وصيّة يسوع الجديدة: أحبوا بعضكم بعضًا

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

وصيّة يسوع الجديدة: أحبوا بعضكم بعضًا

الأب د. لويس حزبون
2019/05/25

في إنجيل الأحد الخامس للفصح يصف إنجيل يوحنا (يوحنا 13: 31-35) وداع يسوع لتلاميذه في العشاء الأخير حيث يعطيهم وصية جديدة في المحبة الأخوية، وما احوج الناس في عصرنا الحالي الى هذه المحبة. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 13: 31-35)

31 فلَمَّا خَرَجَ قالَ يسوع: ((الآنَ مُجِّدَ ابنُ الإِنسان ومُجِّدَ اللهُ فيه وإِذا كانَ اللهُ قد مُجِّدَ فيه

تشير عبارة "فلَمَّا خَرَجَ" الى المسيح الذي فتح قلبه لأحبائه بعد خروج يهوذا الإسخريوطي الخائن، وأعلن لتلاميذه تعزيته لهم وذلك بأنَّه لن يتركهم وحدهم بل سوف يرسل لهم الروح القدس المعزِّي. وعندما أخذ يهوذا الإسخريوطي اللقمة في العشاء الأخير وخرج من العلية، هتف يسوع بهذه الكلمات القوية: "الآنَ مُجِّدَ ابنُ الإِنسان ومُجِّدَ اللهُ فيه". تبدو هذه الكلمات في ظاهرها خارجة عن السياق، وفي الواقع، إنها حانت الساعة التي يستطيع فيها يسوع أن يكشف عن كل الحب الذي جاء يقدِّمه، حبّ يصل حتى إلى التلميذ الذي ينكر ويخون، حبّ يمنح الحياة، والمجد هو أقصى حدٍ ممكن من الحب. خرج العنصر الفاسد من وسط جماعة الرسل، ما كان للفساد أن يبقى على الدوام في وسطهم، إذ حكم على نفسه بالإنعزال عنهم. ويُعلق القديس اوغسطينوس "إننا نحن ظل مجده، الذي سيتحقق حين ينفصل الأشرار تمامًا، ويقطن (المسيح) مع قديسيه في الأبدية". أمَّا عبارة "الآنَ" فتشير الى وقت بدء تحقيق التدبير (الآلام) حيث يموت يسوع، وذلك عندما خرج يهوذا بعد اللقمة يتمم عمله ضد يسوع. ويعلق القديس أوغسطينوس "ربما تشير كلمة "الآن" لا إلى الآلام الوشيكة الحدوث، بل إلى ما يتبعها مباشرة من قيامته، كما لو كان الأمر قد تم فعلأ". أمَّا عبارة " إِذا كانَ " فلا تشير الى الشك بل الى التأكيد. قام المسيح بتواضعه بتمجيد حيث الله الاب يُمجِّده الابن برفعه إياه. "كما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان" (يوحنا 3: 14). أمَّا عبارة "مُجِّدَ" فتشير الى تجلي الله عن طريق تمجيد علني للمسيح أمام الناس، أي انتصاره بالصليب على أعدائه، وهم الشيطان والخطية والموت محقِّقا الخطة الإلهية. أذ تمجَّد الآب من خلال طاعة يسوع الكاملة حتى الموت إذ " تجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب " (فيلبي 2: 7-8). ويتمجّد الآب بموت الابن، لان الابن يخضع لإرادة الآب. وكلما تمجَّد الابن يتمجَّد الآب. ويعلق العلامة أوريجانوس "أن المجد هنا هو "المعرفة" التي لا يعرفها سوى الآب والابن ومن يريد الابن أن يعلنها له (متى 11: 27)، المعرفة التي لا يعلنها لحم ودم بل الآب السماوي (متى 16: 17)". والفعل "مُجِّدَ " يشير الى الماضي وكأنَّ الأحداث قد وقعت؛ وهذا أسلوب الكتاب المقدس حينما يتكلم عن أحداث ستحدث يقينا؛ وهنا يكشف يسوع عن حب الله للبشر من خلال طاعته للاب وقبوله الموت على الصليب. فالصليب هو مكان تمجيد يسوع (يوحنا 3: 14). أمَّا عبارة "ابنُ الإِنسان" فتشير الى لقب يسوع الذي سبق وأشار إليه دانيال النبي (دانيال 7: 9-15) حيث تفتح السنوات على الأرض في شخص يسوع (اشعيا 63: 19) ويصبح الاتصال بالله الذي أنبا به حلم يعقوب حقيقة دائمة (التكوين 28: 17)؛ ويعلق العلامة أوريجانوس "يتحقق المجد في "ابن الإنسان" نتيجة لموته فداءً عن البشر؛ والموت لا يخص الكلمة الابن الوحيد الذي بطبيعته لا يموت، بل يخص الإنسان، الذي هو أيضًا "ابن الإنسان" المولود من نسل داود حسب الجسد (رومة 1: 3)". أعظم تمجيد لإبن الإنسان هو موته عن البشرية. أمَّا عبارة "مُجِّدَ اللهُ فيه" فتشير الى الله الذي يتمجَّد حين قدًّم يسوع المسيح نفسه ذبيحة على الصليب للآب ليتمجد الآب بطاعة الابن له، وبرجوع الناس إليه. ويعلق العلامة اوريجانوس "لم يكن ممكنًا ليسوع أن يتمجد إن كان الآب لا يتمجد فيه". فبالمسيح ظهرت محبة الله الآب للبشر (يوحنا 16:3). وإن كان الآب قد تمجَّد في ابنه فإن الآب سيُمجد ابنه في ذاته، لأنه متحد به اتحادا كاملاً، وبالتالي فمجد الآب هو مجد الابن ومجد الابن هو مجد الآب، إذ لا يمكن فصل دور الآب عن دور الابن في تحقيق خلاص العالم. إنها محبة الآب هي التي قدمت لنا الصليب (يوحنا 3: 16؛ رومة 5: 8). إنه الآب الذي في المسيح هو الذي صالح العالم معه (2 قورنتس 5: 19). إنه الآب الذي باركنا في المسيح، إذ اختارنا قبل تأسيس العالم (أفسس 1: 3-4). وقد تكرَّرت كلمة المجد في الآيات (31-32) خمس مرات لتأكيد قبول الآب لذبيحة ابنه يسوع المسيح، وبهذه الذبيحة

32 فسَيُمَجِّدُه اللهُ في ذاتِه وبَعدَ قليلٍ يُمَجِّدُه

تشير عبارة "فسَيُمَجِّدُه اللهُ" الى عمل الله الذي يمجِّد ابنه في صلبه، وعلى الصليب نفسه يظهر بهاؤه مجَّد الله ابنه يسوع في آلامه وصلبه حيث شهدت الطبيعة نفسها أنه ابن الله، وآمن قائد المائة، كما آمن به اللص اليمين. لكن ما هو أعظم فهو تمجيد ابن الإنسان بموته عن البشرية. وبتمجيده أعلن حب الآب الذي بذل ابنه الوحيد عن العالم، إنها محبة الآب التي قدَّمت لنا الصليب (يوحنا 3: 16؛ رومة 5: 8). لذا يعلق العلامة أوريجانوس أن المجد هنا هو "المعرفة" التي لا يعرفها سوى الآب والابن ومن يريد الابن أن يعلنها له (متى 11: 27)، المعرفة التي يعلنها لا لحم ولا دم بل الآب السماوي (متى 16: 17). أمَّا عبارة " في ذاتِه" فتشير الى ذات الله الذي يتمجَّد بالمسيح وسببه. وحين يُمجَّد المسيح يصير بجسده كما بلاهوته في الآب (1 يوحنا 1: 1). أمَّا عبارة "وبَعدَ قليلٍ يُمَجِّدُه" فتشير الى الله الذي سيمجِّد ابنه يسوع المسيح من خلال قيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب وخضوع البشر له يوم يأتي للدينونة مع ملائكته (يوحنا 17: 1-5). فمن ناحية يتمجّد الآب بالصليب معلنًا حبه الإلهي نحو البشرية؛ ومن ناحية أخرى يتمجّد يسوع، ابن الإنسان، لأن الآب اختاره مخلصًا للعالم. وبكلمة موجزة، بعد رحيل يهوذا الإسخريوطي أعلن يسوع ان ساعة تمجيده قد دنت. إن الله يُمجّد في موت الابن. وتمجيد ابن الانسان ليس فقط في الحاضر، فان مجد في المستقبل ينتظره عند إتمام ارساليته الإلهية (يوحنا 13: 32).

33 يا بَنِيَّ، لَستُ باقِياً مَعَكُم إِلاَّ وَقْتاً قليلاً فستَطلُبوني وما قُلتُه لِليَهود أَقولُه الآنَ لَكُم أَيضاً: حَيثُ أَنا ذاهِب لا تَستَطيعونَ أَن تَأتوا"

تشير عبارة "بَنِيَّ" باليونانية τεκνία الى اسم للتحبُّب الذي يوجّهه المعلم الالهي الى تلاميذه، وهو تعبير يحمل حنوًا عظيمًا وعاطفة قوية، كحنو الأم نحو رضيعها. كان التلاميذ قبلًا خدامًا قبل أن يكونوا أبناء صغارًا، كما هو واضح من كلمات يسوع "أَنتُم تَدعونَني ((المُعَلِّمَ والرَّب)) وأَصَبتُم فيما تَقولون" (يوحنا 13: 13). وبعد قيامة المخلص، هؤلاء الذين دعاهم " بَنِيَّ" صاروا له إخوة كما قال يسوع الى مريم المجدلية "اذَهبي إِلى إِخوَتي، فقولي لَهم" (يوحنا 20: 17). والجدير بالملاحظة أن العبد صار تلميذًا، وبعد ذلك ابنًا صغيرًا، ثم أخًا للمسيح ثم ابنا لله. أمَّا عبارة "وَقْتاً قليلاً" فتشير الى موضوع وقت موت يسوع وقيامته وصعوده الى الآب. ولكن التلاميذ لا ينفصلون عن يسوع نهائياً كما ستكون الحال مع اليهود. وكأنه يقول لهم: حقًا إنني سأتمجد بقيامتي، لكنني لا أصعد فورًا إلى السماء، بل "أنا معكم زمانًا قليلًا بعد". وفي الواقع قضي يسوع أربعين يومًا مع تلاميذه بعد قيامته (اعمال الرسل 1: 3)، لكنه لم يكن معهم في شركة الضعف البشري؛ أمَّا عبارة "لا تَستَطيعونَ أَن تَأتوا" فتشير الى تمجيد يسوع عن طريق الموت (الرفع على الصليب) (يوحنا 8: 28) وهذا الذهاب الذي أُعلنه يسوع لليهود (يوحنا 8: 21) يفصل التلاميذ أيضا عن يسوع الى حين، لان التلاميذ سوف يرونه (يوحنا 14: 18) بل يكون حاضرا لديهم بطريقة سامية بعد عودته الى الآب.

34 أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً

تشير عبارة "أُعْطيكم" الى عطاء المسيح لتلاميذه. والديانة اليهودية كانت تستعمل فعل "أعطى" في الكلام عن الشريعة دلالة للنعمة. أمَّا عبارة "وَصِيَّةً جَديدَة" فتشير الى وصية جديدة، لأنها تجعل من الدخول في الجماعة الاخيرية شرطا جوهريا، وهي جديدة أيضا بقدر ما تقتضي تواضعا ورغبة في الخدمة يحملان على اختيار المكان الأخير وعلى الموت في سبيل الآخرين. والوصية هي امر وجب القيام به بشكل ضروري. أمَّا عبارة "أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضا" في الأصل اليوناني ἀγαπᾶτε ἀλλήλους (معناه حبّ الآخر من أجل ذاته) فتشير الى المحبة الأخوية؛ وما المحبة الأخوية إلا ّتعبير عن محبة الله. " كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً". فلا عجب أن تكون وصية يسوع الجديدة هي المحبة. وتظهر الأهمية الكبرى التي أعطاها لهذه الوصية في تكراره لها لمرتين في نفس الليلة (يوحنا 15: 12- 17). أمَّا عبارة "كما أَحبَبتُكم" فلا تشير فقط الى طريقة يسوع في الحياة كمجرد مقياس وأسلوب، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه لكي يحيا الناس حياة محبة على وجه تام. يوصينا يسوع المسيح بأن نحب بعضنا بعضاً، بقدر حبه لنا. ولكن كم هو أحبنا؟ يعطينا بولس الرسول الجواب "وسِيروا في المَحَبَّةِ سيرةَ المسيحِ الَّذي أَحبَّنا وجادَ بِنَفسِه لأَجْلِنا ((قُربانًا وذَبيحةً للهِ طَيِّبةَ الرَّائِحة " (أفسس 5: 2). أمَّا عبارة “أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" فتشير الى المحبة التي تبلغ نموها التام في جماعة يسودها التبادل والعطاء وحسن القبول كما يوضِّح بطرس الرسول "كَيْما يُحِبَّ بَعضُكم بَعضًا حُبّاً أَخَوِّيًا بلا رِياء. فلْيُحِبَّ بَعضُكم بَعضاً حُبًّا ثابِتًا بِقَلبٍ طاهِر"(1 بطرس 1: 22).

35 إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي

تشير عبارة "عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" الى المحبة الأخوية التي هي العلامة الفارقة لتلميذ يسوع، وبدونها لا يدّعي أحد انه تلميذه. المحبة هي العلامة المميزة لتلمذتهم ومن ثم محكَّها في محبتهم بعضهم لبعض. فالحياة في المحبة الأخوية هي الدليل المثالي على حضور محبة الله في حياة الناس، كما جاء في صلاة يسوع "يَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني" (يوحنا 17: 23). وقد قال أحد الرمان الوتينيون "انظر كيف يحب المسيحيون بعضهم بعضا. فإن كلا منهم مستعد ان يبذل حياته لأجل الآخر". أمَّا عبارة "جَميعاً" فتشير الى كل الناس سواء أصحاب او أعداء. أمَّا عبارة " تَلاميذي" فتشير للعلاقة الخاصة بين المسيح وتلاميذه، وهي علاقة سامية عاشروا المسيح فيها فترة طويلة. ومن عشرة المسيح صارت لهم نفس صفاته.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 13: 31-35)

انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 13: 31-35)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول خطاب سيدنا يسوع المسيح في وداعه في العشاء الأخير؛ ويُعبّر هذا الخطاب عن وصيته الجديدة في المحبة الاخوية. ومن هنا نبحث في نقطتين: وصية جديدة، وأوج جِدّة الوصية الجديدة في المحبة الاخوية:

1) لماذا وصية جديدة:

في العشاء الأخير يعطي سيدنا يسوع المسيح "وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" (يوحنا 13: 34). وترد عبارة "وصية جديدة" أربع مرات في العهد الجديد، مرة في انجيل يوحنا، وثلاث مرات في رسائل يوحنا (1 يوحنا 2: 7 و8، 2 يوحنا 5). وتتكرر هذه الوصية مراراً في العهد الجديد (يوحنا 51: 21 و71 ورومة 13: 8، 1 بطرس 1: 22 و1 يوحنا 3: 11 و23، 4: 7 و11 و12)، دون أن تسمى جديدة.

تُوجَدُ أكثَرُ من خمسمائة وَصِيَّة في الكتابِ المُقدَّس. هذه الوَصايا مُلَخَّصَةٌ في الوَصايا العَشر (خُرُوج 20: 3- 17وتَثنِيَة 5: 7- 21). وإن كلمة وصية باليونانية (ἐντολή) لا تعني هنا مجرد تعليمات قانونية، انما تتضمن فكرة شريعة الوحي الإلهي، أساس الحياة الدينية والاجتماعية. فيسوع المسيح أعطى تلاميذه طريقا او درباً ونظاما للحياة، ونسقاً في العمل اساسه الحب. وقد اختار الرب يسوع نفس الكلمة "وصية" التي تصف شريعة العهد القديم، مما يعنى أن لوصيته نفس السلطان الذي للشريعة. وقد وصف الرسول بولس "المحبة" بأنها "شَريعةِ المسيح" (غلاطية 6: 2). كما يؤكد أيضا يعقوب الرسول عن وصية المحبة، إنها: "الشَّريعَةِ السَّامِيَةِ" (يعقوب 2: 8)، "الشَّريعَةِ الكامِلَة، شَريعَةِ الحُرِّيَّة" (يعقوب 1: 25).

أمَّا كلمة "جديدة" باليونانية (καινός) فمعناها، في هذا النص الإنجيلي، الانتعاش والتجديد حيث يصف يوحنا الإنجيلي وصية المحبة الأخوية بالجديدة. ولهذا النظام الجديد ميزة خاصة في كتابات يوحنا الحبيب "هذهِ الوَصِيَّةُ القَديمة هي الكَلِمَةُ الَّتي سَمِعتُموها. على أَنَّها أَيضًا وصِيَّةٌ جَديدة أَكتُبُ بِها إِلَيكم" (1يوحنا 2: 8). فالوصية قديمة، فقد جاءَ في سفر الأحبار: "أحبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ" (أحبار 19: 18)، لكن الصليب قدمها لنا بأعماقٍ جديدةٍ، وهبنا انتعاشًا لإمكانية ممارستها بمفهومٍ جديدٍ.
أوجه جِدّة وصية المحبة الاخوية:

2) ما هي أوجه الوصية الجديدة؟

نجد وصية المحبة الأخوية في العهد القديم (أحبار 19/ 17-18،34) إلا إن وصية يسوع تعتبر جديدة بمثالها وبمصدرها وبمقياسها وبمصدرها وبمقياسها وبدوافعها وبارتباطها بالعهد الجديد وبعلامتها الفارقة وبشموليتها وبأسلوبها.

ا) وصية جديدة بمثالها

يجب على التلاميذ ان يحبّوا بعضهم بعضا لأنَّ يسوع قد أحبهم. المحبة الأخوية هي وصية قديمة وردت في شريعة موسى "أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ (الاحبار 19: 18)، ومع ذلك فان وصية المسيح جديدة في نوعية الحب. فقد أحب يسوع الى اقصى الحدود " لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه"(يوحنا 15: 13). هو جديد هو أن نُحبّ كما أحبّنا الرب يسوع، ونحن نعرف كم أحبّنا الربّ يسوع، حتّى النقطة الأخيرة من دمه على الصليب. لقد أحبّ الربّ يسوع تلاميذه بكلّ نكران للذات، في أسمى درجات المحبّة الإنسانيّة وفي أسمى درجات التضحية. فالمسيح جسّد الحب.

وحيث أنه إنسان، عاش في حب بنوي مع الله مكرّسا نفسه للآب (لوقا 2: 49)، وعاش في جو من الصلاة والشكر (مرقس 1:35)، خصوصاً في تميم الإرادة الالهية (يوحنا 4:34)، وكان في حالة الاصغاء الدائم الى الله (يوحنا 5: 30). واحب تلاميذه حبا مجانيا وبرهن على حبِّه بالخدمة والتواضع كغسل أَقدامَ التَّلاميذ، وَمسَحُها بِالمِنديلِ (يوحنا 13: 5)، والبذل الذات على الصليب لأجل أحبائه كما يصرِّح انجيل يوحنا " يَبذِلُ يسوع نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف"(يوحنا 10: 12).

وأمَّا بصفته إله، فأتي يسوع ليعيش حبه لأجل البشر وبينهم. جاء يسوع ليعطي حياته كلها، ليس فقط لبعض أحبائه (يوحنا 11: 3)، بل للجميع (مرقس 10: 54). وقد اعتنى بالجميع، وخاصة بالمنبوذين والخطأة (لوقا 7: 36-50). واختار من يشاء لكي يجعلهم تلاميذه وأحباءه (يوحنا 15: 10-16). وعلى الصليب، كشف يسوع شدة حبه لكي يسطع ببهاء طاعته للآب (فيلبي 2: 8) ومحبته لخاصته "كانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه" (يوحنا 13: 1).

إن عظمة محبة الرب يسوع، جعلته " يضع نفسه لأجل أحبائه" (يوحنا 15: 13). ولذلك ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة كما جاء في تعليمات يوحنا الرسول" وإِنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا"(1 يوحنا 3: 16). ومن هذا المنطلق لا يمكن للمؤمن أن يغلق أحشاءه أمام مؤمن آخر في احتياجه (1 يوحنا 3: 17)، بل عليه ان يبذل ما يملك لمعونة الآخر وبركته. فهذه الوصية جديدة إذاً بمثلها الأعلى يسوع المسيح. ويتسم الحب بان نبذل الغالي والرخيص في سبيل احبائنا. وبعبارة أخرى اعطى يسوع مثال محبتنا لبعضنا البعض مثال محبته لنا. وعليه يدعونا حب المسيح الى المعاملة بالمثل.

ب) وصية جديدة بمصدرها

وصية المحبة الأخوية هي جديدة بمصرها لأنها عمل الله فينا: لن يتّسنى لنا أن نكون رحماء مثل الآب السماوي “كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم" (لوقا 6: 36)، ما لم يسكب الروح في قلوبنا المحبة “لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا" (رومة 5: 5). وفي هذه الصدد جاءت صلاة يسوع الكهنوتية "لتكن فيهم المحبة التي إياها أحببتني فأكون أنا فيهم" (يوحنا 17: 26). فالمحبة هي النتيجة الطبيعية لبركة الله، وليست شرطاً لها، إذ إن الوصية تعبر عن كيف يجب أن يتصرف الإنسان الذي يعيش فعلا في فرح بركة الله. "لا تَستَطيعونَ أَنتُم أَن تُثمِروا إِن لم تَثبُتوا فيَّ (يوحنا 15: 4).

ج) وصية جديدة بمقياسها

تطلب وصية المحبة الواردة في سفر الأحبار محبة القريب (الاحبار 19: 18)، كما يحب الإنسان نفسه، حيث ان مقياس المحبة عند اليهود يكمن في عدم الخروج عن وصايا الله وعدم إيذاء القريب، وأمَّا مقياس المحبة في العهد الجديد فهو محبة القريب كما أحبنا المسيح وبذل نفسه في سبيلنا (يوحنا 13: 1). وصية المحبة وصية قديمة، لكن الصليب قدمها لنا بأعماق جديدة. ويعلق الكاردينال اللاهوتي شارل جورنيه "حين يكبر الحبّ، فإنّ مقياس الحبّ يكبر أيضًا"، لذلك علينا أن نحب كما أحبنا المسيح يعني أن نحب نفس محبة الله الآب للابن يسوع المسيح كما جاء في صلاة يسوع الكهنوتية "عَرَّفتُهم بِاسمِكَ وسأُعَرِّفُهم بِه لِتَكونَ فيهمِ المَحبَّةُ الَّتي أَحبَبتَني إِيَّاها وأَكونَ أَنا فيهِ "(يوحنا 17: 26). ويذكرنا يوحنا الإنجيلي "فإِذا أَحَبَّ بَعضُنا بَعضًا فالله فينا مُقيمٌ ومَحَبَّتُه فينا مُكتَمِلَة " (1 يوحنا 4: 12) وبذلك تكون " وصية المحبة " جديدة، لأنها تدعونا لا أن نعكس صورة هذه المحبة فحسب، بل ان نمارس عمليا محبة الله الآب لابنه -وهي محبة لم تظهر بمثل هذه القوة، قبل تجسد الرب يسوع المسيح وموته لأجلنا على صليب الجلجلة.

ويقوم مقياس المحبة عند المسيح على بذل الذات " لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه "(يوحنا 15: 13). ان يحب الناس للأخرين ما يحبون لأنفسهم، وان يحبوا في الناس المسيح الذي احبّهم وان يحبوا بلا قيود وبلا حدود. من يحب المسيح ويحب من اجله الناس أجمعين، لا يعرف البغض والحسد، ولا يتمنى الشر لأحد، انه لا يتباهى، ولا ينتفخ، ولا يأتي قباحة، ولا يسعى وراء مكسب خاص على حساب الله والقريب. انه لا يخاصم احدً، ولا ينافق مع أحد. إنه لا يظن بالسوء ولا يفرح بالظلم. (ا قورنتس 13). هي وصية جديدة بقدر ما تقتضي تواضعا ورغبة في الخدمة يحملان على اختيار المكان الأخير وعلى الموت في سبيل الآخرين؛ وتذهب المحبة الأخوية الى اقصى حدود البذل والعطاء. وليست المحبة مجرد مشاعر حارة، لكنها سلوك وعمل.

والمحبة الأخوية في نظر بولس الرسول خدمة متبادلة (غلاطية 5: 13). وأخيرا ينكر فيها المرء ذاته مع المسيح المصلوب مِن أَجْلِ المسيح خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 3: 1-11). ويؤكّد أن لا شيء له، قيمة بدون محبة الغير، كما أحب المسيح، وتجعل الإنسان كاملاً في يوم الرب (فيلبي 1: 9-11). وبكلمة موجزة، يوصينا يسوع المسيح بأن نحب بعضنا بعضاً بقدر حبه لنا. ولكن كم أحبنا؟ فيجيبنا القديس بولس الرسول قائلا " سِيروا في المَحَبَّةِ سيرةَ المسيحِ الَّذي أَحبَّنا وجادَ بِنَفسِه لأَجْلِنا ((قُربانًا وذَبيحةً للهِ طَيِّبةَ الرَّائِحة" (أفسس 5: 2). فالصليب هو قياس حب يسوع لنا. ويُبين بطرس الرسول كيف علينا ان نحب بعضنا بعضا بقوله "فطَهَّرتُم نُفوسَكم كَيْما يُحِبَّ بَعضُكم بَعضًا حُبّاً أَخَوِّيًا بلا رِياء. فلْيُحِبَّ بَعضُكم بَعضاً حُبًّا ثابِتًا بِقَلبٍ طاهِر" (1بطرس 1: 22). فعلينا ان نحب بنفس المحبة الشديدة التي أحبنا بها يسوع. فيسوع أعطى وصَيَّتَهُ الجَديدة للرُّسُل، بعدما غسل ارجلهم، وكأنّه يقول لكُلِّ واحِدٍ منهُم: "أَتَرى أخاكَ الجالِس مُقابِلَكَ على المائِدة؟ أُريدُكَ أن تُحِبَّ هذا الشَّخص. وبالطريقِةِ ذاتِها التي بها أحبَبتُكُم، أُوصيكَ الآن أن تُحِبَّ أخاكَ هذا."

د) وصية جديدة بدوافعها

تعتبر وصية المحبة الأخوية جديدة بدوافعها. فمن دوافعها علاقة المسيحيين بفادي واحد هو المسيح الذي أحبهم "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1 طيموتاوس 2: 6)، حيث ان علاقات المحبة الأخوية هي ثمرة حب يسوع. ونشأت هذه العلاقات بفضل المسيح فهو نبعها. وكلفهم يسوع السميح قبل موته كآخر وصية لهم " أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً " (يوحنا 13: 34).

وقبل مجيء المسيح لم يخطر على بال العالم مثل هذا الحب في بال العالم، حيث ان المسيح هو الذي عرَّفنا على هذا الحب "إِنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا" (1 يوحنا 3: 16)

ه) وصية جديدة بمبدئها

وصية المحبة الأخوية جديدة بمبدئها، لأنها تقوم على مبدأ جديد، إذ لا ترتكز على محبة الإله الذي أخرج الشعب من عبودية مصر فحسب، إنما على محبة المسيح الذي بذل نفسه على الصليب في سبيل أحبائه. فهي جديدة بعلاقتها بالعهد الجديد، إذ تتعلق بمرحلة الخلاص الأخيرة التي افتتحها المسيح بموته ومجده. انها ميثاق العهد الجديد، والذي ختمه المسيح بدمه" هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم " (لوقا 22: 20). فالمحبة هي الميزة الخاصة للإنسان الجديد والمتجدد على صورة خالقه، كما جاء في تعليم بولس الرسول "لَبِستُمُ الإِنسانَ الجَديد، ذاك الَّذي يُجَدَّدُ على صُورةِ خالِقِه لِيَصِلَ إِلى المَعرِفَة. (قولسي 3: 10-14). فهي جديدة لأنها تجعل من الدخول في الجماعة المسيحية شرطا جوهريا.

و) وصية جديدة بارتباطها بالعهد الجديد

تعتبر وصية المحبة الأخوية جديدة نظراً لارتباطها "بالعهد الجديد". فهناك العلاقة الوثيقة بين العهد الجديد والوصية الجديدة. "هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم" (لوقا 22: 20). ففي "العهد الجديد" كتب الله ناموسه في قلوب المؤمنين (عبرانيين 10: 16)، أي أنه يعمل فيهم بقوة الروح القدس (2 قورنتس 3: 3)؛ وهي وصية جديدة لأن المسيح الذي فينا هو الذي يعطينا هذه المحبة حتى لأعدائنا فجوهر المسيح الذي فينا هو المحبة، فالله محبة ولذلك فالمحبة هي أول ثمار الروح القدس (غلاطية 22:5-23).

وهي وصيَّةٌ جديدةٌ "لأنَّ المؤمنَ يخلعُ الإنسانَ القديمَ ويلبسُ الإنسانَ الجديد. هذه هي المحبَّةُ التي تجدِّدُنا، وتجعلُنا إنسانًا جديدًا، وارثَ العهدِ الجديدِ" كما يعلّق العلامة أوغسطينوس. فالوصية الجديدة تحقق كل مطالب العهد الجديد (رومة 13: 8). وقد بدأ عصر جديد مع تجسد المسيح (1 يوحنا 2: 8). وقبل مغادرة يسوع المسيح لتلاميذه، ترك لهم هذه الوصية الجديدة لتكون نبراساً لهم على توالى الأيام إلى أن يجئ ثانية كما جاء في تعليم يوحنا الرسول "اكتِمالُ المَحبَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَينا أَن تَكونَ لَنا الطُّمَأنينَةُ لِيَومِ الدَّينونة فكما يَكونُ هو كذلك نَكونُ في هذا العالَم" (1 يوحنا 4: 17).

تلك المحبة هي " وَصِيَّةً جَدِيدَةً" لأنها ثمر الطبيعة الجديدة أي الطبيعة التي نستقبلها بالولادة الجديدة والتي تدعى أيضاً في الإنجيل "بالإنسان الجديد" (افسس 4: 24)، أو "الروح" (غلاطية 5: 5- 25) الذي ينمو كلما سار بالطبيعة الجديدة هؤلاء من حصلوا عليها. فمنذ يوم العنصرة وحتى الآن، يستطيع الناس بكل حرية أن يستقبلوا الطبيعة الجديدة عن طريق الاعتراف بأفواههم بالرب يسوع والإيمان بقلوبهم بأن الله أقامه من بين الأموات ومن ثم يقدرون على المحبة من خلال الطبيعة الجديدة.. ولهذا السبب، دعي يسوع محبة بعضنا بعضاً بالوصية الجديدة. فقد أنهى يسوع المسيح عصر الشريعة بعمل فدائه، فاتحاً بذلك عصراً جديداً هو عصر النعمة.

قام البابا الفخري بندكتس السادس عشر بشرح ما هو جديد في وصيّة الربّ يسوع. "إنّها جديدة لأنّه كي نعيش هذه الوصيّة الجديدة يجب أن نغمر أنفسنا في الربّ يسوع، لأنّ المحبّة بهذا الشكل كما يأمر بها الربّ يسوع مستحيلة بالمجهودات البشريّة وحدها. يجب أن تتوفّر النعمة الإلهيّة داخلنا كي نستطيع أن نُحبّ بهذا الشكل. لا يمكننا أن نُحب بهذا الشكل سوى بنعمة الربّ. إنّ المحبّة بهذا الشكل ممكن فقط في العهد الجديد لأنّه تتوفّر لنا نعمة الربّ يسوع في سرّ الإفخارستيّا وفي سرّ التوبة، ولدينا الروح القدس منذ عمّادنا وتثبيتنا. لدينا الربّ يسوع معنا كي يُساعدنا في أنّ نُحبّ بهذا الشكل. (يسوع الناصري، 64-65). وهكذا يقيم بولس الرسول شيوخا (זְקֵנִים وفي اليونانية πρεσβυτέρους أي متقدم بالسن) كهنة في كلّ كنيسة أسّسها كي يتمكّن الناس من الحصول على الأسرار ويمنحوهم النعمة للمحبّة بهذه الطريقة الجديد الّتي يطلبها الربّ يسوع (اعمال الرسل 14: 23).

ز) وصية جديدة بعلامتها الفارقة

وصية المحبة الأخوية جديدة، لأن المسيح جعلها العلامة الفارقة لأتباعه "إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنا 13: 34)؛ فهي العلامة الفارقة التي يعرف بها الناس أتباع المسيح. أراد السميح ان يمتاز تلاميذه بالمحبة كقول الرسول يوحنا "ووَصِيَّتُه هي أَن نُؤمِنَ بِاسمِ ابنِه يَسوعَ المسيح وأَن يُحِبَّ بَعضُنا بعضًا كَما أَعْطانا وَصِيَّةً بِذلك" (1 يوحنا 3: 23). وإذ يحيا التلاميذ هذه المحبة الأخوية (يوحنا 17: 11)، يصبحون شهود ليسوع المرسل من الآب (17: 21) " إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنا35:13). وهذه المحبة هي العلامة التي تدل على التلميذ، وبدونها لا يدّعي أحد انه تلميذ يسوع.

ويتكلف كل المسيحيين بهذه الوصية لانهم كلهم أولاد ابن واحد سماوي واخوة أخ واحد هو المسيح الأخ الأكبر واهل الايمان ومعمودية واحدة كما يؤكد ذلك بولس الرسول "هُناكَ رَبٌّ واحِدٌ وإِيمانٌ واحِدٌ ومَعْمودِيَّةٌ واحِدة، وإِلهٌ واحِدٌ أَبٌ لِجَميعِ الخَلْقِ وفوقَهم جَميعًا، يَعمَلُ بِهم جَميعًا وهو فيهِم جَميعًا" (افسس 4: 5-6) . ويخبرنا العلامة ترتليانوس وصف الوثنيين للمسيحيين: "انظروا كيف يحبون بعضهم بعضًا!" أمَّا لوقيان الساموسطائي الذي لم ينطق بكلمة صالحة في حق المسيحيين هاجمهم "بأنهم أغبياء، لأنهم يحبون بعضهم البعض الى درجة يمكن لأي وثني أن يسيء استغلال هذا الحب، فيجمع منهم ثروات طائلة".

وهذه المحبة تعارض العنف المُسيطر في العالم، لذلك الذين يمارسونها هم حقّاً تلاميذ يسوع. وعليه إن محبتنا التي تشبه محبته ستثبت أننا تلاميذه. ومثل هذه الحب لا يوحِّد المؤمنين فيما بينهم فحسب، بل يجذب غير المؤمنين الى المسيح. وتشرق هذه المحبة كفجر يوم جديد على العالم " أَنَّ الظَّلامَ على زَوال والنُّورَ الحَقَّ أَخَذَ يُضيء.. مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور" (1 يوحنا 2: 8-10). فمن يحب ينتقل من الموت الى الحياة "نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا"(1 يوحنا 3: 14). وهذه الوصية الجديدة هي شهادة للذين من خارج، إذ تقدم لهم برهاناً قاطعاً على أن أتباع المسيح يتشبهون به في محبتهم للآخرين، وأن أساس المجتمع الإنساني الحي لا يوجد إلا في المسيح.

ح) محبة جديدة بشموليتها

وصية المحبة الأخوية جديدة بشموليتها. إن المحبة المتبادلة فيما بين تلاميذ يسوع هي وصية قديمة (1 يوحنا 2: 7)، وكانت تقتصر وصية المحبة على الشعب اليهودي والغرباء المقيمين بين الشعب اليهودي (أحبار 19/17-34)، لكنها في المسيح صارت جديدة، أصبحت تمتد لكل شخص في كل عصر وفي كل مكان حتى أعدائه ومقاوميه، راغبا خلاص كل نفس. فهي تشمل جميع الناس على الإطلاق وفي كل زمان ومكان (متى 5/43-47)، ولا حدود للمحبة المسيحية على مستوى القرابة والوطن والدين.، ولا تستثني احداً، وتشمل محبة الأعداء والمبغضين واللاعنين والمضطهدين (متى 5: 43-47). وتتميز بالصفح " بدون حدود (متى 18: 21-22).

وهي محبة شاملة لا تقبل أي حاجز اجتماعي أو عنصري، ولا تزدري أحداً كما جاء في تعليم السيد المسيح "إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان" (لوقا 14: 13). نستطيع القول أنّ وصيّة الربّ يسوع بأن نُحبّ بعضنا بعضاً جديدة بمعنى أنّه، بخلاف وصيّة العهد القديم الّتي كانت توصي بمحبّة القريب، والآن كلّ إنسان هو قريبنا كما علّمنا الربّ يسوع في مثل السامري الرحيم (لوقا 10، 25-37). وهكذا فإنّ محبّة القريب لا حدود لها الآن منذ تعليم الربّ يسوع. لا وجود للعنصريّة في المسيحيّة؛ إنّ العنصريّة تتناقض مع وصيّة الربّ يسوع الجديدة. فهي محبة مجانية شاملة لكل طبقة او جنس وبدون تمييز اجتماعي او عنصري "لَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، ولَيسَ هُناكَ عَبْدٌ أَو حُرّ، ولَيسَ هُناكَ ذَكَرٌ وأُنْثى" (غلاطية 3: 28).

و) وصية جديدة بأسلوبها

المحبة الأخوية هي وصية جديدة أخيرا بأسلوبها. سبق للعالم الوثني وللعالم الاسرائيلي ايضا ان اشادا بالصداقة والخدمة المتبادلة. لكن وصية يسوع هي جديدة، لأنه جعلها شرطا جوهريا للدخول في الجماعة المسيحية. وهي تقتضي تواضعاً ورغبةً في الخدمة يحملان على اختيار المكان الاخير وعلى الموت في سبيل الآخرين. فلا مجال لحياة فاترة إزاء وصية المحبة. فظهرت المسيحية في العالم كمحبة. فعلى المسيحي إما أن يحب وإما أن يتخلى عن مسحيته.

الخلاصة

يتكلم انجيل يوحنا عن الوصية الجديدة، بين إعلان خيانتين: خيانة يهوذا (يوحنا13: 21) وإنكاره للمعلم (يوحنا 13: 36). ويطلب يسوع من تلاميذه أن يحبوا بعضهم البعض بنفس الطريقة، بنفس المقياس الذي أحبهم به " أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" (يوحنا 13: 34). وفي الواقع لن يكون التلاميذ قادرين على حب بعضهم بعضاً سوى بالحب الّذي تلقوه. وعندما نحب بعضنا بعضا نستطيع ان نبادل الله حبه.

إن عطاء يسوع لتلاميذه وصية المحبة الأخوية لا تعني فقط إظهار نوعية الحب، وانما هي دعوة لعيش هذا الحب في عطاء كامل وبذل الى اقصى الحدود على خطى معلمهم الالهي. فهذا العطاء يتضمن مسؤولية ضخمة لدى التلاميذ. لان العالم يعرف تلاميذ المسيح من خلال هذه الوصية. لقد تسلَّموا رسالة اظهار الحب للعالم، هذا الحب الذي تعلموه من معلمهم.

وخيانة وصية المحبة هي خيانة للمسيح بالذات وتشويه وجهه أمام العالم، واما الحفاظ على وصية المحبة الأخوية فهو إظهار المسيح للعالم. إن محبتنا التي تشبه محبة المسيح ثُبت أننا تلاميذه. لقد فَهِمَ يوحنا الإنجيلي، رَسُولُ المَحَبَّةِ وَصِيَّةَ يسُوع الجديدة، لذا لم يتردد عندما أصبَحَ شَيخاً طاعِناً في السِّنِّ، ان يردد صوت معلمه الإلهي " أحِبُّوا بعضُكُم بَعضاً" (يوحنا 15: 17).

دعاء

أنر أيها الآب السماوي، عُيُونَ قُلُوبنا لنتعلم من ابنك الحبيب يسوع المسيح كيف نحب “بَعضُنَا بعضاً” كما أحبنا بحسب وصيته ليعلم العالم حقاً أننا تلاميذه فنعمل من أجل بناء السماوات الجديدة والأرض الجديدة الّتي أسّستها في ابنك القائم من الموت. أمين".

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء