البطريرك الطوال: خدمة الكاريتاس كمحبة المسيح لا تعرف الحدود

البطريرك الطوال: خدمة الكاريتاس كمحبة المسيح لا تعرف الحدود

عمّان – أبونا
2012/09/02

فيما يلي عظة البطريرك فؤاد الطوال، بطريرك القدس للاتين، خلال القداس الذي أقيم في كنيسة الراعي الصالح بمركز سيدة السلام، لمناسبة احتفال جمعية الكاريتاس الأردنية بمرور عشر سنوات على برنامج المتطوعين.

أرسلهم أمامه إلى كل مدينة وموضع كان مزمعاً أن يذهب إليه
إرسال التلاميذ الاثنين والسبعين

حضرة الأخت السيدة هدى المعشر،
أيها الجمهور الكريم،

ما زالَ الربُّ يسوع يُرسلُ المسيحيين كلَّهم بحكمِ المعموديةِ أو بحكم الرسامة الشماسية أو الكهنوتية، أو بحكم النذور الرهبانية، ونحن من هؤلاء جميعاً. يرسلنا لعدة غايات:
1) إعلانُ وكشف محبة المسيح لجميع الناس الذين نلتقي بهم علّهم يعرفونه،
2) تحقيقُ لقاءنا الشخصيِّ به أفراداً وجماعة، مما يعني تقديس النفوس بغض النظر عن عملنا ومسؤوليتنا،
3) إحلالُ سلامِه في كل مدينة وموضع نتواجد فيه مع غيرنا من الناس، مسيحيين كانوا أو مسلمين أو يهود.

وقد تتم هذه الرسالة عن طريق المؤسسات الخيرية، كما هي الحال في المدارس والمستشفيات ومنظمة الكاريتاس التي ترنو إلى مساعدة المحتاجين وشفاء الجرحى وازدهار الشعوب. عن طريق الفعاليات الشبابية، عن طريق الشهادة، في الحياة والسلوك.

نحن المسيحيين العاملين، في هذه البلاد وفي بلدان الشرق الأوسط، نحن في حالة إرسال متواصلة، ووجودُنا في هذه البقعة من الكون، وفي هذه الفترة الزمنية، هو رسالة. رسالتُنا ترقى إلى عهدِ المسيح والرسل، إلى ألفي سنة، إلى الجماعة المسيحية الأولى، إلى أعمال الرسل. رسالتنا تستمد قوتها أيضاً ممن سبقونا من كهنة وراهبات ورجال وطن ضحّوا وأعطوا في ظروف أصعب بكثير من ظروفنا. وهي رسالةٌ طبعتْ قيَمُها الروحية والإنسانية والاجتماعية ثقافاتِ المنطقة، عن طريق مدارسنا التي كانت رائدة، وعن طريق مستشفياتنا التي سبقت تأسيس وزارة الصحة.

واليوم في خضمِّ الصعوبات والمحن التي تمر بها البلاد العربية, يجدِّدُ المسيحُ الربُّ هذا الإرسال، ويقول لنا، كما قال للإثنين والسبعين: "ها أنا أرسلكم، مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا". فكلما زادت آلام ومشاكل الناس، كلما زاد تصميمنا وعزمنا على العمل. ولهذا وجدت منظمة الكاريتاس في كل بلد، ولهذا السبب انطلق العمل التطوعي منذ عشر سنين. ابتدأ طفلاً صغيراً وأصبح عملاقاً يُحسب له حساب. إذ كل بلد هي ميدان لعمل الخير والإرسال.

يسعدنا أن نلتقيَ بكم وأن نحتفلَ معاً بالذبيحة الإلهية، رافعين الصلاة إلى الله من أجل البطريركية اللاتينية التي تحتضننا وترعانا، من أجل رعاتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وشعبها المؤمن، من أجل ازدهارها ونموّها، في الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص، ومن أجل إحياء الإيمان في أبنائها وبناتها، من أجل العائلات والفعاليات والأخويات والكشاف، وبنوع خاص من أجل منظمة الكاريتاس التي تحتفل بعيدها العاشر، لانطلاق العمل التطوعي، فهي لا تزال شابة والأعضاء العاملين فيها عمالقة الخير والعطاء مما جذب انتباه الدول، فأصبحت الكاريتاس ممثلة في الأمم المتحدة. راجين لكل أعضاءها المضي إلى الأمام بالحماس والإيمان.

نرحِّب بكل المواطنين المنتشرين الذين يعودون إلينا في هذه الأيام، من أمريكا والخليج. نصلّي من أجل المرضى والمسنين، الذين يشعرون بالوحدة، طالبين لهم الشفاء وتقديس نفوسهم بآلامهم وأوجاعهم. كما نصلي ونهنئ العائلات الشابة والأزواج حديثي العهد، ونذكر أيضاً جميع موتانا الذين سبقونا إلى بيت الآب، ملتمسين لهم الراحة الأبدية، وللحزانى على فقدهم الصبرَ والعزاء.

إنَّ وجودي بينكم اليوم يعني الاحترام الذي نكنه للكاريتاس والعاملين فيها، كما يهدف إلى العيش في جوّ عائلي اشتهرت به حياة الكنيسة الكاثوليكية، وهي مناسبة لنعبر بها، عن تقديرنا باسمنا وباسم كل من استفاد من محبتكم ومساعدتكم، بغض النظر عن لونه ودينه. فخدمة الكاريتاس، على مثال محبة المسيح لا تعرف الحدود: هي نوع من التجسد والشراكة مع من يتألم من مُهجرين وضحايا عنف.

هذه المحبة المجانية والمشاركة مع من يتألم ترتبط بروح التضحية والعطاء التي تضع العبادة لله، والعودة الدائمة إليه، كما ترتبط بالغفران والمصالحة مع بعضنا البعض رغم الفوارق واختلاف الآراء، متذكرين أن الوصية الأولى وصية المحبة والمسامحة لا تزال نافذة المفعول.

التضحية والعطاء والتسامح المتبادل بيننا، هي برنامج عملنا لعيش سنة الإيمان التي نادى بها قداسة البابا والتي تبدأ 11 أكتوبر 2012 مع انطلاقة سينودس الأساقفة.

بهذه المناسبة نفتخر بالشهادة الحياتية شهادة الدم التي قدمها المؤمنون في مصر والعراق. وخوفي أن تلزمنا الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا إلى مثل هذه الشهادة.

روح العطاء والتضحية والمشاركة تستمد قوتها من تكريم السيّدة العذراء مريم, وتسليمِ الذات الشخصية والجماعية لحمايتها، والاقتداءِ بمثلها في قبول كلمة الله المعبّرة عن إرادته وتصميمه الخلاصي، والعيشِ بمقتضياتها.

كما تعلمون موضوع السينودس القادم هو البشارة الجديدة. والبشارة الجديدة تعني عودةٌ إلى جذور ديانتنا، علّنا نعتنق ونتمثل بالحياة المشتركة التي عاشتها الجماعة المسيحية الأولى، حيث كان كل شيء مشتركا. ولذلك نحن نحرص كل الحرص على هذا العيش معاً، معاً مع باقي الطوائف والأطياف، مع باقي الديانات. عيش يقوم على الثقة المتبادلة بين الجماعات التي تؤلِّف الكيانَ الأردني ونسيجَه الاجتماعي. إن الوطن يمرّ اليوم بحالة اللاثقة وحالة الخوف والترقب، وبسبب إدخاله في محاور وأحلاف إقليمية ودُوليّة، لم تكن يوماً لصالحه، وبسبب التسابق من الخارج إلى الهيمنة والاستئثار بقراره السياسي. نحن نصلّي من أجل أن يلهم اللهُ المسؤولين، ويعضدَهم في وضع حدّ لكل هذه الحالات الشاذّة، ويعودَ الوطن إلى فرح العيش معاً، نموذجاً في محيطنا المشرقي. نأسف لسقوط الضحايا البريئة في سوريا والعراق ونتضامن في الأسى والصلاة مع الأهالي المنكوبين هناك.

نحن المسيحيين المتواجدين في الأرض المقدسة، وخاصة العاملين في منظمة الكاريتاس نواصل خط التلاميذ الاثنين والسبعين الذين أرسلهم الربُّ يسوع، "كما أرسله الآب" (متى 28: 19؛ يو20: 21). يرسلنا مثلهم إلى عالمنا المشرقي، يرسلنا إلى المصنع والمكتب والوزارة والمدرسة، يرسلنا إلى كل ميادين العمل، يرسلنا إلى مخيمات اللاجئين، يرسلنا حيث الحصاد كثير على كل المستويات الروحية والثقافية والاجتماعية والوطنية: يدعوكم الله ويرسلكم في زمن مميَّز من حياة الكنيسة الجامعة التي تستعد لعقد الجمعية العادية الثالثة عشرة لسينودس الأساقفة حول "الإعلان الجديد للإنجيل من أجل نقل الإيمان المسيحي".

الرهان كبير والانتظارات تتّسع والتحدّيّات كثيرة. ونحن ننتظر معكم الإرشاد الرسولي الذي سيوقّعه ويعلنه قداسة البابا بندكتس السادس عشر في زيارته إلى لبنان من 14 إلى 16 أيلول المقبل.

1) يرسلنا كمسيحيين متواجدين في معترك الحياة، لإعلان الإنجيل من جديد في عالم آخذٍ في الاستغناء عن الله وعن تصميمه الخلاصي، لنشهد لقيم الإنجيل، قيم المحبة والعدالة، ولنطبع بها كل الظروف التي تمر بها البلاد.

2) بعضٌ منّا مرسلٌ بحكم الدرجة المقدسة، الشمّاسيّة والكهنوت والأسقفية، لمواصلة عمل المسيح الخلاصي بالتعليم لإحياء الإيمان، وبالتقديس لشفاء النفوس من الخطيئة والشرّ عن طريق الإسرار المقدسة، وبالتدبير لخدمة المحبة وتوطيد العدالة وإعلان الحقيقة وتعزيز الحريّة وبناء الأخوّة والسلام.

وفي هذه المناسبة لا يسعني من جديد إلا أن أشكر العاملين في جمعية الكاريتاس الأردنية وبنوع خاص المتبرعين للعمل التطوعي وأهنئهم على تعاونهم مع باقي الفعاليات لتخفيف وطأة الهجرة والفراق، ولتقديم المعونة الإنسانية والمادية لكل محتاج، إن كان ذلك من أبنائنا الأردنيين أو أخوتنا القادمين من العراق وسوريا وغيرهم. ويطيب لي في نهاية الحديث أن أكرر ما جاء على لسان السيد المسيح: "أيها المؤمن كنت أمينا في القليل، سوف أقيمك على الكثير أدخل إلى فرح ربك" (متى 25: 21).

مبروك للذكرى العاشرة لانطلاقة الكاريتاس من جديد والى الأمام لسنين عديدة.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء