هيلاريون في صراعه مع الذئب

هيلاريون في صراعه مع الذئب

بيروت - الأب جورج مسّوح
2017/01/09

هيلاريون السوريّ الحلبيّ اختار أن يكون فلسطينيًّا، كمعلّمه الناصريّ، يسوع المسيح. هو رأى في اختياره مطرانًا على القدس تدبيرًا ربّانيًّا يدفعه إلى التزام الدفاع عن أبنائه؛ لذلك رأى في آلام الشعب الفلسطينيّ آلام سيّده على الصليب، فتاقت نفسه إلى القيامة، قيامة فلسطين.

آمن هيلاريون بأنّ دور المسيحيّ الحقيقيّ، أسقفًا كان أو غير أسقف، يكون -وفق مقولة القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (+397 م)- بالدفاع عن المظلومين: "إنّ الذي لا يصدّ الظلم الذي يهدّد أخاه، في حين أنّه قادر على ذلك، لا يقلّ ذنبًا عن الذي يقترف الظلم." كما أراه موافقًا على ما يقوله اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ كوستي بندلي (+2013 م) بأنّ كلّ مجاراة للظالم، في مواقفه العدوانيّة، إنّما هي هزيمة للمحبّة وإنكار لقوّة ملكوت الله الفاعلة منذ الآن في الأرض، وتخليد لدوّامة الشرّ.

يختار كوستي بندلي النضال اللاعنفيّ في الصراع من أجل إحقاق العدالة، إذ يرى فيه "الصيغة المثلى للمقاومة." لكنّه يصل إلى استنتاج أنّ الخيار بين الأساليب العنفيّة أو اللاعنفيّة للنضال لا يمكن أن يقوم على مجرّد الموقف المبدئيّ، بل ينبغي أن يراعي ضرورات الواقع والسياق التاريخيّ. فمتى استفحل الشرّ واستعصى، فإنّه لا يترك خيارًا آخر لمواجهته سوى بالنضال المسلّح. ويعطي مثالين على ذلك الأمر، هما النازيّة والصهيونيّة.

لقد عاش هيلاريون زمن صعود لاهوت التحرير من جهة، والقوميّة العربيّة من جهة أخرى. صحيح أنّه لم يترك مؤلّفات فكريّة أو لاهوتيّة توضح خياراته في الشأن الفلسطينيّ المسلّح، إلّا أنّه رأى أنّ الكفاح المسلّح هو الخيار الوحيد لإحقاق العدالة للشعب الفلسطينيّ؛ شعبه الذي رحّلته العنصريّة عن بلده، وشتّتته في مختلف أصقاع الدنيا. هو الأسقف الذي رأى خِرافَهُ المدعوّ إلى حمايتها تتناتشها أنياب الذئب، لم يجد بدًّا من الذهاب إلى أقصى الخيارات، خيار الصراع المسلّح.

رُبّ مستشهد بأنّ المسيح قال: "أحبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم" (متّى 5، 44). لكنّه لم يقل أحبّوا الشرّ الذي يصنعونه، وحاشا له أن يقول ذلك. أن يحبّ المرء عدوّه المحبّة الصادقة هو أن يردعه عن الشرّ الكامن فيه. المحبّة الحقّ تفترض التصدّي للأشرار والظالمين والمعتدين. المحبّة توجب مقاومة الشرّ والقضاء عليه، لا مهادنته والاستسلام أمامه.

المسيحيّ، إذًا، مدعوّ إلى الاقتداء بسيّده المسيح الذي غفر لصالبيه قائلًا: "يا أبتِ اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون." لكنْ، هل كان المسيح ليقول القول عينه لو كان المصلوب أحدًا سواه؟ لعمري كان المسيح ليحمل السوط مدافعًا عن المعتدى عليه، وكان لينزله عن الصليب ويضمّد جراحاته ويرفع عنه القهر والمعاناة. هذا ما شاء تحقيقه هيلاريون حين رأى الإنسان الفلسطينيّ معلّقًا على الصليب.

المسيحيّون، ومنهم هيلاريون، الذين آمنوا بالقوميّة العربيّة، إنّما آمنوا بها لأنّهم رأوا فيها القاسم المشترك الذي يجمع الناطقين بالضاد، مسلمين ومسيحيّين وسواهم، في صراعهم من أجل نهضة الإنسان. عروبتهم ليست عروبة قائمة على العرق أو على الدين أو على السلالة، بل عروبة تقوم على قواعد لغويّة وحضاريّة وثقافيّة تجمعهم ومواطنيهم وشركاءهم في المصير الواحد من المسلمين وسواهم من أبناء المنطقة. وقد رأوا في هذه الأفكار بابًا إلى تحرّرهم من هيمنة الدولة المتلبّسة بالدين والتي تحرمهم من حقوقهم الطبيعيّة في ممارسة مواطنتهم الكاملة من دون أيّ انتقاص. لقد كانوا رأس الحربة ضدّ الجهل والاستعمار والاحتلالات والانتماءات الطائفيّة الضيّقة، وضدّ هيمنة الفكر الدينيّ المتخلّف والخلط ما بين الدين والسياسة.

هذه العروبة الصادقة هي التي دفعت ابن حلب إلى التزام القضيّة الفلسطينيّة التزامًا كاملًا. كان تحرير فلسطين يحتلّ المركز الأوّل في سلّم اهتماماته، معتبرًا أنّ تحرير فلسطين لا بدّ من أن يؤدّي إلى نهضة الإنسان العربيّ. غير أنّ القوميّة العربيّة تحوّلت، مع الأنظمة التي حكمت باسمها، من مشروع تحرّر للإنسان العربيّ إلى مشروع استبداديّ يحكم باسم العروبة ويقمع الحرّيّات على أنواعها؛ أنظمة كفّرت الناس بالقوميّة العربيّة، ودفعت بهم إلى أحضان التشدّد الدينيّ الذي هلّل قادته لهزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967، لأنّهم لم يحاربوا تحت راية الإسلام، فاستحقّوا الذلّ والهوان.

رحل هيلاريون كبّوجي قبل أن يرى حلمه يتحقّق. أكمل سعيه على أفضل وجه. غير أنّ زمانه غير زماننا، لذلك لن نتناول رأيه في الأنظمة العربيّة، بل قصرنا كلامنا على التزامه الصادق بالقضيّة الفلسطينيّة وبالعروبة. يبقى، ختامًا، أنّ تحرير فلسطين وتحرير الشعوب العربيّة من هيمنة الاستبداد يسيران معًا أو يسقطان معًا. فالحرّيّة لا تتجزّأ ولا تخضع لأهواء الأنظمة والدول.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء