يسوع يشفي الأصم المعقود اللسان

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

يسوع يشفي الأصم المعقود اللسان

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/09/08

يصف انجيل مرقس انصراف يسوع من الجليل الى الاراضي الوثنية، وينفرد بين الاناجيل في رواية شفاء يسوع أَلأصَمَّ المَعقود اللِّسان في احدى المدن العشر. وشفاء الاصم يدل على خلاص الله الآتي ومجيء المسيح وملكوت الله الى البشرية بحسب ما جاء في نبوءة اشعيا "آذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم" (اشعيا 6: 5). وهي معجزة تظهر كيف أن يسوع يعيد التواصل الانسان مع الله ومع الآخرين. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل مرقس (مرقس 7: 31-37)

31 وانصَرَفَ مِن أَراضي صور ومرَّ بِصَيدا قاصِداً إِلى بَحْرِ الجَليل، ومُجتازاً أَراضِيَ المُدُنِ العَشْر

تشير عبارة " انصَرَفَ " الى خروج يسوع من الأراضي الوثنية، تخوم صور وصيدا حيث خلَّص نفس المرأة الكنعانية (مرقس 7: 23-30)، ولم يرد أن يبقي كثيرًا بين الأمم حتى لا يتعثر فيه اليهود كمخالف للشريعة، حيث يرونه في شركة مع الأمم الوثنية الدنسة. أمَّا عبارة " صور" فتشير الى اسم سامي צוֹר معناه " صخر" وهي مدينة فينيقية شهيرة وقديمة جداً (اشعيا 23: 7 )، وخضعت صور لمصر في القرن الخامس عشر قبل الميلاد كما يبدو من ألواح تل العمارنة. وكانت تعتبر حصناً في أيام داود الملك (2 صموئيل 24: 7) وكان لحيرام ملكها علاقة ودية مع داود وسليمان وقد أرسل لهما بعض المواد للبناء، حيث بنى الأول بيته (1 ملوك 5: 1) وبنى الثاني الهيكل (1 ملوك 9: 10-14). ثم استولى عليها الرومانيون. ومرّ الرب يسوع على شواطئ صور وصيدا (متى 15: 21-28). واتصل به قوم من تلك المنطقة (مرقس 3: 8). وقال يسوع إن مسؤولية تلك المدن الوثنية كانت دون مسؤولية المدن التي حول بحيرة طبرية بكثير لأن هذه كانت دوماً تسمع بشارته وترى العجائب (متى 11: 21 - 22) ودخلت المسيحية إلى صور منذ بدء العهد الرسولي وشُيِّدت فيها كنيسة ذكرى لمرور بولس الرسول منها ومكوثه فيها سبعة أيام (اعمال 21: 3 - 4). أمَّا عبارة " ِصَيدا " اسم سامي צִידוֹן معناه "مكان صيد السمك"، وهي مدينة فينيقية قديمة غنية مبنية على بعد 35 كم شمالي صور. وهي تُعد من أقدم مدن العالم واسمها مأخوذ من بكر كنعان بن حام بن نوح (التكوين 10: 15). وفي عام 64 ق. م. استولى عليها الرومانيون. وقد أتى إلى الجليل قوم من صيدا ليسمعوا بشارة يسوع ويشهدوا عجائبه (مرقس3: 8). وقد جاء يسوع مرة إلى نواحي صور وصيداء ولم يقل الكتاب المقدس أنه دخلهما (متى 15: 21 ومرقس 7: 24). أمَّا عبارة " قاصِداً إِلى بَحْرِ الجَليل " فتشير إلى عودة يسوع الى الجليل كما نقرأ في بعض المخطوطات الأخرى. ذهب يسوع الى شمال صور، ثم عاد الى الجنوب الشرقي ماراَ في المدن العشر. أمَّا عبارة " بَحْرِ الجَليل" فتشير الى بحيرة عذبة تستمد مياهها من نهر الأردن واسمها " بَحرِ كِنَّارةَ " יָם כִּנֶּרֶת‬ (عدد 34: 11) ثم " بُحَيْرَةِ جِنَّاسَرِت" גִּנֵּיסַר (لوقا 5: 1) وبحيرة طبرية (يوحنا 6: 1)، وهو الاسم المعروف لدى العرب. ولهذه البحيرة شأن عظيم في الأناجيل في تاريخ حياة السيد المسيح في بدء حياته العلنية. فإن كفرناحوم التي كثيراً ما وطئتها أقدام المسيح تقع على شاطئها. ومنها اختار أربعة من تلاميذه الصيادين الذين جعلهم "صَيادَي بَشَر" (مرقس1: 17). وبعد قيامته اجتمع بهم على شاطئ ذلك البحر، لأنهم كانوا قد رجعوا إلى هناك يشتغلون بحرفتهم القديمة. ويبلغ طول سواحلها 53 كم وطولها 21 كم وعرضها 13 كم، ومساحتها تبلغ 166 كم2 وأقصى عمق فيها يصل إلى 43 متر. وسطحها يقل ارتفاعاً بنحو 215م عن سطح البحر الأبيض المتوسط. وبسبب انخفاض سطحها فمناخها نصف حار. أمَّا عبارة " المُدُنِ العَشْر" باليونانية Δεκάπολις ديكابولس، (معناها المدن العشرة) فتشير الى حلف العشر مدن غالبيتها تقع في شرق الاردن، الاَّ واحدة في شرقي بحيرة طبرية، والمدن العشرة تقع بين حدود ربع انتيباس وربع فيلبس وتخضع لحاكم سوريا .وسكنها مهاجرون يونانيون اثر هجوم الاسكندر المقدوني على الشرق، وهذه المدن هي، على الأغلب، وحسب تحديد المؤرِّخ بليني: سكيتوبولس (بيسان)، هيبوس، دمشق، جدارة (ام قيس)، رافانا، قناتا (قنوات)، بلاَّ، ديون، جيراسا (الجرش)، فيلادلفيا، (ربة عمون أي عمان)، ثم اضيفت إليها ثمانية مدن أخرى. وكانت منطقة مزدهرة تجارياً، لموقعها الجغرافي الطبيعي وسط سورية. وكانت تتخللها ثلاثة طرق، وتمر بها طريق رئيسية رابعة بين دمشق وشبه الجزيرة العربية. واستمر ازدهارها إلى عهد الرومان. وقد ذكرت المدن العشر ثلاث مرات في الاناجيل (متى 4: 25 ومرقس 5: 20 و7: 31) نظرا لتجوال المسيح فيها ثلاث مرات، وهذا الامر يعني ان يسوع ترك أرض الميعاد، أرض الإيمان، للغوص في قلب أرض غريبة، أرض وثنية. وليس هدف هذا الآية وصف تنقلات يسوع بقدر ما تشير الى ان حدت شفاء الاصم وقعت في ارض وثنية الذي يحدها من جهة الشرق المدن العشر ومن جهة الغرب صور وصيدا.

32 فجاءوه بِأَصَمَّ مَعقودِ اللِّسان، وسأَلوه أَن يَضَعَ يدَه عليه

تشير عبارة "فجاءوه " باليونانية φέρουσιν αὐτῷ (معناها يقدِّمونه) الى حاجة الاصم المعقود اللسان إلى الآخرين ليجلبوه أمام الربّ يسوع المسيح، ويبتهلوا من أجله، بكونه فاقد القدرة على الإصغاء وعلى التكلم بعكس مرضى آخرون كثيرون التجأوا الى يسوع بنفسهم عن طريق صراخهم مُعبّرين عن حاجتهم إلى الخلاص والشفاء. أمَّا عبارة "أَصَمَّ" باليونانية κωφὸν الى فقدان السمع. ويُعلق البابا فرنسيس " يُعبِّر صممه في الواقع عن عدم قدرته على سماع وعلى فَهمِ، ليس فقط كلام البشر، إنما أيضًا كلمة الله". أمَّا عبارة "مَعقودِ اللِّسان" باليونانية μογιλάλον (معناها مُعاق في القدرة على الكلام) فتشير الى تأتأة او ثقل اللسان حيث يتكلم بصعوبة وذلك لأنه أصم، وبسبب صَمَمِه التوى لسانه، وليس هو بالضرورة أخرس بل لا يستطيع النطق بلهجة واضحة. وهذه الحالة تشير الى تعليم ديني مستوحى من نبوءة أشعيا النبي القائل "حينَئِذ آذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح... ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم (35: 5-6). ولم تكرر هذه اللفظة "أَصَمَّ مَعقودِ اللِّسان " الاَّ مرتين (مرقس7: 32، 37) في الكتاب المقدس، وهذا الاصم المعقود اللسان يُمثل روحياً كل إنسان يصُم أذنيه عن سماع كلمة الله، ويعقد لسانه عن النطق بها، ويأبى ان يخاطب الله بالصلاة، ولذا فهو يمثل العاجز عن تسبيح الله لأنه سد أذانه عن سماع كلمة الله، ويمثل العاجز عن الشهادة للحق. إنّه صورة عن البشريّة المجروحة، الّتي لا تُصغي إلى صوت الله وصوت الآخرين والإجابة عليهم. وباختصار، إن الرجل الأصمّ معقود اللسان هو صورة الإنسان الخاطئ، المُنغلق على ذاته، غير القادر على إقامة علاقة مع الربّ ومع الآخرين. وأمَّا عبارة "وضَعَ يدَه عليه" فتشير الى تعبير مألوف في العهد الجديد يدل على سلطان يسوع في الشفاء. ويُقصد بها أيضا حركة طقسية لوضع الايدي (مرقس 5: 23) كما حدث مع هارون الكاهن اخ موسى "رَفَعَ هارونُ يَدَيه نَحوَ الشَّعْبِ وبارَكَهم وَنزَلَ، بَعدَ تَقْريبِ ذَبيحةِ الخَطيئَةِ والمُحرَقةِ والذَّبيحةِ السَّلامِيَّة" (احبار 9: 22). وهذا الأصم الأعقد يحتاج إلى وضع يدي المسيح عليه لكي يهبه إمكانية السماع لكلمة الله والنطق بها.

33 فانفَرَدَ بِه عنِ الجَمْع، وجعَلَ إِصبَعَيه في أُذُنَيه، ثُمَّ تَفَلَ ولَمَسَ لِسانَه.

تشير عبارة " فانفَرَدَ بِه عنِ الجَمْع " الى الانعزال عن الجمع؛ إنه يجذبه بلطف بعيدا عن الجو الوثني المحيط به إلى حياة جديدة، ويدعوه للقاء شخصيّ، وجهاً لوجه، ليُعيد إليه إمكانيّة الاتّصال فيدخل مجدداً في الحياة. ويُشعره بمحبته، وربما كان الانفراد به لتجنب تشتت الفكر والدعاية التي لا حاجة اليها وتجنب انظار الفضوليين وليدل على ان حدثا سامياً سيتم. أمَّا عبارة " جعَلَ إِصبَعَيه في أُذُنَيه" فتشير الى اتصال جسدي بين يسوع والاصم. ويحاول يسوع بهذه الحركات إعادة الاتصال. واخبار المعجزات في العالم الوثني تعرف مثل هذا الاتصال ليفتح الأذن الداخلية، فتسمع الصوت الإلهي عاملًا فيها. اما في المحيط اليهودي يُهمل هذا الاتصال، لان كلمة يسوع تكفي.، ولهذا لا يتكلم متى عن اتصال جسدي في شفاء اعمى اريحا (متى 8: 23). والإصبع هو إشارة للروح القدس (لوقا 11: 20، متى 28:12). عمل الروح القدس هو فتح حواسنا الروحية لندرك السماويات ويُعلّق القدّيس غريغوريوس الكبير "يُدعى الروح إصبع الربّ. وعندما وضع الربّ أصابعه في إذنيّ الأصمّ الأبكم، كان يفتح نفس إنسان نحو الإيمان بواسطة مواهب الروح القدس". أمَّا عبارة "تَفَلَ" فتشير الى استعمال اللعاب كدواء، حيث كان الاعتقاد السائد في الزمن القديم بان للعاب خصائص شفائية. وعليه فان يسوع يقوم بعمل مألوف لكن يضفي عليه فعالية جديدة (مرقس7: 33) او ربما قصد به ايقاظ ايمان الرجل للتعاون معه (مرقس 8: 23). أمَّا عبارة "لَمَسَ لِسانَه" فتشير الى لمسة يسوع الّتي تجعل الإنسان قادراً على التكلم من جديد، وقادراً من جديد على إقامة علاقة كاملة مع الناس. ولمسة يد الربّ تصل إلى كلّ شخص يحتاج إلى الحياة. وهنا يصف مرقس الإنجيلي طريقة شفاء استخدم بها حركات بشرية وجسدية محسوسة. انها تعبر عن كرامة الجسد وهي في الوقت نفسه أداة اتصال وتعبير؛ وهي تدل على حنو يسوع ورأفته بالمرضى والمعاقين. فجميع اسرار الكنيسة هي ايضا عبارة عن حركات محسوسة، بشرية وجسدية تمر النعمة الإلهية والروحية عبرها الى الانسان المؤمن.

34 ورَفَعَ عَينَيْهِ نَحوَ السَّماءِ وتَنَهَّدَ وقالَ له: إِفَّتِحْ! أَيِ: انفَتِحْ"

تشير عبارة "رَفَعَ عَينَيْهِ نَحوَ السَّماءِ " الى النظر الى الله العلي القدير الذي يجترح بقوته المعجزات. وبهذه الحركة يؤكد يسوع للأصم أن القوة التي ستشفيه هي من الله، وأنه متحدٌ مع الآب. فالمعجزة هي هبة من العلى، يلتمسها يسوع من الآب؛ وأن قوة الشفاء هي من الله وليست من بَعْلَزَبُول رئيس الشياطين (متى 3: 22). وهذه الحركة مألوفة لدى يسوع، حيث انها وردت عند تكثير الخبز ايضا (مرقس 6: 41) أمَّا "التنهد" فتشير الى التأوه او الأنين، وهي ليست علامة على الشعور العميق والشفقة ومشاركة يسوع وتعاطفه مع الانسان في المه وموته فحسب كما كان الحال مع عازر انما هي حركة نداء الى الله أمام عمل صعب كما حدث مع الفريسيين الذين يطلبون من يسوع آية (مرقس 8: 12). حيث ان التنهد تعبير عن عواطف الانسان البشرية الموجودة في شخص يسوع. إنّها الكلمة عينها يستعملها بولس الرسول " إنَّ الخَليقةَ جَمْعاءَ تَئِنُّ إِلى اليَومِ مِن آلامِ المَخاض،" (رومة 8: 22). وبعبارة أخرى، يصلي يسوع بجميع حواسه ليعيد الى المريض طلاقة لسانه؛ أمَّا عبارة "إِفَّتِحْ! فهي كلمة آرامية אִפַּתַּח معناها انفَتِحْ". استعملت هذا الكلمة في الرتبة القديمة للمعمودية في الكنيسة الأولى. وانطلاقا من نص اشعيا (اشعيا 35: 5-6) ان فتح الاذنين يُفهم عن طريق الاستعارة كرمز لإقامة الملك المسيحاني، وعلامة الشفاء الداخلي، لان الإنسان، المريض المنعزل عن الله والناس بسبب الخطيئة، هو رجل مُنغلق على ذاته، فهو بحاجة الى الانفتاح ولإصغاء والحوار والشركة. وكلمة " إِفَّتِحْ" تعبر عن إرادة الله أن تكون حواسنا مفتوحة على رسالة يسوع المسيح، ولذا فهي موجَّهة لكل الأمم وكل الوثنيين لتنفتح أذانهم ويسمعوا ويفهموا فيؤمنوا.

35 فانفَتَحَ مِسمَعاه وانحَلَّتْ عُقدَةُ لِسانِه، فَتَكَلَّمَ بِلِسانٍ طَليق

تشير عبارة "ف" (باليونانية εὐθὺς المتكررة في انجيل مرقس ومعناها في الحال) الى إعلان عن قدرة المسيح فنجد الشفاء فورياً، هنا نحن أمام سرّ الفداء، سرّ التضامن، ما يشكل أسلوب المسيح: إنّه يُعطينا قوّته بأخذه على عاتقه لخطايانا حتى الموت. "ما كانَ في العالَمِ مِن ضُعْف فذاكَ ما اختارَه اللهُ ليُخزِيَ ما كانَ قَوِيًّا" (1 قورنتس 1، 27). أمَّا عبارة "انفَتَحَ مِسمَعاه وانحَلَّتْ عُقدَةُ لِسانِه " فتشير الى قيمة العلامات التي تؤيد تعليما دينيا مستوحى من نبوءة اشعيا "حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح وحينَئذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم فقَدِ آنفَجَرَتِ المِياهُ في البَرِّيَّة والأَنْهارُ في البادِيَة" (اشعيا 35: 5-6). وتُبيّن هذه الآية ان يسوع صنع ما وعد به الله حين يأتي ليفدي شعبه. ان شفاء الاصم الاخرس يُتيح للإنسان ان يُدرك مخطط الله ويُفهمه. فاذا ما انفتحت آذاننا لسماع كلمة الله، تنفك عقد ألسنتنا للتسبيح والصلاة والشهادة.

36 وأَوصاهم أَلاَّ يُخبِروا أَحَداً. فكانَ كُلَّما أَكثَرَ مِن تَوصِيَتِهِم، أَكثَروا مِن إِذاعَةِ خَبَرِه

تشير عبارة "أَلاَّ يُخبِروا أَحَداً" الى طلب يسوع من الناس الاّ يذيعوا أخبار الشفاء لأنه لا يريد ان يُنظر اليه كصانع معجزات فحسب فيُخطئ الناس في فهم رسالته الحقيقية حيث لم يحن الوقت لكشف معنى المعجزة بشكل نهائي.، لان المعجزة تعلن عن سر الخلاص الذي أتى بها يسوع الى الناس. والواقع أعلنت المعجزة سر المسيح قبل إعلان البشارة عن سرِّه. أمَّا عبارة "أَكثَروا مِن إِذاعَةِ خَبَرِه" فتشير الى عدم مراعاة امر السكوت هنا كما لو كان من المستحيل أن يُحال دون اشعاع قدرة ابن الله. فسر المسيح يتجلى (مرقس 4: 21-22) ويُكشف خصوصا بمناسبة المعجزات.

37 وكانوا يَقولونَ وَهُم في غايةِ الإِعْجاب: قَد أَبدَعَ في أَعمالِه كُلِّها، إِذ جَعلَ الصُّمَّ يَسمَعون والخُرْسَ يَتَكَلَّمون!

تشير عبارة "وَهُم في غايةِ الإِعْجاب" الى تعجب الجمع على جواب الانسان: من هو يسوع؟ أمَّا عبارة " قَد أَبدَعَ في أَعمالِه كُلِّها" فتشير الى هتاف الشعب الذي يستبق اعتراف الجماعة المسيحية بما يصنعه الله بواسطة يسوع في نهاية الأزمنة. يعود بنا هذا النص إلى بداية الخليقة، " رأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدًّا " (التكوين 1: 37). فالذي كان يعمل في البدء لأجل الإنسان هو بعينه قد جاء ليجدد الخليقة، ويرد للإنسان بهجته وسلامه. فنحن هنا أمام موضوع الخلق الجديد. جاء يسوع وهو يحمل الشفاء لأجساد الناس والخلاص لأرواحهم. لقد كان يخلق من جديد. وهكذا تكوَّنت في يسوع بشرية جديدة. وكان اليهود ينتظرون إعادة بهاء الفردوس في نهاية الأزمنة. أمَّا عبارة "جَعلَ الصُّمَّ يَسمَعون والخُرْسَ يَتَكَلَّمون!" فتشير ان الجمع الذي شاهد يسوع يشفي الصم الاخرس (مرقس 9: 25)، وهم الآن يستشهدون بنبوءة أشعيا " حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح" (35: 5). وهنا يؤكد مرقس الإنجيلي ان يسوع حقَّق رجاء الشعوب الذي وعد به أشعيا. وتحقق هذا الرجاء في خليقة جديدة، في إنسان جديد ينفتح مسمعاه وتنحل عقدة لسانه، فيسمع ويتكلم بلسان طليق!

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 7: 31-37)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس 7: 31-37) يمكننا ان نتناول موضوعين: معجزة الشفاء والصمت. ومن هنا نسأل ما هو موقف يسوع من المعجزة؟ ثم لماذا يوصي السيد المسيح بالصمت عن اعلان معجزة شفاء الاصم؟

السؤال الأول: ما هو موقف يسوع من المعجزة؟

إن المعجزة آية إلهية فعالة تُظهر تجلّي الله وخلاصه حيث أنها تمتاز بوجه خاص بالكشف عن قدرة الله. فالمعجزة هي إنجاز "مستحيل" على الإنسان تحقيقه، لكنه في متناول الله وحده كما يترنم صاحب المزامير "لأَنَّكَ عَظيمٌ وصانعُ العَجائب وَحدَكَ أَنتَ اللّه" (مزمور 86: 10). ومن هذا المنطلق، فان الله يُظهر عن طريق المعجزة مجده كما أكد موسى النبي في حديثه عن معجزة المن والسلوى "وفي الصَّباحِ تَرَونَ مَجدَ الرَّبّ" (خروج 16: 7)، ويُظهر الله أيضا شعاع قداسته كما جاء في نشيد موسى النبي "مَن مِثلُكَ جَليلُ القَداسة مَهيبُ المآثِرِ صانِعُ العَجائب؟ "(خروج 15: 11). وهي أخيراً مواهبه المجانية (تثنية 6: 10-12) دالّة على محبّة الرب كما جاء في قول صاحب المزامير "فلْيَحمَدوا الرَّبَّ لأَجل رَحمَتِه وعَجائِبِه لِبَني البَشَر" (مزمور 8:107). وقد أظهر يسوع هذه المحبة الخلاصية. فمن ناحية تحرك يسوع بدافع من حنانه البشري (مرقس 1: 41) وأبعد بقوة معجزاته المرض، والموت، وعداء الطبيعة للإنسان، وباختصار، ذلك الخلل الذي وجد علته في الخطيئة كما قال يسوع لِلمُقعَد"يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك"(مرقس 2: 5).

وقد أبرز يسوع أيضا القيمة النبوية للمعجزات التي صنعها هو بنفسه لصالح الوثنيين (مرقس 7: 31-37). كما ركّز يسوع في المعجزة على نيَّة دينيه مقصودة واختار وضع الصلاة في معجزة الشفاء " ورَفَعَ عَينَيْهِ نَحوَ السَّماءِ "(مرقس 7: 34)، كي يميز السحر عن المعجزة. وهكذا بالمعجزة "قد جعل يسوع آية لشعبه". فأظهر يسوع أن الملكوت الذي بشَّر به الأنبياء، قائم في شخصه "العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون" (متى 11: 5)، فأثار إعجاباً حمل الناس على أن يسألوا أنفسهم من هو كما حدث في معجزة تسكين العاصفة "فتَعَجَّبَ النَّاسُ وقالوا: مَن هذا حتَّى تُطيعَه الرِّياحُ والبَحر؟" (متى 8: 27). فالمعجزة تدل أنه حقاً هو ما يقوله عن نفسه.

ونستنتج مما سبق انه لا يجوز أن تُفصل معجزته عن كلمته حيث ان كلمة البشارة هي أعظم من المعجزات كما صرّح يسوع "َيَكونُ ابنُ الإِنسانِ آيَةً لِهذا الجيل" (لوقا 11: 32). فهي تفرض نفسها بمثابة الآية الأولى والوحيدة الضرورية كما قال يسوع لتوما الرسول: "أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا". (يوحنا 20: 29)، إن البشارة تؤيَّد بالمعجزات، وتُميز المعجزات عن العلامات الكاذبة كما صرّح يسوع لتلاميذه "فسَيَظهَرُ مُسَحاءُ دَجَّالونَ وأَنبِياءُ كَذَّابونَ يَأتونَ بِآياتٍ وأَعاجيب، لِيُضِلُّوا المُختارينَ لو أَمكَنَ الأَمر" (مرقس 13: 22). وباختصار "المعجزات تميز التعليم، والتعليم يميز المعجزات" كما قال بسكال الفيلسوف.

المعجزة بحد ذاتها ليست علامة ألوهية من يُتمَّها (مثلا إيليا واليشاع). يمكن ان تكون المعجزة التي اجترحها يسوع مستنداً لمصداقية كلماته وهو يطلب منا ان نؤمن بكلمته. معجزة يسوع هي موضوع إيمان لنا أكثر منه علامة تساعدنا على الايمان، فالمعجزات تُغذِّي ايماننا، لكن لا تأسِّسه. نحن نؤمن بيسوع، لأنه يبدِّل حياتنا ولان إعلان المسيح القائم من الموت يضفي معنى جديدا على كل ما نعيشه، ويوّلد علامات جديدة يقرأها إيماننا

أمَّا موقف الكنيسة من المعجزة ما هو الا تكملة لعمل الرب يسوع. في الكرازة الأولى في الجماعة المسيحية الأولى كانت هذه الآيات "تؤيد" يسوع (أعمال 2: 22) وتعلن عطفه (10: 38) وتشير لحقائق كنسية، كالافخارستيا" في معجزة تكثير الخبز، والمعمودية في معجزة شفاء اصم (مرقس 7: 31-37)، والنشاط الرسولي في معجزة الصيد العجيب (لوقا 5: 1-11). فتأمّل آيات الحياة النابعة من جنب المسيح "المرفوع على الصليب" كآية ليس أسمى منها (لوقا 12: 33)، يعني الإيمان بأن يسوع هو المسيح، ابن الله العامل في الكنيسة، والحاصل على الحياة باسمه "وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه. (يوحنا 20: 30-31). وخلاصة القول، يؤكد مرقس الإنجيلي أن يسوع حقق رجاء الشعوب الذي وعد به أشعيا. ويتحقق هذا الرجاء في خليقة جديدة في انسان جديد، إنسان ينفتح مسمعاه وتنحل عقدة لسانه، فيسمع ويتكلم بلسان طليق.

السؤال الثاني: لماذا يوصي السيد المسيح بالصمت عن اعلان معجزة شفاء الاصم؟

ان السكوت هو من المواضيع الاساسية في انجيل مرقس. في نظر مرقس لا يتضمن رد فعل يسوع بالتوصية بالصمت في اعلان المعجزة اي استنكار لهويته كابن الله وانه المسيح المنتظر، بل هذا الاعلان سابق لأوانه قبل انتهاء رسالة يسوع بالموت والقيامة.

ا) فرض الصمت على المستفيدين من معجزاته:

في انجيل مرقس فرض يسوع الصمت على المستفردين من معجزاته: بعد إبراء الابرص (مرقس 1: 44)، وإحياء بانة يائيرس (مرقس 5: 43) وشفاء الاصم (مرقس 7: 36) وأخيرا شفاء اعمى بيت صيدا (مرقس 8: 26). وقد فرض يسوع الصمت بعد هذه المعجزات لأنها ظواهر مقنعة خاصة ًبمسيحانية يسوع ولاهوته، كما يبدو ذلك جليا من جواب يسوع الى يوحنا المعمدان حيث يُعدد فيها علامات مسيحانيته ولاهوته "العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون،" (متى 11: 5). " والفُقراءُ يُبَشَّرون هو العنصر الجازم بنظر مرقس الإنجيلي، لان الإجابة بالإيمان تحتم الى اعلان البشارة، الشفاءات التي قام بها يسوع هي جزء من اعلان هذه البشارة، لان اعمال يسوع أوضح تعبيراً من أقواله. وهذه المعجزات من الشفاء هي علامات تظهر اعمال قوة الإلهية تدعو الى الايمان والتوبة.

لا يريد المسيح ان يعرف الجمع حاليا " أنه المسيح. لان هذا اللقب شديد الالتباس. قد يثير هذا اللقب اليهود بأنه المسيح المنتظر بحسب مفاهيمهم فيثوروا على الرومان. ولا يريد يسوع ان يُنظر اليه الجمع كصانع معجزات فحسب، وبالتالي يخطئ الناس فهم رسالته الحقيقية انما يريد يسوع ان نعرفه مخلص نهاية الازمة، وعلامة مجيئه هي نبوءة اشعيا الني "حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح" (35: 5). ويسوع بشفائه الاصم الاخرس يتممَّ ما أنبأ به اشعيا النبي. وستظل هوية المسيح غامضة حتى الموت على الصليب.

ان يسوع أنذر الابرص ان لا يخبر أحداً بشفائه من البرص لكن الابرص لم يستطع ان لا يكشف قدرة ابن الله بشفائه (مرقس1: 44). لم يُراع امر السكوت كما لو كان من المستحيل أن يُحال دون اشعاع قدرة ابن الله. وبعد احياء أبنة يائيرس أحد رؤساء المجمع اوصى يسوع الا يعلم احدا بذلك لان هذه المعجزة لا يُدرك معناها حقا إلا بعد قيامة يسوع (مرقس 5: 43).

إن ّ معجزة يسوع لا تتحدث أولاً عن قدرته بقدر ما تتحدث عن رسالته. لم يأتي ليشفِ طبلة أذن أو أذن داخليّة. إنّه أتى ليشفِ صمم القلوب. بشفائه للأصمّ، يريد يسوع أيضاً أن نفهم بأنه هو من ننتظر، المسيح الموعود من الله. والمُعلن عنه من قبل النبي أشعيا. ولكن مسيحاً لا يمكن الاعتراف به واستقباله إلاَّ في حقيقتنا وحقيقة الله.

ونرى المشهد نفسه لدى شفاء اصم من المدن العشر. فيسوع يوصي الجمع الا يخبروا احدا؛ لأنه لم يكن يريد ان يُنظر اليه كصانع معجزات فحسب فيخطئوا فهم رسالته الحقيقية الا ان هتاف الشعب يستبق اعلان الرسل للبشارة بموت المسيح وقيامته (مرقس 7: 36) ونرى المشهد يتكرر في شفاء اعمى في بيت صيدا (مرقس 8: 26). ومن هنا نرى ان المرضى المتعافين قد صاروا صورة سابقة للمبشرين بالإنجيل (5/19-20 و7: 36).

ويوضِّح مرقس ان سر المسيح لن يُكشف إلاّ بعد القيامة، وعليه فان المعجزات لا تُفهم الا بعد موته وقيامته المجيدة من بين الاموات. ونستنتج مما سبق انه حين لا يعمل الناس بوصية الصمت التي فرضها يسوع، فالناس لا يستنتجوا ان يسوع هو المسيح، انما يدهشون لأعماله ولكنهم لا يعطونه اللقب المسيح الموافق لأعماله "وكانوا يَقولونَ وَهُم في غايةِ الإِعْجاب: قَد أَبدَعَ في أَعمالِه كُلِّها، إِذ جَعلَ الصُّمَّ يَسمَعون والخُرْسَ يَتَكَلَّمون!" (مرقس 7: 37).

ونلاحظ تدرجا من شفاء الاصم الاخرس الى شفاء أعمى بيت صيدا (مرقس 8: 22-26). تعدّى الاصم وصية الصمت (مرقس 7: 36) ولكن الناس لا يستنتجون شيئا عن شخصية يسوع، بل يكتفون بان يعجبوا به (مرقس 7: 37)، أمَّا الاعمى في بيت صيدا فلم يتجاوز وصية الصمت (مرقس 8: 26) ولكن التلاميذ وحدهم يصلون الى استنتاج عن شخص يسوع " أَنتَ المسيح" (مرقس 8: 29). فيفرض عليهم يسوع الصمت (مرقس 8: 30).

ب) فرض الصمت على الشياطين:

لم يفرض يسوع الصمت للمستفيدين من معجزاته بل فرضه على الشياطين أيضا. يكفي ان نتصفح انجيل مرقس حتى يتضح لنا ذلك: في بدء انجيل مرقس لم يدع الشياطين تفشي سره (مرقس1: 34) مع انهم يُعبرون عن حقيقة كشفها صوت الله وشهد بها الايمان المسيحي بان يسوع هو المسيح ابن الله وقدوس الله. وهذه العبارات التي يستعملها الشياطين “أنت قدوس الله " (مرقس 1: 24)، "أنت المسيح " (مرقس 8: 29)، "يسوع، ابن الله العلي" (مرقس 5: 7) تكشف عن هوية يسوع الحقيقية. وهذه العبارات يجب الاّ تُداع وإلا حُكم على يسوع بالموت كما دلّت عِلة الحكم عليه (مرقس 14: 61-62).
فيسوع يفرض الصمت عن هذه الألقاب، لا لعدم موافقته عليها، بل هناك ساعة حددّها يسوع نفسه للكشف عن هويته. وتلك الساعة هي الآلام (مرقس 14: 41) فإن إفشاء هوية يسوع يؤدِّي حتما الى تسليمه الى الموت. لذا على يسوع ان يحتفظ بهذه الهوية الى ساعة المحددة لآلامه.

ويريد يسوع ان يؤمن الناس ان هو المسيح بسبب اقواله واعماله وليس بسبب شهادة الشياطين، كما اراد يسوع ان يعلن حقيقة كونه المسيح في التوقيت الذي يختاره هو، وليس في الوقت الذي يختاره الشيطان. وباختصار امر يسوع الناس بالصمت وعدم اعلان المعجزة لأنه لا يريد ان يعرف الناس قبل الأوان انه المسيح. لان هذا اللقب شديد الالتباس، وستظل هوية المسيح غامضة حتى الموت على الصليب. حينئذ فقط نستطيع ان نجزم ونقول انه المسيح. ونستنتج مما سبق ان يسوع لم يكن مجترح عجائب وصاحب قدرة الهية، بل هو حامل الخلاص النهائي الى البشرية.

الخلاصة

بعد فصح سنة 32 ‌ م،‏ ولدى عودة يسوع من رحلته الى منطقتي صور وصيدون في فينيقية،‏ اتى «الى بحر الجليل،‏ مجتازا نواحي ديكابوليس.‏ وفي مكان ما من هذه المنطقة شفى رجلا اصم وأعقد،‏ وفي وقت لاحق أطعم عجائبيا جمعا مؤلفا من 4000 شخص‏ (مرقس 7: 32 -8: 9) ‏ يسوع يتنقل في أراضي وثنية من صور وصيدا والمدن العشر ويجري اعجوبة لصالح أصم اخرس في قلب بلد بحاجة الى تبشيره. كان لهذه المعجزة طابعٌ خاص. كان من عادة يسوع أن يقول كلمةً واحدة، وتحدُثُ المعجزةُ، كمعجزة إحياء ابن أرملة نائين (لوقا 7: 11-17) معجزة شفاء خادم قائد المئة (متى 8/5-13)، أو أَلاَّ يتفوّه بأيّة كلمة، كمعجزة شفاء المرأة المنزوفة (متى 9/20-22) في حين هنا أشرك يسوع إنسانيّته في عمله الإلهي: أشرك فمه الذي تكلّم، وقلبه الذي تنهّد، وعينَيْه اللتين وجّه بصرهما نحو السماء، وإصبعَيْه اللتين ادخلهما في أُذُنَيْ الأصمّ، ولسانه الذي أعطى الاصم شيئاً من لعابه. تُعيدنا هذه الحركات إلى رواية خلق الإنسان (تكوين 2، 7)، حيث يقوم الرب الإله بتشكيل مخلوقه بيديه، يجبله بالماء الّذي خلقه، ينفخ في أنفه نَفَس الحياة. وبهذا فقط يُصبح الإنسان كائناً حيّاً. ومن هذا المنطلق نستنتج ان مرقس الانجيلي يرى في معنى رسالة يسوع المسيح بين البشر بداية جديدة، وحياة جديدة يحملها ويَمنحها للجمي، حياة شركة كاملة مع الكون والله (مرقس 1: 13).

وهذا الاصم مَعقودِ اللِّسان رمز لكل انسان يصم أذنيه عن سماع كلمة الله ويعقد لسانه عن النطق بها، ويأبى ان يخاطب الله بالصلاة. والمسيح أنما جاء ليعيد الى الاصم سمعه، والى المعقود اللسان نطقه. يهتم يسوع بحاجاتنا الجسدية كما بحاجاتنا الروحية. فعلينا ان نسلم للرب نفسنا بكل ثقة وأيمان والرب كفيل ان يفتح اذنينا وان يحل عقدة لساننا. ويكلفنا الا طلبا ولا يكلفه الا كلمة. فاذا ما انفتحت آذاننا لسماع كلمة الله فلا بد ان تنفك عقد السنتنا للتسبيح والصلاة والشهادة.

دعاء

أيها الآب السماوي، نسألك باسم يسوع ابنك الحبيب، الذي جعل الصمّ يسمعون والبكم ينطقون، أن نتمكّن عاجلاً من سماع كلامك بأذنينا، ومن إعلان إيماننا به بفمنا لحمد الله الآب وتمجيده فنكون أداة لرحمتك وسلامك كي نساعد الآخرين في أن يجدوا الشفاء والسلامة فيك. آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء