها الشاملة – ليس الحوار الذي تُمليه اعتبارات عملية سياسية أو اجتماعية، بل حوار مبنيٌّ على أُسس الإيمان اللاهوتية: فاليهود والمسيحيون والمسلمون يؤمنون بالإله الواحد، والأمل هو أن يرى "المؤمن" في "المؤمن الآخر" أخًا يحبّه ويحترمه. كما يطلب الإرشاد الرسولي تجنّب استغلال الدين في نزاعات لا يمكن أن يقبلَها المؤمن الحقيقي.

أمّا فيما يختص بالحوار مع الدين اليهودي، فيذكّر البابا بالإرث الروحي المشترك والمؤسس على الكتاب المقدس، كما على الأصول اليهودية للدين المسيحي؛ كما يدعو المسيحيين إلى التأمّل في سر التجسد الإلهي وإلى نبذ اضطهادات الماضي. وبالنسبة للمسلمين يستعمل البابا كلمة "التقدير"، في إشارة إلى تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي نفس الوقت يأسف لأن تكون الاختلافات العقائدية قد استُعملت في الماضي- من قبل الجهتين – لتبرير ممارسات تعصّب وتمييز وتهميش واضطهاد باسم الدين.

ثم يذكّر الإرشاد الرسولي أنّ وجود المسيحيين في الشرق الأوسط ليس جديدًا ولا هو وليد الصدفة، بل هو وجود متأصّلٌ في التاريخ. فمسيحيّو الشرق الأوسط عنصرٌ أساسي في المنطقة وينتمون إلى ثقافة شعوب الشرق الأوسط – مسلمون ويهود – وساهموا بشكل فعّال في النهضة الثقافيّة في الشرق. أما فيما يخص المؤمنين الكاثوليك في الشرق الأوسط، فإن الإرشاد الرسولي يُوضِح أنهم مواطنون أصليّون، ولهم بالتالي الحق وعليهم الواجب في المشاركة الكاملة في الحياة المدنية، ولا يجوز أن يُعامَلوا كمواطنين من الدرجة الثانية. ثم يؤكّد البابا على أن الحرية الدينية – وهي أمرٌ مقدّس كباقي الحريات – تتضمّن حريةَ اختيار الدّين الذي يعتبره الإنسانُ الدينَ الصحيح، والحقَّ في ممارسته على المستوى الفردي والجماعي وفي إظهار رموزه بشكل علني، دون أن يشكّل ذلك خطرًا على حياة المؤمن أو على حريّته الشخصية. ففي المجال الديني، القوّة والإكراه أمران مرفوضان تمامًا. من هنا يدعو الإرشاد الرسولي إلى تخطي فكرة "التسامح" إلى مبدأ "الحرية الدينية" دون أن يقود ذلك إلى اختلاط الأمور، بل إلى "إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالدين وبخالقه".

واقعان جديدان. يركّز الإرشاد الرسولي على العلمانيّة التي بدأت تظهر في الشرق الأوسط، تحت أشكال متطرّفة أحيانًا، وعلى الأصولية العنيفة المؤسّسة على مبادئ دينية. العلمانيّة المتطرفة تقود إلى منع المؤمن من أن يجاهر بإيمانه وتدّعى أن الدولة فقط هي صاحبة الحق في ذلك. هذه نظريات قديمة ولم تعد قصرًا على الغرب، ويجب بالتالي ألاّ نخلطَ بينها وبين المسيحية. العلمانيّة السليمة تفترض تمييزًا وتعاونًا بين السياسة والدين في جوٍّ من الاحترام المتبادل. وهي تسمح للسياسة أن تعمل دون أن تستغلّ الدين كما تسمح للدين أن يعيش دون ثقل المصالح السياسية.

الأصولية الدينية التي تنمو في جوّ من عدم الوضوح السوسيو-سياسي بفضل تلاعب البعض، كما في عدم الفهم الكافي للدين من قِبَل البعض الآخر، تصبو إلى التحكّم، ولو بالعنف، في ضمائر البشر وفي الدين، وكل ذلك لأسباب سياسيّة. لهذا السبب يدعو البابا بإلحاح جميعَ المسئولين الروحيين في الشرق الأوسط أن يقوموا بكل ما يستطيعون من قوّة، من خلال مثالهم وتعليمهم، كي يقتلعوا هذا الخطر الذي يهدّد- دونما تمييز - المؤمنين من جميع الديانات.

المهاجرون. يواجه البابا هذه المعضلة الصعبة والمتمثّلة في هجرة المسيحيين (نزيف حقيقي) الذين يعيشون في ظروف حسّاسة، وأحيانًا دونما أمل، ويتأثرون بنتائج الصراعات السلبية، ويشعرون أحيانًا بالذلّ، بالرغم من مساهمتهم التاريخية في بنيان بلادهم. فالشرق الأوسط دون المسيحيين أو مع مسيحيين قلائل، لا يعُد الشرق الأوسط. لهذا السبب يطلب البابا من المسئولين السياسيين والروحيين أن يتجنّبوا الوقوع في شرق أوسط ذي لون واحد لا يعكس واقعَه الحقيقي، الإنساني والتاريخي. ثم يَهيب البابا برؤساء الكنائس الكاثوليكية الشرقية أن يساعدوا كهنتهم ومؤمنيهم في بلاد الانتشار على أن يبقوا على اتصال بعائلاتهم وبكنيستهم الأصلية، كما يطلب من رؤساء الأبرشيات التي يعيش فيها هؤلاء المؤمنون أن يسمحوا لهم بالاحتفال بالأسرار المقدسة بحسب تقليدهم الخاص.

ثم يتكلّم الفصل الأول عن العمّال المهاجرين – ومعظهم يتبع الطقس اللاتيني – والقادمين من أفريقيا والشرق الأدنى والهند والذين كثيرًا ما يقعون ضحية التمييز والظلم. فدعوة الحكّام في البلاد المستقبِلة إلى احترام والدفاع عن حقوق المهاجرين أمرٌ في غاية الأهميّة. وفي نهاية هذا الفصل يدعو البابا جميع المؤمنين – الأصليين منهم والوافدين – إلى العيش في شركة أخوية وفي الاحترام المتبادل.

الفصل الثاني

انطلاقًا من مبدأ الشركة بين الكنيسة الجامعة والكنائس المحليّة، ومن مبدأ أن الكنائس المحلية تنبثق من الكنيسة الجامعة – وهذا ما يسمح بالتنوع المشروع في الكنائس المحليّة – يتوجّه الفصل الثاني إلى الفئات الأساسيّة التي تشكّل الكنيسة الكاثوليكية.

البطاركة. البطاركة هم رؤساء الكنائس الشرقية المتّحدة اتحادًا كاملاً مع أسقف روما؛ وهم يُظهرون بشكل واضح شمولية الكنيسة ووحدتها، كما هم مدعوّون من منطلق مبدأ الشركة، إلى أن يعمّقوا الروابط الروحية والتعاون في إطار مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك والسينودسات البطريركية، مع تفضيل مبدأ الشورى بينهم فيما يخص الأمور الأساسية التي تخصّ الكنيسة.

الأساقفة. الأساقفة هم العلامة المرئية لوحدة وتنوّع الكنيسة جسد المسيح السرّي الذي رأسُه المسيح. هم أوّل المرسَلين إلى العالم لتعليم الأمم. عليهم أن يبشّروا بكمال الإيمان ووحدته ويدافعوا عنه بشجاعة، لا سيما في الظروف الصعبة التي كثيرًا ما يمرّ بها الشرق الأوسط. والأساقفة مدعوّون أيضًا إلى التعامل في أمور الكنيسة الزمنيّة بشفافية ونزاهة. ويذكر البابا في هذا الصدد أن الآباء السينوديين قد طلبوا القيام بمراجعة جدّية للأمور المادية والمالية تجنّبًا لأيّ خلط بين الخيرات الشخصية وخيرات الكنيسة. وعلى الأساقفة أيضًا أن يؤمّنوا لكهنتهم معيشةً كريمة، كي لا ينشغل هؤلاء بأمور مادية. كما يجب أن يخضع التصرّف بأملاك لكنيسة للقوانين والترتيبات المعمول بها في الكنيسة الجامعة. ثم يهيب البابا بالأساقفة إلى أن يعتنوا في عملهم الرعوي بجميع المؤمنين المسيحيين، دون تمييز بخصوص جنسيّتهم أو أصولهم الكنسيّة.

الكهنة وطلاب الكهنوت. يطلب الإرشاد الرسولي من الكهنة أن يربّوا شعب الله على بناء حضارة المحبة الإنجيلية والوحدة، وهذا ما يتطلّب تقديمًا متعمّقًا لكلمة الله وللتقليد ولتعليم الكنيسة. وهذا الأمر يسير جنبًا إلى جنب مع تنشئةٍ ثقافية روحية دائمة للكهنة أنفسهم. وفي هذا الخط، يشكل التكريس في العفة الكاملة – وهي هبة ثمينة من الله – بقيمة عامّة، وكذلك عمل الكهنة المتزوّجين الذي هو تقليد قديم في الشرق. وبما أنهم خدّام الشركة، فعلى الكهنة وطلاب الكهنوت أن يقدّموا شهادة حياة شجاعة وخالية من الشوائب. يجب أن يكون سلوكُهم مستقيمًا وأن يبقوا منفتحين على تنوّع كنائسهم الثقافي (بأن يتعلّموا – على سبيل المثال – لغات الكنائس الخاصة) وعلى التعدّد الكنسي نفسه كما على العمل المسكوني وعلى الحوار بين الأديان.

الحياة المكرّسة. فيما يذكّر الإرشاد الرسولي أن الحياة النسكية وُلِدت في الشرق وكانت هي بداية بعض الكنائس ذات الاستقلال الداخلي، يشدّد في نفس الوقت على أن الجمعيات الرهبانية تُصبح علاماتٍ نبوية في الشركة في كنائسها وفي العالم بالقدر الذي ترتكز فيه على كلمة الله وعلى الشركة الأخوية. ومهما كان الوضع القانوني لهذه الجمعيات الرهبانية، فإن على الأشخاص المكرّسين أن يتعاونوا مع الأسقف المحلّي في الأعمال الرعويّة والإرسالية. كما عليهم أن يتأمّلوا بشكل متواصل وأن يحافظوا على المشورات الإنجيلية (العفة والفقر والطاعة)، لأنه لا يمكن العملُ على تجديد روحيّ – للمؤمنين كما للجمعيات الرهبانية وللكنيسة جمعاء – دون الرجوع الواضح والأكيد إلى البحث عن الله.

العلمانيون. بما أن العلمانيين أعضاءٌ في كنيسة المسيح من خلال المعمودية، ومشاركون بذلك في رسالة الكنيسة الجامعة، يُوكِل إليهم البابا مهمّة الاعتناء بأمور العالم الخاصة بهم بشكل سليم، بما في ذلك الحرية الدينية واحترام كرامة الإنسان. وكي تصبح شهادتُهم مثمرةً، ينبغي على العلمانيين أن يتخطّوا جميع الانقسامات وجميع التفسيرات الذاتية للحياة المسيحية.

العائلة. العائلة هي مؤسسة إلهية مبنيّة على سرّ الزواج غير القابل للإنحلال بين الرجل والمرأة. والعائلة تعيش اليوم أكثر من خطر يحيط بها من كل جانب. فهناك مثلاً من يميل إلى أشكال زواج تُناقض الإنجيل، وهي أشكال تعبّر عن عقليات حديثة اجتاحت العالم بأسره. وفي هذا السياق ينبغي أن ندافع عن العائلة المسيحية ونساندَها في المشاكل والصعوبات التي تواجهها وأن نساعدَها في أن تكتشف هويتها العميقة كي تصبح كنيسة ًبيتيّة تُربّي على الصلاة وعلى الإيمان، منبعًا للدعوات الكهنوتية ومدرسةً طبيعية للفضائل وللقيم الأخلاقية وخليّة أساسية في المجتمع. كما يُعطي الإرشاد الرسولة مكانةً مميزةً للمرأة في الشرق الأوسط وللمساواة بين الرجل والمرأة في مواجهة التمييزات التي غالبًا ما تكون المرأة ضحيتَها والتي تهين كرامة المرأة وتهين خصوصًا كرامة الله.

ويطلب البابا من المرأة أن تشارك في الحياة العامة وفي حياة الكنيسة. وفيما يختصّ بالأمور القانونية في أمور الزواج، يجب أن يتمّ سماع صوت المرأة كما يتم سماع صوت الرجل دونما تحيّز. لهذا السبب يطالب البابا أن يتم تطبيق القوانين في هذا الموضوع بشكل سليم وعادل، كي لا يقود الظلم في تطبيق القوانين إلى ترك الإيمان.

أخيرًا، ينبغي أن يكون مسيحيّو الشرق الأوسط قادرين على الحصول على حقوقهم – في أمور الزواج كما في باقي الأمور – دون أي تمييز أو تنقيص. أما فيما يخصّ الشباب والأطفال، فيدعوهم البابا ألاّ يخجلوا من المجاهرة بمسيحيّتهم، وأن يحترموا في نفس الوقت المؤمنين المسلمين واليهود، وأن يعملوا على إقامة صداقة شخصية مع شخص يسوع المسيح ومحبة للكنيسة، وكل ذلك من خلال الصلاة. وهكذا يمكنهم أن يميّزوا بحكمة، القيم الحديثة التي تساعدهم في تطبيق ذلك، دون أن ينقادوا بسهولة إلى العقلية المادية وإلى وسائل الاتصال الحديثة التي يمكن أن تسبّب المبالغةُ في استعمالها إلحاقَ الضرر بالعلاقات الإنسانية. وبالنسبة للأطفال، يطلب الإرشاد الرسولي من الأهل ومن المربّين ومن المؤسسات العامة أن يحترم الجميع حقوق الطفل، منذ لحظة الحبل به.

الفصل الثالث

كلمة الله هي روح وأصل الشركة والشهادة. يبدأ الإرشاد الرسولي بشكر المدارس الكتابية (الإسكندرية وأنطاكية) التي ساهمت في تثبيت العقائد المسيحية في القرنين الرابع والخامس، كما يدعو إلى العمل على تأسيس عمل رعوي كتابيّ بُغية تجنّب الكثير من المغالطات وسوء الفهم الذي غالباً ما يقود إلى صراعات مضرّة لا فائدة منها. من هنا الدعوة إلى إعلان سنة الكتاب المقدس بحسب الظروف الرعوية لكل أبرشية في المنطقة، يتبعها أسبوعٌ سنوي للكتاب المقدس. هكذا يمكن للمؤمنين في الشرق الأوسط أن يقوموا بانطلاقة جديدة في علاقتهم بالكتاب المقدس، لاسيّما وأنهم مسيحيون ينتمون إلى البلاد التي نزل فيها الكتاب، وهذا الانتماء يجب ألا يقتصر على البعد الاجتماعي أو على المستوى الثقافي والاقتصادي. أخيرًا يدعو البابا إلى تطوير كوادر جديدة في مجال الاتصال والتكوين في البُعد التقني وخصوصًا في البُعد العقائدي والأدبي، لأن لهذا المجال أهميةٌ قصوى في عملية التبشير.

الليتورجيا وحياة الأسرار. تشكّل الليتورجيا بالنسبة لمؤمني الشرق الأوسط عملاً أساسيًّا في الوحدة الروحية وفي الشراكة. وعندما يُصبح تجديد النصوص والاحتفالات الليتورجية ضروريًا، فإنه يجب أن يتأسّس على كلمة الله وأن يتمّ بالتعاون مع الكنائس التي تشترك في نفس التقليد الكنسي والليتورجي. ثم يحثّ البابا على التركيز على أهمية سرّ المعمودية الذي يسمح لمن يقبله أن يدخل في شركة وروح تضامن مع باقي أعضاء العائلة البشرية الواسعة، دونما تمييز في العرق أو اللون أو الجنس. لهذا السبب يطلب البابا أن يتم الاعتراف المتبادل بين مختلف الكنائس بصحّة سرّ المعمودية من خلال الحوار اللاهوتي القائم بينها، وهكذا يمكن الوصول إلى الشركة الكاملة في الإيمان الرسولي. كما يدعو الإرشاد الرسولي إلى ممارسة سر الاعتراف بشكل مستمر ويحث الرعاة على القيام بما يلزم من مبادرات تدعو إلى المصالحة والسلام، حتى في وسط الصعوبات والاضطهادات.

الصلاة والحجّ. بما أن فعالية التبشير تعتمد على الصلاة، يؤكّد الإرشاد الرسولي على أن الشرق الأوسط مكانٌ متميّز للحج بالنسبة للعديد من المؤمنين الذي يودّون تعميق إيمانهم وعيش خبرة روحية أصيلة. يطلب البابا أن يتمكّن جميع المؤمنين من الوصول بحرية إلى الأماكن المقدسة دون أيّ عائق. كما أنه من الضروري أن يتمتع الحجُّ اليوم بروحه الأصلية التي هي مسيرة توبة وبحث عن الله.

التبشير والمحبة: من أوجه رسالة الكنيسة. يؤكّد الإرشاد الرسولي أن نشر الإيمان من مهام الكنيسة الأساسية. من هنا يدعو البابا إلى عملية تبشير جديد تحمل المؤمن على الوعي لواجب الشهادة لإيمانه، في الظروف الحالية سريعة التغيير. والتبشير الجديد يدعم شهادة المسيحي عندما يتكلّم عن الله بشجاعة وانفتاح بُغية نشر بشارة الخلاص. وفي الشرق الأوسط بالتحديد، ينبغي تعميق المعنى اللاهوتي والرعوي بحيث يشمل بُعدين مهمين هما العمل المسكوني والحوار بين الأديان. وفيما يخص الحركات الرسولية، فإن الإرشاد الرسولي يحثّها على العمل بالاتحاد مع الأسقف المحلي وحسب إرشاداته، والأخذ بعين الاعتبار تاريخ وليتورجيا وروحانية وثقافة الكنيسة المحلية، دون خلط أو روح اقتناص للمؤمنين. الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط مدعوة إذًا إلى تجديد الروح الإرسالية فيها، وهو تحدٍّ عاجل في السياق الحالي المتعدّد ثقافيًّا ودينيًّا. ويمكن أن يساعد إعلان سنة الإيمان في هذا الجهد المطلوب. وبخصوص المحبة، يذكّر الإرشاد الرسولي الكنيسة أن عليها أن تتمثّل بالسيد المسيح الذي كان قريبًا من الضعفاء: الأيتام والفقراء وأصحاب الاحتياجات الخاصة والمرضى... وختامًا يحيّي البابا ويشكر جميع الأشخاص الذين يعملون بشكل يدعو إلى الإعجاب، في مراكز التنشئة وفي المدارس وفي المعاهد العليا والجامعات الكاثوليكية في الشرق الأوسط. وسائلُ التكوين هذه – والتي ينبغي أن تتمتّع بدعم من المسئولين السياسيين – تعنى أنه يمكن العيش في الشرق الأوسط بروح الاحترام والتعاون المتبادل، من خلال التربية على روح السماحة.

التربية الدينية والتنشئة المسيحية. يشجع الإرشاد الرسولي قراءة التعليم المسيحي الكاثوليكي وتعليم الكنيسة الاجتماعي. كما يدعو البابا السينودسات الشرقية ومختلف الهيئات الأسقفية إلى مساعدة المؤمنين على الاقتراب من الغنى الروحي لآباء الكنيسة من خلال تأوين التعليم الآبائي، وهو مكمّل أساسي للتعليم الكتابي.

خاتمة

يطلب البابا بشكل رسمي، باسم الله العلي، من المسئولين السياسيين والدينيين أن لا يكتفوا بتخفيف معاناة المؤمنين الذين يعيشون في الشرق الأوسط، بل إلى العمل على إزالة أسباب هذه الآلام، من خلال القيام بكل ما هو ممكن لإحلال السلام. وفي الوقت يحثّ المؤمنين على أن يعيشوا فيما بينهم بروح الشركة والغيرة الرعوية. "فالفتور أمر لا يُرضى الله". فليشهد جميع مسيحيّي الشرق الأوسط للمسيح بروح الوحدة والشجاعة. وهذه الشهادة ليست أمرًا سهلاً، لكنه أمرٌ في غاية الجمال.

 

البابا بندكتس السادس عشر

ترجمه المطران مارون لحام

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

1 - المهاجرون

Mon, 09/24/2012 - 17:21

المهاجرون. يواجه البابا هذه المعضلة الصعبة والمتمثّلة في هجرة المسيحيين (نزيف حقيقي) الذين يعيشون في ظروف حسّاسة، وأحيانًا دونما أمل، ويتأثرون بنتائج الصراعات السلبية، ويشعرون أحيانًا بالذلّ، بالرغم من مساهمتهم التاريخية في بنيان بلادهم. فالشرق الأوسط دون المسيحيين أو مع مسيحيين قلائل، لا يعُد الشرق الأوسط. لهذا السبب يطلب البابا من المسئولين السياسيين والروحيين أن يتجنّبوا الوقوع في شرق أوسط ذي لون واحد لا يعكس واقعَه الحقيقي، الإنساني والتاريخي. ثم يَهيب البابا برؤساء الكنائس الكاثوليكية الشرقية أن يساعدوا كهنتهم ومؤمنيهم في بلاد الانتشار على أن يبقوا على اتصال بعائلاتهم وبكنيستهم الأصلية، كما يطلب من رؤساء الأبرشيات التي يعيش فيها هؤلاء المؤمنون أن يسمحوا لهم بالاحتفال بالأسرار المقدسة بحسب تقليدهم الخاص.
We have been asking and seeking help to send a Priest to Chicago for a very long time. we have well over 300 Families who lives in Chicago and there is Churches for almost all Churches but the Latin Patriarchate

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء