يسوع والتجربة كما رواها لوقا الإنجيلي

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

يسوع والتجربة كما رواها لوقا الإنجيلي

الأب د. لويس حزبون
2019/03/16

نحتفل اليوم في الأحد الأول من الزمن الأربعيني الذي يقودنا إلى الفصح. وفي هذا الاحد يقدِّم لنا لوقا الإنجيلي تجارب يسوع الثلاثة حول كل ما تطلبه رسالته في خلاص الانسان رافضا المسيحانية الأرضية السياسية. إذ واجه يسوع هذه التجارب وانتصر عليها بقوة كلمة الله ووهب النصرة لشعبه مقدما إليه قوَّة وخلاصًا. وهكذا انتصرت الطبيعة البشريَّة في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 4: 1-13)

1 ورَجَعَ يسوعُ مِنَ الأُردُنّ، وهو مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، فكانَ يَقودُه الرُّوحُ في البرِّيَّةِ

تشير عبارة " يسوعُ " الى اسم المسيح الإنساني، فهو جُرّب كإنسان. لذلك يوحنا البشير الذي تكلم عن لاهوت المسيح لم يسجل هذه التجربة، فلو دخل التجربة بلاهوته لما كان قد جُرِّب مثلنا. اما لفظة يسوع هي الصيغة العربية للاسم العبري יֵשׁוּעַ (معناه الله مخلص). وقد تسمِّى "يسوع" حسب قول الملاك ليوسف (متى 1: 21)، ومريم (لوقا 1: 31). ووردت لفظة يسوع وحدها خاصة في الأناجيل. أمَّا عبارة " الأُردُنّ " فتشير الى ارتباط المعمودية بالتجربة. في المعمودية أكمل يسوع البر، وفي التجربة كان بِرَّه تحت الامتحان. اما عبارة "الرُّوحِ" فتشير الى الروح القدس الذي ناله يسوع في المعمودية، للقيام برسالته (لوقا 4: 14) ولمواجهة ابليس حيث بدأ اول عمله بقدرة الروح القدس مُحطِّماً قوة ابليس. فيسوع ليس وحيداً، بل يتوجه باستمرار إلى الآب بفضل الروح الذي يقيم فيه؛ وهذا يعني ان التجربة تدخل في مخطط الله. أمَّا عبارة "البرِّيَّةِ" فتشير الى برية أريحا، والبرية رمزٌ الى حيث يقيم الشرير، فهي أماكن خربة وقبور بحسب المفهوم اليهودي. والمسيح ذهب للشيطان في مسكنه ليحاربه. ويظهر يسوع هنا بمظهر إسرائيل الجديد الذي جُرّب في البرية؛ وخلافا لِما جرى لإسرائيل، خرج يسوع من المعركة منتصرا، فإنه لم يدع الشيطان يفصله عن الله.

2 أَربَعينَ يوماً، وإِبليسُ يُجَرِّبُه، ولَم يأكُلْ شَيئاً في تِلكَ الأَيَّام. فلَمَّا انقَضَت أَحَسَّ بِالجوع

تشير عبارة "أَربَعينَ" الى فترة زمنية طويلة، وهي عمر جيل بكامله (التكوين 7: 4)، للدلالة على العبور، حيث ان الرقم (40) هو زمن محنة ينتهي بلقاء مع الرب. ويرجح ان هذه الفترة تشير الى الوقت الذي قضاه موسى النبي على الجبل (خروج 34: 28) او الى الأربعين سنة التي قضاها بني إسرائيل في برية سيناء (عدد 14: 34) والتي تدل أيضا على مسيرة إيليا النبي أربعين يوما (1 ملوك 19: 8). هو رقم مميز في الكتاب المقدس: دُعي موسى عندما كان لديه 40 سنه؛ وبقي 40 سنة في سيناء. حكم شاول وداود وسليمان أربعين عاماً؛ وعظ يونان أربعين يوماً من أجل اهتداء أهل نينوى؛ وصام يسوع 40 يوماً في البرية؛ وجُرِّب كذلك 40 يوماً؛ ووعظ لمدة 40 شهراً؛ وبقي في القبر 40 ساعة وظهر لمدة 40 يوماً قبل صعوده إلى السماء. أمَّا عبارة "يوماً" فتشير للتجربة التي دامت أربعين يوما بعد اقامته في البرية، في حين ان إنجيل مرقس يشير ان التجربة دامت طوال إقامة يسوع في البرية. واما متى الإنجيلي فيتكلم عن ثلاث تجارب في نهاية الأربعين يوما، ومن هنا يبدو ان لوقا جمع التقليدين معا. أمَّا عبارة "إِبليسُ في الأصل اليوناني διάβολος أي (معناها المشتكي او الفاسد) فتشير الى العدو الذي يعارض الله ويعارض إقامة مُلكه ويُسمَّى أيضا الشيطان وفي الأصل اليوناني Σατανᾶς (معناه العدو) ، ويُدعى أيضا المجرّب (متى 4: 3)، او بعل زبول (مرقس3: 22) او بليعال او بليعار ( 2 قورنتس 6: 15). وقد أشار إليه المسيح في كلامه عن "النَّارِ الْأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ" (متى 25:41). ومن هذا المنطلق، الشيطان ليس رمزاً او فكرة لكنه كائن له وجود حقيقي، ودائما ما يقاوم الله ويقاوم من يتبع ويطيع الله؛ أمَّا عبارة "يُجَرِّبُه" فتشير الى تجربة ابليس ليسوع، والتجربة من الشيطان، لأنها تقوم على الشر لأجل إغواء الإنسان وإبعاده عن الله، وإيقاعه في الخطيئة (تكوين 22: 1). ويعلق القديس اوغسطينوس "يسوع قائدنا سمح لنفسه بالتجربة حتى يُعلِّم أولاده كيف يحاربون". ان ابليس يُجرّب المؤمنين، وأمَّا الله فلا يجرِّب بل يمتحن شعبه. فالامتحان او الاختبار من الله، والتجربة من الشيطان، وفي هذا قال الرسول " إِذا جُرِّبَ أَحَدٌ فلا يَقُلْ: ((إِنَّ اللهَ يُجَرِّبُني)). إِنَّ اللهَ لا يُجَرِّبُه الشَّرُّ ولا يُجَرِّبُ أَحَدًا " (يعقوب 1: 13). أمَّا عبارة "لَم يأكُلْ شَيئاً في تِلكَ الأَيَّام" فتشير الى صوم يسوع. فكما صام موسى 40 يومًا ليتسلم شريعة العهد القديم، كذلك صام المسيح 40 يومًا قبل البدء في خدمة العهد الجديد. ويعلق القديس أمبروسيوس " كان هدف ربَّنا يسوع المسيح في صومه وخلوته هو شفاؤنا من جاذبيَّة الشهوة، حيث قبل يسوع أن يُجُرَّب من إبليس لأجلنا جميعا لنعرف كيف ننتصر نحن فيه". أمَّا عبارة "أَحَسَّ بِالجوع" فتشير إلى يسوع كونه إنسانا حقا مع كونه أيضا الها حقاً، وقد تعب يسوع وعطش (يوحنا 4: 6-7)، ويعلق القديس ايرونيموس " يخضع الجسد لتجربة الجوع لتُعطى فرصة لإبليس كي يجُرِّبه". جاع لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، كان لا بُد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشري. وهكذا شابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة كما جاء في رسالة صاحب العبرانيين "لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة، ويُعلق القديس أمبروسيوس "جاع يسوع في البرِّيَّة ليُكفِّر بصومه عن سقوط آدم الأول الذي سبَّبه شهوة الطعام والتلذُّذ به، فشبع آدم من معرفة الخير والشر لضررنا، وجاع المسيح لفائدتنا".

3 فقالَ له إِبليس: إِن كُنتَ ابنَ الله، فَمُر هذا الحَجَرَ أَن يَصيرَ رَغيفاً

تشير عبارة " إِن كُنتَ ابنَ الله" الى تجربة الشيطان الأولى التي تنطلق من بنوّته للاب السماوي في محاولة نزع الارتباط بالآب الذي أرسل ابنه يسوع الى العالم ليخلص العالم، وذلك باستعمال الشيطان كلام الله الوارد لدى عماد ابنه يسوع (متى 3: 22). أمَّا عبارة " إِن " في الأصل اليوناني Εἰ (بمعنى إذا، أو لو او بما أنك) فتشير الى شرط وهمي في الحياة والسعادة والمستقبل. يحاول ابليس أن يبث الشك، مبيناً كيف يمكنه تغيير الواقع. لكن في الحقيقة الواقع لا يتغير! يحاول ابليس أن يقدِّم المستقبل ومخاوفه وشكوكه، للتخبط في الغم والهم حيث ان المستقبل غير موجود بعد، موجود فقط الحاضر. يحاول ابليس أن يُري السراب. أمَّا عبارة "فَمُر هذا الحَجَرَ أَن يَصيرَ رَغيفاً" فتشير الى تجربة ابتعاد يسوع عن آدم الانسان الذي يأكل خبزه بعرق جبينه كما امره الله "عَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا" (التكوين 3: 19) إذا ما حوّل يسوع الحجر الى خبز. يسوع من خلال هذه التجربة يؤكد أنّه هو ابن الله الحبيب الذي رضي الله عنه ويؤكد أمانته لله ويُظهر للملأ بنوته الحقيقية انه ابن الله الحقيقي! ويُعلن في الوقت نفسه عن أُبوَّة الشيطان المخادعة الذي يقدِّم حجرًا عوض الخبز ليأكله الإنسان بعكس الآب الحقيقي الذي لا يقدِّم حجرًا إن طلب منه ابنه خبزًا (لوقا 11: 11).

4 فأَجابَه يسوع: مَكتوبٌ: لَيَس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيا الإِنسان

تشير عبارة "مَكتوبٌ" الى إجابة يسوع ليس بصفته ابن الله بل بصفته انسان، وهكذا يمكن لأي انسان ان يقولها. يردّ يسوع على الشيطان، ليس بكلماته الخاصة، ولكن بالرجوع إلى الكتاب المقدس "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان"(تثنية الاشتراع 8: 3). لا يردّ يسوع بكلماته، بل بكلمة الله الآب. ويُعلق القديس أمبروسيوس "لم يستخدم الرب سلطانه كإله وإلا فإننا لم نكن نجني فائدة، إنما استخدم الإمكانيَّة العامة وهي استخدام كلام الله". اما عبارة " لَيَس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيا الإِنسان " فتشير الى قدرة الله الذي يمنح الانسان الحياة وبإمكانه ان يمنحه أن يحيا بدون أكل؟ رفض يسوع السماع للشيطان رغم إمكانيَّته من تحويل الحجر إلى خبز، كما حوّل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل (يوحنا 2: 1-12) إنما قدّم "الخُبزَ النَّازِلَ مِنَ السَّماء هوَ الَّذي يأكُلُ مِنه الإِنسانُ ولا يَموت "(يوحنا 6: 50). رفض يسوع هذه التجربة لأنه لا يريد استخدام قوى روحية لغاية دنيوية. واستخدم الكلمة المقدسة في مواجهة هجمات الشيطان، هكذا يمكننا ان نستخدمها بكفاءة وفاعلية. فليتنا نتمثل بيسوع ونرفض كل شهوة يقدمها لنا إبليس.

5 فصَعِدَ بِهِ إِبليس، وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الأَرضِ في لَحظَةٍ مِنَ الزَّمَن،

تشير عبارة " أَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الأَرضِ في لَحظَةٍ مِنَ الزَّمَن" الى تجربة الصليب وذلك بان يملُك، لكن ليس من خلال الصليب، وإنما خلال الباب الرحب الواسع وهو "السجود لإبليس نفسه". بعكس المسيح الذي ملك من خلال آلامه على الصليب لا من خلال الباب الواسع، وجعلنا نحن أيضًا نملك معه كما وصَّانا "أُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق. فإِنَّ البابَ رَحْبٌ والطَّريقَ المُؤَدِّيَ إِلى الهَلاكِ واسِع، والَّذينَ يَسلُكونَه كَثيرون" (متى 7: 13). أراد ابليس ان يُبعد يسوع عن مخطط الله بوساطة الغنى والنفوذ والسلطة. اما عبارة "لَحظَةٍ مِنَ الزَّمَن في الأصل اليوناني ἐν στιγμῇ χρόνου (معناها طرفة عين) فتشير الى صورة من الوعي لا حصر لها وهي سمة الرؤيا والنشوة، كما جاء في رسالة بولس الرسول " إِنَّنا لا نَموتُ جَميعًا، بل نَتَبدَّلُ جَميعًا، في لَحْظَةٍ وطَرْفةِ عَين، عِندَ النَّفْخِ في البُوقِ الأَخير " (1 قورنتس 15: 52). فالكلمة تدل على وميض مفاجئ من رؤية لحظية وقال البعض ان هذه اللحظة كانت كالخداع البصري والوهم فالشيطان يستعرض كذبه والوهم الخادع.

6 وقالَ له: ((أُوليكَ هذا السُّلطانَ كُلَّه ومَجدَ هذهِ الـمَمالِك، لِأَنَّه سُلِّمَ إِليَّ وأَنا أُولِيه مَن أَشاء.

تشير عبارة " أُوليكَ هذا السُّلطانَ " الى قول الشيطان الذي يفتخر بان له " السلطة على العالم، فيعرضه على يسوع ليكون المسيح الدنيوي الذي ينتظره معاصروه. ولكن هذا سلطان مهدّد كما صرّح يسوع لتلاميذه " كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق"(لوقا 10: 18)، ومدة سلطانه قصيرة ومؤقت (لوقا 22: 53)، أمَّا سلطان يسوع الذي يناله من الآب فهو يدوم الى الابد (لوقا 10: 22). ويستمدّه من أبيه السماوي كما صرّح يسوع: "قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء" (لوقا 10: 22). أمَّا عبارة "سُلِّمَ إِليَّ" فتشير الى يسوع الذي لم ينكر ما ادعاه الشيطان بل أقرَّه.

7 فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ ذلكَ كُلُّه

تشير عبارة "سَجَدتَ لي" الى عبادة السجود كشرط وحيد الذي يضعه إبليس امام يسوع. والسجود معناه الخضوع التام الذي لا يليق إلا بالله (متى 2: 2). فالسجود لغير الله هو عبادة الاصنام كما صنع شعب العهد القديم في الصحراء فسجدوا الى العجل الذهبي (خروج 32: 1-8)؛ وان عبادة الاصنام هي في النهاية سجود للشياطين كما قال بولس الرسول (1قورنتس 10: 20-22).

8 فَأَجابَه يسوع: ((مَكتوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وإِيَّاه وَحدَه تَعبُد)).

تشير عبارة " لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد " الى اقتباس يسوع من سفر تثنية الاشتراع " الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ " (تثنية الاشتراع 6: 13). وبهذا رفض يسوع السجود للشيطان من اجل مُلك سيادة العالم السياسية. ويعلق العلامة أوريجانوس "لنفرح ولنبتهج نحن إذ نقدِّم لله السجود والعبادة والإكرام، ولنُصَلِ إليه ليقتل الخطيّئة التي ملَكت في أجسادنا (رومة 6: 6) فيملك وحده علينا ". كما رفض يسوع أيضا مُلكًا ارضيًا، فلا يوجد ملك روحي بدون تعب الصليب. فليتنا نتعلم أن نجد حلاوة التنازل عن بعض ضرورياتنا واحتياجاتنا من مال وجهد ووقت وصداقات من أجل الأمانة للرب.

9 فمَضى بِه إِلى أُورَشَليم، وأَقامَه على شُرفَةِ الـهَيكلِ وقالَ له: ((إِن كُنتَ ابنَ الله، فأَلْقِ بِنَفْسِكَ مِن ههُنا إِلى الأَسفَل

تشير عبارة "أُورَشَليم" الى مدينة القدس أو المدينة المقدسة (أشعيا 48: 2 ومتى 4: 5)، أو القدس الشريف حاليا. وكذلك اكتشف نقشان من هيكل هيرودس وفيهما تحذير للأمم بالابتعاد عن ساحة العبرانيين (افسس 2: 14). وهي مكان التجربة الثالثة حيث انه حسب لوقا تنتهي التجارب في إنجيله في اورشليم حيث ستكون الآلام آخر تجربة للشيطان (متى 4: 11)، وهي المعركة الأخيرة وانتصار يسوع النهائي؛ حيث أن مسيرة يسوع بكاملها كما وردت في بشارة لوقا، ما هي الاَّ السير تجاه اورشليم، حيث يعرف يسوع أنّ أمامه موعداً مع الألم والموت. لذلك وضع لوقا التجربة الأخيرة في اورشليم، لان هذه المدينة هي البداية والنهاية في انجيله. أمَّا في انجيل متى، وضع تجربة اورشليم في التجربة الثانية لان الجبل هو الأهم في انجيله، لا سيما ان موسى كان على الجبل حيث رأى أرض الميعاد ولم يدخل اليها. أمَّا عبارة "شُرفَةِ الـهَيكلِ" في الأصل اليوناني πτερύγιον (معناها جناح الهيكل) فتشير البناء المرتفع الذي أقيم بجوار الهيكل، وذلك عند سور الزاوية الناتئ من سفح التل مشرفا على أسفل وادي قدرون . ومن هذه النقطة كان ممكنا ليسوع ان يرى كل اورشليم. وقد طلب الشيطان من يسوع أن يُلقي بنفسه منها ليُظهر "مسيحيته" للجموع التي تحتشد عادة في ذلك المكان. أمَّا عبارة " الـهَيكلِ " فتشير الى المركز الديني لكل الامة اليهودية. والمكان الذي كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح اليه (ملاخي 3: 1). وإن الهيكل مع أروقته أعيد بناؤه في عهد هيرودس الكبير. وامتد الرواق حوالي 200 متر مع أعمدة ضخمة وكان الناس يجتمعون هناك. أمَّا عبارة " فأَلْقِ بِنَفْسِكَ مِن ههُنا إِلى الأَسفَل " فتشير الى كلمات الكتاب المقدَّس (مزمور 91: 11-21) بعد ان شوَّه الشيطان فهمها ليحوِّل عبادة الله إلى شكليَّات واستعراضات ورياء. ويعلق القديس ايرونيموس " هذه هي كلمات إبليس دائمًا إذ يتمنَّى السقوط للجميع". فكان هذا العرض تحت ستار أنه يتم لمجد الله. لكن محور التجربة الزَهْو حتى يُثبت يسوع أمام المِلأ لاهوته.

10 لِأَنَّهُ مَكتوبٌ: يُوصي مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ

تشير عبارة "مَكتوبٌ" الى ما ورد في الكتاب المقدس. وهنا يلجأ ابليس الى الكتاب المقدس ليحارب يسوع بسلاحه. لم يخطئ الشيطان في اقتباس النص الكتابي، لكنه أساء تطبيقه. اما عبارة " يُوصي مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ" فتشير الى إقتباس إبليس عبارة من الكتاب المقدس التي لا تناسب المسيح وتطبيقها عليه، إنما تناسب القدِّيسين بوجَّه عام... المسيح لا يحتاج لمعونة الملائكة، إذ هو أعظم منهم، ويرث اسمًا أعظم وأسمى: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك؟!" (مزامير 2: 7، عبرانيين 1: 5).

11 ومكتوبٌ أَيضاً: ((على أَيديهِم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجَرِ رِجلَكَ)).

تشير عبارة "ومكتوبٌ أَيضاً: ((على أَيديهِم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجَرِ رِجلَكَ)) فتشير الى اقتباس من الكتاب المقدس (مزمور 91: 11) الذي يتلوه المؤمن حين يحتاج عون الله. وهي تستهدف المسيح خاصة بل كل إسرائيلي الذي لا ينتظر العون إلا من الله. ويستشهد الشيطان بالكتب المقدسة بحرفيتها، ويشوِّهها، لأنه يصمت عن تكملة المزمور وهي: "تطأ الأَسَدَ والأفعى تدوسُ الشبلَ والتنين" (مزمور 91: 13). والتكملة تُبيّن قوة يسوع والابرار على القوة العدواني للشيطان التي تتمثل في الأسد والافعى والشبل والتنين. ألم يقل السيد المسيح "وها قَد أولَيتُكم سُلطاناً تَدوسونَ بِه الحَيَّاتِ والعَقارِب وكُلَّ قُوَّةٍ لِلعَدُوّ، ولَن يَضُرَّكُم " (لوقا 10: 19). وهكذا يجيب يسوع مستخلصا معنى الآية الجوهري. لذلك لا يطلب يسوع من الله ابيه السماوي ان ينقذه بطريقة سحرية عن طريق المعجزة.

12 فأَجابَه يسوع: لقَد قيل: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلـهَكَ

تشير عبارة "لقَد قيل: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلـهَكَ" إلى اقتباس يسوع هذه الآية من الكتاب المقدس كما امر الله النبي موسى ان يُعلم الشعب " لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم" (ثنية الاشتراع 6: 16). أمَّا عبارة "لا تُجَرِّبَنَّ" فتشير الى تجربة الشيطان او الانسان لله إمّا لعصيانه لمعرفة مدى صبره كما كان الحال مع بني إسرائيل في الصحراء الذين جرّبوا الله من خلال مخاصمتهم موسى النبي" لِماذا تُخاصِموَنني ولماذا تُجَربونَ الرَّبّ؟ قائلين: هَلِ الرَّبُّ في وَسْطِنا أَم لا؟ " (خروج 17: 2-7) وإمَّا استغلال رأفته تعالى لمنافع شخصية كما جاء في قول الله "إِنَّ جَميعَ الرِّجالِ الَّذينَ رَأَوا مَجْدي وآياتي الَّتي صَنَعتُها في مِصرَ وفي البَرِّيّة، وجرَبوني عَشْرَ مَرَّات. ولم يَسمَعوا لِقَولي" (عدد 14: 22). رفض المسيح ان يجرّب الله كما طلب منه ابليس استنادا على وصية الله " لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم، كما جَرَّبتُموه في مَسَّة" (تثنية الاشتراع 6: 16). إن الله لا يساعد من يجرؤ على تجربته ولم يُعط المسيح قط آية لمن جاءه بقصد تجربته، إذ ورد: " فأَجابهم جِيلٌ فاسِدٌ فاسِقٌ يُطالِبُ بِآية، ولَن يُعْطى سِوى آيةِ النَّبِيِّ يونان " (متى 12: 39). وأظهر يسوع فهمًا صحيحًا لوصايا الله، فليتنا نجتهد في الابتعاد عن الشكليات في العبادة، وعن كل رياء. وفي هذا الصدد يقول البابا فرنسيس " تجارب إبليس ليسوع تشير إلى دروب العالم الخادعة التي علينا الإجابة عليها بالإيمان بالله والثقة في محبته".

13 فلَمَّا أَنْهى إِبليسُ جمَيعَ مَا عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت

تشير عبارة "جمَيعَ مَا عِندَه مِن تَجرِبَة" الى كل نوع من أنواع التجربة التي تعرضت لها طبيعة يسوع البشرية (عبرانيين 4: 15). ربما كانت هناك تجارب أخرى لم يكشف عنها المسيح فهي فوق إدراكنا، بل حتى القديسين حاربهم إبليس بحروب فوق إدراكنا. ونشكر الله الذي لا يدعنا نُجَرَّب ما هو فوق طاقتنا كما اكَّد ذلك بولس الرسول "لم تُصِبْكُمْ تَجرِبَةٌ إِلاَّ وهي على مِقدارِ وُسْعِ الإِنسان إِنَّ اللهَ أَمينٌ فلَن يأذَنَ أَن تُجَرَّبوا بما يفوقُ طاقتَكم، بل يُؤتيكُم مع التَّجرِبَةِ وَسيلةَ الخُروجِ مِنها بِالقُدرةِ على تَحَمُّلِها " (1 قورنتس 10: 13). أمَّا عبارة "يَحينَ الوَقْت" فتشير الى التجربة الكبرى في بستان الجسمانية (لوقا 22: 53) وعلى الجلجلة (لوقا 23: 33). ويروي لوقا الإنجيلي انتصارات عديدة ليسوع على الشياطين في معجزات الشفاء (4: 41 و6: 18 و7: 21) او في حوادث طرْده لهم (لوقا 8: 2)، وبذلك يشير الى انتصاره في بدء أمره، ويجعل منه استباقا لانتصاره النهائي في الفصح. وربما أن البشير لوقا أراد أن ينوِّه عن هذا بحيث أنه نقل التجربة الثانية، أي تجربة جناح الهيكل في أورشليم بحسب متى لتصبح في لوقا التجربة الثالثة، لأنه يريد أن يقول إن هزيمة إبليس هنا الأخيرة في أورشليم كانت تمهيدًا لهزيمته النهائية على الصليب في أورشليم أيضًا. فالشيطان لا يكف عن حروبه ضدنا، فإن لم نستجب لإغراءاته أشهر ضدنا اضطهادًا، وهذا ما فعله بالمسيح إذ أثار ضده الفريسيين وغيرهم، ثم انتهى بمؤامرة الصليب. لذلك علّمنا يسوع ضرورة الاستمرار في الجهاد قائلًا "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفسهِ ويَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ ويَتبَعْني" (لوقا 9: 23).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 7: 1-10)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 7: 1-10) نستنتج انه يتمحور حول التجارب الثلاث وموقف يسوع منها. ومن هنا نسأل ما معنى التجارب، وما هو موقف يسوع منها؟

1) ما معنى التجربة؟

قبل البحث في موقف يسوع من التجربة يجدر بنا ان نتناول معنى التجربة ومكانها وسلاحها وهدفها وموضوعها وعلاقتها مع معمودية يسوع.
مفهوم التجربة باللغة اليونانية πειρασμός تعني الامتحان، وتعني ايضاً التقييم. أي أنّ التجارب تجعلنا نجري تقييماً لذواتنا، ولِما نحن عليه، تجعلنا نقيم ذاتنا، تصرفاتنا حياتنا كلها. وتجعلني نعي من نحن بالحقيقة.

وفي المفهوم اللاهوتي التجربة هي محاولة الشيطان ان يُحبط مقاصد الله وذلك من خلال دعوة الانسان إلى الإصغاء لصوت آخر غير صوت الله. ودخلت التجربة في العالم، منذ بداية الخليقة مع الانسان الأول آدم وحواء كإمكانية اختيار مختلفة عن المخطّط الأصلي لله (التكوين 3). ونجد هذه التجربة في انجيل اليوم في حياة يسوع وفي حياتنا، وذلك عن طريق الاغراء من الخارج، والتأثير على الإرادة من الداخل لاتخاذ القرار قبولا او رفضا. فهي صراع عاشه يسوع خلال إقامته في البرية. وهي جزء من الخبرة البشرية. ولا تُصبح التجربة خطيئة إلا بقرار القبول. فإذا قبل الانسان التجربة، كانت له التجربة موتا وهلاكا، وإذا لم يقبلها كانت له سبب أجرٍ وثواب.

أمَّا موضوع التجربة فهي الشكوك والتساؤلات التي يُثيرها الشيطان حول أقوال الله. فتبدأ التجربة في التشكيك في الله مما يُسهل على الشيطان ان يقنع الانسان بعمل ما يريده. فالشك سلاح دو حدِّين قد يساعد الانسان على ترك اعتقاداته او تقوية إيمانه.

أمَّا مكان التجربة فقد جرّب الشيطان حواء في جنة عدن، وأمَّا يسوع فجرَّبه الشيطان في البرية. ويختار الشيطان الأوقات التي يُسدد فيها هجومه، خاصة في أوقات النصر (1ملوك 18-19) او في أوقات الإحباط (متى 4: 1-10). أمَّا فيما يتعلق بتجربة المسيح فحدثت بعد ان امتلأ يسوع من الروح القدس وقت معموديته. فكانت تجارب الشيطان هجوما على موقف التسليم التام لله الذي اتخذه يسوع حينئذ لبدء رسالته العلنية بعد المعمودية.

أمَّا ظروف التجربة فيختار الشيطان أحرج الظروف. لم يجرّب يسوع في الهيكل او عند المعمودية، بل في البرية، وهو متعب ووحيد وجائع. والشيطان كثيرا ما يُجرِّبنا ونحن أضعف ما نكون عندما نكون متعبين، وعندما نشعر بالوحدة والعزلة، وعندما نواجه قرارات خطيرة، أو يساورنا الشك.

أمَّا سلاح التجربة فقد استخدم الشيطان اقتباسات من الاسفار المقدسة واستشهد بها. لم يخطئ الشيطان في استخدام آيات الكتاب المقدس لكنه أخطأ في تفسيرها وتأويلها. لذا فإن معرفة كلمة الله وطاعتها سلاح فعّال ضد التجربة، كما جاء في تعليم بولس الرسول "واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله" (أفسس 6: 17). وقد استخدم يسوع الكلمة المقدسة في مواجهة هجمات الشيطان. ولكي نستخدمها بكفاءة وفاعلية لا بد لنا ان نؤمن بكلام الله، لان الشيطان يعرف الاسفار المقدسة وهو بارع في استخدامها بصورة خادعة لتتناسب مع غرضه. وطاعة كلمة الله أهم بكثير من مجرد الاستشهاد بآيات كلام الطاهر.

أمَّا هدف التجربة فهو التقاء يسوع مع عدوه وهزيمة ذلك العدو على أرض المعركة التي هي حياته "لأَنَّه قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين."(عبرانيين 2: 18). إذ ان غرض خدمته هو تحدي قوة الشيطان في الآخرين وكسر شوكتها في النهاية. وبانتصاره على ابليس يتمّم وعد الله لما قال في جنة عدن لأبوينا الأولين " فهُوَ يَسحَق رأسَكِ وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه " (تكوين3 :15).

وبعبارة أخرى، إن هدف التجربة هو انتصار يسوع على الشيطان وتقديم الخلاص لنسل آدم بصفته آدم الجديد. فكما ان آدم سقط في التجربة ونقل الخطيئة الى كل الجنس البشري، كذلك على يسوع آدم الجديد ان يقاوم التجربة وينتصر على الشيطان ويقدم الخلاص لكل نسل آدم (رومة 5: 12-19). وحيث خان آدم، كان يسوع أميناً، فصار مخلص جميع الذين يتقبلونه. جُرِّب فعرف ضعفنا، وصار " مُشابِهًا لإِخوَتِه في كُلِّ شَيء، لِيَكونَ عَظيمَ كَهَنَةٍ رَحيمًا " (عبرانيين 2: 17). واستطاع ان يساعد المجرّبين "ولأنه قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين" (عبرانيين 2: 18). وأخيرا بثبات يسوع على أمانته تجاه التجربة، كان مثال الثبات للمؤمنين.

إنَّ هدف التجربة أيضا هو تضامن يسوع مع الانسان الذي يتعرَّض لتجارب الشيطان كونه هو نفسه انسان. وحيث إنه إنسانٌ كاملٌ، لقد جّرب "فلَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة" (عبرانيين 4: 15). إن يسوع تجرَّب مثلنا، لكنه لم يستسلم مطلقا ولم يخطئ ابداً، فقدَّم لنا مثالا نحتذيه في مواجهة التجربة والتغلب عليها عندما نتعرض لها. فهو يعرف عن طريق اختباره ما نتعرض نحن له، وما نحن بحاجة إليه، وهو قادر ان يعيننا في تجاربنا.

واكتسبت التجربة اهمية بالغة، لأنها أعطت يسوع الفرصة ليثبّت خطة الله في خدمته. إنها أثبتت أنه كامل قدوس بلا خطيئة، فهو يواجه التجربة ولكنه لا يستسلم لها. وهذا ما يؤكده النبي موسى للشعب " يَمتَحِنَكَ فيَعرِفَ ما في قَلبِكَ هل تَحفَظُ وَصاياه أَم لا "(تثنية الاشتراع 8: 1-2).

واخيرا، هناك صلة بين المعمودية والتجربة. فبالمعمودية تلقّى يسوع قوة الروح القدس وكرّس نفسه لطريق الصليب كي يموت لأجل خطايانا ويمنحنا فرصة لنيل الحياة الأبدية. أمَّا في التجربة فعرَّض الشيطان ليسوع طرقا لإنجاز خدمته دون ان يتعرّض للصليب. في المعمودية أكمل يسوع البر، وفي التجربة كان بِرَّه تحت الامتحان. ومنذ بداية رسالته العلنية جُرَّب يسوع في البرية ليدلَّ على انه يحيا من كل كلمة تخرج من فم الله، بل دلّ أنه هو "الكلمة"(يوحنا 1: 1). وهنا تضامن كل التضامن مع الوضع البشري، فقبل ان يجرِّبه ابليس كما يجرّبِ كل إنسان. وإن ربط رواية التجربة بالمعمودية يُفيدنا أيضا عن معنى الحياة المسيحية: مفروض في كل ابن له ان ينتصر على الشيطان.

وقد كانت تجارب يسوع تجارب حقيقية، لا رمزية فقط. كما جُرِّب شعب إسرائيل في البرية (خروج 15-18)، كذلك جُرّب يسوع لتضامنه مع شعبه. جُرِّب كما نجرّب نحن ولكنه لم يخطأ كما ورد في الكتاب المقدس "لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة" (عبرانيين 4: 15)، لأنه ابن الله، ما خطئ البتة وفي هذا الصدد قال بولس الرسول "ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله" (2 قورنتس 5: 21). فقد واجه المُجرِّب كما نواجه كل واحد منا، واستعمل سلاحا يجب ان نستعمله: سلاح الروح الذي هو كلام الله (أفسس 6: 17). فواجه يسوع التجارب الثلاث بكلمة الله رافضا مسيحانية بشرية دنيوية وانتهت التجارب بالموت والقيامة والانتصار.

2) ما هو موقف يسوع من التجارب؟

يصف لنا إنجيل لوقا ثلاث تجارب تغوي الانسان في التمسك في الدنيا، وهي شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى (1 يوحنا 2: 16) وتبعده عن الله وسعادته الحقيقية، وقد أشار اليها يوحنا الإنجيلي كشرط مطلوب لصرف النفس عنها كي نسير في نور المسيح. قبل البدء برسالته العلنية، تعرَّض يسوع لهذه التجارب كي يختار طريقه والتوجه الأساسي في خدمته ويكون قدوة لنا وقت التجارب.

التجربة الأولى: تجربة الخبز أي شهوة الجسد (لوقا 4: 3)

تدل شهوة الجسد على الاهواء المنحرفة في الطبيعة البشرية، وهنا تتحدد بتجربة الطمع والجشع (تحويل كلّ شيء إلى خبز أي الرغبة في "أكل" الدنيا كلّها! وتقوم التجربة على ان يجعل يسوع من الحجارة خبزا، "مُر هذا الحَجَرَ أَن يَصيرَ رَغيفاً " (لوقا 4: 3)، وذلك تلبية لحاجة جسدية وهي الجوع. وينطلق منطق إبليس الخبيث من الحاجة الطبيعية والمشروعة إلى الغذاء والعيش، تحقيق الذات والسعادة، ليدفعنا إلى الإيمان بأن كل هذا ممكن بدون الله، بل بالسير ضد الله. استغل الشيطان الجوع والحاجة الجسدية لإثبات انه ابن الله. واستند الشيطان الى بنوَّة يسوع الإلهية وهي التي أعلنها الآب عند اعتماد يسوع "أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضِيت" (لوقا 3: 22)؛ فاقترح ابليس على يسوع ان يستخدم قدرته العجائبية للتخلص من الجوع. أمَّا يسوع فرفض هذه التجربة وقاومها، لأنه لا يريد ان يجري معجزة لمنفعته الشخصية. وقد صدق فيه قول الرسول بولس: "لِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ" (رومية 15:3). وخير مثال على ذلك موقف يسوع من هيرودس انتيباس الذي كان "يَرْجو أَن يَشهَدَ آيَةً يَأتي بِها يسوع" أمَّا يسوع فلَم يُجِبْهُ بِشَيء" (لوقا 23: 8-11).
وقد صنع يسوع معجزات كثيرة فيما بعد، لا لأجل الإدهاش، ولا كوسيلةٍ لجذبِ الناس إلى الإيمان به، بل صنعها تثبيتاً للذين قد آمنوا. وقد استند يسوع في جوابه لإبليس على كلمة الله "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تثنية الاشتراع 8: 3). مؤكدًا رغبته في ترك نفسه بثقة تامة لعناية الآب الذي يعتني بأبنائه دائمًا.

وليست الخطيئة في الفعل ذاته أي تحويل الحجارة الى خبز، بل في سبب الفعل ودافعه وهو إخراج يسوع من مخطط الله. قد استطاع الشيطان ان يدفع بني إسرائيل للتذمُّر على الله والاستقلال عنه بحجة الطعام والشراب (خروج 16: 3). لكن المسيح أظهر لإبليس أنه لا يتذمر على الآب بسبب جوعه، لأن عنده كلامه، وهذا أهم من الطعام الجسدي، وأنه لا يستقل عن مشيئة الآب، ولا يسعى للتخلُّص من الجوع إلا بأمره. وقد ظهرت أفكاره من هذا القبيل لمّا قال: "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يوحنا 4: 34). وبهذا الامر دّل يسوع على انه يحيا من كل كلمة تخرج من فم الله، بل دلّ انه هو كلمة الله (يوحنا 1: 1).

بالرغم من ان يسوع كان جائعا، متعباً بعد صومه أربعين يوماً. ولكنه لم يشأ ان يستخدم قوته الإلهية لإشباع حاجته الطبيعية الخاصة (الخبز). والطعام امر طيب. ولكن التوقيت كان خاطئا. وقد جُرّب لإشباع رغبة طبيعية بطريقة خاطئة او في وقت خاطئ، في حين يجب اشباعها في طريقة صائبة وفي الوقت المناسب. لم يستخدم يسوع قوى روحية لغايات دنيوية. ولا يطلب من الله ان يُنقذه بطريقة سحرية عن طريق معجزة. رفض يسوع مسيحانية أرضية تنسيه أنه إنسان من الناس يجب ان يعمل بيديه مثل آدم (تكوين 3: 19).

التجربة الثانية: شهوة العين (لوقا 4: 6-7)

تدل شهوة العين على الرغبة في تملك كل ما نراه خاصة جشع التملك والعظمة والسيطرة. ومن هذا المنطلق، تقوم التجربة الثانية على ان يسجد يسوع للشيطان" رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 16:11)، "فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ جَميعَ مَمالِكِ الأَرضِ " (لوقا 4: 6-7)، وذلك تلبية لحاجة نفسية وهي التملك والقوة والنفوذ على ما يراه من ممالك. ويبدو ان للشيطان سلطة وقتية على الأرض "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ". فعرض ابليس على يسوع الحصول دون مشقة على مُلك هذا العالم، بمجرد السجود له وبذلك يُغنيه عن الأتعاب والإهانات والآلام والصلب. فحاول ابليس ان يحوّل يسوع عن هدفه ويجعله ان يركز بصره على السلطة العالمية وليس على مخطط الله.

ولم يتم َّ يسوع مهمته بواسطة مساومته مع الشيطان فتتيح له اقتسام العالم، ولم يسجد للشيطان ليسود العالم سيادة سياسية؛ لذا رفض السجود للشيطان وقاوم التجربة من خلال جوابه مستندا على كلمة الله " لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وإِيَّاه وَحدَه تَعبُد" (لوقا 4: 8) مستشهدا بكلمة الله (تثنية الاشتراع 6: 13). وقد رفض يسوع هذه التجربة، لأنه لا يريد ان يكون مديناً لاحد بمُلكه إلاَّ لأبيه، وفقا للطريق الذي اختارها الله له وهي طريق الصليب والفقر. إن يسوع المسيح يعرف أنه فادي العالم فقدّم حياته ذبيحة على الصليب بعيدا عن تحالفه مع الشيطان. رفض مسيحانية ارضية تنسيه أن عليه ان يمرّ في الآلام قبل ان يمرّ في المجد (متى 6: 21-22). لكن الشيطان ما زال الى اليوم يقدّم لنا العالم بمحاولة إغرائنا بالماديات والقوة. فلا ننسي كلمة الله لمواجهته "الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ" (تثنية الاشتراع 6: 13). لأنه يُمكننا فقدان الكرامة الشخصية إن سمحنا لأصنام المال والنجاح والسلطة بإفساد عبادتنا لله.

التجربة الثالثة: الكبرياء (لوقا 4: 9)

تقوم التجربة الثالثة على الكبرياء، والكبرياء يقوم على اكتفاء الانسان بالذات والأمان بصرفه النظر عن الاتكال على الله بل استغلال الله من أجل المصلحة الشخصية؛ فجاء قول ابليس " إِن كُنتَ ابنَ الله، فأَلْقِ بِنَفْسِكَ مِن ههُنا إِلى الأَسفَل" (لوقا 4: 9)، الله قادر ان ينجيك استنادا على كلمته " لأَنَّه أَوصى مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ في جَميعِ طرقِكَ. على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَكَ" (مزمور 91: 11-12). فالمقصود في آية مزمور هو إظهار حماية الله لشعبه، وليس تحريض الناس على استخدام قوة الله في تقديم عروض جسدية حمقاء كما عرضها الشيطان على يسوع. وهنا يقتبس ابليس نص الكتاب المقدس خارجًا عن السياق. لان المعنى والتفسير ليسا ما أراده لا الله ولا النص الذي ألهمه الله. صحيح أنّ الملائكة يحمون التّقيّ عندما يكون في خطر، ولكن هذا لا يعني أن يرمي نفسه في الخطر.

يدعو إبليس يسوع إلى أن ينتظر من الله معجزة مدهشة، فاستغل حاجة عاطفية وهي الأمان والكبرياء ليجرّب يسوع كي يفتخر بقوته، فيُظهرها أمام الجمهور. لكن يسوع رفض مطلب ابليس لأنها "تجربة الله"، إذا طلب الشيطان من يسوع بتدخّل الله بصورة غير مطابقة للمخطط الإلهي، وهي نجاة يسوع من الموت لأنه ابن الله. وجدَّد يسوع بإصرار قاطع على البقاء متواضعًا وواثقًا أمام الآب. ويعلق البابا فرنسيس " يرفض يسوع هنا أكثر التجارب خبثًا على الأرجح، أي استغلال الله، بأن نطلب منه نعمة تهدف في الواقع إلى إرضاء غرورنا". لذلك رفض يسوع ان يجعل من لقبه كابن الله لتأمينه ضد جميع الاخطار او اظهار قوته وعظمته، وذلك احتراما لحرِّية ابيه السماوي. رفض هذه التجربة وقاومها من خلال جوابه مستندا على كلمة الله " لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم، " (تثنية الاشتراع 6: 16). رفض ان يجرّب الله بل قدَّم نفسه ليكون بكليته في خدمته تعالى وخدمة ملكوته.

ونستنتج مما سبق لم يُتم يسوع خدمته بواسطة قوة سحرية ليُبهر الجموع (أَلْقِ بِنَفْسِكَ مِن ههُنا إِلى الأَسفَل) فيرافقونه لحظة (يصفّقون له ويتعجّبون) ثم يتركونه في طريق الصليب. لذا كان جواب يسوع على الشيطان هو الا نجرّب الله (تثنية الاشتراع 6: 16). وخير مثال على ذلك مثل الغني ولعازر، إذ طلب الرجل الغني ان يصنع الله آية بإرسال أحد الموتى الى اخوته ليؤمنوا، لكن يسوع قال إن الناس الذين لا يؤمنون بالمكتوب في الكتاب المقدس، لن يؤمنوا أيضا ولو قام واحد من بين الأموات (لوقا 16: 31). فطلب علامات من الله هو محاولة تحريك الله كما نشاء، اما الله فيريدنا ان نحيا بالإيمان. ويعلق البابا فرنسيس "إن هذه الدروب التي تُطرح أمامنا لإيهامنا بإمكانية بلوغ النجاح والسعادة من خلالها غريبة تمامًا عن أسلوب عمل الله، بل هي تفصلنا عن الله لأنها أعمال إبليس".

ولا يكفي ان نعرف كلمة الله فحسب، بل علينا ان نطيعها أيضا. إن كلمة الله هي سلاح، مثل سيف ذي حدّين، للاستخدام في الحرب الروحية، حيث تعتبر معرفة آيات الكتاب المقدس خطوة هامة في مساعدتنا على مقاومة هجمات الشيطان، ولكن علينا ان نطيع كلمة الله، فالشيطان نفسه يحفظ الكتاب المقدس، ولكنه لا يطيعه. إن معرفتنا بالكتاب المقدس وطاعتنا له يساعدنا على ان نتبع رغبات الله لا رغبات الشيطان. فالشيطان استطاع ان يقتطع بعض آيات الكتاب المقدس ويلوِّنها لتأييد ما يريد ان يقوله كما جاء فلي تعليم بولس الرسول "لا نَسلُكُ طُرُقَ المَكرِ ولا نُزَوِّرُ كَلِمَةَ الله" (2 قورنتس 4: 4). بكلمة موجزة، يُبين لنا يسوع أهمية وفعالية معرفتنا لكلمة الله وتطبيقها لمواجهة التجربة.

التجربة الرابعة والنهائية: تجربة النزاع الأخير على الصليب (لوقا 4: 13)

"لَمَّا أَنْهى إِبليسُ جمَيعَ مَا عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت" (لوقا 4: 13)، بعد ان أنهى ابليس جميع تجاربه الثلاثة، هُزم ابليس وانتصر يسوع، وتقرر فوز زعيم البر على زعيم الإثم، وانتصاره حاسم لكنه ليس نهائياً، لان ابليس سيعود عند الالام من خلال يهوذا الإسخريوطي الذي دَخَلَ الشَّيطانُ فيه (ّلوقا 22: 3)، ومن خلال عُظَماءِ الكَهَنَة وقادَةِ حَرَسِ الهَيكَلِ والشُّيوخ (لوقا 22: 53).

ولم تكن آلام يسوع إلاَّ امتدادا للتجربة وهجوم إبليس الأخير على يسوع (1 قورنتس 2: 8). فقبل إتمام المرحلة النهائية من رسالته تعرض يسوع للتجربة الأخيرة وهي نزاعه في بستان الزيتون (لوقا 22: 40) ثم الصلب. فعلى الصليب كما اليوم في البرية، سيُطلب من يسوع أن يُخلّص نفسه، وأن يفضّل طريق السلطة والإثارة والأمور الخارقة. سيطلب منه النزول عن الصليب ثلاث مرات: بدأ الرُّؤَساءُ يَهزَأُونَ فيقولون: ((خَلَّصَ غَيرَه فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار! " (لوقا 23: 35) ثم أخذ جنود الرومانيون" إِن كُنتَ مَلِكَ اليَهود فخَلِّصْ نَفْسَكَ!" (لوقا 23: 36) وأخيرا المجرم المصلوب مع يسوع على الصليب " يَشتُمُه فيَقول: ((أَلستَ المَسيح؟ فخَلِّصْ نَفْسَكَ وخَلِّصْنا!" (لوقا 23: 39) تماما كما جرّبه ابليس في البرية. لحظات الصليب هي سبق وأنبأ عنها لوقا الإنجيلي (لوقا 4: 13).

في أورشليم، واجه يسوع التجربة النهائية، وأكَّد أنه يريد ما يختاره: ليس حياة متمحورة على الذات، بل حياة تصغي الى صوت الآب، حياة بدأت بالآب السماوي وتنهي بيد الآب. هكذا كان سلاح يسوع الأخير كلماته الأخيرة على شكل صلاة تعبّر عن الثقة التامة في علاقته مع الآب " يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي (لوقا 23، 46).

وإذا كان الشيطان، في تجارب اليوم، يدعو يسوع إلى استخدام السلطة، التي تأتيه من كونه ابن الله، ليخلّص نفسه، ولتفادي المحدوديّة والارهاق الآتي من كونه إنسانًا، ففي أورشليم سوف يختار يسوع طريق المحدوديّة والضعف والموت، للتعبير الكامل عن طاعته للأب، وثقته غير المحدودة به. وهكذا كان ثمن الأمانة للاب السماوي موت يسوع على الصليب: وهناك يفهمنا يسوع بأن هذه الأمانة هي أثمن من الحياة الشخصيّة.

ونستنتج مما سبق ان بانتصاره على المُجرِّب الشيطان منذ البداية حتى النهاية (لوقا 4: 13)، أُدخل يسوع البشرية الجديدة في وضعها الحقيقي وفي دعوتها الى البنوة كما جاء في تعليم صاحب الرسالة الى العبرانيين "فلَمَّا كانَ الأَبناءُ شُرَكاءَ في الدَّمِ واللَّحْم، شارَكَهُم هو أَيضًا فيهِما مُشاركةً تامّة لِيَكسِرَ بِمَوتِه شَوكَةَ ذاكَ الَّذي لَه القُدرَةُ على المَوت، أَي إِبليس، ويُحَرِّرَ الَّذينَ ظَلُّوا طَوالَ حَياتِهِم في العُبودِيَّةِ مَخافَةَ المَوت" (عبرانيين 2: 14-15).

وتشير التجربة الى طبيعة يسوع البشرية إذ جُرّب مثلنا، وتشير أيضا الى انتصاره على الشر، وقد رفض يسوع ان يستغل امتيازاته كابن الله لينجو من الجوع والموت والوصول الى ملكه دون مشقة كما جاء في تعليم بولس الرسول " هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 2: 6-8). والصليب هو الاختبار الأخير (يوحنا 12: 27-28) الذي يثبت به الله محبته (يوحنا 3: 14-16).

وأنتصر يسوع على التجارب، حتى ننال نحن الغلبة على كل قوي الشرير من خلاله. لذلك يليق بنا أن نجاهد بكل مقاومة لإبليس، فالإكليل مقدَّم لنا، ويلزمنا أن نقبل الدخول معه في حرب. لا يُكلَّل أحدٌ ما لم يَغلب، ولا يمكن له أن يَغلب ما لم يحارِب كما جاء في رسالة بولس الرسول " المُصارِعُ أَيضًا لا يَنالُ الإِكْليلَ إِن لم يُصارِعْ صِراعًا شَرعِيًّا" (2 طيموتاوس 2: 5). حقًا "فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ" (أفسس 6: 12). "ولكِنَّنا في ذلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبيناً، بِالَّذي أَحَبَّنا " (رومة 8: 37). الشُّكرُ للهِ الَّذي يَسْتَصْحِبُنا دائِمًا أَبَدًا في نَصرِه بِالمَسيح. ويَنشُرُ بِأَيدينا في كُلِّ مَكانٍ شذا مَعرِفَتِه" (2 قورنتس 2: 14).

الخلاصة

بعد صومه لأربعين يومًا أراد إبليس تجربة يسوع ثلاث مرات، حيث دعاه أولا إلى أن يحوّل الحجر إلى خبز، ثم أراه جميع ممالك الأرض عارضًا عليه السلطان والمجد، وأخيرًا مضى به إِلى أعلى الـهيكل في أورشليم سائلا إياه أن يلقي بنفسه كي يُظهر قوته الإلهية. هذه التجارب الثلاث تشير إلى ثلاث دروب خادعة يدعو إليها العالم: جشع التملك، المجد البشري، واستغلال الله من أجل المصلحة الشخصية.
في البرية هاجم ابليس السيد المسيح بأنواع التجربة الثلاثة " شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى " (1 يوحنا 2: 16). ولقد وضع الشيطان سيدنا يسوع المسيح في المواقف التي كان قد سقط فيها آدم وبني إسرائيل. تجرّب الرب يسوع من الشيطان ولكن يسوع انتصر على الشيطان في البرية. بسقوط آدم الأول تحوّلت جنة عدن إلى برية، وبثبات آدم الثاني تحولت البرّية الى جنة. فيسوع هو الانسان الذي يحيا بكلمة الله، وفي الوقت نفسه هو إله المخلص، الذي يستمر شعبه في تجربته على خطى الفريسيين " ودَنا الفِرِّيسيُّونَ والصَّدُّوقيُّونَ يُريدونَ أَن يُحرِجوه" (متى 16: 1).

والتجربة في ذاتها ليست خطيئة، لكن نخطئ عندما نستسلم للتجربة ونخالف الله. ولا تصبح التجربة خطيئة إلا بقرار قبولها. والشيطان هو حقيقة، وهو في حرب مستمرة ضد من يتبعون الله ويطيعونه، وهو يحاول ان يجعلنا ان نتصرّف بحسب هواه او هَوانا وليس حسب طريق الله. يسبر الله غور القلوب ويختبرها (1 تسالونيقي 2: 4)، ويسمح فقط بالتجربة (1 قورنتس 10: 13) التي يثيرها المجرّب (أعمال 5: 3) خلال العالم (1 يوحنا 5: 19) وخصوصاً خلال المال (1 طيموتاوس 6: 9). ولذلك يجب أن نطلب ألاّ "ندخل في تجربة" (متى 6: 13)، فهي تقود إلى الموت (يعقوب 1: 14-15). وإن التجربة التي لا يسقط فيها المرء، تفضي به إلى الحياة. إنها تجعل الإنسان يَعبُر من الحرية المعروضة إلى الحرية المعاشة، ومن الاختيار إلى العهد. فإنَّ حقيقية الانسان لا تظهر إلا متى تعرض للامتحان والتجربة.

ولا بد ان نتعرض للتجربة، فعلينا ان نكون متيقظين ضد هجمات ابليس ومستعدين لها، حتى لا تغلبنا كما أوصّانا السيد المسيح "إِسهَروا وصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة. الرُّوحُ مُندَفع وأَمَّا الجَسدُ فضَعيف" (متى 26: 41). والصوم والصلاة أقوى أسلحة ضد تجارب الشيطان كما علمنا السيد المسيح "هذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم " (متى21:17) وبكلمة الله. ويُعلق البابا فرنسيس "إن يسوع في مواجهته تجارب إبليس لم يتحاور معه بل لجأ إلى كلمة الله فقط، وهذا يُعلمنا أنه ليس هناك حوار مع الشيطان، لا يجوز أن نتحاور معه، بل علينا الإجابة فقط بكلمة الله".

وإن ربط التجربة بالمعمودية يفيد عن معنى الحياة المسيحية، وهو كل ابن الله يجب أن ينتصر على الشيطان. ويعلق القديس اوغسطينوس " إن جُرِّبْنا مع المسيح، فمعه نحن سوف ننتصرُ على إبليس. أتعرفُ أنّ يسوعَ جُرِّبَ، ولا تعرفُ أنّه انتصر؟ اعرِفْ أنَّك أنت جُرِّبْتَ معه، واعرِفْ أنّك ستنتصرُ معه"؛ لذلك لنتهلل مع الرسول مرنمين: "الشُّكرُ للهِ الَّذي آتانا النَّصْرَ عَن يَدِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! " (1 قورنتس 15: 57).

ومن هذا المنطلق، إنّ الله يسمح بالتجارب ليس ليهلكنا ويُدمِّرنا، إنما لكي نعي حقيقة ذواتنا! لكي نرى بيد مّن نضع حياتنا، ولكي نكتشف على مَن نتكل! ان التجارب تساعدنا على أن نعزز إيماننا. وبالواقع، بفضل التجربة نتخلص مما تعلق بنا من شوائب فنصبح أنقى وأنصع، إنّها فرصة لننفض ما علق بنا، ونكتشف من نحن، فنجدِّد نفوسنا. ويعلق القديس اوغسطينوس " لا يمكنُ أن تخلوَ حياتُنا في غربتِنا الأرضيّةِ هذه من التجربة. لأنَّ تقدُّمَنا يتمُّ عن طريقِ التجربة. ولا أحدَ يقدرُ أن يَعرِفَ نفسَه إلا إذا مرَّ بالتجربة، ولا يمكنُ أن يُكلَّلَ بالمجدِ إلا إذا غَلَبَ. ولا يمكنُ أن يَغلِبَ إلا إذا جاهد، ولا يمكنُ أن يجاهدَ إلا إذا عرضَ له أعداءٌ وتجارِبُ". Corpus ) Christianorum Latinorum, 39, 66).

دعاء

أيها الآب السماوي، نسألك باسم ابنك يسوع ان ترسل الينا نعمة الروح القدس لكي يملانا بقوته وإلهاماته في ساعة التجربة فنستطيع ان نقاوم هجمات الشرير كما قاومها معلمنا يسوع المسيح فنخرج منها منتصرين ثابتين على الايمان والرجاء والمحبة ومواظبين على الصلاة مُرديين صلاة معلمنا يسوع المسيح "لا تُدخلنا في التجربة بل نجّنا من الشّرّير"! آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء