يسوع يصلي لأجل تلاميذه

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.

يسوع يصلي لأجل تلاميذه

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/05/12

في إنجيل الأحد السابع للفصح وهو الأسبوع الأخير من الزّمن الفصحي يتكلم يوحنا الانجيلي عن صلاة التكريس التي رفعها يسوع للاب السماوي عشية صلبه لأجل تلاميذه، لان مخطط الخلاص يمرّ عبرهم الى العالم أجمع (يوحنا 17: 11-19). ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 17: 11-19)

11 "لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم وَأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم وأَنا ذاهِبٌ إِليكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد"

تشير عبارة "لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم وَأَمَّا هُم فلا يَزالونَ في العالَم" الى صلاة يسوع التي ترفعه فوق هذا العالم، وتحمله الى ملاقاة الآب. إنها صلاة الابن على عتبة المجد. يسوع يترك العالم؛ أمَّا التلاميذ فهم باقون في العالم بما فيه من محنٍ وأخطارٍ تُشتتهم وتُقسمهم بعضهم على بعض. إن يسوع في ساعة خروجه من العالم، لا يفكر في نفسه، بل في تلاميذه، انه يحملهم في صلاته، لأنه يعرف الهجمات التي سيتعرَّضون لها" إِذا أبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّه أَبغَضَني قَبلَ أَن يُبغِضَكم... إِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً" (يوحنا 15: 18-20)، ويعرف الاغراءات التي تنتظرهم في العالم "لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم"(1 يوحنا 2: 16)، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" كأن يسوع يقول: إنني على وشك أن أترك العالم حسب الجسد، فهم محتاجون إلى عونٍ خاص ومساندة. محتاجون أن أقدِّمهم لك ايها الآب لكي تحفظهم في الحق"، ومع أنني لا أعود أظهر في الجسد لكنني أتمجد بواسطتهم". أمَّا عبارة " العالَم" فتشير في انجيل يوحنا إلى أمور ثلاثة: إمَّا إلى الكوْن الذي خلقه الكلمة (يوحنا 1: 10)، وإمَّا الى الجنس البشري، الذي أحبه الله لدرجة أنه جاد بابنه الوحيد (يوحنا 3: 16)، وإمَّا إلى مجموعة الكائنات التي تقف في وجه ملكوت الله، وهي تحت لواء الشيطان، سيد هذا العالم، حيث أن لفظة العالم هنا أخذت بالمعنيين الأول والثاني. أمَّا عبارة "يا أَبَتِ القُدُّوس" باليونانية Πάτερ ἅγιε (معناها أيها الآب القدوس) فتشير الى القداسة التي هي صفة مميزة لجوهر الله كما جاء في الكتاب المقدس" إِنِّي أَنا الرَّبُّ إِلهُكم، فتَقَدَّسوا وكونوا قِدِّيسين، فإِنِّي أَنا قُدُّوس" (الاحبار 11: 44). إنه دعاء ورد مرة واحدة في العهد الجديد. ومن المؤكد ان الله كان يُعرف أبا لشعب العهد القديم، وان الصلاة اليهودية كانت تدعوه اباً، ولكن ذلك لم يكن الا مجازاً فجاء يسوع وأظهر الله أبا بمعنى لا يقبل الشك، لان له ابنا، ويسوع هو الابن الذي إتخذ وجها وجسداً حيث يعكس حب أبيه. ومعناه ان الله القريب بأبوته فهو المحبوب؛ والبعيد بقداسته فهو المرهوب. وتقوم قداسة التلاميذ على قداسة الآب "كونوا قِدِّيسين، فإِنِّي أَنا قُدُّوس" (أحبار 11: 44). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "عطيته الثمينة لأبنائه هي القداسة، ليصيروا قديسين كما هو قدوس". وقد استعملت الليتورجيا المسيحية هذ العبارة " أيها ألآب القُدُّوس في وقت مبكر (تعليم الرسل 10: 2). أمَّا عبارة "اِحفَظْهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي" فتشير الى صلاة يسوع لتلاميذه ان يكونوا مخلصين كي يتمِّموا رسالة الإنجيل المقدسة ويشهدوا للحق الإلهي. وقد كانوا فعلا مخلصين ما عدا يهوذا "ابن الهلاك". ها هو يسوع بطبيعته الإنسانيّة يصلّي إلى الله من أجل التلاميذ الذين وهبهم له. فهنا يصلي يسوع حتى يدخل تلاميذه في اتحاد وثيق مع الآب بحيث لا تستطيع أية إرادة في العالم أن تفصلهم عنه. سلَّمهم الآب الى ابنه يسوع، وها هو يعيد ـسليمهم الى الآب. ويُكرر يسوع في صلاته فعل "يحفظ" ثلاث مرات (يوحنا 15: 11، 12، 15)، إذ يعلم يسوع الصعوبات الجمَّة التي تساور التلاميذ عندما يحتجب عنهم. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لم يطلب يسوع لتلاميذه الغنى، ولا المجد الزمني، ولا النصرة الأرضية، لكنه يطلب منه أن يحفظهم في اسمه من الخطيئة والعالم الشرير، حتى يجتازوا أيام غربتهم، ويبلغوا إلى حضن الآب". أمَّا عبارة "اسمِكَ" فتشير الى تعبير في العقلية السامية عن شخصية بكل ما تحمل من ميزة ودينامية خاصة؛ أمَّا عبارة " َوهَبتَه " فتشير الى فعل تكرر في هذا الفصل 7 مرات ، هو يدل على تسلم التلاميذ من يد الاب، كما صرَّح يسوع قبلا " جَميعُ الَّذينَ يُعطيني الآبُ إِيَّاهُم يُقبِلونَ إِليَّ ومَن أَقَبَلَ إِليَّ لا أُلقيهِ في الخارج" (يوحنا 6: 37)، فالذين يذهبون الى يسوع هم في الحقيقة هبة من الآب للابن، ولذلك يرحِّب الابن بهم ويحفظهم (يوحنا 17: 6-15) ويُحبِّم حباً عميقا كحبِّ الابن للآب. أمَّا عبارة " لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" فتشير الى طلب يسوع من الاب السماوي ان يكون تلاميذه دوما واحداً كما ان الآب والابن والروح القدس هم واحد، وهذه الوحدة هي اقوى الروابط والاتحادات. ويعلق القديس اوغسطينوس " يسوع لا يقول: ليكونوا واحدًا معنا، أو لكي نكون نحن وإيّاهم كيانًا واحدًا كما نحن واحد، بل قال: "لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد". ليكونوا واحدًا في طبيعتهم، كما نحن واحد في طبيعتنا". لا يطلب يسوع ان يصير تلاميذه واحداً بل ان يكونوا واحد في المحبة والإرادة والغاية والفكر والاهتمامات والتسليم لله. فالوحدة تنطلق من يسوع، ومثالها الوحدة التي تجمع بين الآب والابن. وهو يطلب أن قوة الوحدة التي بينه وبين الآب تعمل في التلاميذ وتوحدهم. ويكون اتحادهم انعكاس للوحدة الكائنة بين الآب والابن. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يربط السيد المسيح بين القداسة والوحدة الحقيقية، فحيث توجد القداسة يُوجد الحب الفائق الذي يوّحد، وحيث توجد الخطيئة يُوجد الحسد والخصام والبغض والانقسام". وهنا يربط المسيح بين القداسة والوحدة. حيثما توجد القداسة يوجد الوحدة مع الله ومع الإخوة.

12 "لَمَّا كُنتُ معَهم حَفِظتُهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي وسَهِرتُ فلَم يَهلِكْ مِنهُم أَحَدٌ إِلاَّ ابنُ الهَلاك فتَمَّ ما كُتِب"

تشير عبارة "لَمَّا كُنتُ معَهم" الى تذكُّر يسوع أيامه بين تلاميذه، إذ كان مرافقا ومعلما إياهم والراعي لمدة ثلاث سنين (يوحنا 10: 11-15)؛ أمَّا عبارة "حَفِظتُهم بِاسمِكَ" فتشير الى "اسم الله" بمعنى "الله نفسه. لذا لم يكن مسموحا لفظ اسم الجلالة. حيث أنَّ اسم الله يحمل معنى قوته وحكمته وقدراته ومحبته وقداسته ورحمته وصفاته كلها حيث ان الاسم يُعبّر عن هوية وانتماء. وقد ربط يسوع التلاميذ بالآب في الايمان والمحبة وحفظهم بتعاليمه ونصائحه وعجائبه كراعٍ يحفظ قطيعه، وخاصة خلال آلامه، حيث قال لحرس الهيكل الذين جاؤوا للقبض عليه: "فإِذا كُنتُم تَطلُبوني أَنا فدَعُوا هؤلاءِ يَذهَبون" (يوحنا 18: 8-9)، كما حفظهم خلال المحن التي مرّوا فيها، وذلك تلبيةً لمشيئة الاب السماوي "مَشيَئةُ الَّذي أَرسَلَني أَلاَّ أُهلِكَ أَحَداً مِن جَميعِ ما أَعْطانيه بل أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 39). وفي هذا الصدد يتكلم القديس غريغوريوس النزينزي عن تجربته في حفظ الثالوث له عندما تحول الى الايمان المسيحي " من هذا اليوم مُت عن العالم ومات العالم عني". أمَّا عبارة " فلَم يَهلِكْ مِنهُم أَحَدٌ " فتشير الى لفظ مألوف في انجيل يوحنا (يوحنا 3: 16، 6: 39، 10: 28، 12: 25). إن تاريخ الله مع البشرية تاريخ محبة. لهذا أرسل ابنه لا ليدين العالم ويقضي عليه، بل ليخلص العالم (يوحنا 3: 17) ، فالله هو إله الخلاص، ولا يريد هلاك الخاطئ وموته. أمَّا عبارة " ابنُ الهَلاك " فتشير الى تعبير عبري בֶּן־הָאֲבַדּוֹן الذي يُظهر ان عمل الخاطئ يؤدي به حتما الى الهلاك. وليس في هذا تضمين الى ان هناك تعيينا سابقا للدينونة؛ انما يشير هذا التعبير الى كل من كان سلوكه يميل الى الهلاك يدمّر ذاته حين يفعل ما يفعل. ويدل هذا التعبير هنا على يهوذا الذي سلَّم نفسه للهلاك واستحقه بسبب فساد قلبه وآثامه وعدم توبته، أذ فضّل المال وخيانة يسوع معلمه الالهي (يوحنا 13: 2، 27، 30)، ورفض محبة يسوع وغرق في ظلمة الليل. فكان مدعوا للحياة مع جماعة الرسل، لكنه طلب الموت ليسوع ثم لنفسه فصار ابن الهلاك. ولهذه العبارة مغزى رؤيوي كما صرّح يسوع: "أما أنا اختَرتُكُم أَنتُمُ الِاثنَيْ عَشَر؟ ومعَ ذلك فواحِدٌ مِنكم شَيطان" (يوحنا 6: 70) وهذا ما يؤكده بولس الرسول بقوله:" فلا بُدَّ قَبلَ ذلِكَ أَن يَكونَ ارتِدادٌ عنِ الدِّين، وأَن يَظهَرَ رَجُلُ الإِلْحاد، اِبْنُ الهَلاك" (2تسالونيقي2: 3). وهكذا فإن أبناء العالم الذي يرفضون كلمة المجد والخلاص ويكرسون طاقاتهم لتحطيم الإيمان الحي، يحطمون أنفسهم وهم لا يدرون. أمَّا عبارة "تَمَّ ما كُتِب" فتشير الى ما تنبأ عنه الكتاب المقدس كما ورد في سفر المزامير "حتَّى صَديقي الحَميمُ الَّذي اْتَكَلْتُ علَيه فأَكَلَ خُبْزي، هو رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَه" (مزمور 41 :10). وتعني رفع عقبه أي وقف موقفا معاديا وحاول التدمير. وفي موضع آخر يقول الكتاب عنه " لِتَكُنْ أيامُه قَليلة ولْيَتَوَلَّ مَنصِبَه آخَر" (مزمور 109: 8) وقد أكَّد ذلك بطرس الرسول في خطبة لدى اختيار متيا خَلفاً ليهوذا "أَيُّها الإخوَة، كانَ لابُدَّ أَن تَتِمَّ آيةُ الكِتابِ الَّتي قالَها الرُّوحُ القُدُسُ مِن قَبْلُ بِلِسانِ داود، على يَهوذا الَّذي أَمْسى دَليلاً لِلَّذينَ قَبَضوا على يسوع" (اعمال الرسل 1: 16). اما أمِّا عبارة " فتَمَّ ما كُتِب " باليونانية ἵνα ἡ γραφὴ πληρωθῇ (كلمة ἵναتعنى لام العاقبة وليس لام التعليل) فتشير الى ان الحدث بحسب ما تنبأ عنه الكتاب المقدس (مزمور 41: 9) ولا تعني لكي يتحقق الكتاب المقدس، وهذا هو أسلوب الكتاب المقدس الذي يضع الأمور في تطابق مع بعضها البعض كما لو كانت قد حدثت بسبب كتابتها. الحدث جاء متفقًا مع النبوات أي بسابق العلم الإلهي ولكن الله يهب حرية كاملة للاختيار.

13 أَمَّا الآنَ فإِنِّي ذاهِبٌ إِلَيكَ. ولكِنِّي أَقولُ هذه الأَشياءَ وأَنا في العالَم لِيَكونَ فيهِم فَرَحي التَّامّ"

تشير عبارة "أَمَّا الآنَ فإِنِّي ذاهِبٌ إِلَيكَ" الى يسوع وهو على عتبة العالم الآخر. أمَّا عبارة "فَرَحي" فتشير الى فرح الابن الصاعد نحو الآب، ومشاركة التلاميذ بفرح يسوع بإنجاز مهمته. والفرح الناشئ عن الاصغاء الى كلام يسوع. وان الفرح موضوع شائع في تعاليم المسيح وهو يريد ان نكون فرحين: "قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً" (يوحنا 15: 11). ومفتاح الفرح هو الحياة المتحدة بيسوع، لأنه مصدر كل فرح. ولذا لا يزول هذا الفرح بذهاب يسوع، فالإنجيل –كلام المسيح-حاضر في جماعة المؤمنين، ونحن نقرأه على ضوء الروح القدس. يسوع يترك تلاميذه وسط الدموع والآلام والتجارب، لكنه يحقق في داخلهم فرحه الفائق للطبيعة كما وعدهم "فأَنتُم أَيضاً تَحزَنونَ الآن ولكِنِّي سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح" (يوحنا 16: 22). ويعلق القديس اوغسطينوس" إن التلاميذ يتمتعون بحضور المسيح في وسطهم وفي داخلهم، حيث يسكن في قلوبهم ويبعث فرحه الكامل فيهم، ويصير فرحه فرحهم، فيختبروا الفرح الكامل".

14 إِنِّي بَلَّغتُهم كَلِمَتَكَ فأَبَغَضَهُمُ العالَم لأَنَّهُم لَيسوا مِنَ العالَم كما أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم"

تشير عبارة "بَلَّغتُهم كَلِمَتَكَ فأَبَغَضَهُمُ العالَم" الى قبول التلاميذ كلام يسوع مما أدَى إلى عِداء العالم لهم، لأنهم أصبحوا تبكيتاً للعالم الذي يرفض يسوع وتعاليمه؛ أمِّا عبارة " كَلِمَتَكَ " فتشير الى كل ما أعلنه المسيح للتلاميذ عن ذاته وعن الآب. وأمَّا عبارة " أَبَغَضَهُمُ العالَم" ἐμίσησεν (الفعل في صيغة الماضي) فتشير الى حديث يسوع كعادته عن المستقبل في صيغة الماضي. يبغض العالم تلاميذ يسوع لان قيمهم تختلف عن قيم العالم وبالتالي يسلكون على خلافهم، مما يظهر فساد العالم، فهم نور يفضح أكاذيب العالم وأسلوبه في الحياة. أمَّا عبارة "لأَنَّهُم لَيسوا مِنَ العالَم كما أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم" فتشير ان تلاميذ يسوع مثل يسوع هم في هذا العالم، ولكنهم لا يرتبطون بهذا العالم. فقد صاروا " خَلْقٌ جَديداً (2 قورنتس 5: 17)، كما قال يسوع لليهود "أَنتُم مِن أَسفَل، وأَنا مِن عَلُ. أَنتُم مِن هذا العالَم وأَنا لَسْتُ مِنَ العالَمِ هذا" (يوحنا 8: 23)، لذا يبغض العالم التلاميذ ويكنّون لهم العداء، فقيمهم تختلف عن قيم العالم، مما يظهر فساد العالم. ومن ثم فإنهم بمثابة اتهامات حيّة ضد طريقة العالم في الحياة. فالعالم يتبع برنامج الشيطان، والشيطان هو العدو الرسمي الصريح ليسوع ولتلاميذه ولكل شعبه. وقد أوضح يسوع في موضع آخر هذا الامر بقوله " لو كُنتُم مِنَ العالَم لأَحَبَّ العالَمُ ما كانَ لَه. ولكِن، لأَنَّكم لَستُم مِنَ العالَم إِذ إِنِّي اختَرتُكم مِن بَينِ العالَم فلِذلِكَ يُبغِضُكُمُ العالَم" (يوحنا 15: 19). بما ان التلاميذ متحدون اتحادا حياتيا بيسوع، فإنهم يشاركونه مشاركة أليمة في الاضطهاد الذي يثيره عليه بغض العالم، فالعداء القائم بين العالم والله هو وجه جوهري من وجوهه تاريخ الخلاص.

15 لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير"

تشير عبارة "لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم" الى عدم رفض يسوع مجابهة تلاميذه العالم، لأنه إذا كان عليهم ان يشهدوا للمسيح في العالم، فهو لا يطلب من الآب ان يُخرجهم من العالم، بل يطلب ان يكونوا فيه كالخميرة في العجين. واجب التلاميذ أن يبقوا في العالم ليتمِّموا مهمة الآب، ويجابهوا قوى الشر والبغض التي لا يمكن التغلب عليها إلاَّ بعون الآب (يوحنا 15: 9-16: 4). أمَّا عبارة "تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير" فتشير الى حفظ تلاميذ المسيح من عدوى العالم، ولذلك يطلب يسوع حفظهم من الشرير، ليس حفظا خارجيا، وإنما من الداخل، بقوة الكلام الذي بلَّغهم إياه. أمَّا عبارة الشِّرِّير " فتشير الى تجسُّد قوة الشر التي تهدد البشر. وحيث أن الشرير هو الشيطان رئيس هذا العالم، فالشر الذي في العالم نابع من سيطرته على نفوس الناس كما جاء في تعليم يوحنا الرسول "وأَمَّا العالَمُ فهُو كُلُّه تَحتَ وَطْأَةِ الشِّرِّير" (1 يوحنا 19:5)؛ وبما ان الشر ناشط، كان لا بدَّ من حماية الله الآب للتلاميذ في مهمتهم بين البشر في مجابهة قوى الشر والبغض. لذا يصلي يسوع لا يخرج التلاميذ من العالم، لانَّ ذلك يعطل الغرض الالهي، ولكن لكي يُحفظوا "من الشرير" (1 يوحنا 2: 13-14).

16 لَيسوا مَنَ العالَم كَمَا أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم.

هذه الآية تكرار للآية (يوحنا 17: 14)، ويقصد به التعقيب على الآية السالفة والتمهيد للآية القادمة، حيث تشير عبارة " لَيسوا مَنَ العالَم " الى التلاميذ الذين ينظرون إلى عالم آخر، وليس فيهم شيء من الأرض، لكنهم قد صاروا كمواطني السماوات. فهم أتباع المسيح الذي هو رأسهم وملكهم، وقد قدسهم في الحق حتى يُحفظوا من الشرير ويغلبوه. أمَّا عبارة "كَمَا أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم" فتشير الى ان يسوع وضع أحباءه في مأزق حرج، حيث يكونوا في العالم دون ان يكونوا من العالم على مثاله. ولكن التلاميذ لا يستطيعون ان يعيشوا منفصلين عن العالم، لان دعوتهم كشهود تتطلب منهم ان يندمجوا في العالم. ويُعلق الطوباويّ يوحنّا هنري نِيومَن "لا أطلب منكم التخلّي عن العالم وعن واجباتكم على هذه الأرض، بل التحكّم بوقتكم بحيث تكرسون الوقت الكافي للمسيح ونشر تعليمه".

17 كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ

عبارة " كَرِّسْهُم " باليونانية ἁγίασον (يعني قدَّس او أفرد وهي مشتقة من مقطعين: "َA" وهي في اليونانية تعني النفي، وγη تعني "الأرض"، أي "لا أرض") تشير الى تقديس التلاميذ او تخصيصهم لله بمسحة الروح القدس للخدمة. كما تدل عليها كلمة كَرِّسْهُم في العبرية קַדֵּשׁ أي "خصِّص لله". وكأن القداسة هي نزع كل ما هو أرضي من القلب، ليتفرغ لحب الله وعبادته وخدمته. فالتقديس هو إنتزاع كل ميل مادي من قلوب تلاميذه ونزع كل ما هو مغاير لروح الله وإرادته، ثم تكريسهم وتخصيصهم نهائياً لخدمة الله لتكون حياتهم "ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله" (رومة 12: 1). وممن هذا المنطلق فان الحياة المكرَّسة ليست مجرد حياة أخلاقية فاضلة، لكنها ارتباط بالحياة الإلهية، والحياة المكرّسة تحمل أيضًا معنى "النقاوة" حيث يتنقى القلب من كل شائبة زمنية ليحمل سمة روحية سماوية. يطلب يسوع لتلاميذه نعمة التقديس أي فصل التلاميذ عن شؤون الدنيا وإدخالهم بكاملهم وللآبد في حياة الله. أنه خصصهم له ويريدهم لله بكليتهم، مكرَّسين لعمله في الحق، أي في الأمانة للكلام الذي بلّغهم إياه. وهذا الكلام هو الحق " إن كلامك حق" وهذا ما نستشفه في الجماعة المسيحية التي تألفت حول يسوع ولُقبوا بالقديسين كما جاء في حوار حننيا مع الرب حول شاول "يا رَبّ، سَمِعتُ بِهذا الرَّجُلِ مِن أُناسٍ كَثيرين كم أَساءَ إِلى قِدِّيسيكَ في أُورَشَليم" (أعمال الرسل 9: 13). والتقديس هو من عمل الله (يوحنا 17: 11)؛ الله وحده قدوس غير انه يشارك المؤمنين في بعض قداسته. وقد كرَّر يسوع فعل "كرّس" في صلاته ثلاث مرات لأهميته. أمَّا عبارة "إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ" فتشير الى أنَّ أداة تقديس التلاميذ هي الكلمة المتجسِّد. فالتقديس وكلمة الله يسيران معاً. ويتطهر الإنسان ويتقدَّس من خلال الايمان وطاعة كلمة الله (عبرانيين 4:12)، وقبول غفران خطايانا بواسطة موت المسيح (عبرانيين 7: 26). وبعبارة أخرى، فإن عملية التقديس تتضمن عمل الله الرائع فيما يختص بماضي الانسان وحاضره ومستقبله. بالمسيح خُلص الانسان من الخطيئة، وبالروح القدس ينمو في الحياة المسيحية، وتبعا لخطة الله يصير كاملا عند عودة المسيح كما يؤكد ذلك صاحب الرسالة الى العبرانيين "المسيحُ قُرِّبَ مَرَّةً واحِدة لِيُزيلَ خَطايا جَماعَةِ النَّاس. وسيَظهَرُ ثانِيَةً، بِمَعزِلٍ عنِ الخَطيئَة، لِلَّذينَ يَنتَظِرونَه لِلخلاص" (عبرانيين 9: 28). وهنا ندرك كلمة يسوع "أَنتُمُ الآنَ أَطهار بِفَضْلِ الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم " (يوحنا 3:15)؛ الرب يصلي من أجل قداستنا، قداستنا في الحق. وهو يرسلنا لنحمل رسالته. أمِّا عبارة " حَقّ " فتشير الى المسيح الذي قال عن نفسه "أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة " (يوحنا 14: 6) وهو كما قال لبيلاطس أنه جاء ليشهد للحق (يوحنا 18: 37). والمسيح هو كلمة الله وهو الحق. وتلاميذه سيكونون مكرَّسين لينشروا كلمة الحق لكل العالم ويُعِدوا للربّ شعباً مقدساً، ويعلق القديس أوغسطينوس "اذاً يعني بكلماته: " كَرِّسْهُم بالحَقّ أي "قدّسهم فيَّ"... فالآب يقدّس في الحق، أي في كلمته، في ابنه الوحيد، يقدِّس ورثته والوارثون مع الابن" ويقول الرسول بولس عن الابن: " صارَ لَنا حِكمَةً مِن لَدُنِ الله وبِرّاً وقَداسةً وفِداءً " (1 قورنتس 30:1). ومن تكرس في الحق تتحرر نفسه من التعلق بالعالم الباطل ومادياته واهتم بالسماويات كما جاء في تعليم بولس الرسول "فأَمَّا وقد قُمتُم مع المسيح، فاسعَوا إلى الأُمورِ الَّتي في العُلى حَيثُ المسيحُ قد جَلَسَ عن يَمينِ الله. اِرغَبوا في الأُمورِ الَّتي في العُلى، لا في الأُمورِ الَّتي في الأَرض " (قولسي 3: 1-2).

18 كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم

تشير عبارة "كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم" الى إرسال الآب ابنه يسوع الى العالم لتحقيق عمل الفداء. لذا دُعي يسوع بالشفيع (1يوحنا 2: 1)، والرسول (عبرانيين 3: 1)، والخادم (رومة 15: 8)، والمُرسل (غلاطية 3: 1)، لكنه أُرسل كابن لله. وكما كان يسوع في العالم، كذلك سيكون تلاميذه في العالم للآب الذي قدّسهم وأرسلهم كما أرسل ابنه الوحيد. فالتكريس يولِّي التلاميذ القدرة على القيام بالرسالة (يوحنا 10: 36)، لأنه يُفرد المرسلين لحمل الكلمة في داخل العالم، دون ان يُعزلهم عنه. والروح هو الذي يجعل شهادتهم فاعلة كما صرَّح يسوع "مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء" (يوحنا 15: 26). أمِّا عبارة " فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم " فتشير الى تأكيد يسوع لتلاميذه أنه يقف بجوارهم، ويعمل معهم وبهم وفيهم، لأن رسالتهم هي امتداد لرسالته. غير أنَّ تقديس التلاميذ لا يهدف الى وضعهم في مأمن من تقلبات العالم وحمايتهم، بل عليهم ان يكمِّلوا رسالة يسوع الذي يرسلهم الى العالم باسمه. فلا يحق لهم ان يهربوا من العالم بل ان يكونوا ملحا للأرض ونورا للعالم (متى 5: 13-16)؛ ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "كان من عادة يسوع أن يتحدث عن المستقبل كأمرٍ قد حدث فعلًا ". وكما أرسل الله الآب ابنه وقدّسه ليشهد للحق (يوحنا و36:10) فرفضه العالم وصلبه، هكذا أرسل الابن تلاميذه وقدّسهم ورفضهم العالم. وكانت رسالة للفداء، أمِّا رسالة التلاميذ فهي للتبشير وامتداد لرسالة المسيح، فبآلامهم يكملون نقائص "شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة" (قولسي24:1). فالمسيح أرسل تلاميذه ليؤسس كنيسته بتعاليمهم.

19 وأُكَرِّسُ نَفْسي مِن أَجلِهمِ لِيَكونوا هم أَيضاً مُكَرَّسينَ بِالحَقّ

تشير عبارة " أُكَرِّسُ نَفْسي " باليونانية ἁγιάζω (صيغة المضارع) الى التقديس باستمرار، والتقديس هو عمل الله وحده، ولا يوجد إنسان يمكنه أن يقول أقدس أنا ذاتي. فالتقديس هو أن يصير الإنسان من خاصة الله، والله وحده يعين خاصته وللإنسان فقط أن يطلب التقديس ولكنه لا يعطيه قط. لذلك فإن قول المسيح " أُكَرِّسُ نَفْسي" دليل على ألوهيته. فالمسيح وضع ذاته للصليب، وقبل تخصيص الآب له للقيام بعمل الفداء كما جاء في المزامير" حينَئِذٍ قُلتُ: هاءَنَذا آتٍ فقَد كُتِبَ علَيَّ في طَيِّ الكِتاب"(مزمور 40: 8). فالآب يريد فداء البشر، والابن يقبل بسرور إتمام الفداء (يوحنا 10: 18). أمِّا عبارة " أُكَرِّسُ نَفْسي مِن أَجلِهمِ" فتشير الى تقدمة الحياة، وإلزام كيان الانسان وعمله. وهنا يدل على رغبة يسوع كرئيس كهنتنا في تقديم ذاته طوعا وتكريسها ليكون ذبيحة من أجل البشر (يوحنا 10: 18)، إذ بإرادته يسلم نفسه للموت ليفتدي البشرية كما يقول الرسول بولس: " أمِّا المسيح ...فدَخَلَ القُدْسَ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ التُّيوسِ والعُجول، بل بِدَمِه، فحَصَلَ على فِداءٍ أَبَدِيّ" (عبرانيين 9: 11-13). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أُكَرِّسُ نَفْسي إذا يعني: أقدم ذاتي ذبيحة، فالذبائح كلها تُدعى مقدسة، والتي تقدم لله". ومن هنا جاء قول بولس الرسول " إنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله قدموا أجسادكم ذبيحة حية" (رومة 12: 1). هكذا يتقدس تلميذ المسيح فيكرس كل إمكانياته وطاقاته ووقته للمسيح الذي هو "الحق" (يوحنا 6: 51). ان كلمة التكريس التي تفوّه بها يسوع تُكرِّس ذاته، وتُكرِّس أولئك الذين مات من أجلهم. إن التكريس لله يشمل تقدمة الحياة، بقدر ما يُلزم كيان الإنسان وعمله في إتمامهما. ان يسوع يربط تقديس تلاميذه للرسالة بتقديس نفسه، ليكونوا هم مقدسين في الحق، وتقديس التلاميذ ينبع من تقديس الابن في التضحية بذاته كاملة بموته. وفي تقديس ابن الله، يجد التلاميذ القوة لكي يحملوا حتى النهاية نتائج تقديسهم. أمَّا عبارة "من اجلهم" فتشير الى الموت على الصليب لأجل تلاميذه. فمات يسوع على الصليب مكرّسا ذاته لخدمة الله فحمل لنا الخلاص وكرّسنا نحن لهذه الخدمة عينها، بحيث نسير حيث يسير. أمَّا عبارة " مُكَرَّسينَ بِالحَقّ" فتشير الى التلاميذ الذين بفضل عطية الروح القدس يستطيعون ان يعرفوا الله ويعبدوه على أنه الآب: هذه هي العبادة بالحق التي ستمتاز بها الازمة الاخيرية التي بدأت (يوحنا 4: 23). فتكريس التلاميذ يقوم على هبة الروح القدس وعلى ذبيحة الصليب. لذا هم عاجزون أن يقدسوا ذواتهم وبحاجة أن يُقدِّسهم الله (عبرانيين 10:10). فتقديس التلاميذ هو عمل إلهي من عمل الله نفسه. فالتلاميذ هم رسل في العالم ليعيشوا قداسة الله مثلما أرسل الله ابنه للعالم ليقدّس العالم. ومن المفسرين من يُشدِّد في التقديس على التطّهر من الخطيئة (يوحنا 15: 3)، ومنهم مَن يُشدِّد على الهبة الروحية التي تُمكِّن التلاميذ من القيام برسالتهم (يوحنا17: 20). وباختصار فان التكريس يعطي التلاميذ القدرة على القيام بالرسالة (يوحنا 10: 36)، لأنه يبعث المرُسلين لحمل الكلمة في داخل العالم، دون ان يعزلهم عنه. فالمسيحي هو اولا "رجل" كسائر الرجال الآخرين، لكنه هو مكرَّس: وهذا ما قاله يسوع: لِيَكونوا هم أَيضاً مُكَرَّسينَ بِالحَقّ. اننا مدعون ان نكون ملحا للأرض ونوراً للعالم (متى 5:13)، فعلينا ان نؤدِّي الدور الذي أرسلنا الله من اجله. وبعبارة أخرى، المسيحي هو مرسل في العالم ليعيش قداسة الله، مثلما أرسل الله ابنه ليقدِّس العالم. ويسوع يطلب ان تكون حياة تلاميذه المكرسين لخدمة الله واعمالهم وحتى كيانهم في الحق بعيدة عن الكذب. أمِّا عبارة "الحَقّ " فتشير الى الكلمة التي في البدء، والتي هي الله (يوحنا 1: 1).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 17: 11-19)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 17: 11-19)، يمكن ان نستنتج موضوع صلاة يسوع من أجل تلاميذه لتلاميذه التي تتمحور حول وحدتهم وفرحهم وحفظهم من الشرير.

1) صلاة يسوع من أجل وحدة التلاميذ (يوحنا 17: 11)

بعد صلّى يسوع لأجل ذاته: (17: 1-8) صلّى من أجل وحدة التلاميذ وفرحهم وحفظهم من الشرير. صلّى يسوع من أجل وحدتهم لكي تعكس هذه الوحدة وحدة الآب والابن "لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" (يوحنا 17: 11). وإن أعظم امنية يطلبها يسوع لتلاميذه هي ان يكونوا واحداً. فقد اراد ان يكونوا متحدين كشهادة قوة لحقيقة محبة الله. "فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً: كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنا 17: 22). وإن الوحدة ضرورية حتى تعلن عن طريقها للعالم محبة الآب، التي أظهرها تعالى ببذل ابنه الوحيد (يوحنا 3: 16) ولكي يصبح كل البشر واحداً في المسيح كما يصرّح بولس الرسول "فنَصِلَ بِأَجمَعِنا إِلى وَحدَةِ الإِيمانِ بِابنِ اللهِ" (أفسس 4: 13). إذ ذاك تتحقق أمنية يسوع السامية هذه "أيها ألآب، لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" (يوحنا 17: 22).

إن أتعس ما في الحياة، هو سوء التّفاهُم والانشقاق في الكنيسة الواحدة، خاصّة تلك الّتي تعيش تحت سقفٍ واحد. ونعني بالانشقاق هو الانشقاق الدّاخلي الّذي يقوم على الحِقد والغَضب والمُشاحنة، وهذا ما عناه بولس برسالته: " أُناشِدُكُم، أَيُّها الإِخوُة، باِسمِ رَبِّنا يسوعَ المسيح، أَن تقولوا جَميعا قَولاً واحِداً وأَلاَّ يَكونَ بَينَكُمُ اختلافات، بل كُونوا على وِئامٍ تامّ في رُوحٍ واحِدٍ وفِكرٍ واحِد" (1 قورنتس1: 10)، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة ومُجتَهِدينَ في المُحافَظَةِ على وَحدَةِ الروحِ بِرِباطِ السلام" (أفسس 4: 2-3). ولكن إن تفّرقنا وأقام كل واحد لنفسه اسماً آخر كما حدث في رواية بناء برج بابل: "تَعالَوا نَبْنِ لَنا مَدينةً وبُرْجًا رَأسُه في السَّماء، ونُقِمْ لنا آسْمًا كَي لا نَتَفَرَّقَ على وَجهِ الأَرضِ كُلِّها"، (التكوين 11: 4) ستضعف إمكانية تحقيق وحدتنا. وهنا الكارِثة، كما قال المسيح: " كُلُّ مَملَكةٍ تَنقَسِمُ على نَفْسِها تَخْرَب، وكُلُّ مَدينةٍ أَو بَيتٍ يَنقَسِمُ على نَفْسِه لا يَثبُت (متى 25:12). المسيح الّذي كان يعرف ما في الإنسان " فعَلِمَ أَفكارَهم" (لوقا 8:6)، كان يعلم أيضاً ماذا سيحدث بعده وسط الجماعة الّتي أرادَها واحدة، وصلّى لها أن تبقى واحدة. لذا فهو لم يألف جُهْداً من التّحذير من الانقسام والانشقاق، حيث صلّى عدّة مرّات من أجل تلاميذه ليبقوا واحداً، كما أنّه وأبوه واحد، وتحت رعاية راعٍ واحد" (يوحنا 10: 16، 17: 21).

وتقوم وحدة الكنيسة على ثلاثة عوامل: الأوّل أساسها وهو المسيح حجر الزّاوية" (لو 17:20)، ثمَّ الرّئِآسة الواحدة، وهي بطرس وخلفاؤه "أنت بطرس-الصّخرة-وعلى هذه الصّخرة أبني كنيستي (متّى 18:16)، ثمَّ التّعليم والوصايا الّتي وضعها بين يدي تلاميذه وأَمرهُم بالتّبشير بها (متّى 19:28). وفي هذه الصدد قال البابا بندكتس "كنيسة المسيح الحقيقيّة، هي الّتي تَقْبَلُ بكل تعاليم يسوع وتَفْهَمُها بروحِه، كما هو عناها. هذه التّعاليم كلُّها هي موجودة فقط في الكنيسة الكاثوليكيّة، لا في الكنائس الثّانية، مِثْلَا إدارة الكنيسة الدّائمة ابتداءً من الاعتراف بأولويَّة بطرس ونقلها إلى كلِّ خلفائه. مثلاً إعطاء سلطته للكهنة، الّذين ميّز دورهم عن دور المُعمّدين والمبشِّرين الآخَرِين. لهؤلاء قال "اصنعوا هذا لذكري"، أي الاحتفال بالقدّاس (لوقا 19:22)، فهم يُشغِلون وظيفة أعلى من وظيفة المُعمَّد فقط". وأضاف هذا لا يعني أن باقي الكنائس لا تحمل في طيِّ تعليمها طُرُقاً وإرشادات تساعد على الخلاص".

وبما ان يسوع صلّى من اجل وحدة التلاميذ وان يحفظهم الآب باسمه (يوحنا 15: 11) ويكرسهم في الحق (يوحنا 15: 17) لا بُد وأنهم سيكونون في وحدة وبلا انشقاق وينعكس مجد المسيح عليهم كما طلب من الآب (يوحنا 15: 5)، حيث يتوجب علينا أن ننمّي هذه الوحدة، التي تمزِّقها الانشقاقات والبدع الانقسامات، والتحزّبات، والمنافسات الرديئة والاختِلافات (1 قورنتس 1: 10) وذلك بتجديد إيماننا الواحد في يسوع المسيح ربنا، لان الإيمان الذي يربطنا بالآب، كأبنائه، هو أساس وحدتنا في وجه العالم كما جاء في قول بولس الرسول: "هُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ" (أفسس 4: 5). ويُعتبر الحق محور هذه الوحدة، والحب هو عصبها والإيمان بالله الواحد والمعمودية الواحدة والتناول من جسد المسيح الواحد والمحبة ووحدانية القلب مصادر الوحدة (أفسس 1:4-6).

2) صلاة يسوع من أجل فرح التلاميذ (يوحنا 17: 11-13))

صلّى يسوع ايضا من اجل فرح تلاميذه في انجاز مهمته. "أَمَّا الآنَ فإِنِّي ذاهِبٌ إِلَيكَ. ولكِنِّي أَقولُ هذه الأَشياءَ وأَنا في العالَم لِيَكونَ فيهِم فَرَحي التَّامّ" (يوحنا 17: 13). ويتسأل القديس أوغسطينوس "لكن ما هو هذا الفرح الذي يريد أن يغمر تلاميذه؟ لقد أوضح هذا الأمر سابقًا، عندما قال: "لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد". هذا الفرح الخاص به والذي أعطاهم إيّاه، يعدهم بأن يبلغوا كماله، هذا الفرح، هو السلام والسعادة في العالم المقبل، لكي نناله، علينا أن نعيش في هذا العالم بالاتّزان والعدالة والتقوى ".
ويتكلم الرب عن الفرح الروحي الذي هو ثَمَرة الروح القدس (غلاطية 5: 22). وما هو الفرح الحقيقي إن لم يكن ملكوت السماوات؟ وما الملكوت إن لم يكن الرّب يسوع المسيح؟ "الفرح" علامة حياة تنمو، وميزة زمن الخلاص والسلام (اشعيا 9: 2) وفي انجيل يوحنا يبدو فرح المسيح القائم من الموت نصيب التلاميذ الذين يحيون بالحياة الجديدة. فرح المسيح هو عطية إلهية، نعمة مجانية، وفي نفس الوقت وصية نلتزم بها، لذا يوصينا الرسول بولس وبَعدُ، أَيُّها الإِخوَة، فافرَحوا في الرَّبّ" (فيلبي 3: 1)، "إِفرَحوا في الرَّبِّ دائِمًا، أُكرِّرُ القَولَ: افرَحوا"(فيلبي 4: 4). وهذا الفرح الذي يضعه المسيح فينا لا يستطيع أحد أو أي ظروف أن ينزعه منا "وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح "(يوحنا 22:16).

فإن الإنجيل يدعو إلى الفرح. وإن دعوة يسوع هي نبع فرح "قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً" (يوحنا 15: 11). إن يسوع، بالصليب، ينطلق الى الآب، فكان لتلاميذ أن يفرحوا بذلك، إن كانوا يحبونه "لو كُنتُم تُحِبُّوني لَفَرِحتُم بِأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب" (يوحنا 14: 28)، لان غاية من هذا الانطلاق فهي هبة الروح "فَإِن لم أَذهَبْ، لا يَأتِكُمُ المُؤيِّد. أَمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم (يوحنا 16: 7). إنهم، بفضل هذه الهبة، سيحيون حياة يسوع (يوحنا 14: 11)، لأنهم سينالون من الآب كل شيء، عندئذ سيتبذل حزنهم الى فرح، وسيكون فرحهم كاملاً، ولن ينزعه منهم أحد (يوحنا 14: 13-14). وفي هذا الصدد قال القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "أمّا الصليب، فهو مشيئة الآب ومجد الابن وفرح الروح القدس".

لكن العالم لا يقبل فرح يسوع، لأنه يأتي من خارج العالم، وهكذا سيكون الخلاف بين أبناء الله والعالم. كما تنبأ يسوع " إِنِّي بَلَّغتُهم كَلِمَتَكَ فأَبَغَضَهُمُ العالَم لأَنَّهُم لَيسوا مِنَ العالَم كما أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم" (يوحنا 17: 14) التلاميذ سيعانون الشدة (يوحنا 16: 33). إن طريق السعادة والفرح في ملكوت الربّ تمرّ بالصليب. لم يكن الصليب هزيمة بل انتصار – انتصار على الخطيئة وعلى قوى الشرّ في العالم وعلى الشيطان –وهي انتصار حاسم، وهي لنا سلام وفرح في نهاية الأمر. فهل تعرف فرح انتصار المسيح الفصحي على الخطيئة والموت؟

ونستنتج مما سبق أن التلاميذ لم يفهموا أن الألم يقود إلى القيامة، إلى حد أنهم لم يجرؤوا على أن يستسلموا للفرح الذي أخذ يغمر قلوبهم لدى ظهوراته لهم (يوحنا 24: 41). ولكن عندما صعد يسوع إلى السماء، وبعد ان بيّن لهم كيف أن الكتب قد تمَّت فيه، وبعد أن وعدهم بقوة الروح (يوحنا 24: 44)، فإنهم "رَجَعوا إِلى أُورَشَليم وهُم في فَرَحٍ عَظيم" (لوقا 24: 52). لقد أتت كلمة يسوع بثمرها: من يؤمنون به، لهم ملء فرحه (يوحنا 17: 13) وإِنَّنا نَكُتبُ إِلَيكم بِذلِك لِيَكونَ فَرَحُنا تامًّا (1 يوحنا 1: 4).

كان أعضاء الجماعة المسيحية الأولى حقا يعيشون في فرح ودعة وسَلامةِ قَلْب (أعمال 2: 46)، لان "مَلَكوتَ اللهِ بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس" (رومة 14: 17). ويعلق القدّيس أفرام السريانيّ " لِمَ لا ندخل نحن أيضًا في نهر هذا الفرح؟" لنفرح به كما فرِح هو بنا". فلنفرح مع القديس أنسيلموس قائلين "ربّي وإلهي، يا رجائي وفرح قلبي، لقد وجدت بالفعل فرحًا تامًّا ، لأنّ قلبي، ونفسي وروحي، وكلّ كياني بكونه مليئًا من فرحك الّذي يفيض دون مقياس"

3) صلاة يسوع من أجل حفظ التلاميذ من الشرير

صلّى يسوع أخيرا لتلاميذه لكي يَحفظهم الآب السماوي من الشرير. لم يصلِّ يسوع كي يأخذ الآب التلاميذ من العالم، لان ذلك يعطل الغرض الالهي، ولكن لكي يَحفظهم من الشيطان "لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير" (يوحنا 17: 15). كان على المسيح أن يذهب الى الآب، بينما هم يجب ان يبقوا في العالم ليتمِّموا مهمة الآب "كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم" (يوحنا 17: 18). وصلي كي يقدِّسهم ألآب في حياة الحق المجسّدة في شخصه وهي حياة الطهارة والقداسة "كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ" (17: 17).

ولم يهمل المجمع الفاتيكاني هذا الدور الهام " إن كهنة العهد الجديد بموجب دعوتهم وسيامتهم، أصبحوا مفروزين بنوع ما وسط شعب الله، ولكن لا ليكونوا في عزلة عنه أو عن أي إنسان، وإنما ليكونوا مكرّسين كليا للعمل الذي من اجله اختارهم الرب (أعمال الرسل 13: 2). وإنهم لا يستطيعون أن يكونوا خدّاما للمسيح، إن لم يكونوا شهوداً وموزَّعين لحياة غير هذه الحياة الأرضية، ولكنهم لن يستطيعوا ان يخدموا الناس، إذا ظلوا غرباء عن حياتهم وظروفهم وأحوالهم" (مجمع الفاتيكاني، في حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية، 3).

ولم يطلب يسوع حفظ تلاميذه بإزالة التجارب والضيقات من طريقهم، وإنما لينعموا بالنصرة في صراعهم ضد الشر، وهو حفظهم من الفساد الذي حلَّ بالعالم، وذلك ان يهبهم روح القوة والنصرة على شر العالم فلا يقترب إليهم الشرير. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يحفظهم من الشر الأخلاقي، من الرذيلة، وضعف القلب". ولا يقف عمل الله فيهم عند حفظهم من من الشر والشرير، وإنما يمتد إلى العمل السلوك بالقداسة والصلاح وعمل البرّ، وتقديسهم أيضًا بمعنى النمو المستمر في الإيمان والالتهاب الدائم للقلب بروح الله. أمِّا وسيلة التقديس فهي "في حقك"، "كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ " (يوحنا 17: 17)، أي خلال كلمة الله. بالكلمة والصلاة

الخلاصة
جاء يسوع الى العالم لينتزع البشر من خلال موته من عبودية الشيطان ويرميه خارجاً (يوحنا 12: 31) لذلك طلب من الآب السماوي طلبين لتلاميذه الطلب الأول: أحفظ التلاميذ (يوحنا 17: 11-16) حيث يصلي يسوع ان يحفظهم في الوحدة “لِيَكونوا واحِداً كما نَحنُ واحِد" (يوحنا 17 :11)، ويحفظهم في الفرح: أَمَّا الآنَ فإِنِّي ذاهِبٌ إِلَيكَ. ولكِنِّي أَقولُ هذه الأَشياءَ وأَنا في العالَم لِيَكونَ فيهِم فَرَحي التَّامّ (يوحنا 17: 13)، ويحفظهم من الشرير " لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرِّير (يوحنا 17: 16). اما الطلب الثاني فهو "كَرِّسْهُم. "كَرِّسْهُم بالحَقّ إِنَّ كلِمَتَكَ حَقّ"(يوحنا 17-19). يطلب يسوع لتلاميذه من آبيه نعمة التكريس أو التقديس للرسالة التي ستكمّل رسالته بعد أن يغادر هذه الأرض. "كَمَا أَرسَلَتني إِلى العالَم فكَذلِكَ أَنا أَرسَلتُهم إِلى العالَم" (يوحنا 17 :18). انه يريدهم لله بكليتهم، مكرسين لعمله في الحق. والحق ليس الأمانة للعهد والشريعة فحسب، أنما أيضاً الأمانة لكلمة الله، "حقيقة الإنجيل" (غلاطية 2: 5) أي ملء الوحي الذي يجد مركزه في المسيح، " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة" (يوحنا 14 :6). إنّ معرفتنا بالربّ يسوع الّذي قد صلّى من أجلنا نحن تلاميذه لا بدّ أن تعطينا الثقة ونحن نعمل من أجل ملكوته.

دعاء
أيها ألاب السماوي، نسألك باسم يسوع ابنك الذي صعد الى السماء ليتشفع فينا، ان تحفظنا باسمك وتحمينا من الشرير وتهبنا الوحدة لنعيش في شركة محبة، فنسير على وفق دعوتنا المسيحيّة، فنكون شهوداً للحق أمام العالم فنَصِلَ بِأَجمَعِنا إِلى وَحدَةِ الإِيمانِ بِابنِ اللهِ ومَعرِفَتِه ونَصيرَ الإِنسان الرَّاشِد ونَبلُغَ القامةَ الَّتي تُوافِقُ كَمالَ المسيح " (أفسس 4: 13).

يا رب، لا اسالك ان تعفيني من التعب، بل ان تمنحني القوة على عمل ما عليَّ؛
ولا اسالك الخلو من التجارب، بل النعمة لأقوى عليها،
ولا أسألك عدم حلول المصائب، بل التعزية والفرح الثبات في محبة الله
ولا أسالك ان تخرجني من العالم، بل أن افيد العالم مدة بقائي فيه.

قصة وعبرة: في الوحدة القوة

من لا يعرِفها قصّة الملك، الّذي كان له أولادٌ كثيرون وكان لا يُريد تقسيم مملكته إلى ولاياتٍ صغيرة، لكلِّ واحدٍ حُصَّتُه الصغيرة، بل أرادها أن تبقى مملكة مُوحّدة مُتكاملة لهم جميعاً لا ولاياتٍ صغيرة مُستقلَّة، بحدود فاصِلَة مُتعادية. فجمعهم حول فراش موته وقدّم لهم حُزْمَةَ عصيٍ مربوطة وطلب من اولاده واحداً واحداً أن يحاول كسرها، فلم ينجحوا. لذا حلَّ الرّباط عن العصي وأعطى كلَّ واحدٍ منهم عصا واحِدة، طالباً منهم مُحاولةَ كَسْرِها. فنجح كلُّ واحدٍ بكسر عصاه بسهولة. لا لحاجة لشرح مغزى هذه القصّة مُطوَّلاً. الوحْدَة والاتحاد هما قُوّةٌ يصْعُب خَرْقُها.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء