يسوع الحي والإيمان

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

يسوع الحي والإيمان

الأب د. لويس حزبون
2018/08/25

اختتم يوحنا خطابه عن خبز الحياة في مجمع كفرناحوم (يوحنا 6: 61- 69) مبيّنا الآية التي طلبها اليهود ليؤمنوا به حيث ان أقوال يسوع عن حياته وكيانه الالهي لا تصدّق بالقوى البشرية، وانما بقوة الايمان. ولا بُدّ للإنسان من ان يتخذ حيالها موقفاً. وعلى الموقف الذي يتخذه يتوقف مصيره. واختيار المسيح في الحياة، هو الحياة، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل يوحنا (يوحنا 6: 61- 69)

60 فقالَ كَثيرٌ مِن تَلاميذِه لَمَّا سَمِعوه: هذا كَلامٌ عَسير، مَن يُطيقُ سَماعَه؟

تشير عبارة "كَثيرٌ مِن تَلاميذِه" الى الاثني عشر تلميذًا وكثيرين ممن كانوا يصحبون يسوع. أمَّا عبارة "سَمِعوه" فتشير الى قبول التلاميذ ليسوع والخضوع له. أمَّا عبارة " هذا كَلامٌ عَسير، مَن يُطيقُ سَماعَه؟" فتشير الى صدمة كثير من التلاميذ بلحم يُؤكل ودم يُشرب، لأنهم توقّفوا عند المعنى المادي، ونسوا الى ما يشير اليه الخبز والخمر: هي حياة (الدم) يسوع التي تُعطى لنا، وجسده الذي يُقدّم من أجلنا. فالجسد رمز موته والدم رمز قيامته المجيدة. وعلى ضوء إعلان يسوع لسر الافخارستيا، وتقديم جسده ودمه حياة أبدية، أعرض معظم تلاميذه عنه. ولكن المسيح لا يقدم تنازلات ولم يتراجع عن كلامه، بل لمِّح الى سبب رفض كلامه بقوله " الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ولكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا" (يوحنا 3: 11). ويُعلق القديس اوغسطينوس " ربما كُتب هذا لتعزيتنا. لأنه أحيانًا يحدث أن يعلن إنسان الحق فلا يُفهم قوله، فيعارضه سامعوه ويتركوه. يتأسف الإنسان أنه قال الحق، ويقول في نفسه: "كان يليق بي ألا أتكلم هكذا، كان يلزمني ألا أقول هذا". ويبدو في كل الأزمنة أن تعليم يسوع عسير ويصعب قبوله وتنفيذه، وكثيرون اليوم ما زالوا مشككين إزاء مفارقة الإيمان المسيحي، فهناك أشخاص رفضوه وآخرون عمدوا إلى مطابقة الكلام مع أنماط الأزمنة وتجريده من معناه وقيمته.

61 فعَلِمَ يسوعُ في نَفْسِه أَنَّ تَلاميذَه يَتَذَمَّرونَ مِن ذلك، فقالَ لَهم: أَهذا حَجَرُ عَثرَةٍ لكُم؟

تشير عبارة " فعَلِمَ يسوعُ في نَفْسِه " الى يسوع، كونه الكلمة الإلهي، الذي يُميز أفكار القلب كما يوضح ذلك صاحب الرسالة الى العبرانيين " وبِوُسْعِه أَن يَحكُمَ على خَواطِرِ القَلْبِ وأَفكارِه، وما مِن خَلقٍ يَخْفى علَيه، بل كُلُّ شيَءٍ عارٍ مَكْشوفٌ لِعَينَيه" (عبرانيين 4: 12-13). أمَّا عبارة " َتَذَمَّرونَ" فتشير الى تعبير تلاميذ يسوع عن استيائهم وسخطهم وعدم رضاهم كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيءٍ من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ إن كلمات يسوع تدخلنا دائما في أزمة، أمام روح العالم. وبالرغم من تذمر اليهود وتشككهم أصرَّ يسوع إصراراً على أقواله، لا بل كرَّرها مراراً وأكَّدها تأكيداً قاطعاً لا يدع مجالاً للشك، وهذا دليل على أنه يعني ما يقول فهو لم يأتي ليرضى الناس ويُسمِعَهم ما يحبون سماعه فقط بل لكي ينقل لهم رسالته السماوية السامية، ويريد أن يرفعهم الى مستواه. أمَّا عبارة “حَجَرُ عَثرَةٍ" فتشير في لغة الكتاب المقدس الى ما يُمتحن من الايمان. لقد سبق سمعان الشيخ وقال " ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض" (لوقا 2: 34). فالمصاعب التي تُثيرها أقوال يسوع الفائقة الطبيعة من شأنها ان تكون امتحانا شاقاً لإيمان تلاميذه.

62 فكَيفَ لو رَأيتُمُ ابنَ الإنْسانِ يَصعَدُ إِلى حَيثُ كانَ قَبلاً؟

تُشير عبارة " لو رَأيتُمُ" الى الرؤيا الصحيحة ومعرفة يسوع الحقيقية أنه ليس مجرد إنسان عادي هو ابن يوسف ومريم بل هو أيضا ابن الله. أمَّا عبارة "يَصعَدُ إبنَ الإنْسانِ ِإلى حَيثُ كانَ قَبلاً" فتشير الى أصل يسوع وكيانه الإلهي مما يدل على ان يسوع هو انسان حقا والها حقا. وقد استخدم المسيح هذا المعنى في حواره مع نيقوديمس قال: "فما مِن أَحَدٍ يَصعَدُ إِلى السَّماء إِلاَّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء وهو ابنُ الإِنسان " (يوحنا 3: 13). فإن صعود ابن الانسان الى السماء حيث كان سابقًا وتمتعه بقوة الروح، يصبح بجسده، النبع الذي يتفجر حياة للعالم. ويعلق القديس كيرلس الكبير "إن كنتم تفترضون أن جسدي لا يستطيع أن يهبكم حياة، فكيف له أن يصعد إلى السماء؟ لأنه إن كان لا يقدر أن يُحيي، لأنه ليس من طبيعته أن يُحيي، فكيف سيُحلق في الهواء، وكيف يصعد إلى السماء؟". ولكن صعوده في المجد سيكون عن طريق الصليب (يوحنا 12: 33)، وطريق الصليب هو حجر العثرة؛ إذ ان الصليب هو الصدمة الكبرى (يوحنا 16: 1). ولكن في نظر الايمان، الصليب هو عودة ابن الانسان في المجد الذي له منذ خَلْقِ العالم (يوحنا 1: 15). وهكذا لا بد للوصول الى تمجيد يسوع (ساعة موته وقيامته) وهبة الروح القدس الناتجة عنه (يوحنا 7: 39) من خلال صليب يسوع (يوحنا 13: 7). وعندئذ يتمّ اكتشاف المجد النهائي والاعتراف بحقيقة أقوال يسوع وما في الافخارستيا من قدرة حياتية. ويقول البابا بندكتس السادس عشر للشبيبة العالمية 2005 "يجب على الإفخارستيًا أن تصبح محور حياتنا". أمَّا عبارة " حَيثُ كانَ قَبلاً " فتشير الى وجود يسوع قبل تجسده أي بأزليته، ونجد في الجملة أنَّ جواب الشرط محذوف وتقديره: هل تعثرون أيضا.

63 إِنَّ الرُّوحَ هو الَّذي يُحيي، وأمَّا الجَسَدُ فلا يُجْدي نَفْعَاً، والكَلامُ الَّذي كلَّمتُكُم به رُوحٌ وحَياة

تشير عبارة "الرُّوحَ" الى القدرة الالهية التي توجّه الوجود المسيحي وما يتضمنه من إمكانيات، حيث ان الانسان لا يدرك الحقيقة السماوية إلاَّ بنعمة الروح القدس. فالروح هنا يدل على الاستنارة التي يُعطينا إياها الروح القدس فندرك الحق. وهذا الادراك، هو الروح القدس كما صرّح يسوع " يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" (يوحنا 16: 14). فهبة الروح القدس وحدها تُنير المؤمنين الى معرفة الحقائق الروحية التي تتجلَّى في أقوال يسوع حول الخبز الحي وحقيقة الصلب والقيامة (يوحنا 16: 26). ولا يُمكن فهم كلام يسوع إلا من خلال عمل الروح القدس، "واهب الحياة". هو الروح القدس بالتحديد الذي يجعلنا نفهم يسوع. وحينما نفهم نؤمن فتكون لنا حياة. أمَّا عبارة " يُحيي " فتشير إلى إعطاء الحياة الروحية "مَولودُ الرُّوحِ يَكونُ روحاً"(يوحنا 3: 6)؛ والروح القدس هو الذي يُذكرنا بكل تعاليم المسيح ويُعيننا على تنفيذها (يوحنا 14: 26)، ومن ينفذ تعاليم الروح القدس يُثبِّته الروح في المسيح فيحيا بحياة المسيح. ويُعلق القديس اوغسطينوس "إنه الروح الذي يجعلنا أعضاء حيّة ... وما يخشاه المسيحي هو انفصاله عن جسد المسيح، لأنه من لا يكون عضوًا في المسيح لا يحيا بروح المسيح. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول: "مَن لم يَكُنْ فيه رُوحُ المسيح فما هو مِن خاصَّتِه "(رومة 8: 9). أمَّا عبارة "الجَسَدُ" فتشير الى الطبيعة البشرية بما فيها من امكانيات وحدود. الجسد هنا في كلام المسيح يشير للفهم العقلي والمنطق البشري. وبعبارة اخرى في الآية هناك مقارنةً بين الروح والجسد. فالإنسان الذي يبقى على المستوى البشري (اللحم والدم)، لا يقدر بحد ذاته أن يدرك المعنى الحقيقي لأقوال يسوع وأعماله، ولا أن يؤمن به. أمَّا الانسان الذي يعيش على مستوى الروح فتنفتح بصيرة عينيه حول كلمة الرب ويُدرك المسيح واقواله وتعاليمه على حقيقتها. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " إن يسوع لا يتحدث عن جسده، حاشا! بل عن الذين يقبلون كلماته بطريقة جسدانية، أي التطلع إلى ما هو أمام عيوننا مجردًا دون تصور ما هو وراءه، هذا هو الفهم الجسداني. ولكن يليق بنا ألا نحكم هكذا بالنظر بل نتطلع إلى كل الأسرار بالعيون الداخلية. هذا هو "النظر روحيًا". فبعد الصعود يرسل المسيح الروح القدس. والروح هو الذي يحوِّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، وهو الذي يُثبتنا في المسيح فنحيا. لذلك هو الروح القدس المحيي. أمَّا عبارة " الكَلامُ الَّذي كلَّمتُكُم به رُوحٌ وحَياة" فتشير الى الانجيل المقدس وجسد المسيح ودمه"، ويُعلق القديس ايرونيموس "إنّ كلمات الرّب: "مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي" (يوحنا 6: 56) تجد تحقيقها في سرّ الإفخارستيّا؛ ولكنّ جسدَ المسيح الحقيقي ودمَه الحقيقي، هما أيضًا كلمات الكتاب المقدّس والعقيدة الإلهيّة" (الرسالة 53 إلى بولينُس). وقد عجزت سبل المعرفة التي في متناول الانسان عن فهم أقوال يسوع وآياته من معنى بعيد الغور (يوحنا 3: 6)، وفي الواقع، لا نستطيع إدراك سرَّه بمجرد قوانا البشرية. يدرك الانسان الحقيقة السماوية بنعمة الروح القدس.

64 ولكِنَّ فيكم مَن لا يُؤمِنون. ذلكَ بِأَنَّ يسوعَ كانَ يعلَمُ مَنذُ بَدءِ الأَمْرِ مَنِ الَّذينَ لا يُؤمِنون ومَنِ الَّذي سَيُسِلِمُه

تشير عبارة "مَن لا يُؤمِنون" الى النقص بالإيمان الذي هو السبب الحقيقي في عدم فهم كلام يسوع، كما يؤكد ذلك بولس الرسول " فالإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هو مِن رُوحِ الله" (1 قورنتس 2: 14)، ويوضِّح القديس اوغسطينوس لماذا بعض التلاميذ لا يؤمنون فيقول " لا يفهمون، إذ هم لا يؤمنون. إذ يقول النبي: "إن لم تؤمنوا لا تفهمون" (اشعيا 7: 9 بحسب الترجمة السبعينية). نحن نتحد بالإيمان، ونحيا بالفهم. لنقترب إليه أولًا بالإيمان حتى نحيا بالفهم"؛ اما عبارة " بِأَنَّ يسوعَ كانَ يعلَمُ " فتشير الى حالة يهوذا بن سمعان الإسخريوطي الذي سيسلمه " فقَد كانَ يَعرِفُ يسوع مَن سَيُسْلِمُه " (يوحنا 13: 11) والى حالة الذين تركوه أيضا، معلنًا أن ما سيحدث ليس بغريبٍ عنه، لأنه من البدء كان عالماً بكل هذا. وهذا يعني ان يسوع يعرف ساعة آلامه ويذهب لملاقاتها فيُشرف بنفسه على آلامه فلا يؤخذ على غفلة منه (يوحنا 2: 4). وكشف يسوع أن ما سيحدث هو بكامل حريتهم. فالذين لا يؤمنون بأقوال يسوع (يوحنا 2: 24-25) يتركون يسوع بسبب حجر عثرة الصليب ويُسهمون في تسليمه الى الموت. أمَّا عبارة "مَنذُ بَدءِ الأَمْرِ " باليونانية ἐξ ἀρχῆς فتشير بلغة القديس يوحنا لأزلية السيد المسيح ولاهوته (يوحنا 1: 1). أمَّا هنا فتدل على بدء خدمة يسوع وإتباع التلاميذ الذين يصحبونه (يوحنا 15: 26).

65 ثُمَّ قال: ولِذَلِكَ قُلتُ لكم: ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ إِلاَّ بِهبَةٍ مِنَ الآب

تشير عبارة "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ إِلاَّ بِهبَةٍ مِنَ الآب" الى عمل داخلي في القلب بالروح القدس حيث يقبل الانسان الى يسوع ويثق في كلامه ويحبه. فالتجديد الروحي يبدأ وينتهي بالله. والمسيح يعلن أن من يأتي إليه فهو قد أعطاه له الآب. فمجيء الى المسيح وقبوله ليس محاولة بشرية محضة، بل هي نعمة خاصة من الله يتجاوب معها المؤمن. ويعلق القديس كيرلس الكبير "إن الله لا يميز بين فريق وآخر، إنما من يطلب يجد، ومن يسأل عن الحق يسلمه الآب للحق ويثبته فيه فلا يسقط". أمَّا عبارة " ِهبَةٍ مِنَ الآب " فتشير الى الإيمان الذي هو عطية من الله وليس عن استحقاق الانسان كما جاء في تعليم المسيح " ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يُقبِلَ إِليَّ، إِّلا إِذا اجتَذَبَه الآبُ الَّذي أرسَلَني" (يوحنا 6: 44). وإيمان الانسان هو تجاوب مع هذه الهبة.

66 فارتدَّ عِندَئِذٍ كثيرٌ مِن تَلاميِذه وانقَطعوا عنِ السَّيرِ معَه

تشير عبارة "عِندَئِذٍ " باليونانية Ἐκ τούτου (معناها منذ هذا) الى لحظة التحول واتخاذ القرار من قبل التلاميذ تجاه الوحي الذي أعلنه يسوع عن نفسه " جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ " (يوحنا 6: 55)؛ أمَّا عبارة " ارتدَّ " باليونانية ἀπῆλθον εἰς τὰ ὀπίσω (معناها رجعوا الى الوراء) فتشير الى " الرجوع إلى الأمور التي تركوها إلى خلف"، والعودة الى الأشياء التي تمسك بها التلاميذ قبل اتباعهم يسوع. وكما قال صاحب المزامير "أَربَعينَ سَنَةً سَئِمت ذلِكَ الجيل وقُلتُ: ((هُم شَعبٌ ضَلَّت قُلوبُهم" (مزمور 95: 10). ونستنتج من ذلك ان ارتداد التلاميذ عن يسوع يدل على ان القرار الاوَّلي لإتباعه لا يكفي، بل لا بدّ من اختيار متواصل لدعوة يسوع ورسالته وإلا قد يتحوّل القلب عنه تعالى. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "أنهم حرموا أنفسهم من أي نمو في الفضيلة، وباعتزالهم فقدوا الإيمان الذي كان لهم قديمًا. لكن هذا لم يحدث للاثني عشر". وهذا يؤكد قول يسوع “لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون " (متى 22: 14). وهذا أمر يدل على ان إخفاق تعليم يسوع الديني الجوهري، بخصوص كيانه الالهي ووجوده في القربان الاقدس من ناحية، ومن ناحية أخرى تدل أيضا على تبدُّد حماس التلاميذ أمام حقيقة تكثير الخبز. ان القوة الغريبة لكلمات يسوع تكشف الذين هم حقا له. ويسوع لم يقل لهؤلاء شيئًا، فهو لا يُرغم أحد على البقاء معه. فمن لا يريد أن يبقى معه ثابتا فيه يتقيأه من فمه أي يخرجه من الثبات فيه كما جاء في رؤية يوحنا الرسول " أَمَّا وأَنتَ فاتِر، لا حارٌّ ولا باِرِد، فسأَتَقَيَّأُكَ مِن فَمي" (رؤيا 3: 16). ولكن يسوع، أمام هذا التراجع، لا يقلل من حدة كلامه، بل على العكس فهو يجبرهم على القيام باختيار واضح: إما البقاء معه وإما الانفصال عنه كما صرَّح " مَن لَم يكُنْ معي كانَ عليَّ، ومَن لم يَجمَعْ معي كان مُبَدِّداً" (متى 12: 30). أمَّا عبارة " عِندَئِذٍ " فتشير الى وقت الذي فيه يسوع القى خطاب حول الخبز الحي النازل من السماء. وهذا الخطاب أظهر روحانية تعليمه وكشف إيمان سامعيه. أمَّا عبارة "انقَطعوا عنِ السَّيرِ معَه" فتشير الى هجر كثير من تلاميذ يسوع. وقد خسر هؤلاء التلاميذ فرصة ذهبية، لأنه إذا كان هذا الخبز، الذي يقدِّمه يسوع، هو الحياة، فإن انقطاعهم عن السير معه يؤدي إلى الموت. ولم يقل يسوع شيئًا للذين رجعوا إلى الوراء، فإنه لا يُلزم أحدًا بالإيمان، ويعلق القديس قبريا نوس " يسوع لم يوبِّخ الذين تركوه ولا هدَّدهم بطريقة محترمًا بالحق القانون الذي به يمارس الإنسان حريته ويبقى في حرية إرادته يختار الموت أو الخلاص". وبعد الشعبية التي تلت المعجزة "كانوا يهمون أن يقيمونه ملكاً" فها هم ينسحبون عنه واحداً تلو الآخر: هل لأن أفكار يسوع ليست أفكارهم؟ هل لانَّ تعاليمه صعبة الفهم؟ هل لانّهم لا يؤمنون بيسوع وقدرته الإلهية وكيانه الإلهي؟ ام هل لانَّهم أدركوا انه لن يكون المسيح الملك المنتصر الذي انتظروه؟ وأخيراً هل لأنهم شعروا أن يسوع رفض ان يخضع لطلباتهم الأنانية؟ هل استجابتنا ليسوع ناجمة عن عدم إيمان أو رفض يسوع أم إهمال بعض تعاليمه؟ هؤلاء الذين تركوه لم يكن لهم إيمان حقيقي. فمن له الإيمان الحقيقي يظل تابعًا للمسيح حتى لو لم يفهم تمامًا ما يقوله. ثقتنا في المسيح تجعلني نتبعه حتى لو لم نفهم الآن ما يقول أو ما يصنع. لقد تكلم الرب وفقد الكثيرين، وبقي معه قليلون. ومع هذا لم يضطرب، لأنه عرف من البداية من الذين يؤمنون ومن الذين لا يؤمنون. فلا عجب ان عجز المُبشرون اليوم ان يرضوا الناس وهم يبشرون بالإنجيل. إن حدث هذا معنا فإننا ننزعج بمرارة، لكن هنا نجد تعزية راحة في الرب ولنتكلم بوقار.

67 فقالَ يسوعُ لِلاثْنَيْ عَشَر: ((أَفلا تُريدونَ أَن تَذهبَوا أَنتُم أَيضاً؟))

تشير عبارة " اِلاثْنَيْ عَشَر " الى التلاميذ المقربين منه وهم الرسل. واستمر هذا إسماً للتلاميذ حتى بعد غياب يهوذا. امَّا عبارة "أَفلا تُريدونَ أَن تَذهبَوا أَنتُم أَيضاً؟" فتشير الى طلب يسوع من تلاميذه ان يلتزموا ويثقوا فيه، ويثبتوا في الحق بكامل حرية إرادتهم دون ضغط أو حرج. فإما ان يعلنوا إيمانهم بيسوع، وإمَّا ان يرحلوا لا يقبل يسوع حل وسط. المسيح يضع الاثني عشر أمام حريتهم ليختاروا. فالقضية هي قضية وجوده، وقضية رسالته. يسوع يُعلِّم الناس الحقيقة. فإمَّا ان يقبلوها وإمَّا ان يرفضوها بسبب عدم إيمانهم. ولم يكن الرب يسوع يحاول ان يطرد الناس بتعاليمه او ينفرهم. بل إنه كان بساطة يُخبرهم بالحقيقة. انقسم الناس تجاه يسوع ورسالته قسمين: فئة الاثني عشر الأمناء الذين آمنوا حقا وبقوا معه يريدون ان يفهموا المزيد، وفئة الرافضين بسبب عدم استساغتهم لما يسمعون. المؤمن الأصيل لا ينبغي ان تردَّه عن المسيح صعوبة فهم، ولا عُسر إيمان. نحن نقف كل يوم أمام هذه الاختيار.

68 أَجابَهُ سِمْعانُ بُطُرس: ((يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك))؟

تشير عبارة " سِمْعانُ " الى اسم عبراني שִׁמְעוֹן معناه مستمع؛ اما بطرس فهو إسم عبري פֶּטְרוֹס معناه صخرة أو حجر. وكان هذا الرسول يسمى أولاً سمعان واسم أبيه يونا (متى 16: 17) واسم أخيه اندراوس، واسم مدينته بيت صيدا. فلما تبع يسوع سمي ((كيفا)) وهي كلمة آرامية כֵיפָא معناها صخرة، يقابلها في العربية صفا أي صخرة وقد سّماه المسيح بهذا الاسم. والصخرة باليونانية بيتروس ومنها بطرس (يوحنا 1: 42) وكانت مهنة بطرس صيد السمك (مرقس 1: 16). أمَّا عبارة " يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك؟" فتشير الى جواب بطرس نيابة عن الرسل وبشهادتهم مبيّنا ان ليس هناك طريق أخرى فيسوع هو وحده الذي يعطي الحياة، بل هو المصدر الوحيد للحياة. فكان جواب بطرس يُذكرنا بجواب راعوت مع حماتها نُعْمي "لا تُلِحِّي علَيَّ أَن أَترُكَكِ وأَرجعَ عَنكِ، فإِنِّي حَيثُما ذَهَبتِ أَذهَبْ وحَيثُما بِتِّ أَبِتْ شَعبُكِ شَعْبي وإِلهُكِ إِلهي " (راعوت 1: 16). ويعلق القديس كيرلس الكبير "معك سنبقى، وبوصاياك نلتصق إلى الأبد، ونقبل كلماتك دون أن نعثر بها". اختار الاثني الطريق المؤدي الى يسوع الحياة، في حين باقي التلاميذ اتخذوا الاتجاه المعاكس وانقطعوا عن الحياة. بطرس والرسل اختار يسوع الحي، ومن أختار يسوع في الحياة، ينال الحياة الابدية. أمَّا عبارة "كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ" فتشير الى كل كلمة يقولها الرب يسوع تعطي حياة. فالرب يعطي حياة أبدية وكأن بطرس يؤكد قول يسوع " الكَلامُ الَّذي كلَّمتُكُم به رُوحٌ وحَياة"(يوحنا 6: 63)؛ أمَّا عبارة" الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ " فتشير الى حياة الله والمسيح في المؤمن المولود ثانية (يوحنا 3: 3). فالحياة الأبدية عطية إلهية "أَنَّ اللهَ وَهَبَ لَنا الحَياةَ الأَبدِيَّة وأَنَّ هذهِ الحياةَ هي في ابنِه. 12 مَن كانَ لَه الابنُ كانَت لَه الحَياة. مَن لم يَكُنْ لَه ابنُ الله لم تَكُنْ لَه الحَياة. " (1يوحنا 5: 11-12). وتأتي هذه الحياة فقط "بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية 6: 23). والحياة الأبدية موجودة خارج وفوق الزمن. ومحور الحياة الأبدية ليس هو مستقبلنا، بل موقفنا الحالي في المسيح. "مَن آمَنَ بِالابن فلهُ الحَياةُ الأَبديَّة "(يوحنا 3: 36). فالحياة الأبدية ترتبط ارتباطا وثيقاً بشخص الرب يسوع المسيح، وهي معرفة الآب والابن كما صرَّح يسوع " الحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح" (يوحنا 17: 3)، وهذه المعرفة هي معرفة حقيقية وشخصية وليس مجرد إدراك أكاديمي كما جاء في تصريح بولس الرسول " فأَعرِفَهُ وأَعرِفَ قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه فأَتمثَّلَ بِه في مَوتِه، لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات" (فيلبي 3: 10-11). أمَّا عبارة " الأَبَدِيَّةِ" باليونانية αἰώνιος (تدل على الصفة وأيضاً المقدار) تشير إلى حياة "دائمة"، أي أنها تستمر وتستمر بلا نهاية، حياة ليست مرتبطة حقاً بعدد السنين، لأنها منفصلة عن الزمان.

69 ونَحنُ آمَنَّا وعَرَفنا أَنَّكَ قُدُّوسُ الله

تشير عبارة " آمَنَّا " الى الايمان الحقيقي الذي هو الانضمام بلا تحفظ الى يسوع الذي تَعد أقواله بالحياة الابدية، فهو فعلا المُرسل الذي كرّسه الله (يوحنا 17: 17-19). والإيمان يأتي أولًا ثم المعرفة. أمَّا عبارة " وعَرَفنا أَنَّكَ قُدُّوسُ الله " فتشير الى شهادة بلاهوت يسوع الذي هو صور الله القدوس على الارض "هو صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى " (قولسي 1: 15). ويذكر هذا المشهد باعتراف بطرس في قيصرية " أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ " (متى 16: 16). أما عبارة " قُدُّوسُ " فتشير الى الانتماء الى الله وحده، وهو من أقدم التعابير عن الوهية يسوع كما جاء في عظة بطرس للشعب "أَنكَرتُمُ القُدُّوسَ البارّ " (أعمال الرسل 3: 14). أما عبارة "عَرَفنا " فتشير الى عدم تجاهل بطرس لدور المعرفة. فقد آمن هو والرسل بابن الله الحي، وعرفوا أسراره نتيجة الاختبار الالتصاق به والعشرة والشركة معه. ويعلق القديس كيرلس الكبير " يقولون إنهم يؤمنون ويعرفون، فيربطون الأمرين معًا. لأنه يجب على الإنسان أن يؤمن وأيضًا أن يفهم. ليس معنى أننا نقبل الأمور الإلهية بالإيمان أن نبتعد تمامًا عن أي فحص لها، بل نحاول بالأحرى أن نبلغ إلى معرفة معتدلة، حسنًا إنهم لم يقولوا عرفوا أولًا ثم آمنوا، إذ يضعون الإيمان أولًا ويلحقونه بالمعرفة، ولكن ليس قبل الإيمان. كما هو مكتوب: "إن لم تؤمنوا لن تفهموا" (اشعيا 7: 9 بحسب الترجمة السبعينية). ويوضِّح القديس اوغسطينوس بقوله "لقد آمنا لكي نعرف؛ لأننا إن أردنا أن نعرف أولًا وعندئذ نؤمن، لن نستطيع أن نعرف ولا أن نؤمن". أمّأ عبارة " قُدُّوسُ الله" فتشير الى الله الذي هو وحده قدوس وقداسته تشمل كل ما هو له أو ما كُرّس له: فيسوع هو "قدوس الله " بكل معنى الكلمة، لأنه المسيح وابن الله. فذات المسيح القدوسة كلها آيات وأسرار، (مولده العجيب، إحياؤه الموتى، موته على الصليب بإرادته، وقيامته من القبر بقوته، وصعوده الى السماء) لا يقبلها الانسان إلا بالإيمان.

ثانيًا: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 6: 61- 69)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 61- 69) يمكننا ان نستنتج ان النص يتمحور حول موضوع الايمان: قبول المسيح ام رفضه. ومن هنا نسأل: ما معنى الايمان؟ وكيف نعيش ايماننا بالمسيح؟

1) ما معنى الايمان؟

نجد في الكتاب المقدس لفظتين تشير الى الايمان: מאמין "أمان" (آمين אָמֵן) الذي يوحي بالصلابة والاستقرار والآمان، و"בטח" الذي يوحى بالأمن والثقة والأمان. فاللغة العبرية تستعملُ تعبيرين: "آمن (آمين) أمان (أمين). ولفظة (آمين) تعني القوة والشيء الأكيد، ومن هنا جاءت الكلمات اللاتينية المعروفة بالفولجاته credere – sperare. ومن هنا جاء قول اشعيا النبي "أَنتُم إِن لم تُؤمِنوا فلَن تأمَنوا" (اشعيا 7: 9). ويقول الكاردينال جوزيف راتسنجر (البابا بنديكتوس السادس عشر) في كتابه الشهير (مدخلٌ إلى الإيمان المسيحيّ): يقصد المسيحيّ من خلال موقفه الإيمانيّ، الذي يعبّر عنه بهذه الكلمة الصغيرة آمين التي تتضمّن المعاني المتقاربة الآتية: "وثق بـ"، "إتكل على"، "الأمانة"، "الرسوخ"، "القاعدة المتينة"، "الوقوف"، "الحقيقة"، ومن هنا نجد التأكيدُ أنه لا يعتمد كأساس غير الحقيقة التي تستطيعُ وحدها أن تمنح وجوده معنى".

وأمَّا في العهد الجديد فالإيمان يوحي الثقة التي تتجه نحو شخص "أمين"، وتلزم الإنسان بكليته من ناحية؛ وفي هذا الصدد اللاهوتي يقول اللاهوتي كارل رانر "الايمان فعل شجاعة يعيش قفزة رجاء"، ومن جهة أخرى، تشير كلمة "آمين" الى مسعى العقل الذي تتيح له كلمة أو بعض العلامات لبلوغ حقائق لا يُعاينها، كما جاء في صاحب الرسالة الى العبرانيين "الإِيمانُ قِوامُ الأُمورِ الّتي تُرْجى وبُرْهانُ الحَقائِقِ الَّتي لا تُرى (عبرانيين 11: 1). فموضوع الإيمانُ ليس بما يُرى بل بما لا يُرى وإلاّ لا يدعى إيمانـــــًا قط. وعلى هذا الاساس يقول الفيلسوف النمساويّ لودفيغ فيتغنشتين "الإيمان بالله يعني أننا نرى أنّ الحياة لها معنى".

الإيمان إذن، هو ما يعطينا معنى وصورة في الحياة. فمن يؤمن فإنه يسعى إلى علاقة شخصيّة مع الله وهو مستعدّ أن يصدّق الله في كلّ شيء يكشفه عن ذاته. وعليه نستنتج مما تقدم ان "الإيمان بالله" يعني "الإصغاءّ لله" (مزمور 106: 24- 25). فتكون حياة المؤمن وموته رهن أمانته الحرة في الابقاء بالإيمان والتمسك به، كما يقول الرب "إَنِّي قد جَعَلت أَمامَكمُ الحَياةَ والموت، البَركَةَ واللَّعنَة. فاختَرِ الحَياةَ لِكَي تَحْيا أَنتَ ونَسْلُكَ، مُحِبًّا الرَّبَّ إِلهَكَ وسامِعًا لِصَوتِه ومُتَعَلِّقًا به" (تثنية 30: 19-20).

وكان الإيمان، في نظر يسوع، (متى 11: 25)، كما في نظر الكنيسة الناشئة، عطية من لدن الله (أعمال 11: 21-23). فالإيمان يأتي من الله (متى 16: 17)، وتقتسمه الأمم يوماً (8: 5-13). ونستنتج من كل ما سبق ان الإيمان ليس منّا، لكنه نعمةٌ وهبة من الله، فهو فضيلة فائقة الطبيعة يبثّها الله. وفي هذا الصدد يقول العلامة توما الأكوينيّ "الإيمان فعل عقليّ يعتنق الحقائق الإلهيّة بأمر الإرادة التي يُحرّكها الله بالنعمة". وعليه "إننا لا نصبح مسيحيين بقوانا الذاتية. فالإيمان هو قبل كل شيء عطية من لدن الله تُقدَم لنا في الكنيسة ومن خلال الكنيسة" (البابا فرنسيس)

أمَّا نقائص الإيمان كما تُبيِّنه الكتب المقدسة فهي اولا الثقة في القوة البشرية بالرغم من الاعتماد على الله. فكان المكابيون يعتمدون على الله في ضمان النصر لهم (المكابيين 2، 49-70). ولكن بعض المحاربين اعتمدوا على ثقتهم في قوتهم البشرية (1 المكابيين 2: 39-41)

والنقص الآخر الذي يُهدد إيمان المؤمنين هو شكلية تتمسك بالمتطلبات الطقسية أكثر منها بنداءات الكتب الدينية والأخلاقية كما جاء في قول يسوع "الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة" (متى 23: 23)، والاعتماد على كبرياء الإنسان وأعماله أكثر منها على الله وحده لنيل التبرير كما جاء في مثل الفريسي والعشار (لوقا 18: 9- 14).

2) نماذج ايماننا في الكتاب المقدس؟

وردت نماذج في الايمان في اسفار الكتاب المقدس التي تعلمنا كيف نعيش إيماننا بالمسيح الرب والاله والمُخلص. ومن هنا نبحت في نموذج ايماننا، ونستوضح من خلاله كيف نعيش إيماننا. ونموذج إيماننا يكمن في أيماننا آباء أجدادنا وتلاميذ يسوع.

أ) نموذج إيمان اجدادنا

نموذج الإيمان هو ابراهيم (سيراخ 44: 20)، وهو في طليعة اجدادنا الروحيين الذين اكتشفوا الإله الحقيقي (غلاطية 3: 8)، أولئك الذين أسلموا أمر خلاصهم لله وحده ولكلمته (عبرانيين 11: 8-19). إذ "آمَنَ بِالرَّبّ" (تكوين 15: 6)، وبكلمته، فأطاع هذه الدعوة، وعلى أساس هذا الوعد التزم في أسلوب معيشته. ومن هنا نستنتج أنّ الإيمان هو موقف وانطلاق في طريق جديد يبدأ من الله ذاته لتغيير الإنسان من العمق. إذ "قالَ الرَّبُّ لأَبْرام: اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ" (التكوين 12: 1). هنا نجدُ كلمة "إنطلاق"، أنه خروجٌ واتحاد بآخر. ويذكرُ الكتاب المقدّس "الأرض - العشيرة - الأب"، فعلينا عندما نريدُ الاتحاد بالله بالإيمان، مطلوب الانفصال عن الجذور العشائريّة والأرضيّة وترك التبعيّة من ناحية، والارتباط بالله، والارتباط بالمستقبل لا بالماضي من جهة أخرى (رومة 4: 12). فعندما قال الكتاب عن ابراهيم "ذهب ولم يعرف أين يسير ويمضي يشير الى ان الإيمان مسيرةٌ طويلة للمجهول، إنه اللقاء مع الله – الحيّ – الآخر. لذا يجب تركُ كلّ جذورنا القديمة للاتحاد بالله وحده، به حياتنا وحركتنا ووجودنا وأصلنا ومبدأنا، لآنه هو الأصل والبدء والمبدأ الحقيقي" في البدء كان الكلمة" (يوحنا 1:1). يَشوعَ بنَ نون، مُساعِدَ موسى هو أيضا نموذج يمان الذي يتطلب الاختيار بين الايمان بالله أو الايمان بآلهة أخرى " فاخْتاروا لَكمُ اليَومَ مَن تَعبُدون: إِمَّا الآلِهَةَ الَّتي عَبَدَها آباؤُكم في عِبرِ النَّهْرِ، أَو آلهَةَ الأَمورِّيينَ الَّذينَ أَنتُم مُقيمونَ بِأَرضِهم. أَمَّا أَنا وبَيتي فنَعبُدُ الرَّبّ " (يشوع 24: 15). فعلى غرار شعب العهد القديم يختار المسيحي ان يخدم ويعبد الرب الاله الذي يحرره من عبودية الخطيئة.

أمَّا نموذج الانبياء في الايمان فهو الانتقال من الخوف إلى الثقة المطمئنة في الله (اشعيا 7: 4-9) كما انه بمثابة التزام وموقف شخصيين (إرميا 45: 5)؛ وأمَّا نموذج الحكماء في الايمان فهو ثقة كاملة في الله كما جاء في تصريح ايوب البار "فادِيَّ حَيٌّ وسيقوم الأَخيرَ على التُّراب. وبَعدَ أَن يَكونَ جِلْدي قد تَمَزَّق أُعايِنُ اللهَ في جَسَدي. أُعايِنُه أَنا بِنَفْسي وعَينايَ ترَيانِه لا غَيري" (أيوب 19: 25-26)، وأن الله يظل على كل شيء قدير كما أكد ايوب البار بقوله: "قد عَلِمتُ أنَّكَ قادِرٌ على كُلِّ شَيء فلا يَستَحيلُ علَيكَ مُراد" (أيوب 42: 2)
.
ونحن نعلم أن صاحب سفر المزامير لديه إيمان كامل بالله، الإله الواحد (مزمور 18: 32)، والخالق (مزمور 8: 104)، والكلي القدرة (مزمور29)، والسيد الأمين (مزمور89)، والرحيم (مزمور136) بشعبه (مزمور105)، وملك المستقبل في العالم كله (مزمور 47، 96- 99). كما عبّرت المزامير عن صلوات لشهادات الايمان، إيمان البار المضطهد في سبيل الله، وإن الله سيخلِّصه (مزامير 7، 11، 27، 31، 62)؛ وثقة الخاطئ في رحمة الله (مزامير 40، 130)، وأمان مطمئن في الله (مزامير 4، 23، 121، 131) هو أقوى من الموت (مزامير 16).

يظهر أخيراً نموذج الايمان في الاخوة المكابيين. بعد السبي، تعرض الاخوة المكابيَّون لأول مرة في تاريخ الكتاب المقدس لاضطهاد ديني دموي (1 المكابيين 1: 62-64) فماتوا شهداء بسبب إيمانهم. وبالرغم ما واجهوه من غيبة الله الكبرى عنهم، فإن إيمانهم لم يضعف (1 المكابيين 1: 62)؛ بل ازداد عمقاً إلى حد أنهم، بفضل أمانة الله، كانوا يرجون القيامة (2 المكابيين 7)، والخلود (حكمة 2: 19-20).

ب) نموذج ايمان مريم العذراء والتلاميذ

يذكر الانجيل مريم العذراء، الأمّ التي آمنت وسمعت كلمة الربّ لها. "مريم حقّقت طاعة الإيمان على أكملِ وجه" (تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة 148). إن إيمان مريم هو الذي استقبل أول إعلان للخلاص عن طريق الملاك جبرائيل "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلَكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى" (لوقا 1: 35).

وبالرغم من إمكانية الجميع "أن يسمعوا ويروا" (متى 13: 13) كلمة يسوع ومعجزاته وأن يؤمنوا (مرقس 1: 15)، إنما كان ذلك ميزة اختص بها التلاميذ كما صرّح يسوع: "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها" (لوقا 8: 21). وتلاميذ المسيح هم "الذين آمنوا به" (أعمال 2: 44). وهكذا بينما تنكرت للمسيح الاكثرية الساحقة للمسيح ورفضته، نال استحسان أكثرية الرسل الذين أبدوا إيمانهم وإخلاصهم وولاءهم لأقوال معلمهم. انهم نواة المؤمنين.

إن الإيمان المطلوب من أجل تحقيق المعجزات هو الاعتراف بقدرة يسوع (متى 8: 20). لكن الإيمان الذي يوحِّد بين يسوع وبين التلاميذ، وفيما بينهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته الالهية (متى 16: 18-20) هو ايمان بطرس بقوله "أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ" (متى 16: 15).

وبالرغم من معرفة التلاميذ لأسرار الملكوت (متى 13: 11)، الا إنهم لم يسلكوا إلا بصعوبة، الطريق الذي فيه كان ينبغي لهم، وأن يتبعوا ابن الإنسان بالإيمان، كما نستنتج ذلك من جواب بطرس "حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا!" (متى 16: 22). فكان ينقصهم الثقة التي تستبعد كل همّ وكل خوف كما جاء في قول يسوع لهم "ما لَكم خائفينَ هذا الخَوف؟ أَإِلى الآنَ لا إِيمانَ لَكم؟" (مرقس 4: 40). وعليه فإن اختبار الألم عثرة كما جاء في تصريح بطرس الرسول "إِذا كُنتَ لَهم جَميعاً حَجَرَ عَثرَة، فلَن تكونَ لي أَنا حَجَرَ عَثرَة" (متى 26: 33).

لقد اجتاز التلاميذ هذه الخطوة، عندما آمنوا بالقيامة بعد الكثير من التردُّد خلال أوقات ظهور يسوع كما يؤكد ذلك حدث الصعود "فلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له، ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارْتابوا" (متى 17:28). وإذ كانوا شهوداً لكل ما قاله يسوع وصنعه (أعمال 10: 39)، فلقد أخذوا يُعلنونه "رباً ومسيحاً"، وقد تمَّت فيه الوعود بطريقة غير منظورة (اعمال الرسل 2: 33-36). فإيمانهم قادر الآن على المضي "حتى الدم" (عبرانيين 12: 4). فهم يدعون مستمعيهم إلى أن يشاطروهم هذا الإيمان حتى يستفيدوا من الموعد، وأن ينالوا مغفرة خطاياهم كما جاء في عظة بطرس: "توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس" (أعمال 2: 38). وهنا وُلد إيمان الكنيسة.

3) كيف نعيش إيماننا بالمسيح؟

بعدما بحثنا عن نموذج الايمان عند آباء اجدادنا وسيدتنا مريم العذراء والتلاميذ نتمكن الآن ان نتساءل كيف نعيش إيماننا؟ إن إيماننا مبني على كلمة الله في اسفار العهد الجديد ولا سيما انجيل يوحنا.

• العيش ايماننا بمفهوم العهد الجديد عامة

إيماننا قبل كل شيء هو الايمان بالكلمة أي قبول كرازة الشهود، قبول الانجيل كما صرّح بطرس الرسول "تَعلَمونَ أَنَّ اللهَ اختارَ عِندكُم مُنذُ الأَيَّامِ الأُولى أَن يَسمَعَ الوَثَنِيُّونَ مِن فَمي كَلِمَةَ البِشَارَةِ وُيؤمِنوا" (أعمال 15: 7). ويقوم الايمان بقبول "الكلمة" (أعمال 2: 41)، بالاعتراف بيسوع كرب (1 قورنتس 12: 3). وإنَّ قبول الكلمة بالنسبة إلى الوثني معناه هجر الأصنام، والاتجاه نحو الله الحي والحقيقي (تسالونيقي 1: 8-10)، وبالنسبة إلى الجميع معناه الاعتراف أنَّ الرب يسوع يتمّم قصد الله (أعمال 3: 21-26). ومعناه، عند قبول المعمودية الاعتراف بالآب والابن والروح القدس (متى 28: 19). إن هذا الإيمان، يفتح أمام الذِهن "كنوز الحكمة والمعرفة" التي في المسيح (كولسي 2: 3): أي حكمة الله ذاتها، الموحى بها بالروح القدس (1 قورنتس 1: 2) والمختلفة كل الاختلاف عن الحكمة البشرية (1 قورنتس 1: 17-31)، الا وهي معرفة المسيح ومحبته (فيلبي 3: 8).

والايمان بدون اعمال لا يجدي نفعا. قال البابا فرنسيس "ليس الإيمان شيئا للديكور أو الزينة. ان نؤمن يعني أن نضع المسيح حقيقة في محور حياتنا ومعناها. وليس المسيح شخصا ثانويا: إنه "الخبز الحي"، والغذاء الذي لا غنى عنه. الارتباط به، عبر علاقة إيمان ومحبة صادقة لا يعني أننا مُقيّدون، بل أحرار وفي مسيرة دائمة. كلّ منا يستطيع أن يسأل نفسه: من هو يسوع لي؟ هو اسم أو فكرة أو مجرد شخصيّة تاريخية؟ أم إنه ذاك الشخص الذي يحبني وأعطى حياته من أجلي ويسير معي؟

وعليه فان من آمن "بالكلمة"، ينتمي الى الكنيسة ويشترك في التعليم وفي "ليتورجيا" الكنيسة (أعمال 2: 41-46). ويمارس حياة خلقية بموجب شريعة المسيح (غلاطية 6: 2)؛ وهو يعمل عن طريق المحبة الأخوية (غلاطية 5: 6). ويبقى الإيمان ثابتاً في مواجهة الموت على مثال يسوع (عبرانيين 12)، في ثقة مطلقة بذاك "الذي آمن به"، (2 طيموتاوس 1: 12).

• عيش إيماننا بمفهوم انجيل يوحنا خاصة

انجيل يوحنا هو إنجيل الإيمان. ويتركز الإيمان بموجبه في يسوع وفي مجده الإلهي. ولذا ينبغي أن نؤمن بيسوع (يوحنا 4: 39)، وباسمه (يوحنا 1: 12). فالإيمان بالله والإيمان بيسوع أمر واحد (يوحنا 12: 44). لأن يسوع والآب واحد (يوحنا 10: 30)، وهذه الوحدة نفسها هي موضوع إيمان (يوحنا 14: 10-11). فالإيمان يجب أن يبلغ إلى الحقيقة غير المرئية لمجد يسوع، دون ما حاجة إلى رؤية العلامات الكثيرة التي تُظهره (يوحنا 2: 11-12). على أنه إذا كان الإيمان يحتاج إلى رؤية (يوحنا 2: 23،)، وإلى لمس (يوحنا 20: 27)، فهو مدعوّ أيضاً إلى أن يزدهر في معرفة (يوحنا 6: 69) غير المنظور وفي تأمله (يوحنا 1: 14).

يركز يوحنا الانجيلي على نتائج الإيمان. فمن يؤمن لن تكون له دينونة كما جاء في قول يسوع " مَن سَمِعَ كَلامي وآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فلَه الحَياةَ الأَبَدِيَّة ولا يَمثُلُ لَدى القَضاء بلِ انتَقَلَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة" (يوحنا 5: 24). فهو قائم من الموت منذ الآن (يوحنا 11: 25- 26)، وهو يسلك طريقه في النور (يوحنا 12: 46)، ويتمتع بالحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وعلى العكس، من لا يؤمن فقد حكم عليه مقدماً كما صرّح يسوع: "ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد" (يوحنا 3: 18). وعليه فهناك علاقة بين الايمان والاختيار بين الموت والحياة، بين النور والظلام، والاختيار يقتضي السلوك الأخلاقي للشخص المعروض عليه الإيمان كما جاء في قول يسوع "أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة" (يوحنا 3: 19). إذن، الإيمان ينبعُ من الحريّة، ولا يمكن فرضه ولا برهانه مثل النظريّات الجبرية والهندسيّة. وهو ليس أيضا رأيـا شخصيّا. فلكلّ واحد منا آراء تقريبيّة وأحيانا أكيدة. لكن الرأي لا يكفي ليقرّر مصيري واختياراتي في المستقبل. فالإيمان هو مصير لحياتي. "الإيمان خروجٌ من الذات بحثا عن وجه الله". وفي هذا الصدد يقول يقول العالم جيريمياس: "الإيمان هو الثقة التي لا يمكن أن تصاب بالخيبة". إن اختيار الإيمان يظل ممكناً خلال شهادة يوحنا الراهنة (1 يوحنا 1: 2- 3).

وهدف إنجيل يوحنا هو حملنا على أن نشاركه إيمانه بأن "يسوع هو المسيح، ابن الله" (يوحنا 20: 31)، وعلى أن نصير أبناء الله بفضل الإيمان "بالكلمة" المتجسد (يوحنا 1: 9-14). هذا الإيمان هو إيمان الكنيسة التقليدي: فإيماننا يتطلب منا ان نعترف بيسوع ونكون أمناء للتعليم الذي تسلمناه (1 يوحنا 2: 23-27)، وأن نزدهر في حياةٍ تخلو من الخطيئة (يوحنا 3: 9-10)، تنعشها المحبة الأخوية (يوحنا 4: 10-12). وعليه فأن الإيمان ليس للامتلاك، وإنما للمشاركة. فكل مسيحي هو رسول" (البابا فرنسيس).

وأسوة بالرسول بولس (رومة 8: 31- 39)، يعتقد يوحنا أنَّ الإيمان يقود إلى الاعتراف بمحبة الله للبشر (1 يوحنا 4: 16) وازاء الصراعات الآتية، يحث كتابُ الرؤيا المؤمنين على "الصبر وعلى التزام أمانة القديسين" (رؤيا 13: 10) حتى الموت. وتقوم هذه الأمانة في أساسها دائماً على الإيمان الفصحي المستند على قول الرب" أَنا الحَيّ. كُنتُ مَيتًا وهاءَنَذا حَيٌّ أَبَدَ الدُّهور" (رؤيا يوحنا 1: 18)، وتقوم أيضاً على الله الذي يثّبت ملكوته بحيث لا يمكن مقاومته كما أكد يسوع لبيلاطس النبطي "لو لم تُعطَ السُّلطانَ مِن عَلُ، لَما كانَ لَكَ علَيَّ مِن سُلْطان، (يوحنا 19: 11-16). ويوم ينتهي دور الإيمان، "سنرى الله كما يصرح القديس يوحنا الرسول "نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو" (1 يوحنا 3: 2).

وباختصار، يمكننا القول ان سماع كلام المسيح والتتلمذ له ليسا مجرد مغامرة وخبرة عابرة بل يتطلبان منا التزاما، أمانة ومثابرة. فيسوع يطلب من تلاميذه ومن كل واحد منا أن نثق ونؤمن به. إن الإيمان عطية من الله للإنسان وهو في الوقت عينه تسليم حر ومطلق من الإنسان لله، "وإذا فتحنا قلبنا بثقة للمسيح كي يملك علينا، فسنختبر بدورنا أن سعادتنا الوحيدة على هذه الأرض هي حب الله واليقين أنه يحبنا" (القديس جان ماري فيانيي، خوري آرس).

الخلاصة
يمكننا رؤية ثلاث فئات من الناس: أولئك الذين يتبعون يسوع بثقة وشجاعة، الذين يتبعونه من أجل مآربهم الشخصية، والذين تبعوه لفترة لكنهم لم يعودوا يطيقون سماعه. أين نحن من هذه الفئات؟ هل نحن على استعداد لعيش كل ما يتطلب منا إتباع المسيح؟

كان كلام يسوع صعباً على الكثير من تلاميذ يسوع الأمس واليوم، غريب بل مرفوض من العديد من الناس حولنا. ونحن لا يمكننا أن نعرف معنى الحياة إلا بهبة من الله الآب، وهو من يمنحنا روحه القدّوس، ذاك الذي أنعش قلب ابنه الحبيب يسوع. طعام الجسد لا يجدي نفعًا، لأنّ القلب هو نبع حياتنا، ولا يُشبع القلب سوى روح الله. والكلام الذي يكلّمنا به يسوع هو روح وحياة. في الإيمان نختار يسوع ونسمع صوت روحه القدّوس، كلّنا يقين أنّه يقودنا إلى الفرح والنّور والحياة. فلمَن نذهب إذًا، وكلام الحياة الأبديّة عند يسوع؟ " أَليومَ إِذا سَمِعتُم صَوتَه فلا تُقَسُّوا قُلوبَكم " (مزمور 95: 7-8)

وليس هناك ما نختتم موضوع تأملنا عن الايمان إلا بتصريحات الكاردينال جوزيف راتسنجر في كتابه - مدخل إلى الإيمان المسيحيّ "ليس الإيمان المسيحيّ فكرة بل حياة، وليس فكرًا ينطوي على ذاته بل تجسّد، بل روح في جسد التاريخ والمجتمع، ليس الإيمان المسيحيّ روحانيّة مماثلة العقل بالله، بل طاعة وخدمة، إنه تجاوزٌ للذات، وتحرير الذات بفعل الانخراط في خدمة الوجود الأسمى الذي ليس من صنع يدي ولا من ابتكار عقلي الإيمان، قرارٌ شخصيّ، واستقبال، وثقة تستدعي سؤالا وتساؤلات وبحث". كما سبقه وأكد ذلك العلامة توما الأكوينيّ "إن الايمان في نفس الوقت ثقة وتفكير وطرح التساؤلات". فليس الايمان "تعليما" بل "التزاما" ودعوة ملحة. وعلى الانسان ان يختار الايمان والَّذي يَثبُتُ إِلى النِّهايَةِ في الايمان فذاكَ الَّذي يَخلُص (متى 24: 13).

دعاء
أيها الآب السماوي، نسألك ان توجّه اختيارنا الى ابنك يسوع المسيح، فأعِن قلة إيماننا" (مرقس 9: 24)، لكي لا تردَّنا صعوبة في فهم كلماته، ولا عسر في قبول آياته فنجد فيه النور والحياة ـ لأن عنده كلام الحياة الأبديّة بل هو وحده يُعطي الحياة.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء