يسوع هو المسيح المنتظر

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

يسوع هو المسيح المنتظر

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/09/15

يُبيِّن مرقس الانجيلي كيف ان يسوع طرح على تلاميذه السؤال الأساسي في قيصرية فيلبس حول هويته ورسالته ومصيره اثناء صعوده نحو أورشليم في رحلته الأخيرة التي ستقوده إلى بذلِ حياته من أجل أحبّائه (مرقس 8: 27-35). فعبَّر بطرس باسم التلاميذ عن إيمانهم بجواب وافي كاشفا أنه هو المسيح المنتظر. وكان هذا الاعتراف مرحلة انتقالية أساسية في حياة يسوع حيث بدأت رحلة آلامه الى المدينة المقدسة، اورشليم. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل مرقس (مرقس 8: 27-35)

27 وذَهبَ يسوعُ وتَلاميذُه إِلى قُرى قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس، فسألَ في الطَّريقِ تَلاميذَه: مَن أَنا في قَولِ النَّاس؟

تشير عبارة "قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس" الى مدينة بُنيت قرب ينابيع نهر الأردن عند سفح جبل الشيخ على بعد 32 كم شمالي بحيرة طبرية. وكان اسمها قديما بعل جاد (أي إله الحظ) ثم صار عند اليونان "بانيون" نسبة الى اسم إله من آلهتهم يدعونه "بان"، إله الرعاة، ومنه انبثق الاسم الحالي بانياس. وقد اعطى الامبراطور اوغسطس هذه المدينة الى هيرودس الكبير سنة 20 ق.م. فبنى فيها معبدا من الرخام الأبيض على اسم الإمبراطور قيصر وكان يُدعى اوغسطس في هذا المكان ابن الاله. فقد أكمل ابنه هيرودس فيلبس بناءها وحسنها وجعلها عاصمة له غيّر اسم المدينة من قيصرية الى قيصرية فليبس لتمييزها عن قيصرية البحرية. ثم حسنها هيرودوس اغريباس الثاني ودعاها (نيرونياس) إكراما للقيصر نيرون. وكانت قيصرية آخر المدن التي زارها المسيح في جهة الشمال في فلسطين (مرقس 8: 27). أمَّا عبارة " فسألَ " باليونانية ἐπηρώτα (معناها الح ) فتشير الى تكرار السؤال بتدقيق. وكان المسيح رأى انه حان زمن امتحان تلاميذه؛ اما عبارة " فسألَ في الطَّريقِ تَلاميذَه: " فتشير الى سؤال يسوع الأول الذي يدل على استنارة إيمانية كي يختبر إيمان تلاميذه فيدركوا شخصه، فينعموا به، ويروه بعيني الإيمان. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لقد قادهم يسوع إلى مشاعر أسمى وأفكار أعلى بخصوص شخصه حتى لا يكونوا كبقية الجموع". أمَّا عبارة " مَن أَنا في قَولِ النَّاس؟ " فتشير الى سؤال يسوع لتلاميذه في المكان المناسب ليزيل من اذهانهم ان قيصر هو ابن الله ويكشف لهم عن حقيقة ذاته ورسالته انه هو المسيح ابن الله كما صرّح بطرس بقوله "أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ" (متى 16: 15). وفي الواقع، لم يعلن يسوع عن شخصيته صراحة بل ترك للناس أن يدركوا ذلك من أعماله (يوحنا10: 24 و25). والآن أراد أن يعرف ماذا استنتجه الناس من أعماله ومن المعجزات التي صنعها رسله باسمه. وهذه هي المرة الأولى التي يتحدَّى بها يسوع تلاميذه ليعبِّروا عن عواطفهم نحوه ويتخذوا موقفا تجاه.

28 فأَجابوه: يوحَنَّا المَعمَدان. وبَعضُهم يقول: إِيلِيَّا، وبَعضُهمُ الآخَرُ: أَحَدُ الأَنبِياء

تشير عبارة "يوحنا المعمدان" الى ان بعض اليهود اعتقدوا ان إيليا عاد في شخص يوحنا المعمدان (مرقس 6: 16)؛ أمَّا عبارة " وبَعضُهم يقول: إِيلِيَّا، " فتشير إلى اعتقاد بعض الناس ان يسوع هو إيليا، لان إيليا النبي الذي رفع الى السماء (2ملوك 2: 11-13) سيعود في الأزمنة الاخيرة (ملاخي 3: 23)؛ لكن المسيح ليس كإيليا حيث أنه لم يُختطف إليها بل جاء منها. لذا يسوع هو أكبر الأنبياء، وهو الذي يسبق نهاية الأزمنة. وأمَّا عبارة " أَحَدُ الأَنبِياء " فتشير الى اعتقاد البعض ان يسوع هو أحد الانبياء. كان الأنبياء حلقات وصل يسير بها الله بالتاريخ الى كماله. ولكن المسيح هو الذي به نصل الى الكمال. ولم يكن يسوع " أَحَدُ الأَنبِياء" الذين بوساطتهم صنع الرب التاريخ وأنجزه فحسب، بل هو المسيح الممسوح الذي أعلنه الانبياء. وبكلمة اعتبر الناس يسوع انه نبيا من عظماء الرجال: يوحنا المعمدان، إيليا، الأنبياء. وعندما جعلوا يسوع من عداد الأنبياء، كان يعتبرون ان رسالته إلهية. وهذا ما يقوله اليوم أيضا أناس كثيرون: ان يسوع هو رجل نادر، لا مثيل له.

29 فسأَلَهم: ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟ فأَجابَ بُطرس: أَنتَ المسيح

تشير عبارة "فسأَلَهم: ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟" الى سؤال يسوع الثاني الذي يدل على تحديه لتلاميذه حيث هم أصدقاؤه وأحبّاءه، وهم الذين رافقوه منذ البداية واعطي لهم سر الملكوت (لوقا 9: 10)، وهم أقدر الناس على فهم شخص يسوع وهويّته. ويريد منهم ان يتخذوا موقفا محدداً. يسوع يسألنا يوميًّا من هو بالنسبة إلينا؟ أمَّا عبارة "أَنتَ المسيح" فتشير الى "المشيح" הַמָּשִׁיחַ (المُكرّس بالمسحة) المخلص الذي تحدث عنه الأنبياء ومهّدوا له السبيل، ومنهم يوحنا المعمدان وإيليا. وقد تكرر هذا اللقب 14 مرة في انجيل مرقس واغلب المرات ذكر هذا اللقب في علاقة مع السر الفصحي" لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (متى 10: 45). وقد أعلن لقب المسيح على لسان الملائكة (لوقا 1: 32) وسمعان الشيخ (لوقا 2: 26) والشياطين (لوقا 4: 41) لكن بطرس هو التلميذ الذي أطلق على يسوع هذا اللقب ليُعبِّر عن مجد يسوع، ويعلق القديس ايرونيموس " طوبى لذاك الذي يُمدَح لإدراكه وفهمه الذي فوق الرؤيا بالعيون البشريّة، فلا يتطلّع إلى ما هو من الجسد واللحم، إنّما ينظر الى ابن الله خلال الإعلان له من الآب السماوي. لقد صار مستحقًا أن يكون أول من اعترف بلاهوت المسيح". وقد صدّر مرقس بهذا اللقب انجيله (مرقس 1: 1)، الذي يُعبِّر عن إيمان الكنيسة بيسوع. ويُعلق القديس أمبروسيوس" في هذا الاسم "المسيح" يتجلى اللاهوت ويُعلن التجسد وأيضًا الآلام". إنّ هذا الاعتراف هو النقطة الحاسمة في تعليم يسوع وفي قصة الانجيل، هو ثمرة الحرّيّة التي أنعم الله بها على بطرس والتلاميذ، وهي نعمة الروح القدس الساكن في قلبهم. وفي انجيل مرقس ورد مرة واحدة أنَّ إنسانا اعترف بأن يسوع هو المشيح، وذلك الانسان هو بطرس. ولهذا اللقب رنة دينية قومية وسياسية، ولهذا ما استعمله يسوع إلاّ أثناء محاكمته (مرقس 14: 61-62)؛ لأنه اعتبره خطراً لفهم رسالته. فيسوع هو ليس فقط المسيح المنتصر بل أيضا المسيح المتألم الذي سفك دمه لخلاص النفوس. لا يكفي أن نعرف ما يقوله الآخرون عن يسوع، بل علينا نحن أن نعرف ونفهم ونقبل شخصيّاً أنّه المسيح.

30 فنَهاهُم أَن يُخبِروا أَحَداً بِأَمرِه

تشير عبارة " فنَهاهُم أَن يُخبِروا أَحَداً بِأَمرِه " الى تحذير يسوع تلاميذه ضد افشائهم للقبه قبل أوانه لا سيما بسبب التباسات هذا اللقب في الأوساط اليهودية؛ فما زال الجميع، آنذاك، متوقعين مجيء المسيح ملكاً فاتحا منتصراً. ولا يتضمن رد فعل يسوع أي استنكار للقب "المسيح". فإن هذا اللقب هو سابق لأوانه ولا يُدرك تماما قبل انتهاء رسالة يسوع بالموت والقيامة (مرقس 4: 22). ومن هذا المنطلق عندما اعترف التلاميذ بان يسوع هو المسيح، لم يكونوا على علمٍ بعد كل ما يعنيه ذلك. فسرُّ المسيح لن يُكشف الاّ بالآلام والقيامة، لذا منع يسوع تلاميذه افشاء سره لكي يتم المكتوب عنه ويتحقق صلبه، "ولَو عَرَفوها لَما صَلَبوا رَبَّ المَجْد" (1قورنتس 2: 8). يجب ان يمر يسوع بالموت لتُكشف هويته. لذا اجتهد مرقس الإنجيلي في إعادة قراءة حياة يسوع الأرضية في ضوء وحي الفصح (مرقس 14: 61-62). ويُعلق القديس أمبروسيوس" منع التلاميذ من الكرازة به كابن الله ليبشروا به بعد ذلك مصلوبًا. هذه هي روعة الإيمان أن نفهم حقيقة صليب المسيح...! فصليب المسيح وحده نافع لي، " وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم" (غلاطية 6: 14). كان هذا الحديث مقدمة لإعلان صليبه.

31 وبَدأَ يُعَلِّمُهم أَنَّ ابنَ الإِنسانِ يَجِبُ علَيه أَن يُعانيَ آلاماً شديدة، وأَن يرْذُلَه الشُّيوخُ وعُظماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَة، وأَن يُقتَل، وأَن يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام

تشير عبارة "بَدأَ" الى بداية جديدة، فيها يتحدث يسوع عن الطريقة التي بها يُتمِّم رسالته: الألم والموت، ثم المجد والقيامة بطريقة واضحة صريحة. بعد مرحلة التعليم بالأمثال والآيات اخذ يسوع يُعدَّ تلاميذه لما سيحدث له. أمَّا عبارة " يُعَلِّمُهم " فتشير الى تعليم يسوع تلاميذه مقدار الجهد الذي يحتاجون إليه ليؤمنوا بآلامه وقيامته، لذلك استحسن أن يقوم بنفسه بتأكيد آلامه وقيامته لهم، ليكون ذلك بداية وسببًا لميلاد الإيمان فيهم. أمَّا عبارة " ابنَ الإِنسانِ " فتشير الى لقب قديم ليسوع استُعمل في البداية حين كان المسيحيُّون من أصل يهودي. وقد ورد هذا اللقب 84 مرة في الاناجيل. ويدل اللقب على "العبد المتألم" الذي جاء ليخلص شعبه (حزقيال 2: 1-3)، وهو ليس المسيح الوطني المنتصر الذي ينتظره اليهود ليخلصهم من الاحتلال الروماني. بل يستبق يسوع بهذا اللقب الدينونة بسلطانه مخلصاً الخاطئين (متى 9: 6) ومفتتحا الزمن المسيحاني (متى 12: 8). وهذا اللقب، بارتباطه بالوصف النبوي لعبد الله المتألم (اشعيا 53) يوحِّد بين الصليب والمجد. ولمّا جاء آباء الكنيسة فهموا لقب ابن الانسان كممثل الإنسانية. أمَّا عبارة "يَجِبُ علَيه أَن يُعانيَ آلاماً شديدة" فتشير الى انباء يسوع بآلامه وطاعته الى التدبير الإلهي، حيث أن الأمر ليس مصيرا محتوما ولا حدثا طارئا بل تمَّ بإرادة يسوع وعلمه. أمَّا عبارة " الشُّيوخُ وعُظماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَة " فتشير الى المجلس الأعلى لدى اليهود الذي كان يحكم الشعب اليهودي. وكان هذا المجلس مؤلفا من (71) عضواً يمثلون الأرستقراطية العلمانية (الشيوخ) ومن كبار الاسر الكهنوتية (عظماء الكهنة) الذين كانوا يختارون منها عظيم الكهنة، ومن الكتبة او مفسّري الشريعة. وكان المجلس يرأسه عظيم الكهنة. وفي هذه الآية ينبئ يسوع أول مرة بآلامه وموته وقيامته. ويتبعها إنباءان آخران "بآلام المسيح وموته وقيامته (مرقس 9: 31؛ 10: 33). أمَّا عبارة " أَن يُقتَل، " فتشير الى الابن الله الذي اختاره الآب كي يُقدّم نفسه عن الجميع، ويُعلق القديس أمبروسيوس" لم يبلغ أحد إلى العظمة التي تؤهله لرفع خطايا العالم كله، لا أخنوخ ولا إبراهيم ولا إسحق الذي قدم نفسه للموت لكنه لا يقدر أن يغفر الخطايا، إنما اختار الآب الابن، ابن الله الذي هو فوق الجميع، أن يُقدِّم نفسه عن الجميع، إذ هو أقوى من الموت، وقادر أن يخلص الآخرين". أمَّا عبارة " يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام " فتشير الى فترة تمتد من مساء الجمعة الى صباح الاحد (1 قورنتس 15: 4)، وهي دعوة يسوع إلى الإيمان بأنّ الله آباه لن يترك قدّوسه يرى الفساد (مزمور16: 10) وأنّه سيغلب الموت ويقيمه حيًّا في اليوم الثالث (هوشع6: 2). لم يُعطِ سر الآلام والقيامة كوحي عن رسالة يسوع فقط، بل ليدل التلاميذ على الطريق الواجب إتباعه، وهي طريق الذي يمر عبر الالام ليصل الى القيامة. تتفق آلام يسوع مع نبوءات دنيال، فالمسيح يجب ان يقتل (دانيال 9: 26) ثم يأتي وقت الضيق (دانيال 9: 27) وسياتي الملك في مجد (دانيال 7: 13-14) وسيتحمل التلاميذ نفس الآلام كملكهم ن وسيجازون مثله. ويعلق الطّوباويّ البابا بولس السادس "عليّ واجبُ إعلان اسمه: إنّ الرّب يسوع هو "المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ" (متىّ16: 16). هو سيّد البشريّة ومخلّصها، فقد وُلد ومات وقام من أجلنا".

32 وكانَ يقولُ هذا الكلامَ صَراحة. فانفَرَدَ بِهِ بُطرُس وجَعَلَ يُعاتِبُه

تشير عبارة "وكانَ يقولُ هذا الكلامَ صَراحة" الى وعي يسوع برسالته كمسيح ومعرفته بالآلام التي تنطوي عليها وبالصليب (يوحنا 2: 19) ولذا لم يؤخذ يسوع على غرة بل ان سير الحوادث كان معلوما سابقا، وانه كان جزءا من تدبير الله (أعمال الرسل 4: 28). أمَّا عبارة "يعاتِبُه" باليونانية ἐπιτιμᾶν (معناها انتهر) فتشير الى رد فعل بطرس الذي يدل على انه ما زال ينظر الى يسوع كالمسيح الممجَّد، دون ان ينظر الى الوجه الثاني للمسيح المتألم الذي عليه ان يمرّ بالألم والموت. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " نظر بطرس إلى آلام الرّب يسوع المسيح وموته من وجهة نظر طبيعيّة وبشريّة تمامًا، وبدت له هذه الميتة غير لائقة بالله وتنتقص من مجده " (العظة رقم 54 حول إنجيل القدّيس متى). لم يرَ بطرس إلاَّ جانبا واحد من صورة المسيح. كان يريد ان يصبح يسوع ملكا فقط دون ان يصير أولا "العبد المتألم" الذي تبنا عنه اشعيا (الفصل 53). أدرك بطرس ان يسوع هو المسيح، لكنه الآن يتحول عن وجهة نظر الله، ويقيِّم الموقف من وجهة نظر بشرية. لم يدرك بطرس سر المسيح في عمقه بالرغم انه أطلق على يسوع انه المسيح. فهو ما زال ينظر الى يسوع مسيحا مجيدا، في حين كان يسوع ينبئ " بمسيح مـتألم إن كان بطرس الرسول استطاع بإعلان إلهي أن يتعرف على "يسوع" أنه المسيح، لكن مع هذا لم يكن ممكنًا لبطرس أن يتفهم المسيح كمخلص يُصلب عن البشرية ويقوم ليقيمها معه، إذ كان الفكر اليهودي يرفض هذا تمامًا، لهذا أسرع السيد المسيح يصحح المفهوم. لم يكن بطرس، في تلك اللحظة، يهتمّ بمقاصد الربّ، بل برغباته ومشاعره البشريّة الطبيعيّة. كان يريد أن يُصبح يسوع ملكاً، وليس العبد المتألّم الّذي تنبّأ عنه أشعيا في الفصل 53. أنه لأمر خطير ان تلميذا حسن القصد لكنه غير روحي قد يصير آلة في يد الشيطان.

33 فالتَفَتَ فَرأَى تَلاميذَه فزَجَرَ بُطرسَ قال: انسحب! وَرائي! يا شَيطان، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر

تشير عبارة "زَجَرَ" باليونانية ἐπιτιμᾶν (معناها انتهر) الى معاتبة يسوع لبطرس الذي اظهر صعوبة التوفيق بين لقب المسيح وفكرة الآلام والموت؛ فكان بطرس حَجَر عَثْرَة ليسوع في تتميم رسالته وعائقا في الطريق الى اورشليم (متى 16: 23). أمَّا عبارة "انسحب! وَرائي! " باليونانية Υπαγε ὀπίσω μου (معناها اذهب ورائي) فتشير الى السير خلف يسوع وإتباعه، فالتلميذ يكون خلف معلمه، لا أمامه، ويقتفي آثار معلمه ولا يحدد له الطريق. عمل التلميذ لا ان يرشد الرب ويحميه، بل ان يتبعه. أمَّا لدى تجربة الشيطان ليسوع فأكتفي يسوع بالقول "اِذهَبْ (Υπαγε) يا شَيطان!" (متى 4: 10). ان بطرس بمعارضته آلام يسوع، يقوم مقام الشيطان الذي يحاول أن يردَّ يسوع عن طاعة الله (مرقس 1: 7)، وقد جرب الشيطان يسوع لكي يفعل نفس الامر (متى 4) لذا اعتبر يسوع كلام بطرس تجربة شيطانية. وهكذا كان بطرس عائقا ليسوع في تتميم رسالته. لم يدرك بطرس حقيقة لقب " المسيح" فكان ينتظر مسيحا مجيدا مظفرا، في حين كان يسوع يُنبئ "بمسيح متألم " قبل ان يكون مسيحا مجيدا. من اجل ذلك، حاول بطرس ان يمنع يسوع من الذهاب الى الصليب. فالتلميذ يكون خلف معلمه، لا أمامه، فيقتفي آثار معلمه ولا يحدد له طريقه. لم يكن عمل بطرس أن يرشد يسوع المسيح، بل أن يتبعه. أمَّا عبارة " لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر" فتشير الى مصدر معارضة الناس لتعلميه. فالبشر لا يعملون بإرادة الله التي تحدِّد عمل المسيح فهم ينتظرونه مسيحا بشريا قوميا سياسيا وليس مسيحا متألما مخلص البشر. فاليهود يرفضون فكرة مسيح متألم. وقد أطلق القدّيس بولس صرخة الإعجاب تجاه أفكار الله “ما أَبْعدَ غَورَ غِنى اللهِ وحِكمَتِه وعِلمِه! وما أَعسَرَ إِدراكَ أَحكامِه وتَبيُّنَ طُرُقِه!" (رومة11: 33). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " الرّب يسوع يجيب بطرس وكأني به يقول له: "لكن لا، ليس الألم والموت غير لائقَين بي. فالأفكار الأرضيّة تشوّش تفكيرك وتضلّلك. انزع كلّ فكرة بشريّة من ذهنك وأصغِ إلى كلامي من منظار المشروع الذي أعدّه أبي، عندها ستفهم أنّ هذا الموت هو الأمر الوحيد الذي يتناسب مع مجدي. أتعتقد أنّه من المعيب لي أن أتألّم؟ اعلم أنّ مشيئة إبليس هي ألاّ أتمّم هذا المشروع الخلاصي"(العظة رقم 54 حول إنجيل القدّيس متى).

34 ودَعا الجمع وتَلاميذَه وقالَ لهم: "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني

تشير عبارة "دعا الجَمعَ" الى دعوة يسوع ليس بطرس والتلاميذ فقط بل الجميع للتجرد من ذواتهم من أجله ومن اجل الانجيل. لا توجد طبقتان بين المسيحيين، فالمسيح يوجّه كلامه الى الجميع، ولا يستثني احداً، وشروطه مُعلنة على السطوح. أمَّا عبارة " يَتبَعَني" فتشير الى ملازمة شخص يسوع والسير وراء يسوع لا كسامع فقط، بل كمعاون وشاهد لملكوت الله وعامل في حصاده (متى 10: 1- 27). ومن خلال اتباع يسوع وتسليم الحياة في يديه يستطيع التلميذ ان يعرف يسوع. وفي الواقع يسوع في بادئ الأمر لم يقل لتلاميذه:" اعرفوني!" بل قال: “اتبعوني!” وحين نتبع يسوع، نعرف يسوع، نتبع يسوع بفضائلنا وبخطايانا، ولكن نتبعه دومًا. أمَّا عبارة "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني" فتشير الى الانتماء الى يسوع الذي يتطلب ثلاثة أمور وهي: ان يُزهد الانسان بنفسه، وان يحمل صليبه، وان يتبع المسيح". من حمل صليبه، قَبِل ان يخسر حياته في سبيل المسيح والانجيل. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "صليب المسيح هو مصدر كلّ خير، فمن خلاله نعيش ونتجدّد ونخلُص. فلنحملْ إذًا الصليب كإكليل مجد". (العظة رقم 54 حول إنجيل القدّيس متى). أمَّا عبارة "فَلْيَزْهَدْ" باليونانية ἀπαρνησάσθω (معناها ينكر) فتشير الى إنكار الذات والتجرد من الذات، ومعنى ذلك تنحية الذات تنحية كاملة فلا يتعاطف الإنسان مع ذاته، بحيث يكون غير مترف في ملذات جسده ويحيا حياة الخطيئة وإرضاء الذات بل يقوم بتسليم زمام الذات والحياة للمسيح لكي يصبح المسيح مركز حياته. ويُعلق القديس اوغسطينوس "لينسحب الإنسان من ذاته لا لأمور زمنية وإنما لكي يلتصق بالله"؛ لا تقاس علاقتنا بيسوع بكمّية المعلومات التي نعرفها عنه، إنما في طرح هذه الأسئلة على أنفسنا: هل نقبل أن نموت مع يسوع لنحيا معه ومنه؟ فالحياة اختيار وقرار. أمَّا عبارة "يَحمِلْ صَليبَه" فتشير الى أسلوب معروف عند الرومان بان السجين المحكوم عليه بالإعدام عليه ان يحمل صليبه الى مكان تنفيذ الحكم تعبيرا عن الخضوع لسلطة روما. وقد استخدم يسوع تشبيه حمل الصليب ليصوّر غاية الخضوع والجهد البطولي المطلوب من اتباعه لحظة بعد لحظة لعمل مشيئة الله وذلك بتسليم الذات الكامل، والإقدام على المصائب والمتاعب الجسدية - حتى الموت - تطوُّعاً لا إرغاماً، دون أي رجوع او نكوص تجاه الضيقات والاتعاب بالموت. ويوضِّح القديس فرنسيس معنى حمل الصليب بقوله "ليس عذاب جسده مَن سوف يحوّله ليتشبّه بالمسيح مصلوبًا، إنّما المحبّة التي تلهب قلبه هي التّي سوف تقوم بذلك" (القدّيس بونافَنتورا ، حياة القديس فرنسيس ) . ويقول البابا بندكتس "إن الصليب هو الإعلان المؤكد والمحتم للمحبة والرحمة الإلهية، حتى بالنسبة لنا رجال ونساء هذه الحقبة من التاريخ، الذين غالباً ما تلهّوا بالاهتمامات والأمور المادية والعابرة" (المقابلة القامّة بتاريخ 21/02/2007). وهنا يتنبأ يسوع عن صليب تلاميذه، لان الصليب هو طريق المجد الوحيد وهو طريقه أيضا. ما علّمه يسوع عمله. وما طلبه عاشه أولا. فيسوع نفسه حمل صليبه حتى الموت المشين وهناك مسيحيون فعلوا مثله كبطرس واندراوس؛ لان الصليب هو طريق المجد ليسوع وتلاميذه في المخطط الالهي. ويعلق القديس كيرلس بطرس اورشليم "لا نشعرنّ بالخجل من صليب المسيح؛ بل على العكس، فلنفتخر به. الصليب عارٌ عند اليهود، وحماقةٌ عند الوثنييّن (1قورنتس 23-24)؛ أمّا بالنسبة إلينا، فهو رمز الخلاص". (التعلمي المسيحي العمادي 13). فقد وهب بطرس ذاته وكيانه ليسوع، ويسوع يعهد بين يديه بمصير كنيسته. والحبّ لا يعرف حدود، لا في المكان ولا في الزمان، فهو هنا والآن، ويشمل كلّ العالم وكلّ الأزمنة. أمَّا عبارة " يَتبعْني" فتشير الى السير في خطوات يسوع بالتدقيق، دون كلل أو فتور، ودون تردُّد أو ارتدادا. ويتخذ يسوع أسلوب الاقناع بحيث من يريد ان يصير تلميذا ليسوع عليه ان يخضع لإرادته، وان يعرف الذي يجب ان يقتدي به، ويبرهن عن انه يستطيع ذلك. وخلاصة القول، المطلوب الزهد بالذات وهو الوجه الداخلي، وحمل الصليب، الوجه الخارجي. وكلا الوجهان يعودان الى قرار واحد. يطلب يسوع تعلقا بشخصه، لا بتعليمه فقط، فهو لا يحمل كلمة الله بل هو الكلمة أيضا. علينا ان نتحوَّل من الفضول الى التسليم زمام حياتنا ليسوع، ومن الاعجاب به الى التعبد له. فمن طلب الانتماء الى يسوع، لا بد له من أمور ثلاثة: ان يزهد بنفسه، وان يحمل صليبه، وان يتبع المسيح.

35 لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها":

عبارة "يُخَلِّصَ حَياتَه" باليونانية τὴν ψυχὴν αὐτοῦ σῶσαι (معناها يخلص نفسه) تشير الى الانسان الذي يخلص حياة الجسد، بالبحث عن راحة البال ذات الطابع الأنان، لكنه يخسر يسوع والحياة الأبدية كما جاء في مثل الغني الغبي " يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي. فقالَ لَه الله: يا غَبِيّ، في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟" (لوقا 12: 19- 20). ويضيف لوقا الإنجيلي قول يسوع المأثور " فماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه، وفَقَدَ نَفْسَه أَو خَسِرَها؟" (لوقا 9: 25). هنا يسأل المسيح سامعيه: هل قيمة العالم بأسره تساوي قيمة نفس واحدة؟ والجواب: هذا غير ممكن، طالما العالم وكل ما فيه من الخيرات والأمجاد يزول، بينما النفس خالدة تبقى إلى الأبد. فذاك الانسان الغبي يستحي منه ابن الإنسان في يوم مجده العظيم (مرقس 8: 5) ويحسبه كمن هو غير معروف لديه، وكما يقول القديس ايرونيموس "الله لا يعرف الشرير، إنما يعرف البار". أمَّا عبارة "البِشارَة" باليونانية εὐαγγέλιον (معناها خبر طيب) الى الانجيل وتشمل هذا المعنى أيضاً كتاب رسولي يختص بحياة المسيح على الأرض. ولخص يوحنا الإنجيلي "البشارة" في انها تكمن في ارسال الله ابنه الوحيد لخلاص المؤمنين (يوحنا 3: 16). ويوضح بولس الرسول مضمون الإنجيل بقوله "أن المسيح مات لأجل خطايانا، وأنه قام من بين الأموات (1 قورنتس 15: 1-4). ويدعى في العهد الجديد بتسميات مختلفة منها: "بِشارةَ الله " (رومة 1: 1)، و " بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ" (مرقس 1: 1) و " بِشارةِ نِعمَةِ الله" (اعمال الرسل 20: 24)، " بِشارةِ السَّلام " (افسس 6: 15)، و" بِشارةَ خَلاصِكم" (افسس 1: 13)، و "بِشارةِ مَجْدِ المسيح" (2 قورنتس 4: 4)، " بِشارَةَ المَلَكوت،" (متى 4: 23). وقد بشَّر يسوع المسيح نفسه بهذا الإنجيل (مرقس 1: 14) وبشَّر به الرسل (اعمال الرسل 16: 10) والمبشِّرون (اعمال الرسل 8: 25). أمَّا عبارة " يَفقِدُ حَياتَه " ἀπολέσει τὴν ψυχὴν αὐτοῦ (معناها يهلك نفسه) فتشير الى مطلب يسوع من الذي يختار اتباعه ان يحيا بالزهد ويحمل الصليب بدل ان يحيا حياة الخطيئة وإرضاء الذات. لا وجود لحياة مسيحية دون الزهد في النفس. وهذا كان الوضع في بداية الكنيسة، فمن كان يريد ان يترشح الى العماد كي يصبح مسيحيا في روما في القرون الثلاثة الأولى، كان معرضا لنيل اكليل الاستشهاد؛ فالمسألة حياة أو موت. وفي ايامنا في بعض الأماكن يحصد منجل الموت العنيف أرواح المسيحيين وتُسلَب ممتلكاتهم لا لشيء إلاّ لأنهم مسيحيون يعترفون "بيسوع مسيحًا وربًّا ومخلصا" (مرقس 8: 27-35). ومن هذا المبدأ يقتضي على المسيحي ان يختار: تجاه ممالك الدنيا، هناك ملكوت السماوات، وتجاه مجد هذا العالم، هناك المجد الآتي من الله. وبكلمة مطلوب لاتباع يسوع ان نضحي بحياتنا في سبيل ولائنا ليسوع لنخلِّص حياتنا. ويتحدث البابا فرنسيس التضحية اليومية التي لا تتضمن الموت ولكنها أيضا "فقدان الحياة" من أجل المسيح، من خلال إتمام الواجب الخاص بمحبة، حسب منطق يسوع، منطق العطاء والتضحية، " كم من الآباء والأمهات يعيشون إيمانهم يوميًا مقدمين حياتهم بشكل ملموس من أجل خير العائلة! كم من الكهنة، الرهبان والراهبات يؤدون بسخاء خدمتهم من أجل ملكوت الله! كم من الشباب يتخلّون عن اهتماماتهم الخاصة للاهتمام بالأطفال، ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين". اما عبارة " يُخَلِّصُها " فتشير الى تناقض صريح " من يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها" ومن "َيفقِدُ حَياتَه ...يُخَلِّصُها". هذا هو الصليب الذي ينتظره يسوع حقا. ويعلق أسحَق السريانيّ الراهب" طريق الله هي صليبٌ يوميّ. لم يصعد أحدٌ يومًا إلى السماء براحة" (مقالات نسكيّة، السلسلة الأولى، الرقم 4). لذا من يريد ان يخلص، عليه ان يضحي بحياته في سبيل ولائه وإخلاصه ليسوع والانجيل. فجاءت صلاة الحركة الفرنسيسكانية "أن الذي ينسى ذاته يجدها، والذي يموت، يحيا حياة ابدية". أمَّا عبارة "في سبيلي وسبيلِ البِشارَة" فتشير الى عدم وجود هدف للتضحية المسيحية بحد ذاتها، بل تصبح التضحية والزهد شيئا سلبيا، ان لم يكن الزهد في سبيل الحياة مع المسيح. ويعلق القدّيس فرنسيس كسفاريوس " بالرغم من أنّ المعنى العام لكلمة ربنا هي سهلة الفهم عندما نبدأ بفهم هذه الحالة وننوي أن نخسر الحياة من أجل الله بهدف أن نجدها فيه، عندئذٍ نبدأ بتخايل الصعاب... كلّ شيء يصبح غير واضح، وحتّى نص الكتاب المقدّس، الّذي هو واضحٌ بحد ذاته، يكتسيه الغموض. يبدو لي في هذه الحالة أنّ وحده من يفهم هو من يترك لله مجال إفهامه بطريقة استثنائية من خلال رحمته. من هنا نرى أن ّ جسدنا ضعيف وعاجز" (رسالة بتاريخ 10 أيار 1456).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 7: 31-37)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس 8: 27-35) يمكننا ان نستنتج انه يتمحور حول موضوع المسيح. ومن هنا نسأل ما هو مفهوم لقب "المسيح" في العهد القديم؟ وما هو موقف معاصري زمن يسوع من المسيح؟ وما هو موقف يسوع من هذا اللقب؟ وما هو موقف الكنيسة؟

1) ما هو موقف العهد القديم من لقب "المسيح"؟

كلمة المسيح مشتقة من لفظة הַמָּשִׁיחַ في العبرية والآرامية، وأمَّا اللفظة اليونانية فهي "خريستس" Χριστός والمسيح تعني الممسوح. فالاسم يشير الى ربط شخص المسيح برجاء ابناء الشعب العبري في العهد القديم والعهد الجديد. في العهد القديم كانت لفظة المسيح (الذي مسح) تنسب الى الملك والنبي والكاهن. كانت المسحة الإلهية تُكرّس الملوك من أجل رسالة مرتبطة بقصد الله نحو شعبه. بفضل المَسح بالزيت الذي يرمز إلى تقليد السلطة من قبل روح الله (1 صموئيل 9: 16، 13)، كان الملك يُكرَّس لوظيفة تجعل منه نائب الله في إسرائيل. كما هو الحال في شان شاول الملك (1 صموئيل 9، 10) وداود الملك (2 صموئيل 2: 4، 5: 3) وسليمان الملك (1 ملوك 1: 39) ومن ارتقوا من ذريته إلى السلطة الملكية (2 ملوك 11: 12، 23). بهذه المسحة يُصبح الملك "مسيح الله" (2 صموئيل 19: 22)، أعني شخصاً مكرساً يجب على كلّ مؤمن أن يقدم له إكراماً دينياً (1 صموئيل 24: 7).

أمَّا مسح الأنبياء فلم يكونوا عادة مكرّسين لوظيفتهم بمسح الزيت، إلا بطريقة عارضة. مثلا أن الله أمر إيليا بأن "يمسح أليشاع نبياً بدلاً منه" (1 ملوك 19: 16). وفي الواقع، فإن مسح الروح هذا الذي يحصل عليه النبي هو ما يتحدث عنه اشعيا (61: 1)، عندما كرّسه هذا المسح ليعلن البشرى السارة للفقراء. وقد أطلق مرة واحدة لفظ "مسحاء" على أعضاء شعب الله بصفتهم "أنبياء الرب " (مزمور 105: 15).
أمَّا مسح الكهنة فيعود الى بَعد السبي؛ فكان يُمنح المسح عظيم الأحبار (خروج 29: 7). ومنذ ذلك العصر يصبح عظيم الأحبار الممسوح (الاحبار 4: 3)، "المسيح" في زمانه. ويشمل المسح أيضا جميع الكهنة (خروج 28: 41). يعطي إذن الفكر اليهودي عن الأزمنة الأخيرة مكاناً هاماً لانتظار المسيح: مسيح ملك ينتظره الجميع، ومسيح كاهن في رأي بعض الأوساط اليهودية. ولكن مواعيد الكتب المقدّسة لا تنحصر في هذه المسيحانية بأحلام نهضة سياسية، بل تعلن أيضاً تأسيس ملكوت الله على يد يسوع المسيح.

2) وما هو موقف العهد الجديد من لقب "المسيح"؟

دهش الناس بقداسة يسوع وسلطته وقدرته، وأخذوا يتساءلون قائلين: "أَتُراهُ المَسيح؟" (يوحنا 4: 29، 7) وألحوا عليه في أن يعلن هو بصراحة عن نفسه "إِن كُنتَ المَسيح، فقُلْه لَنا صَراحَةً" (يوحنا 10: 24). وانقسم الناس الى قسمين تجاه يسوع بكونه المسيح. "فوقَعَ بَينَ الجمَعِ خِلافٌ في شأنِه" (يوحنا 7: 43). فمن جهة، اتفقت السلطات اليهودية على أن تطرد من المجمع كل من يعترف بأنه هو يسوع هو المسيح (يوحنا 9: 22). ومن جهة أخرى، اعترف الكثيرون صراحة بأنه هو المسيح، أوّلهم تلاميذه، (يوحنا 1: 41)، ثم مرثا في الوقت الذي أعلن أنه القيامة والحياة (يوحنا 11: 27). ويضفي جواب بطرس "أنت المسيح" (مرقس 8: 29) طابعاً رسمياً خاصاً. إلا أن هذا الجواب، لا يزالُ ناقصاً، لأن هذا اللقب "المسيح" معرّض أن يفهم في إطار تطلع إلى ملك زمني سياسي كما حدث بعد معجزة الخبز والسمكتين" وعَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل" (يوحنا 6: 15).

3) ما هو موقف يسوع من لقب "المسيح"؟

لم يقرْ يسوع يوماً لنفسه بلقب "المسيح"، ما عدا مرة واحدة، وذلك في حديثه مع المرأة السامرية: "إِنِّي أَعلَمُ أَنَّ المَشيحَ آتٍ، وهو الَّذي يُقالُ لَه المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء". قالَ لَها يسوع: "أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ" (يوحنا 4: 25-26). وكان يسوع يحظر على الشياطين أن يعلنوا أنه هو المسيح (لوقا 41:4). ولكنه، بعد اعتراف بطرس، أوصي الاثني عشر، ألا يُخبروا أحداً بأنه المسيح (متى 16: 20).
واخذ يسوع في تنقية مفهوم فكرة "المسيح". ولم ينكر يسوع هذا اللقب في محاكمته الدينية واستحلاف عظيم الأحبار له بل أعطاه معنى متسامياً وهو ابن الإنسان المزمع أن يجلس عن يمين الله (متى 26: 63-64). وبدأ هذا الاعتراف مع بدء آلامه. وكان هذا الاعتراف سبب الحكم عليه كما أكده عَظيمُ الكَهَنَة: "أَستَحلِفُكَ بِاللهِ الحَيّ لَتَقولَنَّ لَنا هل أَنتَ المسيحُ ابنُ الله"، فقالَ له يسوع: "هو ما تقول" (متى26: 65-66). لقب المسيح لم يعد في الأمر مجال لمجد زمني، انما في المجال الروحي. وعليه فانه بعد قيامته فقط، استطاع التلاميذ أن يفهموا ما ينطوي عليه هذا اللقب: "أمَّا كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام فيدخل في مجده؟" (لوقا 24: 26)؛ لأنه كما ورد في الكتب المقدّسة، "كُتِبَ أَنَّ المَسيحَ يَتأَلَّمُ ويقومُ مِن بَينِ الأَمواتِ في اليَومِ الثَّالِث، وتُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم" (لوقا 24: 46 -47).

4) ما هو موقف الكنيسة من لقب "المسيح"؟

على ضوء قيامة يسوع لم تتردد الكنيسة في الإعلان ان يسوع هو "المسيح" " Χριστός. ويظهر يسوع هكذا باعتباره ابن داود الحقيقي كما ورد في نسبه "نَسَبُ يَسوعَ المسيح اِبنِ داودَ ابنِ إِبْراهيم (متى 1: 1)، حُبل به بقوة الروح القدس كما بشّر الملاك مريم العذراء "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى" (لوقا 1: 35) ليرث عرش داود أبيه (لوقا 1: 32) ويقود إلى غايته هذا الملُك، بتأسيسه ملكوت "الله على الأرض" وذلك عن طريق قيامته من بين الأموات "قد جعله الله رباً ومسيحاً" كما ورد في عظة بطرس الرسول الأولى (اعمال الرسل 2: 36).
لقد أصبح هذا اللقب “المسيح" في زمن الرسل اسم علم ليسوع. ولم تتردّد الكنيسة الأولى في الاعتراف ليسوع بأرفع الألقاب، ألا وهو لقب الرب (أعمال 2: 36)، و"المسيح الرب" (لوقا 2: 11)، و"ربنا يسوع المسيح"(أعمال 15: 26)، وهو ابن الله بالمعنى الحصري (رومة 1: 4)، وهو الإله الحق (رومة 9: 5). ولم يعد أيضا لقب المسيح بالنسبة الى بولس الرسول لقباً من الألقاب، بل أصبح اسم علم خاص بدون أل التعريف "فإِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصْلوب" (1 قورنتس 1: 23) ولذا تقوم بشارة بولس بمثابة إعلان أيضاً عن المسيح المصلوب الذي مات من أجل قوم كافرين (رومة 5: 6-8). وأخيرا يجمع لقب المسيح في ذاته كلّ الألقاب الأخرى، ويحمل كلّ الذين خلّصهم المسيح، بحق، اسم "المسيحيين" (أعمال 11: 26).

الخلاصة

يمكن ان نلخص نص انجيل مرقس (8: 27-35) بان يسوع سأل تلاميذه سؤالين؛ أولها عام وهو "مَن أَنا في قَولِ النَّاس؟" (مرقس 8: 27). واظهر جوابه قول الناس بان يسوع شخصية بارزة لا أكثر. أمَّا السؤال الثاني فكان تحديا للرسل أنفسهم وهو "ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟" (مرقس 8: 29) فأجاب بطرس وهو المتكلم باسم الرسل جميعا، معلنا بأن يسوع هو المسيح المنتظر الذي تنبأ عنه الأنبياء. فهذا الاعتراف هو النقطة الحاسمة في تعليم يسوع في الانجيل.

لقد كان يسوع واعيا برسالته كمسيح منذ بدء خدمته التبشيرية كما جاء في قوله لوالديه "أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟" (لوقا 2: 49) وكان يعلم انه المسيح الذي عليه ان يتألم على الصليب كما صرّح لليهود “كما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان (يوحنا 2:3: 14). ومنذ هذه اللحظة بيَّن انجيل مرقس ان يسوع كان عالما بمصيره الذي هو جزء من مخطط الله في خلاص النفوس إذ "تحالَفَ حَقًّا في هذهِ المَدينةِ هِيرودُس وبُنْطيوس بيلاطُس والوَثَنِيُّونَ وشُعوبُ إِسرائيلَ على عَبدِكَ القُدُّوسِ يسوعَ الَّذي مَسَحتَه، فأَجرَوا ما خَطَّتهُ يَدُكَ من ذي قَبلُ وقَضَت مَشيئَتُكَ بِحُدوثِه". (اعمال 4: 27-28). أمَّا التلاميذ فقد عرفوا هده الحقيقة لكنهم اخطأوا في فهمها. إذ تنبأ العهد القديم عن المسيح بطريقتين: انه المسيح الظافر كما تنبأ اشعيا "يَقْضي لِلضُّعَفاءِ بِالبِر ويَحكُمُ لِبائِسي الأَرض بالاستقامة" (اشعيا 11: 4) وفي الوقت نفسه تنبا اشعيا انه المسيح المتألم "مُزدَرًى ومَتْروكٌ مِنَ النَّاس رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلَم ومِثلُ مَن يُستَرُ الوَجهُ عنه مُزدَرًى فلَم نَعبَأْ بِه" (اشعيا 53 :3).

وكان اليهود ينتظرون المسيح الظافر ويتجاهلون المسيح المتألم. والتلاميذ قبل القيامة شاركوهم هذا الراي الذي كان سائدا عند الجميع. لذلك ابتدأ يسوع يعلمهم ان المسيح هو ابن الانسان الذي ينبغي ان يتألم "إنَّ ابنَ الإِنسانِ يَجِبُ علَيه أَن يُعانيَ آلاماً شديدة، ...وأَن يُقتَل، وأَن يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام" (مرقس 8: 31). وعندئذ اخذ بطرس يسوع جانبا وانفرد بِهِ بُطرُس وجَعَلَ يُعاتِبُه (مرقس 8: 32). وهذا امر خطير لان بطرس، تلميذ يسوع، يصبح بحسن نية آلة في يد الشيطان. فعلمه يسوع ان التلمذة الحقة تقوم بالتمثل بمشيئة الله كما أعلنت في يسوع "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني" (مرقس 8: 33) ويستخدم بولس تعبيرا مماثلا "ارغَبوا في الأُمورِ الَّتي في العُلى، لا في الأُمورِ الَّتي في الأَرض (قولسي 3: 2). لا يكفي ان نعرف ما يقوله الآخرون عن يسوع، بل علينا ان نعرف ونفهم ونقبل شخصيا أنه المسيح المخلص كما يؤكد بولس الرسول "فإذا شَهِدتَ بِفَمِكَ أَنَّ يسوعَ رَبّ، وآمَنتَ بِقَلبِكَ أَنَّ اللّهَ أَقامَه مِن بَينِ الأَموات، نِلتَ الخَلاص" (رومة 10: 9).

دعاء

أيها الاب السماوي، اسألك باسم يسوع ابنك، ان تمنحنا نعمة الايمان لكي نثق بيسوع ونؤمن بكلامه ونشهد بان يسوع هو المسيح، ابن الله الحي فنزهد في نفوسنا ونَحمِلْ صَليبَه ونتبعه في سبيله وسبيل الانجيل المقدس

لغة الصليب

ان منطق الصليب لا يقبله الانسان بسهولة لأنه يمشي عكس التيار، يقلب الواقع:
انت تريد راحتك، مع الصليب تعمل لراحة غير.
انت تسعى لسعادتك، مع الصليب تسعد غيرك.
انت تفكر في نفسك وتحبها، مع الصليب تفكر بالآخرين وتنكر نفسك.
انت تعيش على حساب غيرك، مع الصليب الغير يعيش على حسابك.
انت تحيا ولو مات الجميع، مع الصليب تموت انت ليحيا الجميع.
انت تكفر بالآخرين، مع الصليب تكفر بنفسك.
انت تركز نجاحك لذاتك، لذلك تخسر كل شيء، مع الصليب تحبّ غيرك وتركّز على نجاحه وفرحه ونموه، فتربح كل شيء.
ربما تكره الصليب لأنك أناني، تعتبره كفر لأنه يجبرك على الكفر بنفسك.
” إِنَّ لُغَةَ الصَّليبِ حَماقةٌ عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الهَلاك، وأَمَّا عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الخَلاص، أَي عِندَنا، فهي قُدرَةُ اللّهُ (1 قورنتس 1: 18).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء