الأب مدروس يكتب: بانتهاك ’الوضع القائم‘ مستقبل للمقدّسات قاتم!

الأب مدروس يكتب: بانتهاك ’الوضع القائم‘ مستقبل للمقدّسات قاتم!

القدس - الأب د. بيتر مدروس
2017/09/09

أصدر مؤخّرًا بطاركة القدس وسائر رؤساء كنائسها بيانًا مؤثّرًا مأثورًا يستنكرون به انتهاكات للوضع الرّاهن أو "السّتاتوكوو Statu quo". وتشير هذه العبارة اللاّتينيّة إلى مرسوم السّلطان العثمانيّ أو "الباب العالي"، بضغوط من القيصر الرّوسيّ نقولاوس، في الثّامن من شباط فبراير سنة 1852، قضى ببقاء الأوضاع في المقدسات المسيحيّة في القدس وبيت لحم "على ما كانت عليه من قبل" أي سنة 1767. وشمل المرسوم العثمانيّ كنائس المهد والقيامة وقبر السيّدة العذراء (ومزار المصعد على جبل الزّيتون). وأيّدت القرار التّركيّ كلّ من اتّفاقات باريس عام 1856 وبرلين سنة 1878. وتبنّته "عصبة الأمم" ثمّ "هيئة الأمم المتّحدة". واحترمته على التّوالي كلّ من السّلطات العثمانيّة ثمّ البريطانيّة ثمّ الأردنيّة. وما سمحت أيّ منها للاعتبارات السّياسيّة أن تخلّ هذا النّظام الّذي شطر بين الكنيسة الكاثوليكيّة اللاّتينية وشقيقاتها الارثوذكسيّة مواضعها ومواقيتها في أقدس مقدّسات المسيحيّة. والكيان العبريّ نفسه، منذ سنة 1967، احترم الوضع الرّاهن لمدّة عشرين عامًا. وبعد ذلك، عصفت به الرّياح اليمينيّة وتطاول على وضع المقدسات والأديرة وحالفته  المحاكم الإسرائيليّة.

ورأى بصواب رؤساء الكنائس أنّ المسّ بالمقدّسات والأديرة تهديد خطير للسّلام وللكيان المسيحيّ، بعد كونه تهديدًا لهذا الرّصيد الرّوحانيّ الّذي لا يُقدّر بثمن لأنّه قبلة أنظار العالم المسيحيّ وأولى القبلتين في الإسلام. وأوضح رؤساء الكنائس في بيان سابق ضرورة احترام المقدّسات الإسلاميّة ومنح حرّيّة العبادة، ورسالتهم واضحة بليغة: لا يجوز استفزاز النّاس في أقدس ما لديهم أي الدّين.

المدبّر الرّسوليّ للبطريركيّة اللاّتينيّة المقدسيّة بيير باتستا بيتسابالاّ: قلق وألم وأمل ورجاء

في وقت سابق، كانت الحركة الكاثوليكيّة الإيطاليّة العريقة "مشاركة وتحرير"، الّتي أسّسها الكاهن الموهوب لويجي جوسّاني، قد دعت المنسنيور بيتسابالاّ إلى إلقاء محاضرة في اجتماعها السّنوي في مدينة "ريميني" الإيطاليّة. ولخّص الدكتور شارلي أبو سعدى تلك المداخلة لوسائل الإعلام العربيّة. وتألّقت حركة "مشاركة وتحرير" بحبّ الأسرة وإعلاء شأن الزّواج المقدّس ورفع لواء الإنجاب في إطار "حضارة المحبّة"، ومثلها جمعيّة "الموعوظين الجدد" وحركات "في سبيل الحياة"، فيما تجاهل مع الأسف كاثوليك كثيرون نداء البابوات منذ عهد بولس السّادس  إلى "إكرام الزّواج وتقديسه" ونقل الحياة، وفضّلوا من باب الأنانيّة والانفلاتيّة وكراهيّة الالتزام- المساكنة بلا زواج والإجهاض، وتحمّسوا، أيضًا بخلاف الكتاب المقدّس وتعاليم الكنيسة، لما يُسمّى "زواج المثليّين"، مع أنّ قداسة البابا فرنسيس ردّد بكل وضوح تعليم الكتاب المقدس وموقف الكنيسة وسائر الأديان الموحّدة الّذي لا جدال فيه ولا تبديل عليه: "الزّواج هو فقط بين رجُل وامرأة، ولا سبيل على تغيير هذه الحقيقة ولا نسفها".

الكيان المسيحيّ بين الشّرق والغرب

وجّه المطران بيتسابالاّ كلامه إلى معشر الإيطاليّين مذكّرًا بجذورهم المسيحيّة العميقة. وإن كان في الشّرق الانتماء الدّينيّ غير كاف، فهو ضروريّ جدًّا للغرب الّذي بخيانته للسيّد المسيح وللإنجيل الطّاهر وللكنيسة التي لها الفضل، بعد الله، في اسمى ما توصّل إليه من حضارة وتراث روحانيّ وعلمي وأدبيّ وفنّي وفكريّ وطبّي وفلسفيّ، "رجع إلى سالف وثنيّته وانحرافاتها وموبوقاتها ومنكراتها" (حسب عبارة الأب أديب زعمط). أمّا في الشّرق، فالهويّة الدّينيّة والتّقوقع الطّائفيّ يخنقان أحيانًا الانتماء الوطنيّ والحوار الاجتماعيّ والموقف الإنسانيّ، مع أنّ "الله محبّة" و"الدّين المعاملة".

من ناحية أخرى، بدافع "مركّب النّقص" أو الوصوليّة، ضحّى بعض المسيحيّين العرب بمسيحيّتهم في سبيل "الوطنيّة". وأحيانًا نسمع من بعض رجال دين تفوّهات "وتصريحات" مخالفة لتعاليم الإنجيل المقدّس، وهم يتوهّمون أنّهم يحصلون على رضى العالم الإسلاميّ. ويكرّر المرء من هذا المنبر الأغرّ أنّ العالم الإسلاميّ لا يحترم –بصواب- الّذين لا يحترمون ديانتهم ويسلكون طريق التّزلّف والتّملّق والانتهازيّة.

الصّمود المسيحيّ في الشّرق الأوسط

ليس خطأ لا عند المسيحيّين ولا عند غيرهم في شرقنا الممزّق النّازف المسكين أن يبكوا الماضي المجيد المليء إيمانًا وازدهارًا في حضارة التّقوى وسؤدد الكرامة. بل على الكلّ، ونخصّ هنا المسيحيّين لأننا كإكليروس عنهم مسؤولون: عليهم أن يعرفوا تاريخهم وجذورهم وأصولهم. وهي وقائع وحقائق ثابتة تجهلها كتب التاريخ المدرسيّ والجامعيّ أو تتجاهلها. وها قد بدأنا سنة دراسيّة جديدة، ومناهجنا في معظم العالم العربيّ ما زالت تقفز من "الإمبراطوريّة الرّومانيّة" أي سنة 747 قبل الميلاد إلى القرن السّابع الميلاديّ. وها هي كتب التّاريخ لا تعرف عن "المسيحيّة" شيئًا إلاّ منذ "القرن الحادي عشر" مع أنّ المسيحيّة نشأت في القدس، في العلّيّة، سنة 30 للحساب الميلاديّ. ولا تذكر كتب التّاريخ إلاّ سلبيّات من تاريخ الكثلكة الغربيّة البشريّ، في حين أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة، منذ نحو عشرين قرنًا، صامدة كسفينة بطرس تمخر بحار الأزمان وتنقل رسالة الإنجيل الطّاهر والمحبّة الشّاملة، على عيوب إكليروسها وشعبها، في خدمة الله والإنسان، في كلّ مجال خير وتثقيف وإحسان.

ويحلو هنا أن تُذكَر جهود قدس الأب الرّاحل د. فيصل حجازين الّذي نشر للمدارس المسيحيّة كتابين صغيري الحجم كبيري المضمون، من تأليف الآنسة أشخين دمرجيان، حول "تاريخ الأرض المقدّسة في القرون الميلاديّة الأولى" و"التّاريخ معلّم الحياة". وهما كتيّبان يسدّان نقص مناهج التّاريخ ويسدّدان ما ورد فيها من هفوات ومنشورات غير دقيقة. وكانت الكاتبة المقدسيّة الأرمنيّة قد استفادت من كتيّب المنسنيور المرحوم جورج سابا شطارة "في بعض القضايا من تاريخ الكنيسة". وإذ ورد في هذا المقال ذِكر حركة "مشاركة وتحرير"، فيطيب للمرء أن يشيد بالأسقف المؤرّخ المفكّر لويجي نيغري ، العضو في هذه الحركة. فقد ألّف سيادته كتبًا كثيرة جريئة ثمينة موضوعيّة في التّاريخ ولا سيّما الكنسيّ، مبيّنًا أكاذيب "المؤرّخين" الملاحدة خصوم الكنيسة والإنسانيّة والحقيقة، وذلك خصوصًا في مؤلّفه "مخالفات التّاريخ: إعادة قراءة، في الاتّجاه الصّحيح، لألف سنة من حياة الكنيسة"، و"اتهامات باطلة موجّهة إلى الكنيسة"، و"الإيمان والثّقافة"، و"لماذا الكنيسة على حقّ (في قضايا الأسرة والتّربية والإنجاب والازدهار)"، و"مع غاليليو وبالتّخطّي لغاليليو".

خاتمة: لا يكفي أن "نعيش كبشر"

يبدو أنّ أحد المقالات لخّص ضرورة الحياة المسيحيّة "بأن نعيش كبشر". ولكنّ العبارة بحاجة إلى إيضاح أو إلى تصحيح. تميّز العربيّة بين "البشريّة" الّتي تشير إلى نواحي الضّعف والوهن والهوان والذّل والخطيئة والشّرّ في بني آدم وبنات حوّاء، وبين "الإنسانيّة" وهي اسمى ما فينا من أفكار ومشاعر ومواقف وهي الإيمان والإحسان والمودّة والمحبّة والمروءة والشّهامة والحِلم والصّفح. ولكن حتّى "الإنسانيّة" لا تكفي لنكون مؤمنين، فعند بعض الملحدين إنسانيّة ولطف. يلزمنا الإيمان الوطيد بالخالق وبالكتب السّماويّة، ونحن المسيحيّين بحاجة إلى أن نستظلّ تحت شجرة الكنيسة الرّسوليّة الّتي هي "بيت الله الحيّ وعمود الحقّ وركنه" المبنيّة "على صخر بطرس"، وأمّها الرّوحانيّة سيدتنا مريم دائمة البتوليّة. وهكذا، في شتّى النّوائب، ونحن لا نكتفي بالأفقيّة ولا نعوّل على "الحلول السياسيّة"، نجد في الله وحده "عونًا كبيرًا في العسر، لذلك لا نخاف لو انقلبت الأرض، وانحدرت الجبال إلى لجّة البحر"! (مزمور 46 (45): 2).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء