مهمة الروح القدس وحلوله يوم العنصرة

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

مهمة الروح القدس وحلوله يوم العنصرة

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/05/19

نحتفل اليوم بعيد العنصرة الذي يختتم الزمن الفصحى بعد خمسين يومًا من أحد القيامة حيث ان يوم الخمسين يرمز إلى ملء الزمن. ويتكلم إنجيل أحد العنصرة عن وعد يسوع بحلول الروح القدس على الرسل والتلاميذ الآخرين الذين كانوا مجتمعين للصلاة مع مريم العذراء في العلية، وبلغ "عدَدُهم نَحوَ مِائَةٍ وعِشرين " (أعمال الرسل 1: 14-15)، وذلك كي يثبِّتهم في الخلاص والقداسة والشهادة (يوحنا 15: 26-27؛ 16: 12-15). وفي هذا اليوم وُلدت الكنيسة في أورشليم، أمّ الكنائس كلّها، وانطلقت للتبشير بالإنجيل الطاهر لجميع الشعوب وعبر جميع الأزمنة. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 15: 26-27؛ 16: 12-15)

26 ومَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي

تشير عبارة "المُؤَيِّدُ" باليونانية παράκλητος (الباراقليط معناها جوار المدعو) الى من هو المدعو للمساعدة، هو حاضر بالقرب من الإنسان من أجل إعانته وتعزيته وإسناده والشهادة له حيث أنه المحامي او المدافع او الشفيع او المعزِّي. وقد وردت كلمة الباراقليط خمس مرات فقط، أربع مرّات في الإنجيل (يوحنا 14: 17، 16: 16؛ 17: 16؛ 19: 14؛ 26: 14)، ومرة واحدة في رسالته الأولى (1 يوحنا 2: 1-2) . والباراقليط هو الروح القدس الذي يساعدنا ان نستفيد من فداء المسيح لكي نخلص. والخلاص هو أن تتجدد طبيعتنا ونصير " خَلْقٌ جَديد" (2 قورنتس 5: 17) " حتَّى يُصوَّرَ فيناِ المسيح" (غلاطية 4: 19). أمَّا عبارة " رُوحُ الحَقِّ " فتشير الى الروح القدس الذي يشهد فينا للمسيح "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة"(يوحنا 14: 6)، فالروح يشهد للناس بالحقيقة الغائبة عنهم. أمَّا عبارة " المُنبَثِقُ "باليونانية ἐκπορεύεται(معناها يخرج) فتشير الى الانبثاق يعني أن الروح القدس يخرج من الآب بالطبيعة الالهية. وهذا التعبير خاص بالروح القدس. أمَّا عبارة “رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب" فتشير الى الروح الذي ينبثق من الآب كما نقول في قانون الايمان والمرتبط بالمسيح الممجّد ارتباطاً وثيقا (يوحنا 16: 5-15) بحيث يرسله المسيح الى الكنيسة (يوحنا 16: 7) كما ورد في الكتاب المقدس "الروح القدس الَّذي أَفاضَه علَينا وافِرًا بِيَسوعَ المسيحِ مُخَلِّصِنا" (طيطس3: 6). وهو روح الابن أيضًا، إذ يقول الرسول " أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوحَ الَّذي يُنادي: أَبَّا، يا أَبتِ " (غلاطية 4: 6)؛ ومن هنا نجد أنّ الروح القدس يصدر عن إرادة الآب والابن او عن محبتهما المتبادلة، بينما الابن مولود عن عقل الآب. أمَّا عبارة "أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب" فتشير إلى ارسال الروح القدس الذي ُهو مُرسل من الآب من جهة، كمدبر الخلاص والتقديس، ومُرسل من الابن من جهة أخرى بكونه قد دفع المسيح الثمن على الصليب لكي يستقر الروح في الإنسان ويجد فيه برّ المسيح. ويعلق القديس أمبروسيوس " انظروا وحدتهما، فإن من يرسله الآب يرسله الابن أيضًا". فهذا يثبت ألوهية المسيح (يوحنا 16: 7) فقد قال سابقًا " الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي " (يوحنا 14: 26) فكما يرسل الآب الروح القدس يرسله الابن أيضًا. أمَّا عبارة "هُو يَشهَدُ لي" فتشير الى مهمة الروح القدس الذي يشهد للمسيح أمام التلاميذ، وبواسطتهم يشهد أمام العالم "فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه. جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه (يوحنا 16: 13-15). فالآب يشهد للمسيح والمسيح يشهد للآب والروح يشهد للمسيح. يشهد روح الحق للابن من خلال عطاياه ونعمته على المؤمنين، ومن خلال التلاميذ وكرازتهم للقيام بأعمال هي بحد ذاتها تصير شهادة للمسيح.

27 وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء

تشير عبارة "أَنتُم أَيضاً تَشهَدون" الى شهادة التلاميذ الذين رافقوا يسوع في حياته منذ بدء خدمته الرسولية كما ورد في تاريخ الجماعة المسيحية الاولى "هُناكَ رجالٌ صَحِبونا طَوالَ المُدَّةِ الَّتي أَقامَ فيها الرَّبُّ يَسوعُ مَعَنا" (الرسل 1: 21)، لكن في الوقت نفسه تشير الآية الى شهادة روح الحق الذي يفتح فَهمَهم لمعرفة المسيح معرفة عميقة، ويُذكِّرهم به، ويواصل تعليمه لهم فيُضفي هكذا على تبشير هؤلاء التلاميذ قوته الصحيحة وحقيقته البيّنة كما ورد في اعمال الرسل "يَشهَدُ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي وهَبَه اللهُ لِمَن يُطيعُه" (اعمال الرسل 5: 32). والتلاميذ يشهدون للمسيح ويحملوا البشارة الى أقاصي الارض تلبية الى طلبه "تكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وكُلِّ اليهودِيَّةِ والسَّامِرَة، حتَّى أَقاصي الأَرض (اعمال الرسل 1: 8). ويعلق القديس أوغسطينوس "بفضل الروح القدس لم يعد بطرس الرسول ينكر المسيح كما حدث عند الصلب، بل يشهد له محتملًا الآلام والاضطهادات من أجل اسمه بفرحٍ". أن الروح القدس يعطينا قوة لنشهد للمسيح ونحيا بحسب الحق. والشهادة تكون بسيرتنا فيظهر المسيح الذي يحيا فينا. وخير مثال على ذلك ما صرّح به بولس الرسول " فقال من جهته: " ونَحنُ جَميعًا نَعكِسُ صورةَ مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجوهٍ مَكشوفةٍ كما في مِرآة، فنَتَحوَّلُ إِلى تِلكَ الصُّورة، ونَزدادُ مَجْدًا على مَجْد، وهذا مِن فَضْلِ الرَّبِّ الَّذي هو روح" (2 قورنتس 3: 18). أمَّا عبارة "مَعي مُنذُ البَدْء" فتشير الى التلاميذ الذين يشهدون للمسيح بفضل شركتهم مع المسيح، إذ إنهم رافقوه، وسمعوا تعليمه، وشاهدوا مجده على ما جاء في الكتب "وأَنتُم شُهودٌ على هذه الأُمور" (لوقا 24: 48). ومن هنا تقوم سلطتنهم على اختبارهم الروحي. حيث ان الشرط الأساسي للشهادة هو ان نكون مع المسيح، بمعنى ان نعرف ألاب وأن نعرف يسوع. التلميذ الذي لم يعش مع المسيح ويختبره ويراه لا يستطيع أن يشهد له وعنه.

1 قُلتُ لَكم هذه الأَشياءَ لِئَلاَّ تَعثُروا

تشير عبارة " هذه الأَشياءَ " الى الضيقات واضطهاد العالم لتلاميذه ولكنيسته والذي سيبدأ بأن يُخرج اليهود التلاميذ من المجمع، ثم يصل الأمر للقتل، وبعد هذا سيأتي الاضطهاد الروماني ولن ينتهي اضطهاد العالم للكنيسة، والاضطهاد هو كل مقاومة من العالم ضد الإيمان، يسوع لكن يُرسل لهم الروح القدس ليعزيهم ويُشدِّدهم. أمَّا عبارة "تَعثُروا" باليونانية σκανδαλίζω (معناه توقف إنسان عن السير حين يصطدم بحجر في طريقه) فتشير هنا الى الشك في مساندة المسيح لهم أو تخليه عنهم أو كراهيتهم لبعضهم البعض او الى الارتداد عن المسيح أو التوقف عن الكرازة بسبب إضطهاد والمصاعب التي يُثيرها بغض العالم ليسوع وتلاميذه التي من شأنها ان تكون لإيمان التلاميذ امتحانا شاقاً وشكاً. فقد يضعف إيمانهم، إذ "يُساقونَ إِلى الحُكَّامِ والمُلوكِ مِن أَجل المسيح" (متى 10: 18). فالثبات في الايمان حتى النهاية هو شهادة لدى جميع الأمم (متى 24: 14). لكن الشك يجعل المؤمن يسقط بحيث يمرّ في محنة يُمكنها ان تُبعدَه عن الرب. إذ ان بغض العالم لهم يجعل المؤمنين يتساءلون عن حضور الله في كنيسته. لكن كلام يسوع يعبّر مسبقا عن معنى العثار (الشك) الحقيقي في المخطط الالهي، ويمكن إذاً من التغلب على المحنة. ألم يقل يسوع "أهذا حَجَرُ عَثرَةٍ لكُم؟" (يوحنا 6: 61). ويسوع يقول هذه الاقوال حتى يكون تلاميذه على استعداد لمواجهة كراهية العالم وإمكانية الاستشهاد من اجل اسمه أذا تتطلب الامر.

2 سيَفصِلونَكم مِنَ المَجامِع بل تأتي ساعةٌ يَظُنُّ فيها كُلُّ مَن يَقتُلُكم أَنَّهُ يُؤَدِّي للهِ عِبادة

تشير عبارة "سيَفصِلونَكم مِنَ المَجامِع" الى رؤساء الدين اليهودي الذين كانوا يتخذون بعض التدابير لفصل فئة من المذنبين في أيام يسوع. وعندئذٍ يُحرمون من الصلاة وكل الحقوق الدينية والسياسية والاحتفالات وعقوبات مدنية حيث لا أحد منهم يقدر ان يشتري أو يبيع. فعلى سبيل المثال، والدا الأعمى الذي شفاه يسوع في القدس خافا ان يعترفا ان يسوع هو المسيح "لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح" (يوحنا 9: 22). ولكن لم يظهر تحريم المسيحيين من الدخول الى المجمع إلاّ في أواخر القرن الاول. ومن المرجّح ان يوحنا الانجيلي نسب الى الماضي تدبيراً حديثاً (يوحنا 9: 22). وقد تنبأ يسوع عن اضطهاد تلاميذه " اِحذَروا النَّاس، فسَيُسلِمونَكم إِلى المَجالس، وَيجلِدونَكم في مَجامِعِهم" (متى 10: 17). ويصف لنا لوقا البشير أنواع العذابات التي تعرض لها بولس الرسول: إذ إضطهدوه، واتهموه، وجلدوه، وسجنوه، ونال شهادة الاستشهاد في سبيل إيمانه (2 قورنتس 11: 22). ويعلق البابا يوحنا بولس الثاني "تؤيّد هذه الآلام، بصورة فريدة، ما بينهم وبين الرّب يسوع المسيح من شبه، ومعه من وحدة. "إِذا أبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّه أَبغَضَني قَبلَ أَن يُبغِضَكم... ما كانَ الخادِمُ أَعظمَ مِن سَيِّده. إِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً... لا بَل سيَفعَلونَ ذلكَ كُلَّه بِكُم مِن أَجْلِ اسمي لأَنَّهم لا يَعرفونَ الَّذي أَرسَلني". (يوحنا 15: 18-21). أمَّا عبارة " يُؤَدِّي للهِ عِبادة" فتشير الى ما ورد في تقليد حزب الغيورين "من أراق دم كافر مثل من قرّب ذبيحة". فاليهود الذين يعلمون ذلك يعتبرون نفوسهم انهم يدافعون عن الدين، ويعتقدون انهم يقومون بفريضة الله. وقيل في كتاب المدراش اليهودي "أن من قتل إنسان شرير مثل المسيحيين فكأنه قدَّم ذبيحة لله"، واستندوا في هذا إلى سفر كتاب الشريعة: حينما قتل فِنْحاسُ بنُ أَلِعازارَ بنِ هارونَ الكاهِن الرجل الزاني فردَّ سخط الله عن الجماعة" (عدد 25: 1-11)، وكما حدث أيضا مع بولس الرسول قبل اهتداه يجول في البلاد يضطهد المسيحيين ويقتلهم تحت ارشاد وتوجيه رئيس الكهنة "أَمَّا أَنا فكُنتُ أَرى واجِبًا علَيَّ أَن أُقاوِمَ اسمَ يسوعَ النَّاصِريِّ مُقاوَمَةً شَديدة" (اعمال الرسل 26: 9-11). فقد اتخذت الاضطهادات طابعاً دينيا. وقد تمّت هذه النبوءة عندما طرُد اسطفانس من المجمع ورُجِم بالحجارة حتى الموت (اعمال الرسل 7: 57-60). ويعلق القدّيس بطرس خريزولوغُس، أسقف رافينا "ولَد الشهداء لحظةَ موتهم ويبدؤون حياتهم عند انتهائها؛ يحيَون عندما يُقتَلون ويُشعّون في السماء عندما نظنّ على الأرض أنّهم انطفأوا".

3 وسَيَفعلونَ ذلك لأَنَّهم لم يَعرِفوا أَبي، ولا عَرَفوني

تشير عبارة "سَيَفعلونَ ذلك" الى محاولة غيرة العالم الفاسدة على تدبير موت التلاميذ كأنه في سبيل الحق، ولكن الحقيقة هي أنهم يجهلون الآب والابن؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "قد أعطى الرّب يسوع المسيح لتلاميذه دافعًا جديدًا للتعزية إذ قال لهم: "سَيَفعلونَ ذلك لأَنَّهم لم يَعرِفوا أَبي، ولا عَرَفوني"، أيّ أنّه يكفيكم كتعزية أن تفكّروا بأنّكم تتألّمون من أجلي ومن أجل أبي ". أمَّا عبارة "ولا عَرَفوني" فتشير الى السبب الحقيقي لمحاولة قتل التلاميذ لأنهم يجهلون الاب والابن كما صرّح بولس الرسول " كُنتُ أَفعَلُ ذلِكَ بِجَهالَة، إِذ لم أَكُنْ مُؤمِنًا" (1 طيموتاوس 1: 13)، ولهذا تبقى خطيئتهم عليهم فتدينهم. "سيَفعَلونَ ذلكَ كُلَّه بِكُم مِن أَجْلِ اسمي لأَنَّهم لا يَعرفونَ الَّذي أَرسَلني" (يوحنا 15: 21). وأمَّا عبارة "لم يَعرِفوا أَبي، ولا عَرَفوني" فتشير الى العلاقة بين الآب والابن، بحيث من رفض ان يعرف الابن، دلّ على انه يجهل الآب وجهل ما قاله يسوع " إِنَّ الَّذي أَرسَلَني هو معي لَم يَترُكْني وَحْدي لأَنِّي أَعمَلُ دائِماً أَبَداً ما يُرْضيه" (يوحنا 8: 29)، ومن يعرف الآب سيعرف ابنه، فالابن "هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه" (عبرانيين 1: 3).

4 "وقد قُلتُ لَكم هذهِ الأَشْياءَ لِتَذكُروا إِذا أَتَتِ السَّاعَة أَنِّي قلتُها لَكم. ولم أَقُلْها لَكم مُنذُ البَدْءِ لِأَنِّي كُنتُ معَكم"

عبارة "وقد قُلتُ لَكم هذهِ الأَشْياءَ" باليونانية ἀλλὰ ταῦτα λελάληκα ὑμῖν (معناها لكني قد كلمتكم بهذا) تشير الى أنه لم يكن يريد يسوع أن يحزن تلاميذه بهذه الأخبار الآن، ولكنه مضطر الى تحذيرهم مسبقا بأوقات آلامه كما تنبأ به "أمَّا أَنتُم فَاحذَروا، فقد أَنبَأتُكم بِكُلِّ شَيء " (مرقس 13: 23). أمَّا عبارة "أَتَتِ السَّاعَة" فتشير الى الساعة التي فيها يضطهدونكم، أي الزمن الذي يستطيع فيه الذين لا يعرفون يسوع ولا الله ان يستخدموا وسائل العنف الظالمة كما ورد في الكتاب المقدس "لكِن هذه ساعتُكم! وهذا سُلطانُ الظَّلام!" (لوقا 22: 53). أمَّا عبارة "أَنِّي قلتُها لَكم" فتشير الى ان التلاميذ الذين لم يفهموا كلام يسوع " مَنذُ الآن أُكَلِّمُكُم بِالأَمر قَبلَ حُدوثِه حتَّى إذا حدَثَ تُؤمِنونَ بِأَنِّي أَنا هو " (يوحنا 13: 19)، ولم يفهم التلاميذ أحداث حياة يسوع وتعاليمه في الارض فهماً تاماً الاَّ في ضوء قيامته كما ورد في الكتاب المقدس "فلمَّا قامَ مِن بَينِ الأَموات، تذكَّرَ تَلاميذُه أَنَّه قالَ ذلك، فآمنوا بِالكِتابِ وبِالكَلِمَةِ الَّتي قالَها يسوع" (يوحنا 2: 22). أن القرب بين أقوال يسوع والاحداث التي جرت سيحمل التلاميذ على مزيد من التفهم والايمان (يوحنا 2: 21-22). أمَّا عبارة "لم أَقُلْها لَكم مُنذُ البَدْءِ لِأَنِّي كُنتُ معَكم" فتشير الى عدم ابلاغ يسوع تلاميذه عن الصعوبات والاضطهادات سابقا، لأنه كان معهم يحفظهم من الذئاب ويُشجعهم حين يخافون ويُقوِّيهم حين يضعفون، ويخفف عنهم كل ضيق ويتلقَّى هو الهجمات بدلًا منهم ليحفظهم منها كما جاء في صلاته لآبيه السماوي "لَمَّا كُنتُ معَهم حَفِظتُهم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَه لي" (يوحنا 17: 12).

5 "أَمَّا الآنَ، فإِنِّي ذاهِبٌ إِلى الَّذي أَرسَلَني وما مِن أَحَدٍ مِنكُم يسأَلُني: إِلى أَينَ تَذهَب؟

عبارة "أَمَّا الآنَ، فإِنِّي ذاهِبٌ إِلى الَّذي أَرسَلَني" (ذاهب باليونانية ὑπάγω ومعناها ارحل او امضي) تشير الى هدف ذهابه وهو الرحيل الى الآب. والرحيل هو الموت، والموت ليسوع هو العودة الى ابيه السماوي. أمَّا عبارة "ما مِن أَحَدٍ مِنكُم يسأَلُني: إِلى أَينَ تَذهَب؟" (الفعل اليوناني تَذهَب ὑπάγεις يُنبِّه على فكرة رحيله) فتشير الى سؤال بطرس سابقا عن موته " يا ربّ، إِلى أَينَ تَذهَب ὑπάγεις؟" (يوحنا 13: 36)، او الى سؤال توما: ((يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب ὑπάγεις فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟) يوحنا 14: 5) لان ذهاب يسوع او رحيله وفكرة بقاء التلميذ في عالم معادٍ يُولِّد فيهم قلقاً، فيجتهد يسوع ان يشدِّد عزائمهم مبيناً لهم ان ذهابه سيؤدي الى اتحاد أوثق به وبالآب، كما ان الروح القدس سيقوم بحمايتهم.

6 لا بل مَلأَ الحُزنُ قُلوبَكم لأَنِّي قُلتُ لَكم هذهِ الأَشياء

تشير عبارة " مَلأَ الحُزنُ قُلوبَكم" الى حزن التلاميذ بسبب فراق يسوع لهم. فحضوره كان أكبر بمثابة عزاء لهم. وحتى يزول الحزن، عليهم ان يفهموا المعنى العميق لهذا الذهاب. فهذا الذهاب او الرحيل هو الموت والقيامة وعودة يسوع الى الاب الذي يرسل روحه إليهم ليفيض مواهبه الغزيرة.

7 غَيرَ أَنِّي أَقولُ لَكُمُ الحَقّ: إِنَّه خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب. فَإِن لم أَذهَبْ، لا يَأتِكُمُ المُؤيِّد. أمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم

تشير عبارة " إِنَّه خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب" الى موت يسوع وقيامته فلو لم يمت المسيح لما محا عنا خطايانا. ولو لم يمت لما قام وقهر الموت ولو لم يرجع الى الآب لما جاء الروح القدس. فموته أتاح ان يعود إليهم بشكل آخر ويرسل لهم روحه القدوس. وكان وجوده على الارض محدوداً بمكان واحد وفي زمان واحد. أما ذهابه فمعناه ان تواجده في كل العالم وفي كل الازمنة من خلال الروح القدس. ويعلق الطوباويّ يوحنّا هنري نِيومَن حول الروح القدس المؤيد بقوله " يا إلهي، لديّ حماية مزدوجة ضدّ الخطيئة: أوّلاً، الخوف من تدنيس كلّ ما فيّ، بحضورك؛ وثانيًا، الثقة بأنّ هذا الحضور ذاته سيحميني من الشرّ". أمَّا عبارة "أَمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم" فتشير الى ما قاله يسوع سابقا لتلاميذه "المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم " (يوحنا 14: 26)، ويعلق القديس كيرلس أسقف الإسكندرية " وكانَ الزمنُ المناسبُ لإرسالِ الروحِ القدس، ولحلولِه فينا، هو الزمنُ الذي فيه غادرَنا المسيحُ مخلِّصُنا عائدًا إلى الآب".

8 وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة

عبارة " أَخْزى" (باليونانية ἐλέγξειومعناها يوبِّخ او يُدين او يُقنع) تشير الى تبكيت أي يغلب بالحجة حتى يسكت، او توبيخ الروح القدس العالم بشأن خطيئته ودعوته للتوبة وقد يكون هذا التوبيخ سرًا (متى 18: 15) لمن لا يقاوم بعناد، وقد يكون هذا التوبيخ علنًا (طيطس 1: 9). وهذا التبكيت يؤدي الى الحياة لمن لا يقاوم ويؤدي إلى دينونة لمن يقاوم. فالروح القدس الذي يُبكت، فتبكيته لا يؤدي إلى اليأس بل للتوبة والبر والسلام والتعزية لمن يطيعه؛ فالضمير يُوبخ الإنسان لو أخطأ، لكنه قد يقوده لليأس (هذا هو الفارق بين يهوذا وبطرس). والروح القدس يستخدم للتبكيت الوعظ والتعليم والإرشاد والعمل الداخلي. اما عبارة " العالَمَ" فتشير الى اليهود المنغلقين في عالمهم الحرفي وبرهم الذاتي. والأمم التائهين وراء شهواتهم وفلسفاتهم ووثنيتهم. العالم ظن انه انتصر على يسوع وبذلك اعتبره نبيا دجالا ومجدّفا، فتدخل الروح ودفع التلاميذ الى الشهادة، فقلب الوضع رأساً على عقب: المسيح مات، ولكن الآب مجَّده حين أقامه، حينئذ تظهر الخطيئة في كل بشاعتها ونال العالم الحكم الذي يستحقه.

9 أَمَّا على الخَطيئَة فَلأَنَّهم لا يُؤمِنونَ بي

أمَّا عبارة "الخَطيئِة" (باليونانية ἁμαρτίας جاءت كلمة خطيئة بدون أداة التعريف للتعميم وتعني الخطيئة لمن يخطئ الهدف) فتشير الى خطيئة العالم الذي رفض قبل كل شيء الإيمان بيسوع وابتعد عن نوره، ومن هذا المنطلق فإن عدم الإيمان بالمسيح يُعد خطيئة. وفي هذا الصدد قال لهم يسوع " لو لم آتِ وأُكَلِّمْهُم لَما كانَت عَليهِم خَطيئَة. ولكِن لا عُذْرَ لَهُمُ الآنَ مِن خَطيئَتِهم" (يوحنا 15: 22). فكانت خطيئة العالم كبيرة واستحق الدينونة "وإِنَّما الدَّينونَةُ هي أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة" (3: 19-21). أمَّا عبارة " فَلأَنَّهم لا يُؤمِنونَ بي " فتشير الى قوة الروح القدس التي تفضح الخطيئة وتكشف طبيعتها الحقيقية في صورة عدم الايمان مما يؤكد ما قاله يسوع لهم سابقا " لِذلك قُلتُ لكم: ستَموتونَ في خَطاياكم فإذا لم تُؤمِنوا بِأَنِّي أَنا هو تَموتون في خَطاياكم" (يوحنا 8: 24). ان التحرر من الخطيئة والموت مرهون بالاعتراف في الايمان بيسوع الذي يعرّف نفسه " أنا هو" تعبيراً عن كيان يسوع الإلهي الذي هو في اتحاد مع الآب. فالإيمان هو المدخل لكل غفران الخطيئة بدم المسيح وبنعمته.

10 وأَمَّا على البِرّ فلأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب فلَن تَرَوني

لفظة "البِرّ" (باليونانية δικαιοσύνης معناها بِر أتت بدون أداة التعريف للتعميم) تشير الى الحق والعمل بحسب مشيئة الله. فالروح القدس يزكِّي بر المسيح ويشهد له. لقد كان طعام يسوع العمل بمشيئة أبيه السماوي كما صرّح يسوع: "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يوحنا 4: 34). أمَّا عبارة " فلأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب " فتشير الى تأكيد يسوع بتوجّه نحو فكرة الذهاب الى الاب، بعد ان تمم الفداء، بجلوسه عن يمين الآب ومجَّد الطبيعة البشرية في جسده، لان ذهابه سيوفّر للتلاميذ الحصول على المُعزِّي الروح القدس. ومهمة الروح القدس على الأرض ستوجّه نحو القضايا الكبرى: الخطيئة والبِر والدينونة. أمَّا عبارة " فلَن تَرَوني " فتشير الى عدم رؤية يسوع بالجسد، ولكن حياته الأبدية ستكون ثابتة فيهم، كما وعد " وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم" (متى 28: 20).

11 وأَمَّا على الدَّينونة فَلأَنَّ سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين

لفظة "الدَّينونَة" (باليونانية κρίσεως معناها دينونة أتت بدون أداة التعريف للتعميم) تشير الى النتيجة الحتمية لفعل الفداء الإلهي. انه كان من شأن الحكم على يسوع وتنفيذه الجائر ان يظهر لأعين الناس ظهور الدليل على مكره وخطيئته، ولكن قيامة يسوع حكمت على سيد هذا العالم بشكل نهائي (يوحنا 12: 31-32) وبرهنت لنا عن عدل قضية المسيح وعن حقه، وأثبت خطيئة العالم والحكم عليه. أمَّا عبارة "سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين " فتشير الى العالم الذي ظنَّ أن يسوع قد أُدين وحُكم عليه بالموت؛ ولكن في الواقع إنَّ يسوع بقيامته هزم روح الشر الذي يسود العالم وحكم على سيد هذ العالم حُكما نهائياً كما جاء في الكتاب المقدس "الَيومَ دَينونَةُ هذا العالَم. اليَومَ يُطرَدُ سَيِّدُ هذا العالَمِ إِلى الخارِج" (يوحنا 12: 31). ان نصرة يسوع القائم من بين الأموات هي الضمان لدحر رئيس هذا العالم نهائيا. أمَّا عبارة " العالَمِ " فتشير الى العالم الحاضر بصفته المكان الذي تظهر فيه سيطرة القوات الشر المعادية للسيادة الإلهية، تلك القوات المُجسَّمة في انجيل يوحنا في اسماء متنوعة: إبليس (يوحنا 6: 7)، والشيطان (يوحنا 13: 27)، ورئيس هذا العالم (يوحنا 14: 30). ان الروح القدس سيُمجد يسوع ويُنر عقول تلاميذه ويُطلعهم على حقيقة أمر معلمهم، وأنه لم يكن الخاسر، بل كان قاهر الموت وابن الاب السماوي.

12 "لا يَزالُ عِنْدي أَشْياءُ كثيرةٌ أَقولُها لَكم ولكِنَّكُم لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها

تشير عبارة "أَشْياءُ كثيرةٌ" الى الأشياء التي لم يقلها يسوع، وإن كان قد أخبرهم بكل شيء "لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يوحنا 15: 15)، بل يترك للروح القدس الذي يتابع تعليم الرسل في إدراك أعمق لمعنى كلام يسوع وتعليمه. أمَّا عبارة " لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها" فتشير الى ان عدم مقدرة التلاميذ ان يحتملوا فكرة موت يسوع وتمجيده، فهم بحاجة الى عطية الروح القدس الى مواكبة التلاميذ في تعليم أمور الايمان بتدرّج. ويعلق القديس هيلاريوس الاسقف "فإنّنا في ضعفِنا لا نقدرُ أن نفهمَ لا الآبَ ولا الابنَ. فيأتي الروحُ القدسُ لينيرَ إيمانَنا، وبوساطتِه نُدرِكُ سرَّ تجسُّدِ اللهِ الذي يصعُبُ فهمُه". أمَّا عبارة " الآنَ " فتشير الى قبل ارسال الروح القدس الى التلاميذ وشهادته للمسيح وشرح أسراره كما جاء في تعليم بولس الرسول "كَيْفَ أُطلِعتُ عَلى السِّرِّ بِوَحْيٍ كَما كَتَبتُه إِلَيكم بإِيجازٍ مِن قَبْلُ. فَتَستَطيعونَ، إِذا ما قَرَأتُم ذلك، أَن تُدرِكوا تَفَهُّمي سِرَّ المسيح، هذا السِّرَّ الَّذي لم يُطْلَعْ علَيه بَنو البَشَرِ في القُرونِ الماضِية وكُشِفَ الآن في الرُّوحِ إِلى رُسُلِه وأَنبِيائِه القِدِّيسين، وهو أَنَّ الوَثَنِيِّينَ هم شرَكاءُ في المِيراثِ والجَسَدِ والوَعْد في المسيحِ يسوع، ويَعودُ ذلِك إِلى البشارةِ " (أفسس 3: 3-7). فالروح هو الذي يعلم ويذكر ويعزي ويقوِّي.

13 "فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث"

تشير لفظة "الحَقِّ" في العهد القديم الى الشريعة كما ورد في سفر المزامير "عَلِّمْني يا رَبُّ طرقكَ فأَسيرَ في حَقِّكَ" (مزمور 86: 11). فند اليهود تعني السلوك بحسب الشريعة حرفياً. اما في العهد الجديد فتشير الى المسيح الذي هو "الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة"(يوحنا 14: 6)؛ في حين كلمة الحق عند اليونانيين الفلاسفة تعني تحرير الفكر من الجهل؛ أمَّا عبارة "أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه" فتشير الى هبة الروح القدس التي تُفهم التلاميذ الحق المُتجلي في الابن المتجسّد، يسوع المسيح على الرغم من ان المسيح أطلع تلاميذه "على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي" (يوحنا 15: 15)، فإنهم ما زالوا عاجزين عن فهم أبعاد رسالته. ولكن بهذا المفهوم فإن الحق الذي يعلمنا إياه الروح القدس هو إعلان المسيح لنا وإعلان عمله وأقواله. وكما ان المسيح يستند دائما الى الآب الذي أرسله، كذلك الروح يستند الى الابن، ولن يكون هناك وحي جديد غير الذي كشفه يسوع المسيح. فلا وحي جديد يحمله الروح الى الكنيسة، بل هو الوحي الواحد الذي أُعطي في يسوع المسيح، وما زال الروح يوصله الى المؤمنين. كما جاء في تعليم يسوع “جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي" (يوحنا 17: 10)، أمَّا عبارة " لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع " فتشير الى الروح القدس الذي يُعلن ويُفسر الكلام والاعمال والحوادث حول إعلان الله النهائي للإنسان. فإن الروح القدس يأخذ مما للمسيح ويُخبر، ولا يقول كلاماً غير ما قاله المسيح. فالمسيح والروح القدس على اتفاق. هناك اتفاق تام بين الأقانيم. وما يريده الآب يريده الابن ويريده الروح القدس. لكن هناك توزيع للأدوار بين الأقانيم. فالآب يريد أن الجميع يخلصون. والابن ينفذ الفداء. والروح القدس يرشد الكنيسة ويقودها للسماء. ويعلق القديس هيلاريوس الاسقف "واحدٌ هو اللهُ الآبُ الذي منه كلُّ شيء. واحدٌ هو يسوعُ المسيح، الذي به كلُّ شيء. واحدٌ هو الروحُ القدسُ، هبةُ اللهِ في الكلّ". وأمَّا عبارة "يُخبِرُكم بِما سيَحدُث" فتشير الى الروح القدس الذي يشهد لإتمام قصد الله في المستقبل ويخبر كيفية التعامل مع نهاية الأزمنة التي تبدأ في صلب يسوع وقيامته ويمتد الى انقضاء الدهر، إذ يجعل التلاميذ الذين سبق لهم ان شاركوا يسوع في حياته في الارض (يوحنا 15: 27) يتفهمون حقيقة يسوع ومعنى اعماله ومعنى الأشياء في صلتها به تفهماً تدريجيا. ويعلق القديس باسيليوس الكبير "الذين لهم شركة الروح يتمتعون به قدر ما تسمح طبيعتهم (للمتأهلين وحدهم)، وليس قدر ما يستطيع هو أن يهب نفسه في الشركة". الروح يرشدنا إلى ما يجب فعله في المستقبل لنحصل على الخلاص، والروح سيخبر التلاميذ بما حدث للمسيح بعد صعوده، ويخبرنا بما لنا من مجد معد في السماء " ما لم تَرَهُ عَيْنٌ ولا سَمِعَت بِه أُذُنٌ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، ذلكً ما أَعدَّه اللهُ لِلَّذينَ يُحِبُّونَه. فلَنا كَشَفَه اللهُ بِالرُّوح، لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله"(1 قورنتس 2: 9-10)، والروح القدس كشف أيضا ليوحنا الرسول ما رآه وسجله في سفر الرؤيا.

14 "سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه

تشير عبارة "سيُمَجِّدُني" الى الروح القدس الذي يُمجّد المسيح بقدر ما يُهدي التلاميذ تدريجيا الى معرفة الحقيقة المُتجلية فيه، حيث ينجز عمله القائم على تمجيد الآب. وهكذا تظهر وحدة الوحي التي لا يُمكن ُنقضها. فالآب ُيمجِّد الابن، والابن يُمجِّد الآب، والروح يُمجِّد الابن. كل أقنوم يّمجِّد الآخر. أمَّا عبارة "يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" فتشير الى الوحي الواحد الذي نقله يسوع، والروح ينقله أيضا. كل شيء ينطلق من الآب في الابن بوساطة الروح القدس. وهذا هو عمل ثالوثي واحد.

15 جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم

تشير عبارة "جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي" الى علاقة الوحدة والحب بين الأقانيم الثلاثة الإلهية. تتقاسم الأقانيم كل شيء بينها، وتشترك في كل شيء في الأخذ والعطاء، ويؤكد يسوع ذلك بقوله "جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي وقَد مُجِّدتُ فيهِم " (يوحنا 17: 10). فكل ما يخبرنا به الروح القدس عن مجد المسيح هو عن مجد الآب أيضاً. والروح القدس يعرفنا باستمرار عن الآب والابن وعلاقة الآب بالابن التي هي موضوع خلاصنا. أمَّا عبارة " يأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم " فتشير الى المجد الحقيقي ليس هو تجلِّي قدرة الآب والابن، بل تجلِّي وحدة حبّهما التي للتلاميذ نصيب فيها. فنحن نسجد للثالوث في الأقانيم، وللوحدة في الجوهر، وللتساوي في الجلال.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 17: 11-19)

بعد دراسة وقائع النص (يوحنا 15: 26-27 و16: 12-15) يمكن ان نشدد على نقطتين: مهمة الروح القدس وحلوله يوم العنصرة

أ‌) مهمة الروح القدس (يوحنا 15: 26-27)

في آخر أوقات يسوع مع تلاميذه كان يُنبِّهم من الاضطهاد، ويُخبرهم الى اين هو ذاهب، ومتى يتركهم ولماذا. ولكن يؤكد لهم انه لن يتركهم وحدهم، بل يرسل إليهم الروح القدس لكيلا يتزعزع إيمانهم. فكلمة الروح القدس مشتقة من لفظة "روح" ترجمة للفظة العبرية "רוּחַ" ومعناها نفس، هواء، ريح. أمَّا روح وقدس فهما صفتان الهيتان يشترك فيها الأقانيم الثلاثة. وبجمع هاتين اللفظتين يدل الكتاب المقدس والليتورجيا واللاهوت على اقنوم الروح القدس. وهو في الواقع روح، ينبثق من الآب، ولكن ليس بذات الطريقة التي يصدر بها الابن، فالابن يصدر بالولادة اما الروح القدس يصدر بالانبثاق "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب " (يوحنا 15: 26)؛ وعليه فإن "الروح القدس" اسم علم من نعبده ونمجِّده مع الآب والابن كما جاء في توصيات المسيح للرسل "عَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس" (متى 28: 19). وان انجيل يوحنا يتكلّم عن الروح على أنه شخص يتميّز عن الآب والابن ولكنه، مع الآب والابن، يسكن في المؤمنين ويعمل فيهم (يوحنا 14:16 -19). ويشير الكتاب المقدس الى الروح القدس برموز كثيرة واهمها، الماء، (1 قورنتس 12: 13) والنار (لوقا 3: 16)، والغمام (لوقا 9: 35)، والريح، وتنتمي هذه الرموز إلى عالم الطبيعة. إنها تشير خاصة إلى حضور وإلى نمو لا يُقاوم، متجهاً دوماً نحو العمق.

أمَّا عمل الروح القدس فينطلق دائماً من الباطن، ونتعرّف عليه أيضاً من الباطن: "أَنتُم فتَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم" (يوحنا 14: 17). وتختصر وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني "نور الشعوب " مهمة أرسال الروح القدس في الجماعة الاولى " ولمّا أُنجزَ العملُ الذي كلَّف الآبُ ابنَه بتحقيقه على الأرض (ر. يوحنا 17: 4)، أُرسِل الروحُ القدس، في يومِ العنصَرة، لكي يُقدِّسَ الكنيسةَ باستمرار، فيَكفَلَ للمؤمنين الوصولَ إلى الآبِ بالمسيحِ في وحدَةِ الروح (ر. أفسس 2: 18). وبه يُعطي الآبُ الحياةَ للذين ماتوا بالخطيئة، إلى يومِ يَبعثُ في المسيحِ أجسادَهم المائتَةَ" (ر. رومة 8: 10-11). (نور الشعوب، رقم 4). ويستخدم يوحنا البشير في هذا النص الإنجيلي لقبين للروح القدس وهما: المؤيد وروح الحق.

1) المُؤَيِّدُ

عندما يعلن يسوع مجيء الروح القدس يُسميه المُؤَيِّدُ وباللغة اليونانية الباراقليط (παράκλητος)، اي المحامي او المعزّي. وتحمل كلمة "المؤيد" أيضا في طياتها عمل العون والتشجيع والتعزية والدفاع. ويوحي الينا هذه اللقب طبيعة المعركة، إذ سيأتي الرب ليدافع عن أحبائه. الانسان هو دوما مُهدَّد ومُعرَّض لمجابهة الشر والشقاء وإبليس: اي الخطيئة والمعاناة والشيطان. ويعي يسوع هذه الامور ويأخذ على عاتقه الدفاع عن الانسان كي يُخلصه من براثن الخطيئة والموت والشيطان. فالروح القدس يحلّ محلّ المسيح بعد قيامته ليساعد التلاميذ (يوحنا 14:26)، ليجعلهم يفهمون الواقع العميق لعمل المسيح، وليكشف لهم معنى هذا الزمن السريّ الذي يعيشونه: زمن حضور جديد للربّ، زمن اتحاد جديد معه (يوحنا 16:13-15) ويساعدهم على فهم متجدّد لكلماته " ولكِنَّ المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم " (يوحنا 14: 26). إذ يرسل مؤيدا اي روحه القدوس ليثبت التلاميذ على شهادتهم، ويثبت شهادتهم الى منتهى الدهر. وباختصار، ومهمة المؤيد موجّهة نحو القضايا الكبرى: الخطيئة والبِر والدينونة. انه يؤيدنا، وذلك بأنه يبكت على خطيئة وبر ودينونة.

(1) يخزي العالم على الخطيئة

ان قوة الروح القدس تفضح الخطيئة وتكشف طبيعتها الحقيقية في صورة عدم إيمان كما ورد في الكتاب "أَمَّا على الخَطيئَة فَلأَنَّهم لا يُؤمِنونَ بي" (يوحنا 15: 9). فالروح القدس أفحم العالم بشأن الخطيئة، وبيَّن ان الخطيئة كانت في رفضه للمسيح. فعلينا ان لا نكون بالخطيئة شركاء الذين حكموا على المسيح بصلب جديد له كما جاء في رسالة العبرانيين "يَصلِبونَ ابنَ اللّهِ ثانِيَةً" (عبرانيين 6: 6). الروح القدس يبكت الإنسان على خطاياه، بقصد ان يعطى معونة والغفران للخاطئ ليتخلص من خطيته "الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا" (رومة 8: 26) ويجعله في شركة مع المسيح، وكل من يؤمن بالمسيح وتكون له هذه الشركة، ويرفع المسيح عنه خطاياه " ودَمُ يسوعَ ابنِه يُطَهِّرُنا مِن كُلِّ خَطيئَة" (1 يوحنا 1: 7). فالخطيئة هي داء البشرية. والمسيح أتى ليرفع الخطيئة لكل من يؤمن به. وهذا هو المدخل للمسيحية. الروح القدس يدعو للإيمان بالمسيح، فلا أحد يستطيع أن يقول المسيح رب إلاّ بالروح القدس (1 قورنتس 12: 3)، والإيمان بالمسيح هو الطريق الوحيد لغفران الخطايا، والإيمان الحي بالمسيح هو الطريق الوحيد للتوبة والخلاص.

(2) يخزي العلم على البِر

يبكت الروح القدس الانسان على الخطيئة. ثم يبكته على البِر. " وأَمَّا على البِرّ فلأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب" (يوحنا 15: 10). لماذا يبكته على البر؟ لأنه لم يستخدم البر أي عمل الخير. كان البِر بحسب المفهوم اليهودي هو الالتزام بالشريعة. والعيب لم يكن في الشريعة، بل فيمن ينفذ الشريعة حيث ان العالم كان غارقاً في عباداته الوثنية وفجوره وزناه. فالمسيح فضح بِر اليهود الكاذب، إذ صلبوه، وفضح فساد القانون الروماني، إذ حكم عليه بالموت ظلماً. وبعد المسيح فقد تغيَّر مفهوم البر. فالمسيح وحده هو البار والذي ظهر بره في ذهابه إلى أبيه وجلوسه عن يمينه، وقبول الآب له. فمن ناحية، يبكت الروح القدس المؤمن على عدم وجود بر في حياته أو بشعوره بالبر الذاتي، ومن ناحية أخرى يُثبِّت المؤمن في المسيح، ويُثبِّت حياة المسيح فيه، فيكون قادرا أن يعمل أعمال البِر. فمن آمن بالمسيح يجب أن يمارس أعمال بر إيجابية، إيمان عامل بمحبة أي يكون له نفس البر الذي للمسيح كما عاش بولس الرسول "أَستَطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيني" (فيلبي 4: 13). وقد بيّن الروح القدس للعالم ان البار القدوس هو المسيح الذي اقامه ألاب من بين الأموات. فقبله الآب وأدخله المجد السماوي واظهر إمكانية الحصول على البر لأي أنسان يؤمن بالمسيح.

بعد التوبة يبدأ الروح القدس في دعوتنا للعيش في بر المسيح عن طريق التمثل به والثبات فيه (2 قورنتس 1: 21) فتكون لنا حياة المسيح ونعمل أعمال بر. ويقوم برنا ليس فقط بتجنُّب الخطيئة فحسب (يوحنا 8: 46)، إنما بالتجدد الروحي الباطني بنعمة المسيح وحياته فينا كما جاء في توصيات بولس الرسول " تَشتَدُّوا بِروحِه، لِيَقْوى فيكمُ الإِنسانُ الباطِن، وأَن يُقيمَ المسيحُ في قُلوبِكم بالإِيمان " (أفسس 3: 16-17). فالروح القدس يذكرنا بأقوال المسيح ويعلمنا وصاياه (يوحنا 14: 26)، ويقنعنا أننا قادرين أن نسلك في بر المسيح ليس بقدرتنا بل بحياة المسيح فيَّا، الذي وإن لم نراه بالجسد، لكنه يعطينا حياته وبره كما اختبر بولس الرسول " فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي"(غلاطية 2: 20). القرار قرارنا والاختيار اختيارنا: أن نحيا في بِرِّ المسيح أو نحيا مهزومين. فنحن في المسيح قادرون أن نغلب الخطيئة وأن نسلك في البِر.

(3) يخزي العلم على الدينونة

"أَمَّا على الدَّينونة فَلأَنَّ سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين" (يوحنا 15 :11)؛ وبهذا المفهوم صارت الدينونة الآن بحسب مفهوم الروح القدس هي في رفض المؤمن للخلاص والبر والمجد الأبدي. وإصراره على عدم التوبة. يبكت الروح القدس الناس لأنهم رفضوا الخلاص وأطاعوا الشيطان "منِ ارتَكَبَ الخَطيئَة كانَ مِن إِبْليس (1 يوحنا 3: 8)، ومن يرفض الخلاص يظل عبداً للشيطان " كُلُّ مَن يَرتَكِبُ الخَطيئَة يَكونُ عَبْداً لِلخَطيئَة"(يوحنا 8: 34). ومن المؤكد أن الله سيدين كل من ظل تابعا للشيطان (رؤية 19: 20)؛ أمَّا المؤمنين فصاروا مبررين مجاناً بنعمة الفداء " وبُرِّروا مَجَّانًا بِنِعمَتِه، بِحُكمِ الفِداءِ الَّذي تَمَّ في المَسيحِ يَسوع "(رومة 3: 24). والروح يدين من يزال يعتذر بأن الخطيئة أقوى منه. والدينونة على إبليس كانت نتيجة طبيعية لظهور بر المسيح.

قيامة المسيح هي الضمان لدحر رئيس هذا العالم، لان الروح القدس أبطل الحكم الذي صدر بحق المسيح من قبل العالم ومن يتحكم بالعالم، الشيطان الرجيم، فأظهر غلبة المسيح على الشيطان كما أعلن المسيح "الَيومَ دَينونَةُ هذا العالَم. اليَومَ يُطرَدُ سَيِّدُ هذا العالَمِ إِلى الخارِج."(يوحنا 12: 31). أظهر دينونة المسيح للشيطان، فصار المسيح الذي غلب الشيطان دياناً للأحياء والأموات.

ونستنتج مما سبق أن الروح القدس يبكت المؤمن الذي مازال يدّعي أن إبليس له سلطان عليه، لذلك ويبكت من لا زال خائفاً من أحكام ودينونة العالم الذي رئيسه إبليس بعد أن ظهر أن أحكامه باطلة. ويحاول الإنسان أن يتحجج بأن إبليس هو سبب الخطيئة، وأنه لا يسلك في البِر بسبب قوة إبليس، ولكن السيد يعلن بصراحة أن إبليس قد دِين وأن لنا سلطان أن ندوسه كما جاء في تعليم بولس الرسول "فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا"(رومة 8: 26). نحن بلا عذر فالروح " يَجودُ بنِعمَةٍ أَعظَم" (يعقوب 4: 6). فالروح القدس ثبتنا في المسيح فصرنا كاملين، فصار الشيطان غير قادر أن يشتكي علينا. وصار لنا نحن المؤمنين سلطان عليه. لان قوة الروح القدس أعظم بكثير من قوة هذا العدو المهزوم. إذاً نحن بلا عذر. بالروح القدس حصلنا على إدانة الخطيئة، وهزيمة إبليس، وانتصار بر الله (يوحنا 16: 8-11).

وبتعبير آخر، فان عمل الروح القدس يقوم على تقديم البرهان للعالم على الخطيئة واقناعه بخطيئته، وإظهار إمكانية الحصول على بر الله لأي إنسان مؤمن، وإظهار دينونة المسيح للشيطان، سيِّد هذا العالم. ومن هذا المنطلق، يعطي يسوع الرجاء لتلاميذه عن طريق الروح القدس المؤيد، فالروح القدس يعطي القوة لتحمل البغض والشر في العالم، والكراهية والعداء الذي سيحمله الكثيرون للمسيح. أن هذا الامر معزٍ بصفة خاصة لمن يواجهون الاضطهاد.

2) روح الحق

لا يُطلق يسوع على الروح القدس لقب روم " المؤيد" بل أيضا بلقب آخر وهو "روح الحق". يشير هذا اللقب "روح الحق" الى عمل التعليم والإنارة والتذكير والتحرير الذي يقوم به الروح. ومع روح الحق لا سبيل الى الخوف والتخبط والضلال. لا يفهم التلاميذ كل الحقائق التي تفوه بها يسوع، فروح الحق يرشدهم الى الحق كله كما وعد يسوع "أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه (يوحنا 15: 13) ويحررهم (يوحنا 8: 32)، ويشهد لإتمام قصد الله في المستقبل، ويُمجد الابَ بإعلان عمله (يوحنا 15: 14-15).

ان الروح القدس لا يتكلم عن نفسه. انه يعلن ويُفسِّر اهمية الاعمال والحوادث واقوال السيد المسيح. وقد أعلن يسوع ارسالية الروح القدس (يوحنا 16: 1-15) كي يكونوا تلاميذه على استعداد للمواجهة حتى الاستشهاد بسبب كراهية العالم وبغضه. إن الروح القدس سيخبرهم بالمستقبل. اي بطبيعة إرساليتهم، وبالمقاومة التي سيوجهونها وبالنتيجة النهائية لجهودهم. ولم يفهم التلاميذ تماما هذه الوعود الى ان جاء الروح القدس بعد موت المسيح وقيامته. حينئذ أعلن الروح القدس للتلاميذ الحقائق التي سجلوها في الاسفار التي شكلت كتاب العهد الجديد.

ومن مهمة روح الحق ان يحرر المؤمن ويقويه. حيث انه القوة الوحيدة القادرة على وقف تيّار الشر وإعاقته والتصدّي له، إذ يعطي القوة لتحمل البغض والشر في العالم، والكراهية والعداء الذي يحمله الكثيرون للمسيح وأتباعه. ان هذا الامر معزٍ خاصة لمن يواجهون الاضطهادات. وقد تنبأ يسوع عن صعوبة الحياة المسيحية. ونقرأ في اعمال الرسل عن انواع العذابات التي تعرض اليها بولس الرسول: إذ اضطهدوه، واتهموه، وجلدوه، وسجنوه، ونال شهادة الاستشهاد في سبيل ايمانه.

يصطدم نشر الانجيل اليوم بنفس الصعوبات والمحاولات التي تسعى الى خنقه. حيث ان المسيحي هو عرضة للشك والاتهام والاضطهاد. فهو بحاحة الى الروح القدس، المؤيد. وكلما ازددنا تعطشا للحق، ازددنا شهادة له. وحتى يُصبح الانسان شاهدا عليه ان يكون مع المسيح. يعني ان يعرف الآب وان يعرف الابن. هذه هو الشرط الاساسي كي يصبح الإنسان شاهداً.

3) روح قدس

يأتي الروح من الله ويوجَّه نحو الله فهو روح قدس لأنه يمنح القداسة. إذ يقدَّس الانسان في اتجاهات ثلاثة الخلاص، والشهادة والتقديس:

1) الخلاص، يقيم روحُ الله رسل. فنرى صيادي السمك يتحوَّلون فجأة الى "صَيَّادَيْ بَشر" (متى 4: 19). فيصبحون لا أهلا للإتيان بأعمال خارقة في الجرأة والقوة فقط، بل يتمتعون أيضأ بشخصية جديدة تُمكنهم من القيام بدور قيادي وإتمام رسالة الخلاص. ولا ينزل الروح فقط، بل يستقر (اشعيا 11: 2)، وفيه سوف يُفجِّر كل مواهبه: "حكمة وفهم" (خروج 35: 31) و"مشورة وقوة" و"معرفة ومخافة الله"، وستكون هذه المواهب فاتحة لعهد قداسة وخلاص (اشعيا 11: 9). وإن كانت الكلمة "تنمو وتنتشر" في الجماعة المسيحية الاولى (اعمال الرسل 6: 7)، فترجع القوة الداخلية لهذا الانطلاق إلى الروح كما جاء في سيرة الجماعة المسيحية الأولى " وأَمَّا التَّلاميذ فكانوا مُمتَلِئينَ مِنَ الفَرَحِ ومِنَ الرُّوحِ القُدُس" (اعمال الرسل 13: 52).

2) الشهادة: كما أن يسوع قد شهد لأبيه السماوي بكل حياته (يوحنا 5: 41)، كذلك تلاميذه وأتباعه عليهم أن يؤدُّوا الشهادة للرب (يوحنا 15: 27). طالما كان يسوع يعيش بينهم، لم يخشوا شيئاً، فكان هو بالنسبة إليهم الروح الباراقليط الحاضر دائماً للدفاع عنهم وانقاذهم من مضايقهم (يوحنا 17: 32). أما بعد رحيله عنهم، فإن الروح سوف يحلّ محله، ليكون لهم الباراقليط (يوحنا 14: 16). وإذ يتميز الروح القدس عن يسوع، إلاّ أنه لن يتكلم باسمه الخاص، وإنما دائماً عن يسوع الذي لا ينفصل عنه والذي "سوف يُمجده" (يوحنا 16: 13-14). كذلك سوف يُذكّر الروح التلاميذ بأعمال المسيح وأقواله، ويُعطيهم نعمة فهمها (يوحنا 14: 26)، وسوف يُسبغ عليهم القوة حتى يشهدون لقدرة الله، ويواجهوا العالم باسم يسوع ويكتشفوا معنى موته، وليؤدّوا شهادة السر الإلهي الذي تحقق من خلال هذا الحدث؛ إنّ موهبة الروح القدس هي التي تؤهّل للرسالة وتقوّي شهادتنا بجعلها صريحة وشُجاعة.

3) التقديس: إن الروح القدس لا يشهد فقط بل يقدّس أيضا (2 قورنتس 1: 22)، لأنه روح الله القدوس. ويقوم عمل الروح في تقريبنا إلى الله، ووضعنا في صلة حيَّة معه، وفي إدخالنا إلى أعماقه المقدسة. وهو يكفل للمؤمن التبنّي الالهي وافتداء الجسد الذي كان عبدًا للخطيئة (رؤيا 8:20-22). وهكذا يُصبح الجسد روحيًا بالقيامة (1قورنتس 15:44)، فالروح القدس الذي يُحيي ويقدّس، يتّحد اتحادًا حميمًا بالمسيح بحيث يقول بولس: نتقدّس في المسيح. أو: نتقدّس في الروح القدس (رومة 15:16). فهبة الروح القدس هي حضور مجد الرب فينا، الذي يحوِّلنا إلى صورته. لذلك فإن بولس لا يفصل ما بين المسيح والروح، ما بين الحياة "في المسيح" والحياة "في الروح". الحياة للمسيحي "هي المسيح" (غلاطية 2، 20). فمن يكون "في يسوع المسيح" (رومة 8: 1) يسلك في سبيل "الروح" (رومة 8:5). ولذا يدعونا الروح إلى محاربة الجسد "فإِذا كُنَّا نَحْيا حَياةَ الرُّوح، فلْنَسِرْ أَيضًا سيرَةَ الرُّوح " (غلاطية 5: 25،). ولا نحزن الروح بخطايانا كما يوصي بولس الرسول "ولا تُحزِنوا رُوحَ اللّه القُدُّوسَ الَّذي به خُتِمتُم لِيَومِ الفِداء"(أفسس 5: 18).

وأجمل مثال على تلك القداسة هي القديسة مريم بوادري كما عرّفها البابا فرنسيس يوم اعلانها قديسة فقال: "إختبرتْ بشكل قويّ الأخت مريم بواردي، المتواضعة والأُميّة المحبة الأزليّة بين الآب والابن والتي تفيض فينا بواسطة الروح القدس (رومة 5:5) فعرفت أن تقدم نصائح وشروحات لاهوتيّة بوضوح فائق، كثمرة للحوار المستمرّ مع الروح القدس. لقد جعلتها الطاعة للروح القدس أيضًا أداة لقاء وشركة مع العالم المسلم".

لسعى ان نلجأ الى الروح القدس، المؤيد، وروح الحق، في ظلام التجارب والشك واليأس، وفي طلب التفهم الاعمق لإسرار الله كما يوضِّح بولس الرسول " فلَنا كَشَفَه اللهُ بِالرُّوح، لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله. فمَن مِنَ النَّاسِ يَعرِفُ ما في الإِنسانِ غَيرُ روحِ الإِنسانِ الَّذي فيه؟ وكذلِكَ ما مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مما في اللهِ غيرُ رُوحِ اللّه " (1قورنتس 2: 10-11).

ب‌) حلول روح القدس في العنصرة

وفي سفر اعمال الرسل (2: 1-13) يصف القديس لوقا أحد العنصرة مبيّنا أنَّ العنصرة المسيحية تختلف عن العنصرة اليهودية بمضمونها وعلاماتها ورسالتها.

(1) مضمون العنصرة:

"لَمَّا أَتى اليَومُ الخَمْسون" كان اليهود يحتفلون بعد الفصح بخمسين يوماً بعيد العنصرة، عيد الحصاد (خروج 23: 16) وكان يدعى عيد الاسابيع הַשָּׁבֻעוֹת (خروج 34: 22). ثم أصبح العيد في القرن الثاني قبل الميلاد ذكرى نزول الشريعة على جيل سيناء بعد خروج الشعب من مصر، لان الشريعة أعطيت خمسين يوما من بعد الفصح اليهودي. ومنها جاء الاسم اليوناني للعيد πεντηκοστή، وفي الإنكليزية Pentecost. أمَّا لفظة عِنصرة فهي لفظة عبرانية עצרה ومعناها الاجتماع. وهو عهد بين الله والشعب العهد القديم، وهو أحد الاعياد السنوية الثلاثة الكبرى عند اليهود مع عيد الفصح وعيد المظال.

في حين ان العنصرة المسيحية تقوم بان الرب يسوع قد صلب في الفصح، وصعد الى السماوات بعد أربعين يوما، وبعد عشرة ايام من صعوده أي بعد خمسين يوما من الفصح حلَّ الروح القدس على التلاميذ. فالعنصرة هي تتويج للفصح المسيحي، لان المسيح بعد ان أنهى عمله على الارض، وانتقل الى يمين الاب، أرسل الروح القدس للجماعة الرسولية لكي يُنير أذهانهم فيفهموا الكتب المقدسة ويدركوا اقوال الرب يسوع التي القاها عندما كان معهم.
وهناك فرق آخر، في العنصرة المسيحية نجد عهداً جديداً لا مع شعب واحد كما هو في العنصرة اليهودية، بل مع البشرية كلها من الاقطار الاربعة. ورأى لوقا البشير في تجمع المسيحيين بقلب واحد في يوم العنصرة صورة تجمع الكنيسة، بعكس برج بابل حيث تشتت البشرية (تكوين 11: 1). كما رأى لوقا في " امتلاء جميع اعضاء الجماعة المسيحية الاولى مِنَ الرُّوحِ القُدس" (أعمال الرسل 2: 4)، تتميماً لنبوءة يوئيل عن فيض الروح القدس على الجميع بدون تمييز (يوئيل3: 2). ويقارن ايرونيموس بين العنصرة اليهودية والمسيحية فيقول "هناك سيناء وهنا صهيون... هناك الجبل المتزلزل وهنا البيت المهتز، هناك الجبل المتقد بالنار، وهنا الألسنة من نار.... هناك الرعب الصاخب، وهنا أصوات ألسنة كثيرة ... هناك رنين الأبواق، وهنا نغمات بوق الإنجيل". فالعنصرة بمثابة اعتماد للرسل بالروح القدس قبل ابتداء مهمتهم التبشيرية كما ان المسيح اعتمد بالروح على يد يوحنا المعمدان قبل حياته الكرازة العلنية.

(2) علامات العنصرة:

أعلن الله عن حلول الروح القدس بثلاث علامات منظورة: "دَوِيٌّ وأَلسِنَةٌ والتكلم بلغات غَيرِ لُغَتِهِم.

العلامة الأولى: "دَوِيٌّ كَريحٍ عاصِفَة" وهو بمثابة صوت من هبوب الريح "مَلأَ جَوانِبَ البَيتِ" وهذا الصوت يُذكرنا في الرعد لدى تجلي الله لموسى في جبل سيناء (الخروج 19: 16)، والبيت هو مكان اجتماع وصلاة لجماعة الرسل. قد يعمل الله في حياتنا بطرق صاخبة كما في يوم العنصرة او قد يتحدث الينا بهمس هادئ كما حدث مع ايليا النبي (1 ملوك 19: 11).

العلامة الثانية "ظَهَرَت أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ": فاللسان يدلُّ على الكلام، والنار تدل على الله. وهكذا صار كلامُ الرسل كلامَ الله بما فيه من قوة تحرق خبث الانسان وتشعل في قلبه محبة للآخرين. وكما على جبل سيناء أكَّد الله على صدق وصلاحية شريعة العهد بنار من السماء (خروج 19: 16)، هكذا في يوم العنصرة أكَّد الله على صدق وصلاحية خدمة الروح القدس بالسنة النار. وعلى جبل سيناء نزلت النار من السماء على موضع واحد، أمَّا في اليوم الخمسين فنزلت ألسنة النار على مؤمنين كثيرين، رمزاً الى ان حضور الله في حياة الانسان صار متاحاً لكل من يؤمن به بدون تمييز.

العلامة الثالثة: هي "التكلم بلغات غَيرِ لُغَتِهِم" العنصرة نفسها معجزة ونتيجة معجزة، إذ ابتدأ الرسل يتكلمون "بألسِنة" ليخبروا بعجائب الله. والتكلم "بألسِنة" هي نوع من نبوءة. ويحذر بولس الرسول من مزايداتها "إِنِّي، والحَمدُ لله، أَتَكلَّمُ بِلُغاتٍ أَكثَرَ مِمَّا تَتكلَّمونَ كُلُّكُم، ولكِّني أُوثِرُ أَن أَقولَ وأَنا في الجَماعةِ خَمسَ كلَمِاتٍ بِعَقْلي أُعلِّمُ بِها الآخَرين على أَن أَقولَ عَشَرَةَ آَلافِ كَلِمَةٍ بِلُغات" (1 قورنتس 14: 18-19).

"التكلم بلغات غَيرِ لُغَتِهِم" تعني ان البشارة وصلت الى جميع الشعوب في لغاتهم. والامم الاثني عشرة المذكورة في النص ترمز الى المعمورة. وهذا هو البعد الشمولي لرسالة الكنيسة. ليست المسيحية مقصورة على جنس دون آخر او جماعة من الناس دون أخرى. فالمسيح يقدّم الخلاص لكل إنسان بغض النظر عن جنسيته او هويته. وهذا ما تفعله الكنيسة اليوم حين تنقل الكتاب المقدس الى لغات العالم كله.

(3) رسالة العنصرة:

ما العنصرة إلا ثمرة قيامة المسيح وصعوده. بالعنصرة يقوم المسيح بدور ربٍ يقدّس ويؤيد الكنيسة بروحه. والكنيسة الواحدة المجتمعة بالروح القدس هي التي تتكلم بكل اللغات (أعمال الرسل 2: 33). ويرسل السيد المسيح الروح القدس لرسله كي يكونوا شهوداً له إلى أقاصي الأرض انطلاقا من اورشليم. ومن هذا المنطلق عليه عاد كل واحد الذي حلّ عليه الروح الى موطنه حاملا أخبار الخلاص السارة. وهكذا أعدَّ الله السبيل لانتشار الإنجيل في قلب العالم وإعادة وحدة البشرية التي تفككت في برج بابل (تكوين 11: 1-9) من خلال رسالة الكنيسة التي تتابع رسالة مؤسسها يسوع المسيح الى جميع المعمورة.

الخلاصة

بعد أن قدم يسوع لتلاميذه لهم طريقًا يبدو غاية في الصعوبة، إذ طالبهم أن يثبتوا فيه كالأغصان في الكرمة، وسألهم أن يبذلوا نفوسهم حتى الموت كما بذل هو ذاته من أجل العالم، وكشف لهم أخيرا عن بغض العالم واضطهاده لهم... هذا كله صار أشبه بطريق ضيق لا يقدر إنسان ما أن يسلكه، لهذا عزَّهم بوعده بإرسال روحه القدوس الباراقليط، المرشد الحقيقي الذي يحملهم إلى كمال حق المسيح ويثبتهم فيه، ويهبهم قوة الشهادة له المجد.

ويشدّد الإنجيلي يوحنا على تحقيق الوعد بإرسال الروح القدس الذي سيخلف يسوع ويؤمّن حضوره مع التلاميذ ويكون فيهم ويقودهم إلى الحقّ كلّه، فيتمّم كل ما بدأ به يسوع بواسطة الرسل الذين سيؤلفون نواة الكنيسة الأولى التي تتحوّل بفعل حلول هذا الروح إلى كنيسة شاهدة للمسيح ولبشارته الخلاصيّة.

باختصار، نجد أن العاملين في قضية خلاص الإنسان هم: الإنسان نفسه والرب يسوع والشيطان. فالله يسعى لخلاص الإنسان، والشيطان يسعى لهلاكه، والإنسان حرٌّ في أن يختار طريق البر أو طريق الشر. والروح القدس أتى ليجذب ويوجِّه الانسان نحو الفداء، وذلك بأن يبكته على خطاياه، وعلى رفضه للمسيح البار الحقيقي مصدر بره وعلى تبعيته للشيطان الذي تمَّت هزيمته. والروح القدس لا يبكت فقط بل يعطي أيضا قوة ومعونة على طاعة الله، وقوته أقوى من قوة إبليس. لذلك من رفض الروح القدس أغلق باب التوبة. ولذا قال الرب "مَن قالَ كَلِمَةً على ابنِ الإِنسانِ يُغفَرُ له، أَمَّا مَن قالَ على الرُّوحِ القُدُس، فَلَن يُغفَرَ لَه لا في هذهِ الدُّنيا ولا في الآخِرة" (متى 12: 32).

دعاء

أيها ألاب السماوي، أطلب إليك، باسم يسوع المسيح، أن ترسل روحك القدوس لكي نتجدد روحا وعقلا وكيانا ونستوعب كلمات الانجيل وننتصر على قوى الشر ونثمر أثمار الحق والعدالة والقداسة ونكون شهود للمسيح وانجيله في عالمنا. لك المجد إلى الأبد. أمين.

صلاة لعيد العنصرة (صلاة جماعة تيزية)
تعال، أيّها الإله الحيّ، واجعل أرواحنا هياكل لروحك القدّوس.
قدّسنا، يا ربّ.
عمّد كنيستك كلّها بالنار، كي تزول الانقسامات، وكي تقف أمام العالم عموداً ودعامةً لحقّك.
قدّسنا، يا ربّ.
امنحنا ثمار روحك القدّوس: المَحبَةُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق وّالأمانة.
قدّسنا، يا ربّ.
إجعل روحك القدّوس يتحدّث بصوت خُدّامك، عندما يعظون بكلمتك، هنا وفي كلّ مكان.
قدّسنا، يا ربّ.
أرسل روحك القدّوس، المعزّي، إلى كل من يواجهون الشدائد، أو من هم ضحايا شرّ البشر.
قدّسنا، يا ربّ.
إحفظ جميع الشعوب وقادتها من البغض والحروب، وابني جماعة حقيقيّة بين الشعوب، بقوّة روحك.
قدّسنا، يا ربّ.
يا أيّها الروح القدس، يا ربّ الحياة ومصدرها، يا مانح المواهب السبعة.
قدّسنا،أيّها المعزّي.
يا روح الكمة والفهم، ويا روح المشورة والقوّة.
قدّسنا، أيّها المعزّي.
يا روح المعرفة والتقوى، يا روح الطاعة للربّ.
قدّسنا، أيّها المعزّي.

قصة واقعية

كان الكاهن الايطالي فولفيو بريشاني في التاسعة من عمره عندما توفي والده. أبعده الألم الشديد عن الله والكنيسة، وأصبح فولفيو شابًا شيوعيّا وقال مؤكدا "كنت مقتنعا بأن الشيوعيّة ستغيّر العالم". عمل جاهدا، بالمنشورات وبالعضويّة. وأصبح أمين عام لاتحاد الشباب الشيوعي الإيطالي. وهكذا تم انتخابه إلى الأمانة العامة للحزب. درس كيفيّة تجنيد الشباب.
وكان قلقا إزاء الحركات الكاثوليكيّة التي كانت تنتزع من الحزب الشيوعي أعضاءه. وأصبح مديرًا لحركة الشباب الشيوعي. اهتم بحركة التجدد بالروح القدس لمعرفة وفهم كيفيّة جذبهم للشباب. لكن هذا اللقاء الذي كان مصحوباً بالصلاة والتراتيل فتح قلبه. وعندما بلغ من العمر الرابعة والعشرين طلب دخول المعهد الاكليريكي المدرسة وأصبح كاهنا ومندوب حركة التجدد بالروح القدس للشباب. ويوضح عمل الروح القدس فينا بقوله "تتركز ثقافة عيد العنصرة التي تتحدث عنها جماعة التجدد بالروح القدس على التثبيت، لأنه إذا كان الروح فينا، يمكننا أن نصبح جنود المسيح في خدمة الكنيسة". تستند جاذبيّة هذه الحركة على ثلاثة عوامل: الثقة بالكنيسة والشغف بكلمة الله والأسرار المقدسة، وبالصلاة المستمرّة والفرحة.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء