يسوع المسيح والتقاليد اليهودية

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

يسوع المسيح والتقاليد اليهودية

الأب د. لويس حزبون
2018/09/02

قبل انصراف يسوع من الجليل الى الارض الوثنية (مرقس 7: 24) يصف انجيل مرقس نقاشا طويلا بين يسوع والفريسيين حول سُنَّة الشيوخ والطاهر والنجس (مرقس7: 1-23). ويُبيّن أنَّ مشيئة الله في نظر يسوع تتخطى السُنن اليهودية (مرقس7: 6-13) والطهارة الطقسية (مرقس 7: 14-23) مما يجعل وحدة اليهود والوثنيين في الكنيسة أمر ممكناً. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل مرقس (مرقس 7: 12)

1 واجتَمَعَ لَدَيه الفِرِّيسِيُّونَ وبَعضُ الكَتَبَةِ الآتينَ مِن أُورَشَليم

تشير عبارة" الفِرِّيسِيُّونَ " من الآرامية הַפְּרוּשִׁים (معناها المنعزل) الى إحدى فئات اليهود الرئيسية الثلاث التي كانت تناهض الفئتين الأخريين: الصدوقيين والأسينيين، وكانت أضيقها رأياً وتعليماً (اعمال الرسل 26: 5). حصر الفريسيّون الصلاح في طاعة الناموس فجاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية. وقالوا بوجود تقليد سماعي عن موسى تناقله الخلف عن السلف. وزعموا أنه معادل لشريعته المكتوبة سلطة أو أهمّ منها. فجاء تصريح المسيح مبيّنا أن الإنسان ليس ملزماً بهذا التقليد (متى 15: 2 و3 و6)، ودعاهم يوحنا المعمدان "أولاد الأفاعي " كما وبخهم السيد المسيح بشدة على ريائهم وادعائهم البرّ كذباً وتحميلهم الناس أثقال العرضيات دون الاكتراث لجوهر الناموس (متى 5: 20 و16: 6 و11 و12 و23: 1ـ 39). أمَّا عبارة " الكَتَبَةِ " من العبرية הַסּוֹפְרִים (معناها السِّفْرُ الكتابُ أَو الكتاب الكبير) فتشير الى الكاتب المتعمّق في درس الشريعة، وأعاد الكتبة قراءة النصوص، ودوّنوا التقاليد التي عليها يؤسّسون هويّتهم. واعتاد الناس أن يدعوهم "رابي" أي معلّمي (مرقس 12 :38). وكان معظم الكتبة ينتمون الى حزب الفريسيين، ولا سيما بعد خراب الهيكل في سنة 70م. أمَّا عبارة "الكتبة والفريسيّين" فتشير الى علماء من هؤلاء وأولئك، الذين يتبعون أخلاقيّة الفريسيّين (مرقس 12 :38)، وهم حراس سنَّة الشيوخ والتقاليد اليهودية. وكثيرا ما يجمع متى الإنجيلي بين هاتين الفئتين من الشعب اليهودي في مقاومتهما ليسوع (متى 5: 20 و12: 38). وأمَّا عبارة " أُورَشَليم " فتشير الى مدينة القدس أو المدينة المقدسة (أشعيا 48: 2 ومتى 4: 5)، وتدل اورشليم في انجيل مرقس على قيمة رمزية وهي العاصمة الدينية التي تصدر منها جميع الحملات العدوانية ضد يسوع. أرسل رؤساء الشعب اليهودي فريقا منهم لمراقبة يسوع والتحرّي حول نشاطه واصطياد أخطائه. ومن اورشليم حكم رؤساء الشعب على يسوع بالموت، وسلَّموه الى الرومان ليُصلب.

2 فرَأَوا بعضَ تَلاميذِهِ يَتناوَلونَ الطَّعامَ بِأَيدٍ نَجِسَة، أَيْ غَيرِ مَغْسولة

تشير عبارة " فرَأَوا بعضَ تَلاميذِهِ يَتناوَلونَ الطَّعامَ " الى عدم رضى الفريسيين والكتبة عمَّا لاقوه من تلاميذ يسوع. أمَّا عبارة " يَتناوَلونَ الطَّعامَ " باليونانية ἐσθίουσιν τοὺς ἄρτους فتشير الى التلاميذ الذين يأكلون الخبز او الارغفة. أمَّا عبارة " نَجِسَة" باليونانية κοιναῖς فتشير الى ما هو نجس طقسيا لليهود نتيجة المخالطة مع الأمم. أمَّا عبارة "بِأَيدٍ نَجِسَة، أَيْ غَيرِ مَغْسولة" فتشير الى فريضة طقسية، أكثر منها الى عملية صحية وتنظيف جسدي. فالنجاسة لا تدلّ في ذاتها على صفة خلقيّة، بل على جدارة أو عدم جدارة بالنسبة إلى شعائر العبادة وحياة الجماعة العباديّة. وهذه العادة مستلهمة من سفر الاحبار التي تفرض على الانسان أن يغتسل قبل أن يلمس ما هو مقدس "يَغسِلُ بَدَنَه بِماءٍ" (الاحبار 16 :4، 24). ومن هذا المنطلق كان غسل اليدين قبل الطعام وبعده في الدين اليهودي مأخوذ من شعائر العبادة (خروج 30: 18-21)، ولقد انحصر غسل اليدين أولا في الذين يقومون بشعائر العبادة في الهيكل، ثم عمَّمته التقوى الفرِّيسية على الشعب المؤمن قُبيل زمن المسيح.

3 لأَنَّ الفِرِّيسِيِّينَ واليهودَ عامَّةً لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغسِلوا أَيدِيَهُم حتَّى المِرفَق، تَمَسُّكاً بِسُنَّةِ الشُّيوخ

تشير عبارة "اليهودَ عامَّةً" الى العبرانيين الأصليين والدخلاء. وأقد أطلقت هذه الكلمة في البداية على سبط أو مملكة يهوذا (2 ملوك 16: 6 و25: 25). اما عبارة " لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغسِلوا أَيدِيَهُم حتَّى المِرفَق " فتشير في تفسير مرقس الانجيلي للطقوس اليهودية، لأنه كان يكتب للأمم، غير اليهود؛ فقبل كل وجبة طعام، كان اليهود الاتقياء يقومون ببعض الطقوس، فيغسلون أيديهم وأذرعهم بطريقة خاصة. وكان ذلك عندهم رمزا لتطهيرهم من شيء يعتبرونه نجساً يمكن ان يكونوا قد لمسوه. أمّأ عبارة "يَغسِلوا أَيدِيَهُم" تشير الى الرتبة الطقسية التي كان علماء الشريعة اليهود في ذلك الزمان يجعلون لها شانا عظيما. فغسل الايدي ليس هدفه الناحية الصحية بل لإزالة النجاسة مراعاةً للرتب الطقسية اليهودية (مرقس 7: 3-4). وقد رفض يسوع هذه السُنّة لان الفريسيين كانوا مخطئين في اعتقادهم أنهم يُقبَلون من الله لأنهم أتقياء من الخارج (متى 15: 20). وكذلك رفض هذه السنة تلاميذ يسوع ولم يمارسوها (مرقس 7: 2-5). وفي نظر لوقا الانجيلي يُميز يسوع بين ديانة الفريسيين الظاهرية وديانة القلب الباطنية (لوقا 11: 37-54)، وديانة القلب هي في نظر يسوع اول ما يقتضيه الله (لوقا 16: 15)، ويقول أوريجانوس" محور الكتاب المقدّس، هو قلب الإنسان “، لأجل ذلك توعّد يسوع الفريسيين على تمسكهم بالديانة الظاهرية والاكتفاء بها ووبَّخهم قائلا: "الويلُ لَكُم، فإِنَّكُم تَبْنونَ قُبورَ الأَنبِياء، وآباؤكُم هُمُ الَّذينَ قَتَلوهم. فأَنتُم تَشهَدونَ على أَنَّكم تُوافِقونَ على أَعمالِ آبائِكُم: هُم قَتَلوهُم وأَنتُم تَبْنونَ قُبورَهم" (لوقا 11: 47). ان البحوث الأثرية الحديثة قد أيدت موافقة هذا التوبيخ. فمنذ بدء عهد هيرودس الكبير وبعده شُيدت في فلسطين قبور الانبياء الضخمة (لوقا 11: 44). وبيّن لوقا لماذا لا يكتفي الله بالديانة الظاهرية اذ قال "أَلَيسَ الَّذي صَنعَ الظَّاهِرَ قد صَنَعَ الباطِنَ أَيضاً؟" (لوقا 11: 40). والانسان يدان على أعماله الخارجة من القلب كما جاء في قول المسيح "الإِنْسانُ الخَبيثُ مِن كَنزِه الخَبيثِ يُخرِجُ ما هو خَبيث، فمِن فَيضِ قَلبِه يَتَكَلَّمُ لِسانُه" (لوقا 6: 45). أمَّا عبارة " حتَّى المِرفَق" باليونانية πυγμή فتشير الى غسل أيديهم جيدا وباعتناء. أمَّا عبارة "بِسُنَّةِ الشُّيوخ" فتشير الى تقاليد القدماء التي تضم مجمل فرائض وممارسات توضح الشريعة التي تناقلتها مدارس الربانيين مشافهة والتي دُوِّنت فيما بعد في مقالات المشنأ والتلمود. وتسمى "سُنّة البشر " او أَحكامٍ بَشَرِيُّة " (مرقس 7: 8) و" سُنَّتَكم " (مرقس 7: 9)، وسمّاها يوسيفوس فلافيوس " سُنَّة الآباء". أمَّا عبارة " الشُّيوخ " فتشير الى شيوخ اسرائيل (خروج 3 :16) وهم شيوخ قبيلة من القبائل (قضاة 11 :5) يقودون رجالهم في زم الحرب، وفي زمن السلم يقضون بالعدل (خروج 18 :13-26). ولكن بما أنه لم تكن لهم سلطة لأن يفرضوا أحكامهم بالقوّة، كانت سلطتهم معنويّة أكثر منها قانونيّة. وفي السنهدريم (محكمة اليهود العليا) جلس الشيوخ جنبًا إلى جنب مع رؤساء الكهنة وعلماء الشريعة (متى 27 :41)، ولهذا سُمّي محفلهم πρεσβυτέριον" اي مشيخة (لوقا 22 :66) أو γερουσίαν أي مجلس (أعمال الرسل 5 :21).

4 وإذا رجَعوا مِنَ السُّوق، لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغتَسِلوا بِإِتْقان. وهُناكَ أَشياءُ أُخرى كَثيرةٌ مِنَ السُّنَّةِ يَتمسَّكونَ بها، كَغَسْلِ الكُؤُوسِ والجِرارِ وآنِيَةِ النُّحاس

تشير عبارة "رجَعوا مِنَ السُّوق" الى اليهود الذين يتنجسوا إن هم اتصلوا بالوثنيين او بيهود لا يمارسون قواعد الطهارة. لهذا، فهم يغتسلون حين يعودون من السوق. وجّه مرقس الإنجيلي كلامه الى بيئة لا تعرف هذه العادات فرأى من الضروري ان يفسّرها لسامعيه. أمَّا عبارة "السُّنَّةِ" فتشير الى سنّة الشيوخ وهي تتضمن وصايا وأحكام وممارسات وفرائض توضّح شريعة موسى. أمَّا عبارة "َغَسْلِ الكُؤُوسِ والجِرارِ وآنِيَةِ النُّحاس" فتشير الى عادة من التقليد وليس من الشريعة وقد وضعها الفريسيون زيادة على أوامر الشريعة. وقد ورد في كتاب إدرشيم ان الأوعية الخشبية أو الزجاجية تغسل بالغمر في الماء، والآنية النحاسية تطهر بماء مغلي ثم بالنار أو على الأقل بجلي الإناء. وهذا التقليد تمسك به اليهود جدًا. من هنا نفهم سر وجود ستة أجران بأحجام كبيرة في بيت يهودي في قانا الجليل (يوحنا 2: 6). لقد تركت الأمة اليهودية عبادة الله بالقلب والحق وأهملت الوصايا الأساسية، واهتمت بالتقاليد البشرية المسلمة من الشيوخ كغسيل الأيدي والأباريق، تركوا محبة الله ومحبة القريب واهتموا بنظافة الجسد من الخارج.

5 فسأَلَه الفِرِّيسِيُّونَ والكَتَبة: لِمَ لا يَجري تَلاميذُكَ على سُنَّةِ الشُّيوخ، بل يَتَناولونَ الطَّعامَ بِأَيدٍ نَجِسَة؟

تشير عبارة " لِمَ لا يَجري تَلاميذُكَ على سُنَّةِ الشُّيوخ" الى تعدّي تلاميذ يسوع على سُنّة الشيوخ (متى 15: 1). وسنة الشيوخ هي المعيار لمعرفة ما هو الصحيح وما وهو الخطأ في رؤية الكتبة والفريسيين. وسُنة الشيوخ تنطلق من أَحكامٍ بَشَرِيُّة وتشدد على الحفاظ على الطهارة الخارجية. اما المعيار في رؤية يسوع فيطلق من وصايا الله ويشدد على طاعة القلب أي الطهارة الداخلية. أمَّا عبارة "لِمَ يَتَناولونَ الطَّعامَ بِأَيدٍ نَجِسَة؟" فتشير الى عدم قصد الفريسيين بالسؤال الى الناحية الصحِّية، بل الى الممارسات الطقسية بخصوص الطاهر والنجس وقد سنتها شريعة موسى (الاحبار 11). إذ كان الفريسيون في ريائهم لا يطيقون التلاميذ المتحررين من تقليد الفريسيين الخاطئ. فالإنسان الحرفي لا يطيق الفكر الروحي بل يقاومه، محولًا حياته إلى مناقشات غبية وعقيمة! أنّ مشكلة الفريسيين والكتبة كانت أنّهم قد تغاضوا عن وصايا الربّ وعوضاً عنها كانوا يُركّزون على تقاليد البشر كتقليد التطهّير قبل تناول الطعام. أمَّا كلمة "نَجِسَة" فتشير الى ما هو نجس من الناحية الطقسية لليهود نتيجة المخالطة مع الامم. لكن يسوع تجاوز موضوع الطاهر والنجس التي يفرّق بين الناس وركّز على موضوع إرادة الله التي تجمع بين اليهود والوثنيين.

6 فقالَ لهم: أَيُّها المُراؤون، أحسَنَ أَشَعْيا في نُبُوءتِه عَنكم، كما وَرَدَ في الكِتاب: هذا الشَّعبُ يُكَرِمُني بِشَفَتَيه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي

تشير عبارة "المُراؤون" الى الانسان الذي لا يطابق بين أعماله وأفكاره (متى 6: 2)، حيث انهم يقولون ولا يعملون وبالتالي تدل على النفاق او الرياء اي الادعاء بغير ما هم عليه. فالمرائي معرّض لان يكون منافقا (متى 24: 51) وقد يصبح أعمى البصيرة (متى 7: 5)، فيفسد حُكمه (لوقا 6: 42). وقد وصف السيد يسوع الفريسيين بالمرائين، لأنهم كانوا يعبدون الله، ليس لأنهم يحبونه، بل لانَّ ذلك كان مربحاً لهم. فكانوا يبدون متدينين كي يرفعوا مكانتهم في المجتمع لا امام الله. فوبّخهم السيد المسيح بشدة لأنهم يحفظون الناموس ليبدوا للناس أتقياء، بدلا من إكرام الله. واستخدم يسوع كلمات أشعيا في تنديد عبادة الرياء (اشعيا 29: 13). وباختصار، هم يظهرون كمدافعين عن الحق وهم يكسرونه. يحملون صورة الغيرة على مجد الله وهم يهتمون بما لذواتهم، يعبدون الله عبادة خارجية أي ليس عن حب وإنما لتحقيق أهداف بشرية ذاتية. (متى 15: 9)؛ أمَّا عبارة "هذا الشَّعبُ يُكَرِمُني بِشَفَتَيه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي" فتشير الى اقتباس من كلمات النبي اشعيا الذي ندَّد بالرؤساء الدينيين في عصره "أَنَّ هذا الشَّعبَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِه ويُكرِمُني بِشَفَتَيه وقَلبُه بَعيدٌ مِنِّي" (اشعيا 29: 13)، وتدل هذه الآية على التمسك بطقوس لا تنبع من شعور باطني (اشعيا 1: 10-20). وكثيرا ما ثار الانبياء على الرياء الديني (عاموس 5: 21- 27). إذ يظن الانسان أنه أتمّ ما عليه لأنه مارس بعض الرتب الطقسية (ذبائح وصوم)، مُهِمِلاً وصايا العدالة الاجتماعية ومحبة القريب، لذلك لا يقبل الله ذبائحه كما جاء في قول هوشع "فإِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة مَعرِفَةَ اللهِ أَكثَرَ مِنَ المُحرَقات"(هوشع 6: 6). وشدَّد صاحب المزامير على المشاعر الباطنية التي يجب ان تستوحى منها الذبائح (الطاعة والحمد والندامة) " إِنًّما الذَّبيحةُ للهِ روحٌ مُنكَسِر القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزْدَريه يا أَلله." (مزمور 51: 19). ولم يتردَّد صاحب المزامير أن يقاوم التمسك بالشكليات في العبادة، فجاء العهد الجديد الذي يعطي تعليما جذريا في هذا الشأن "الوَيلُ لكم أَيُّها الفِرِّيسِيُّونَ، فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعنَعِ والسَّذابِ وسائِرِ البُقول، وتُهمِلونَ العَدلَ ومحبَّةَ الله. فهذا ما كانَ يَجبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك" (لوقا 11: 42). إن الفريسيين كانوا مخطئين في نظر يسوع لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يُقبلون عند الله لأنهم أنقياء من الخارج. لذا هاجم السيد المسيح تمسكهم بالشكليات القاتلة تحت ستار الحفاظ على التقليد. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يلزم أن يكون اهتمامنا بسلوكنا عظيمًا، لماذا؟ لأنه يجب ألا يكون اجتماعنا المستمر هنا مجرد اجتماع ندخل إليه، وإنما يلزم أن نحمل بعض الثمار على الدوام. فإن أتيتم وخرجتم بلا ثمر يكون دخولكم بلا نفع... إن كنتم تشتركون في الترنم بمزمورين أو ثلاثة وتمارسون الصلوات كيفما كان، فهل تظنون أن هذا كافٍ لخلاصكم؟". ما الفائدة من عبادة لا نضع قلبنا فيها؟ وويعلق القدّيس بيّو من بييتريلشينا "ينقصك أن تتوجّه إلى الرّب يسوع متكلّمًا من قلبك، لا من شفتيك فقط." (Une pensée, p. 23). فما يهمّ الله لا الظاهر بل القلب، لا الشرائع بل الحبّ، لا الطقوس بل الرحمة، كما يؤكد ذلك يعقوب الرسول " إِنَّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ الآب هو العِنايَةُ بالأَيتامِ والأَرامِلِ في شِدَّتِهِم وصِيانَةُ الإِنسانِ نَفْسَه مِنَ دَنَسِ العالَم." (يعقوب 1: 27). ويعلق القديس أوغسطينوس " فإذا كانت شريعة الله مكتوبة على قلبك فإنّها لا تولّد الخوف كما حصل على جبل سيناء إنّما تفيض في نفسك عذوبة سرّية" (العظة 150).

7 إِنَّهم بالباطلِ يَعبُدونَني فلَيسَ ما يُعَلِّمونَ مِنَ المذاهِب سِوى أَحكامٍ بَشَرِيُّة

تشير عبارة " بالباطلِ يَعبُدونَني " الى طلب يسوع عدم التمسك بالشكليات، لان الرب لا ينظر الى ظاهر الامور، بل الى باطنها، الى القلب والفكر والضمير إذ لا قيمة للعبادة التي لا تعبّر قبل كل شيء عن الشعور الداخلي العميق؛ أمَّا عبارة " فلَيسَ ما يُعَلِّمونَ مِنَ المذاهِب سِوى أَحكامٍ بَشَرِيُّة " فتشير الى اقتباس يسوع كلمات اشعيا النبي (اشعيا 29: 13) لكي يكشف عن جذور النجاسة التي تمس الحياة الداخلية لا المظاهر الخارجية.

8 إِنَّكم تُهمِلونَ وصِيَّةَ الله وتَتمَسَّكونَ بِسُنَّةِ البَشَر

تشير عبارة " تُهمِلونَ وصِيَّةَ الله " الى تعدّي الكتبة والفريسيين على وصايا الله التي نجدها في الكتاب المقدس بسبب تقاليدهم (متى 15: 2)؛ أمَّا عبارة " تَتمَسَّكونَ بِسُنَّةِ البَشَر" فتشير الى تقاليد القدماء التي هي تقاليد وأحكام بشرية (متى 15: 9). ويسوع ميّز بين هذه وتلك. وقذ اضاف الفريسيون مئات من قواعدهم وقوانينهم الدقيقة الى شرائع الله المقدسة حتى أصبحت 613 وصية، ثم أجبروا الناس على حفظها، فكانوا يدّعون أنهم يعرفون مشيئة الله من كل تفاصيل الحياة. لذا نجد في هذه الآية ان يسوع ميّز بين وصايا الله التي نجدها في الكتاب المقدس، وبين تقاليد القدماء البشرية التي لا تستطيع ان تفرض نفسها. لكن وصايا الله تفوق سُنة البشر. لمن السهل أن يكتفي المرء بالعبادة المظهرية وتأدية الفروض الدينية الخارجية ويترك القلب مملوء شرًا. لكنه بهذا سيصير كالقبور المبيضة من الخارج وبالداخل نجاسة. كما جاء في تعنيف يسوع للفريسيين "الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأَمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة"(متى 23: 27).

9 وقالَ لَهم: إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم!

تشير هذه العبارة " إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ " باليونانية Καλῶς ἀθετεῖτε (معناها تنقضون حسناً) الى التفاف الفريسيين حول الوصية وتحايلهم بخبث عليها" أمَّا عبارة "إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم!" فتشير الى قول يسوع عن الفريسيين بأنهم يعرفون الكثير عن الله، لكنهم لم يعرفوا لله، لأنهم لم يتجاوبوا مع الله نفسه. فهناك تمييز بين التقليد الحرفي القاتل الذي يناقض الوصية وبين ما حمله التقليد من تراث روحي أصيل أو تدبير تعبدي جميل كالليتورجيا اليهودية بما حملته من تسابيح ومزامير... إلخ

10 فقد قالَ موسى: أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ، ومَن لعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيَمُتْ مَوتاً

تشير عبارة " أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ " الى الاستشهاد بوصية موسى تجاه الوالدين من ناحية إيجابية "أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ " (خروج 20: 12) وهي الوصية الرابعة. فالشريعة؛ أمَّا عبارة " مَن لعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيَمُتْ مَوتاً" فتشير إلى وصية موسى تجاه الوالدين من ناحية سلبية " مَن لَعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيُقتَلْ قَتلاً " (خروج 21: 17).

11 وأَمَّا أَنتُم فتَقولون: إِذا قالَ أَحَدٌ لِأَبيه أَو أُمِّه: كُلُّ شيءٍ قد أُساعِدُكَ به جَعَلتُه قُرباناً

تشير عبارة "أَمَّا أَنتُم" الى مفاضلة بين وصية الله وتقاليد البشر. أمَّا عبارة " كُلُّ شيءٍ قد أُساعِدُكَ به جَعَلتُه قُرباناً" فتشير الى سُنة الشيوخ اتلي كانت تعفي المرء من واجب مساعدة أبيه وأمه إذا نذر أن يقدّم لخزانة لهيكل ما يحتاجان اليه (مرقس 7: 11). فاتخذ الفريسيون باسم الله مبررا لعدم معاونتهم لعائلاتهم، وبخاصة والديهم. وكانوا يظنون ان وضع الاموال في خزانة الهيكل أهم من مساعدة والديهم المحتاجين، مع ان شريعة الله تأمر بإكرام الآباء والامهات (خروج 20:12)، والعناية بالمحتاجين (الاحبار 25: 35-43). فقد استند معلمو الشريعة الى الكتاب المقدس (عدد 3:1-2) الذي يتكلم عن نذر القربان، وفسروا النص تفسيرا يتعارض مع روح الوصية أكرم اباك وأمك. أمَّا عبارة " قُرباناً" كلمة من أصل عبري קָרְבָּן (معناها تقدمة او منحة مكرسة لله) فتشير الى ما يقدَّم لله (حزقيال 20:28)، ثم الى خزانة الهيكل (متى 27: 6). وبالقربان يكرِّس المؤمن لله خيرات كان بإمكانها ان تسعف والديه في الحاجة بتلك العبارة الشرعية الدينية، كان اليهود يكرسون لله أموالا يجب تخصيصها لإعالة الوالدين الطاعنين في السن او المُعوزين. وكان يمكن اجراء تقديم القربان بشكل رمزي بدون دفع أي مبلغ، او كان يمكن تأجيل الدفع الى ما بعد موته؛ وذكرت المشناه "أن على الأب أن يسكت إذا نذر الابن ما له للهيكل". ووضع الرابيون احدى عشر فصلا في المشناه بخصوص والقرابين. وكانت هذه الممارسة موضع نقاش حاد في الدين اليهودي حتى قبل المسيح، لان الشعور بالتضامن في الاسرة كان شديداً. ورفض يسوع استعمال الكتاب المقدس من اجل إبطال وصية الهية. علينا ان لا نتخذ من التفسير الخاطئ لكلمة الله مبرراً لإهمال مسؤولياتنا، فإكرام الوالدين ومعاونة المحتاجين من أهم الوسائل لإكرام الله.

12 فإِنَّكم لا تَدَعونَه يُساعِدُ أَباه أَو أُمَّه أَيَّ مُساعَدة

تشير عبارة " لا تَدَعونَه يُساعِدُ أَباه أَو أُمَّه أَيَّ مُساعَدة" الى اعفاء الانسان من مدّ يد العون الى والديه إذا نذر ان يقدِّم لخزانة الهيكل الخيرات الضرورية لمساعدتهما، ولكنه يستطيع ان يستفيد من هذا القربان طوال حياته، وهكذا صارت الوصية بدون معنى، وكأنها لم تكن.

13 فَتنقُضونَ كلامَ الله بِسُنَّتِكمُ الَّتي تَتَناقلونَها. وهُناكَ أَشياءُ كثيرةٌ مِثلُ ذلكَ تَفعَلون

تشير عبارة " فَتنقُضونَ كلامَ الله " الى تفسير معلمي الشريعة نص الكتاب المقدس الذي يتكلم عن نذر القربان (عدد 30: 1-2)، وهذا التفسير يتعارض مع روح الوصية. فلا يجوز إبطال وصية إلهية. أمَّا عبارة "تَتَناقلونَها" فتشير الى الفريسيون والكتبة الذين كان يتناقلون السنن ويسلمونها الى سواهم. لقد حرّر الربّ يسوع الآن الناس من القوانين الّتي لا يمكن أبداً أن تُقدّسهم. أمَّا عبارة " وهُناكَ أَشياءُ كثيرةٌ مِثلُ ذلكَ تَفعَلون " فتشير الى تنديد يسوع للفريسيين "الوَيلُ لكم أَيُّها الفِرِّيسِيُّونَ، فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعنَعِ والسَّذابِ وسائِرِ البُقول، وتُهمِلونَ العَدلَ ومحبَّةَ الله. فهذا ما كانَ يَجبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك" (لوقا 11: 42).

14 ودعا الجَمعَ ثانِيةً وقالَ لَهم: أَصغوا إِليَّ كُلُّكُم وافهَموا

تشير عبارة " الجَمعَ " الى جماهير الشعب اتي يوجه يسوع كلامه إليهم بعد ان كان يتكلم الى الفريسيين. أمَّا عبارة " أَصغوا إِليَّ" فتشير الى الطاعة الى يسوع. أمَّا عبارة " افهَموا " الى اقتناع السامعين والالتزام بتعليم يسوع وطاعته وما هو مطلوب تجاهه كما هو الامر في شان الطهارة. وشرح السيد المسيح للشعب أن سر الحياة والقداسة لا يكمن في الأعمال الخارجية الظاهرة وإنما في الحياة الداخلية وهذا عكس ما ينادى به الفريسيين إذ تركوا نقاوة القلب مهتمين بغسل الأيادي.

15 ما مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه.

تشير عبارة " إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه " الى نظام جسم الإنسان بحيث الذي يستفيد من كل ما هو صالح في الطعام ويلقى بما هو نجاسة في الطعام خارج الجسم. طالما كان القلب طاهرًا لا تستطيع الأطعمة أن تنجسه لأنها تدخل إلى جوف الإنسان، فما كان منها مفيدًا يتحول إلى أنسجة جديدة، وما كان منها ضارًا يخرج إلى الخلاء، ولا ترتبط النجاسة والطهارة بتجاوز شرائع خارجية بل ترتبط بالقلب حيث لا يمكن لشيء خارجي ان يدنِّس الانسان. وهذا الموضوع له دور رئيسي في الدين اليهود المعاصر ليسوع (أحبار 11-16).

16 ولكِن ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان.

تشير عبارة " ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان" الى الشر الكامن في باطن الانسان، وما ينجسه هو ما يقوله: اقوال جارحة او كاذبة (متى 15: 18)، او ما يُسي به الى القريب من أعمال مثل الزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ. وفي هذا الصدد يقول القديس يعقوب "إِنَّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ الآب هو ... صِيانَةُ الإِنسانِ نَفْسَه مِنَ العالَم لِيَكونَ بِلا دَنَس" (يعقوب 1: 27). فان المنبع الحقيقي لكل نجاسة هو من الداخل، حيث ان القضية ليست القضية قضية الايدي، بل قضية القلب. إنّنا لم نعرف أنّ قلب الإنسان خادع وخبيث، كما جاء في تعليم ارميا النبي " القَلبُ أَخدَعُ كُلِّ شيَء وأَخبَثُه فمَن يَعرِفه؟ (إرميا 17: 9).

17 ولمَّا دخَلَ البَيتَ مُبتَعِداً عنِ الجَمْع، سأَلَهُ تَلاميذُه عَنِ المَثَل

تشير عبارة " البَيتَ " الى الموضع العاديّ لنشاط يسوع في الجليل. ويبدو أنه بيت سمعان واندراوس في كفرناحوم (مرقس 1 :19)، الذي يُسمّى "البيت" (مرقس 2 :1؛ 3 :20؛ 9 :33؛ 10 :10) والبيت عادة مكوّن من أربع غرف حول فناء داخلي. وهو نمط وُجد في فلسطين وفي خارج فلسطين، وكان يتيح للعائلة أن تجتمع حتى أربعة أجيال مع ممارسة الزراعة وتربية الغنم أو المعز. أمَّا السطح فمؤلّف من عوارض خشبيّة وأغصان الشجر وطبقة من الطين. وفي الفناء الداخلي، نجد فرن الخبز والرحى؛ وربّما البئر. أمَّا عبارة "تَلاميذُه" فتشير الى الاثني عشر والتلاميذ الذين حوله (مرقس 4: 10). وهم صورة سابقة لجماعة المسيحيين. أمَّا عبارة " المَثَل " في العبرية הַמָּשָׁל الى حكمة مقتضبة فيها لغز (مرقس 4: 11) يرى فيها مرقس الإنجيلي معنى خفياً يُكشف للتلاميذ فقط (مرقس 4: 10-12) وهو خاص بالعمل الذي أُرسل يسوع من أجله (مرقس 3: 23-27).

18 فقالَ لَهم: أَهكَذا أَنتم أَيضاً لا فَهمَ لكم؟ أَلاَ تُدرِكونَ أَنَّ ما يدخُلُ الإِنسانَ مِنَ الخارِج لا يُنَجِّسُه

تشير عبارة "هكَذا أَنتم أَيضاً لا فَهمَ لكم؟" الى موضوع قلة فهم التلاميذ وغباوتهم بالذات والذي كثيرا ما تناوله مرقس الإنجيلي (متى 4: 13، 6: 52، 7: 18، 8: 17-18، 9: 10، 10: 38). ترينا هذه العبارة كم كان يسوع منعزلا حتى عن أعز أصدقائه الذين لم يفهموه، وظل في أصعب المواقف وحده بسبب عمق شخصيته ورسالته التي لا يُسبر غورها. أمَّا عبارة "ما يدخُلُ الإِنسانَ مِنَ الخارِج لا يُنَجِّسُه" فتشير الى ارتباط النجاسة والطهارة بالقلب، إذ ما يقطع بينا وبين الله هو الخطيئة وليس الاكل بأيد نجسة.

19 لأَنَّهُ لا يَدخُلُ إِلى القَلْب، بل إِلى الجَوْف، ثُمَّ يَذهَبُ في الخَلاء. وفي قَولِه ذلك جَعَلَ الأَطعِمَةَ كُلَّها طاهِرة

تشير عبارة " طاهِرة " טְּהוֹרָ الى جدارة أو عدم جدارة بالنسبة إلى شعائر العبادة وحياة الجماعة العباديّة، وهي لا تدلّ في ذاتها على صفة خلقيّة. أمَّا عبارة " جَعَلَ الأَطعِمَةَ كُلَّها طاهِرة" فتشير الى إلغاء تحريم بعض الأطعمة الذي من شأنه ان يُزيل كل عقبة تحول دون وحدة المائدة بين المسيحيين الذين من أصل يهودي، المسيحيين من أصل وثني (اعمال الرسل 10: 9-16)، وبهذا الامر أتاح يسوع أبواب الكنيسة على مصرعيها امام الشعوب التي لا ترتبط بمثل هذه التقاليد اليهودية. أمَّا اليهود فقد اعتقدوا انه يمكنهم ان يكونوا أطهاراً امام الله بامتناعهم عن بعض الاطعمة بحسب تفسيرهم لشرائع الطعام (الاحبار 11) أمَّا تعليم بولس الرسول فواضح في هذا الامر " فلا يَحكُمَنَّ علَيكم أَحَدٌ في المَأكولِ والمَشروب... إِنَّها وَصايا ومَذاهِبُ بَشَرِيَّة" ((قولسي2: 16، 22). فالإيمان بالله لا يرتبط بالعادات ومن هنا جاء مرسوم المجمع الفاتيكاني الثاني الخاص بنشاط المرسلين في الكنيسة "يتوجب على المرسلين ان يألفوا تقاليد الشعوب القومية والدينية التي سيجري تبشيرها". لقد وضع يسوع حداً للتمييز بين الأطعمة الطاهرة والاطعمة الدنسة.

20 وقال: ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان

تشير عبارة " ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان " الى النوايا السيئة من اقوال وأعمال. وهي تجاوز شرائع الله بالقلب، وهذه هي الخطيئة التي تقطع العلاقة مع الله، لا الاكل بأيد نجسة. وفي هذا الصدد يقول كتاب الاقتداء بالمسيح "الإنسان إلى الوجه ينظر، أما الله فإلى القلب. الإنسان يلتفت إلى الأعمال أما الله فيزن النيات".

21 لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ

تشير عبارة " مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم" الى بداية كل خطيئة في قلب الانسان ونوايا فكره (غلاطية 5: 19-21). ويسوع لم يبخس الشريعة حقها، ولكنه مهّد الطريق أمام التغيير الذي تجلى في حياة الجماعة المسيحية الأولى (أعمال الرسل 10: 9-29) عندما فك الله القيود المتعلقة بالطعام. فنحن لسنا أنقياء بسبب أعمال خارجية بعدم اكلنا بعض الاطعمة، ولكننا أنقياء بتجديد المسيح لأذهاننا وجعلنا على صورته بالبرِّ والتقوى؛ أمَّا عبارة " المَقاصِدُ السَّيِّئةُ" الفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ" فتشير الى الرذائل التي يسيء به الانسان الى القريب. وهي لائحة الرذائل التي عُرفت في العالم اليهودي كما في العالم اليوناني (رومة 1: 29-30)؛ اما عبارة "الفُحشُ " باليونانية πορνεία (معناها فِسق) فتشير الى نوع من الزنى ولكن في فجور وهي انغماس في الملذَّات وما هو قبيح ومخل بالحياء؛ أمَّا عبارة "السَّرِقَةُ" فتشير الى أخذ مال الغير في خفاء أو بالخداع والحيلة، ويمكن أن يقوم بذلك فرد أو عصابة (أيوب 1: 15و17). ويعلق القديس أوريجانوس "أحصرْ بحثَكَ بنفسك فقط. فالمعركة التي ستخوض هي في داخلِكَ؛ وفي داخلِكَ أيضًا مدينة الخبث التي عليك أن تقهرَها؛ فعدوّكَ يخرجُ من أعماقِ قلبِكَ". (العظات عن يسوع رقم 5)

22 والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة

تشير عبارة "الزِّنى" باليونانية μοιχεῖαι الى الجنس خارج العلاقة الزوجية؛ أمَّا عبارة “الطَّمَعُ" باليونانية πλεονεξίαι (معناها "يريد أكثر"، أي لا يشبع) الى رغبة جامحة للحصول على أكثر مما يحتاجه الشخص وامتلاكه لمحاولة التفوّق على الآخرين واستعبادهم. وهي رغبة لا تنتهي كما يقول أفلاطون "إنّها كالإناء المثقوب لا يمتلئ أبداً". أمَّا عبارة " الخُبثُ " بالونانية πονηρίαι (معناها الأعمال الشريرة) فتشير سمة من يفرح في مصائب الآخرين، ويُسر عندما يؤذي قريبه، لذلك يدعى إبليس بالخبيث، أمَّا عبارة " والمَكْرُ " باليونانية δόλος (معناها يوقع في الفخ) فتشير الى الغش. أمَّا عبارة "الفُجورُ"باليونانية ἀσέλγεια, (معناها الدعارة) الى السلوك الفاسق الذي يتنافى والذوق السليم العام ويفسد الحب البشري. فإنّ الإنسان الّذي يتّصف بهذه الصفة هو شخص قد فقد كل الإحساس بالخجل ولا يتردّد في عمل أي شر دون أن يشعر بأي وازع اجتماعيّ أو أخلاقيّ. وبكلمة الفجور هي الإكثار من الكبائر والاستهتار بها والانطلاق فيها أمَّا عبارة " الحَسَدُ باليونانية ὀφθαλμὸς πονηρός (معناها عين شريرة) فتشير الى شعور عاطفي يقوم على تمنِّي زوال قوة أو إنجاز أو ملك أو ميزة من شخص آخر أو يكتفي الحاسد بالرغبة في زوالها من الآخرين او تحويلها إلى فشل. والحسد لا يضر سوى الحاسد إذ يمتلئ قلبه شرا. وأمَّا عبارة "الشَّتْمُ" باليونانية βλασφημία (معناها تجديف) فيشير الى شتيمة ونميمة (قولسي 3: 8) ويقصد بها في الكتاب المقدس كلام غير لائق في شأن الله وصفاته (مزمور 74: 10-18 وأشعيا 52: 5). وأمَّا عبارة "الكِبرِياءُ" فتشير الى مركب العظمة، وعلوّ الإنسان، فهي تصف الإنسان الّذي يحتقر كلّ شخص ظانّاً أنّه أعظم منهم، او تشير أيضا الى التدخّل في شئون الربّ الإله ومحاولة الوقوف ضدّه، كما جاء في مثل يسوع" وضرَبَ هذا المَثَلَ لِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس (لوقا 18:9)، ولهذا قال القدّيس يعقوب الرسول " إِنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكَبِّرين "(يعقوب 4: 6). إنّ الكبرياء هي رأس كل الرذائل. أمَّا عبارة "الغباوة " باليونانية ἀφροσύνη (معناها الجهل) فتشير الى الجهل الروحي وليس الجهل العقلي، والجهل الروحي او السخافة الادبية التي تنظر الى الخطيئة وكأنها أضحوكة. إنّ هذه القائمة الّتي يذكرها يسوع مرعبة حقّاً، وإنّها هي الّتي تنجّس الإنسان حقّاً، وهي خطايا ضد القريب. وهي تتقابل مع الوصايا العشر التي لها العلاقة مع الآخرين. الطريقة الآن لتطهير أنفسنا هي طاعة الوصايا العشر والامتناع عن تلك الرذائل. وفي هذا الصدد يقول القديس يعقوب " إِنَّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ الآب هو افتِقادُ الأَيتامِ والأَرامِلِ في شِدَّتِهِم وصِيانَةُ الإِنسانِ نَفْسَه مِنَ العالَم لِيَكونَ بِلا دَنَس" (يعقوب 1: 27). وهذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رسائل بولس الرسول (رومة 1: 29-31، وغلاطية 5: 13-19). لنتجنب هذه الرذائل مردِّدين مع صاحب المزامير " عَلِّمْني يا رَبُّ طرقكَ فأَسيرَ في حَقِّكَ. وَحِّدْ قَلْبي فأَخافَ اْسمَكَ" (مزمور 86: 11)

23 جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه

تشير "المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ" الى العمل الشرير الذي يبدأ بمجرد فكرة واحدة. عندما نسمح لأفكارنا ان تتركز على الشهوة او الحسد او البغض او الانتقام... لا بد ان يؤدي هذا كله الى أعمال شريرة.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 7: 1- 23)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس7: 1-23) يمكننا ان نتناول موضوعين: التقاليد اليهودية والطهارة الطقسية. وقد ناقشهما يسوع مع ثلاثة جماعات من الناس وهم الفريسيون والكتبة ثم جماهير الشعب واخيراً تلاميذه.

1) موقف يسوع من التقاليد اليهودية

"اجتَمَعَ لَدَى يسوع الفِرِّيسِيُّونَ وبَعضُ الكَتَبَةِ الآتينَ مِن أُورَشَليم" (مرقس 7: 1) فدار الحوار حول سُنَّة الشيوخ. وسُنّة الشيوخ او التقاليد هي عبارة عن تراث في الأوساط الكهنوتية، وعند علماء اليهود، وعند كل الطوائف التي تتَألف منها أُمَّة اليهود. ويستند في نقله إلى الصلة الشخصية بين المعلم وتلاميذه: المعلم ينقل ويُسلّم، والتلميذ يُسلم ما يجب عليه أن يسلّمه بدوره. إن هذا التسليم يُعرِّفه أنجيل مرقس بلفظة يونانية اي παράδοσις "أي سُنّة الشيوخ" (مرقس7: 5 و13)، ويذكره بولس الرسول بعبارة "سنن آبائي" τῶν πατρικῶν μου παραδόσεων (غلاطية 1: 14). إن هذا التراث يضاف إلى الكتب المقدسة ليؤلف "ما أورثنا موسى من سنن" (أعمال 6: 14)، فينسب الكتبة أصلها إلى ماض سحيق لتدعيم سلطانها. إلاّ أنه لا يجوز خلط هذا التقليد المتأخر الذي تشهد له هذه الكتب بالتقليد الشفهي القديم الذي تبلور في الكتب المقدسة القانونية.

منذ البداية، يوضّح يسوع عدم تقيّده بسُنة الشيوخ المعاصرين له. إلاّ أنه لا يمس جوهر التراث التقليدي المحفوظ في الكتب المقدسة: الشريعة والأنبياء لا ينبغي أن يبطلا، بل أن يتمما "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل"(متى 5: 17). أمَّا "سنّة الشيوخ" فإنها لا تحظى بمثل هذا الامتياز، لأنها بشرية، قد تحمل في ذاتها خطر نسخ الشريعة (مرقس7: 8- 13)، ولذا يشجّع يسوع تلاميذه على التحرّر من سنّة الشيوخ بل ويعلن أيضاً بطلانها. لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصايا في أعماقها.

واوضح يسوع لهم ان التقليد البشري لا يمكن ان يكون له نفس السلطان لكلمة الله. في حين اعطى الكتبة والفريسيُّون للتقليد البشري أهمية أكبر من السلطان المعطى لكلمة الله او وصاياه. فضَّلوا الطقوس الدينية على ما هو روحي وأدبي. واعطى لهم يسوع مثل افتراضي معروف ذلك الوقت يدور حول نذر القربان (مرقس 7: 10-13). وكلمة قربان مشتقة من الآصل العبري קָרְבָּן ومعناها تقدمة او منحة مكرسة لله. لقد كانت الوصية الخاصة بالوالدين واضحة، ولكن اليهود تهربوا منها تحت ستار التقوى. فكان باستطاعة الابن ان يَعدَ بدفع نقوده لخزينة الهيكل. وكان يمكن اجراءه بشكل رمزي بدون دفع اي مبلغ، او كان يمكن تأجيل الدفع الى ما بعد موته. فقد استشهد يسوع بوصية إكرام الوالدين " أكرم اباك وأمك"(خروج 20: 12)، ولا يستطيع اي قانون طقسي ان ينقضها. وعليه فان هذه التقاليد في نظر يسوع هي فرائض بشرية وخيانة لوصايا الله.

إلا أن يسوع تصرف في الوقت نفسه تصرّف معلم، يعلّم لا على طريقة الكتبة - بتكرار تقليد منقول بل كمن له سلطان (مرقس 1: 22 و27)، ويعهد إلى تلاميذه برسالة تقوم في نقل تعاليمه (متى 28: 19-20). بالإضافة الى ذلك، يظهر التجديد حتى في أعمال يسوع: يغفر الخطايا (متى 9: 1- 8)، ويعطي البشر نعمة الخلاص، ويضع علامات جديدة يوصي بتكرارها من بعده، وهي العشاء الرباني (1 قورنتس11: 23- 25). وبذا فهو يصبح، بكلماته وأعماله، أصل تراث جديد يستبدل سنّة الشيوخ، كأساس لتفسير الكتب المقدسة.

وقد حافظ القديس بولس الرسول على تقليد يسوع. إذ أوصى أهل تسالونيقي ببعض الوصايا من قبل الرب يسوع (1 تسالونيقي 4: 2) وقد "تسلّموها منه" (1 تسالونيقي 4: 1). إنه يستحلفهم أن يحافظوا على السنن παράδοσις ، التي أخذوها عنه، إمّا مُشافهة وإمّا مكاتبة (2 تسالونيقي 2: 14). ويقول بولس الرسول أيضاً لأهل فيلبي: وما تَعلَّمتموه مِني وأَخَذتُموه عَنِّي وسَمِعتُموه مِنِّي وعايَنتُموه فِيَّ، كُلُّ ذلك اعمَلوا بِه " (فيلبي 4: 9). ويوضح لأهل قورنتس: " سَلَّمتُ إِلَيكم قبلَ كُلِّ شيَءٍ ما تَسَلَّمتُه أَنا أَيضًا " (1 قورنتس 15: 3)، ويقصد بولس بكلامه عن مجموعة التعاليم الخاصة بموت المسيح وقيامته. أمَّا في قوله " فإِنِّي تَسَلَّمتُ مِنَ الرَّبِّ ما سَلَّمتُه إِلَيكُم " (1 قورنتس11: 23)، فهنا يتعلّق الأمر بسرد طقسيّ عن العشاء الرباني؛ فيشمل التقليد الرسولي، والممارسات كما يشمل التعليم.

وأستخدم لوقا ايضا اسلوب التقليد في كتابة انجيله كما جاء في مقدمة انجيله: "لَمَّا أَن أَخذَ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يُدَوِّنونَ رِوايةِ الأُمورِ الَّتي تَمَّت عِندنَا، كما نَقَلَها إلَينا الَّذينَ كانوا مُنذُ البَدءِ شُهودَ عِيانٍ لِلكَلِمَة" (لوقا 1: 1- 2). إذن، يقتصر دور الروايات الإنجيلية على تدوين ما كان قائماً من قبل في التقليد. ففي هذه الروايات تحتفظ حياة الكنيسة بالمآثر والعادات التي سلّمها إليها المسيح، ووضعها الرسل موضع التنفيذ.

ويتميّز تقليد يسوع عن "سنّة الشيوخ" (متى 15: 2)، وعن كل " سُنَّةِ النَّاسِ" (قولسي 2: 8)، من حيث أنه يستند إلى سلطة المسيحٍ. فقد "عَمِلَ يسوعُ وعلَّم" (أعمال 1: 1)، وأعطى تلاميذه تفسيراً شرعياً للكتب المقدسة السابقة فمثلا قال يسوع "سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: "لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء". أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ((يا أَحمَق)) اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ((يا جاهِل)) اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم" (متى 5: 20- 48)، واوصاهم بما ينبغي عليهم أن يعلّموه للناس باسمه "عَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به" (متى 28: 20)، ومعطياً لهم قدوة حيّة لما ينبغي أن يصنعوه "فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم" (يوحنا 13: 15). فكما أن التعليم الذي كان يُكرز به لم يكن من عنده، بل من عند الذي أرسله (يوحنا 7: 16)، هكذا يحمل التقليد الرسولي دوماً في ذاته سمة المسيح المخلص، محافظاً بدقَّة على روحه ورسومه وأعماله. وفي هذا الصدد يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية " "المسيح السيد الذي فيه يكتمل كلُّ وحي الله العليّ، بعد أن حقق في حياته وأعلن بلسانه الانجيل أمر رسله أن يبشروا الناس أجمعين بهذا الانجيل، منبعا لكل حقيقة خلاصية، ومصدرا لكل نظام خلقي، ويسبغوا هكذا على الجميع المواهب الالهية"(رقم 75).

فإن روح المسيح القائم من بين الأموات يبقى مع تلاميذه، ليعلّمهم جميع الأشياء (يوحنا 14: 26)، ويرشدهم إلى الحق كله (يوحنا 16: 13). وإذن، ليس ثمة فرق بين سلطة الرسل وسلطة معلمهم: " مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني"(لوقا 10: 16).

ونستنتج مما سبق ان هناك استمرارية حقيقية من التراث الرسولي إلى تقليد الكنيسة. وأمَّا التقليد الكنسي فلا يتعدى دور المحافظة والصيانة؛ وقد حدد العهد الجديد قاعدته في قول بولس الرسول: " اِحفَظِ الوَديعَة " (1 طيموتاوس 6: 20)، وهذه الوديعة هي التراث الرسولي الذي لا يمكنه أن يقبل أية عناصر جديدة: لقد أكمل الوحي. ويؤكد بولس الرسول على التقليد (1 قورنتس 34:11) وكذلك يوحنا الرسول (2يوحنا 12). وأمَّا نموه في تاريخ الكنيسة فهو من نظام آخر، لأنه لا يفعل أكثر من أن يوضّح الأمور المضمرة المتضمنة في الوديعة الرسولية.

ويلخص كتاب التعليم المسيحي الفرق بين تقليد رسولي وتقاليد كنسيّة: "التقليد الرسولي هو الذي يصدر عن الرسُل، وينقلُ ما أُلقي إليهم من تعليم يسوع ومثله وما لَقِنوهُ من الروح القدس. فلم يكن بعد لدى جيل المسيحييِّن الاول عهد جديد مكتوب، والعهد الجديد نفسه يُثبت نهج التَّقليد الحي.

اما تقاليد الكنيسة فهي “التقاليد" اللاهوتية، والتنظيمية، والليتروجية أو التعبُّدية التي نشأت عبر الازمان في الكنائس المحلية. انها تؤلّفُ صِيغَا خاصة يستمدُّ منها التقليد الكبير تعبيراتٍ توافق الامكنة المختلفة والعصور المختلفة. وهي لا تستطيع الديمومة الاّ في نورة، مبدَّلة أو مُهملةً في حكم سلطة الكنيسة التعليميّة.

2) موقف يسوع من الطهارة الطقسية

الموضوع الثاني الذي ناقشه يسوع مع الفرِّيسيين والكتبة وجماهير الشعب وأوضحه لتلاميذه هو موضوع الطهارة الطقسية. ومن هنا نبحت في مفهومها عامة ومفهومها عند المسيح خاصة.
ا) مفهوم الطهارة الطقسية

تقوم الطهارة الطقسية على الاستعداد المطلوب للتقرّب من الأشياء المقدسة. وبالرغم من أنها فضيلة ادبيّة مضادّة للدعارة، التي يحصل عليها المرء ليس فقط عن طريق الأفعال الأدبية، بل بواسطة الطقوس الدينية أيضاً. وقد يفقدها بحسب العقلية اليهودية بالملامسات الماديّة بغض النظر عن أية مسئولية أدبية. وهي تشمل ايضا النظافة الجسدية: أي الابتعاد عن كل قذارة (تثنية 23: 13)، وعن كل مرض مثل البرص (الاحبار 13- 14)، وعن كل فساد مثل الجثة الميت (عدد 19: 11- 14).

أمَّا التمييز بين الحيوانات الطاهرة والنجسة (الاحبار 11) فلا يمكن تعليله بمجرّد سبب الصحة فقط. هذه الطهارة تشكل حماية ضد الوثنية: وبما أن بلاد كنعان كانت مدنسة بوجود الوثنيين فغنائم الحرب كان نصيبها الحرم (يشوع 6: 24- 26). كما أن ثمار هذه الأرض ذاتها هي أيضاً محرّمة مدة سنوات الحصاد الأولى الثلاث (الاحبار 19: 23-25)، وكانت بعض الحيوانات كالخنازير تعتبر نجسة (الاحبار 11: 7)، لارتباطها بعبادة الوثنيين إذ "يُصعِدونَ دَمَ خِنْزيرٍ تَقدِمَةً" (اشعيا 66: 3) وأكد علماء الآثار هذه الموضوع في موقع ترصة الاثرية (الفارعة).

وتنظم الطهارة استعمال كل ما هو مقدس، فكل ما يمسّ العبادة يجب أن يكون طاهراً، ولا يمكن التقرّب منه بدون استحقاق "كُلُّ رَجُلٍ بِه عَيبٌ مِن نَسْل هارونَ الكاهِن لا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ الذَّبائِحَ بِالنَّارِ لِلرَّبّ: إِنَّه بِه عَيْب، فلا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ طَعامَ إِلهِه. لكِنَّه يأكُلُ مِن طَعامِ إِلهِه، مِن قُدْسِ الأَقْداسِ كانَ أَو مِنَ الأَقْداس." (الاحبار 21: 21- 22).

اما الانبياء فقد كانوا يعلنون باستمرار أن أنواع الغسل والذبائح ليس لها قيمة في ذاتها، ما لم تنطوِ على طهارة باطنية "هذا الشَّعبَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِه ويُكرِمُني بِشَفَتَيه وقَلبُه بَعيدٌ مِنِّي" (اشعيا 29: 13). ومع ذلك فهذا لا يعني اختفاء الشكل الطقسي (اشعيا 52: 11)، بل يوضح أن النجاسة الحقيقية التي من شأنها تدنيس الإنسان هي الخطيئة، والنجاسات المقرّرة في الشريعة ليست سوى صورتها الخارجية (حزقيال 36: 17- 18). فهناك وصمة أساسية تصيب الإنسان، لا يُطهِّره منها سوى الله (اشعيا 6: 5- 7). والتطهير الجذري للشفاه، وللقلب، وللكيان كله يدخل في عداد المواعيد المعلّقة على المسيح " وأَرُشُّ عليكم ماء طاهِرًا، فتَطهُرونَ مِن كُلِّ نَجاسَتِكم" (حزقيال 36: 25).

أمَّا الحكماء فيضعون شرطا اساسيا وهو إرضاء الله بطهارة الأيدي، والقلب، والجبين، والصلاة (أيوب 11: 14- 15، 16: 17، 22: 30)، وبالتالي بسلوك اخلاقي لا عيب فيه. ويشعر الحكماء بنجاسة الإنسان أمام الله (أمثال 20: 9، أيوب (9- 30 - 31). ومن الجسارة أن يتصوّر الإنسان نفسه طاهراً (أيوب 4: 17). وينبغي على الحكيم ان يجتهد في الحفاظ على الطهارة، لا سيما الطهارة الجنسية، فقد حفظت سارة نفسها طاهرة (طوبيا 3: 14)، إنما استسلام الوثنيين لدعارة فهو مذلّة (حكمة 24:14).

أمَّا صاحب المزامير فأبدى اهتمامه أيضا بالطهارة الاخلاقية، في إطار طقسيّ. إن محبة الله تتّجه نحو أنقياء القلوب (مزمور 73: 1). فالدخول إلى الأقداس مقصور على الرجل صاحب اليدين النقيّتين والقلب الطاهر "مَن ذا الَّذي يَصعَدُ جَبَلَ الرَّبِّ ومَنْ ذا الَّذي يُقيمُ في مَقَرِّ قُدْسِه؟ النَّقِيُّ الكَفَّين والطَّاهِرُ القَلْبِ الَّذي لم يَحمِلْ على الباطِلِ نَفسَه ولم يَحْلِفْ خادِعًا. (مزمور 24: 4)، ويكافئ الرب، الأيدي النقيّة التي تصنع بر الرَّبُّ "بِحَسَبِ برِّي كافأني وبطَهارةِ يَدَيَّ أَثابَني"(مزمور 18: 21). ولكن بما أن الله وحده يستطيع أن يمنح الطهارة، فإن الإنسان يتوسل إليه أن يطهّر القلوب كما جاء في ترنيم صاحب المزامير " زِدْني غُسْلاً مِن إِثْمي ومِن خَطيئَتي طَهِّرْني" (المزمور 51: 4).

3) الطهارة بنظر يسوع:

في زمن يسوع زادت الشروط المادية في الطهارة: من تطهير متكرّر (مرقس 7: 3- 4)، وأنواع غسل دقيقة (متى 23: 25)، وهرب من الخطأة الذين ينشرون النجاسة (مرقس 2: 15- 17)، والابتعاد عن القبور تجنباً للنجاسة (متى 23: 27).

إن يسوع الذي تُصوّره الأناجيل الإزائيّة، يلمس الأبرص (مرقس 1 :40-43)، يأكل مع العشّارين والخطأة (مرقس 2 :15-17)، يشجب الممارسات الفريسية (مر 7 :1-23)، لا يدلّ على اهتمام بالطهارة الطقسيّة، بل يشدّد على الطهارة الأخلاقيّة. ما يجب أن نطهّره أولاً هو القلب لا اليدان والكأس. وفي هذا الصدد تقول القديسة الام تريزا دي كالكوتا " دَع محبّة الله تجتاحُ القلبَ وتتملّكه، فتصبحَ بالنسبة إلى هذا القلب كطبيعة ثانية؛ فلا يَدَع هذا القلب شيئًا مضادًّا له يدخله؛ ولْيَعملْ باستمرار على زيادة حبّ الله هذا بإرضائه في كلّ شيء، وبعدم رفض أيّ شيء يطلبه؛ فليَقبَل كلّ ما يجري له كأنّه صادر عن يد الله"(صلاة البحت عن قلب الله).

وطالب يسوع بالمحافظة على بعض قواعد الطهارة الشرعية (مرقس 1: 43- 44) لكنه أدان أولاً التطّرف في الفرائض، والمضاعفة على الشريعة "إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم" (مرقس 7: 9). ثم أعلن أن الطهارة الوحيدة هي الطهارة الباطنية: " مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه. ولكِن ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان" (مرقس 7: 15). ثم منح يسوع ذاته إلى " أنقياء القلوب " طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله" (متى 5: 8).

فإن الطهارة الأدبية نفسها لم تعد تكفي لمعاينة اللّه، وللتقرب إليه، وإنما يحتاج الأمر إلى حضور الرب الفعّال، حينئذ يكون الإنسان طاهراً جذرياً. وهذ ما أكّد يسوع لرسله: "أَنتُمُ الآنَ أَطهار بِفَضْلِ الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم" (يوحنا 15: 3)، وبوضوح أكثر: " مَن استَحَمَّ لا يَحتاجُ إِلاَّ إِلى غَسلِ قَدَمَيه، فهو كُلُّه طاهِر. أَنتُم أَيضاً أَطهار" (يوحنا 13: 10). ونستنتج مما سبق ان يسوع أبدل الطقوس تطهير الكيان الداخلي بذبيحته "فقَد أَبطَلَ العِبادةَ الأُولى لِيُقيمَ العِبادةَ الأُخْرى. وبِتِلكَ المَشيئَة، صِرْنا مُقَدَّسينَ بِالقُرْبانِ الَّذي قُرِّبَ فيه جَسَدُ يَسوعَ المَسيحِ مَرَّةً واحِدَة (عبرانيين 9:10 -10) وحيث ان "دَم يسوعَ ابنِه يُطَهِّرُنا مِن كُلِّ خَطيئَة"(1 يوحنا 1: 7). وتحقق هذا التطهير بطقس المعمودية التي تستمد فاعليتها من الصليب" أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها مُطهِّرًا إِيَّاها بِغُسلِ الماءِ وكَلِمَةٍ تَصحَبُه (أفسس 5: 25- 26).

نستنتج مما سبق ان السيد المسيح جاء إلى العالم لكي يدخل بنا إلى إنساننا الداخلي، ومن هذا المنطلق علينا ان لا نهتم بالشكليات الخارجية والمظاهر، إنما نطلب تجديد إنساننا العميق، لهذا وبخ المهتمين بالوصايا في شكلها دون روحه. وعليه فإنه في نظر المسيحيّ الذي تحرّر من الشريعة ومن محرّماتها الطقسيّة (غلاطية 3 :23-4 :10، وسار منذ الآن في "شريعة المسيح" (1قورنتس 9 :219، "شريعة الروح الذي يُعطي الحياة" (رومة 8 :2) لا شيء نجس" في ذاته (رومة 14 :14)، ولا يوجد شعب طاهر وشعب نجس، إنما الحاجة إلى القلب الطاهر الداخلي. يعبّر عن الطهارة الشخصية في العلاقات مع القريب.

الخلاصة

اعطى يسوع درسا عمليا في التقليد حول الطاهر والنجس. فقد وضع حدا للتمييز القديم بين الاطعمة الطاهرة والاطعمة النجسة. وطالب يسوع باستعداد القلب الذي يجعل المؤمن ينظر الى حياته على ضوء كلام الله، لا حسب تقاليد وعادات التي تجعل الانسان عبدا في العالم الذي يعيش فيه. واستخرج بطرس الرسول بوحي من الله من كلمة المسيح، هذه النتيجة: لم يعد بعد غذاء نجس "ما طَهَّرَهُ الله، لا تُنَجِّسْه أَنتَ " (أعمال 10: 15)، وليس القلف أنفسهم نجسين كما صرّح بطرس الرسول "أمَّا أَنا فقَد بَيَّنَ اللهُ لي أَنَّه لا يَنبغي أَن أَدعُوَ أَحَدًا مِن النَّاسِ نَجِسًا أَو دَنِسًا. (أعمال 10: 28)، وان الله طهّر منذ الآن قلوب الوثنيين بالإيمان (أعمال 15: 9). من هذا المنطلق دّل إلغاء التمييز بين الطاهر والنجس لدى الحيوانات على إلغاء هذا التمييز نفسه عند البشر. وعليه فقد إنفتحت ابواب كنيسته على مصراعيها امام جميع الشعوب التي لا ترتبط بمثل هذه التقاليد اليهودية. من وراء هذا الرمز الحيواني. ترتهن مسألة وحدة البشر وشمولية الكنيسة.

واعتمد بولس الرسول من ناحيته على تعليم يسوع (مرقس 7)، وأعلن بجرأة أنه بالنسبة إلى المسيحي " أَن لا شَيءَ نَجِسٌ في حَدِّ ذاتِه (رومة 14: 14). ومع انتهاء نظام الشريعة القديم، لأصبحت ممارسات الطهارة "أركاناً ضعيفة" حرَّرنا المسيح منها كما جاء في تصريح بولس الرسول "أَمَّا الآن، وقَد عَرَفتُمُ الله، بل عَرَفَكمُ الله، فكَيفَ تَعودونَ مَرَّةً أُخْرى إِلى تِلكَ الأَرْكانِ الضَّعيفةِ الحَقيرة وتُريدونَ أَن تَعودوا عَبيدًا لَها مَرَّةً أُخْرى؟ (غلاطية 4: 9). فالقداسة والنجاسة هما على طرفي نقيض (1 تسالونيقي 4: 7-8). والقداسة المسيحية تتنبع من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان لا رياء فيه (1طيموتاوس 1: 5)

دعاء
أيها الآب السماوي، باسم يسوع ابنك، طهّرنا من كل نجاسة وإملأنا من روحك القدّوس وهبنا عقلا نيرا، واجعل قلبنا مثل قلبك ينمو فينا الحبّ الإلهيّ كي نطيع الوصايا الله ونتصرّف بحكمة ونتمسَّك بجوهر الأمور وليس فقط بمظهرها لكي نصير مثله قادرين على الحبّ. لئلاّ يكون إكرامنا بالشفتين، فنسمع تأنيب يسوع لنا "هذا الشَّعبُ يُكَرِمُني بِشَفَتَيه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي".

صلاة القديس توكم الاكويني:
ليتني لا أرغب في شيء سواك!
أعطِني باستمرار أن أوجّه قلبي نحوك؛ وحين أضعف،
أعطِني أن أقيّم خطئي بألم، مع قرار ثابت بتصحيح نفسي.
امنَحني يا ربّ، قلبًا يقِظًا لا تستطيع أيّ فكرة سيّئة أن تبعده عنك؛ قلبًا نبيلاً لا يذلّه أيّ شعور معيب؛ قلبًا مستقيمًا لا ينحرف بسبب أيّ نيّة مريبة؛ قلبًا ثابتًا لا تحطّمه أيّ عدائيّة؛ قلبًا حرًّا لا يسيطر عليه أيّ شغف عنيف.
امنَحني يا ربّي، ذكاءً يتعرّف إليك، وحماسة تبحث عنك، وحكمة تعثر عليك، وحياة تروقك، ومثابرة تنتظرك بثقة، وثقة تمتلكك في النهاية.
امنَحني أن أعاني ما تحمّلته، وأن أستفيد من ميزاتك بالنعمة، وأن أستمتع بأفراحك خاصّة في وطن المجد.
أنت يا ربّ، يا مَن يعيش ويحكم إلى دهر الدهور. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء