من وحي القيامة المجيدة

من وحي القيامة المجيدة

كاتب وباحث: حنا ميخائيل سلامة نُعمان
2017/04/17

لأن المحبة أسْمى الوصايا وأعظمها ولأنها "تتأنى وتَرْفَق ولا تتفاخر ولا تَحْتدّ ولا تظُنُّ السُّوء، ولأنها لا تفرح بالإثم، بل تفرحُ بالحق، وتحتملُ كل شيء وتصبرُ على كل شيء فإنها لا تسقطُ أبداً". المحبة لا تُقهر ولا تقاوم فهي الظافرة المنتصرة، والغَلَبَة لها مَهما عصفت بها رياح التحديات أو ازددات الظًّلمة من حولها أو نُصبت الشِّراك والحَبائِل لها. والظَّفَر للمحبة مهما ضُحِّيَ فِداءً لها. على ذلك كله، علينا أن نُحْيي الأمل في النفوس والرجاء بفجرٍ مشرقٍ يحمل السلام الحقيقي والوئام وتسود فيه المحبة لعالمِنا الذي يمرُّ بمرحلة ضِيقٍ حيث الارتباك والحَيْرَة والاضطراب، وحيث نرى الحضارة الإنسانية وقد خُضِّبَت بالدماء، دماء الأبرياء والعُزَّل، وحيث المعاناة البشرية من جَوْر الإنسان على أخيه الإنسان على أشُدِّها.

مع إطلالة عيد القيامة المجيدة نمُدُّ أبصارنا إلى صاحب العيد السيد المسيح الذي حَطَمَ شوكة الموت بقيامته، بعد أن إعتلى الصليب فوق الجلجلة تحت أهداب السماء، وقد شعَّ على جسده الطاهر مع غروب شمس ذياك المساء من إشعاعها وشاحاً جلَّلَه من هامته الطاهرة المكللة بالشوك إلى أخمص قدميه، فنستذكر كلماته الحيَّة التي لا تزال تترَجَّعُ في الآفاق فتحمل الرجاء للمعذبين والحياة لأموات الروح والقوة للخائفين: "لا تخافوا من الذين يقتُلون الجسدَ ولكن النفسَ لا يقدِرُونَ أن يَقتُلُوها، بل خافوا بالحَريّ من الذي يقدِرُ أن يُهلِك النفس والجسدَ كِلَيْهِما في جَهنم". ونستذكرُ كم حذَّر الذين لم يُدركوا رسالة المحبة التي جسَّدها ونادى بها وقدم ذاته من أجلها، أولئك الذين خلت من قلوبهم الرحمة وأسْكنوا مكانها البغضاء والكراهية والشَّر، وتفنَّنوا بأساليب زهق الأرواح والإيذاء بمختلف ألوانه متناسين العدل الإلهي وقصاصِه كما جاء في إنجيل البشير لوقا: "أترى الله َ لا ينتقم لمُختاريه الذين يصرخون إليه نهاراً وليلاً أو يتأنَّى في أمرهم، أقول لكم إنَّه ينتقم لهم سريعاً".

نوجِّه الأذهان نحوك أيها الصَّلاح غير المتناهي، ونعود بالذاكرة إلى المدينة المقدسة عندما وقفت على جبل الزيتون ليلة النزاع الأخير، فتراءت لك البشرية وقد تبدّى وجهها لسقوط الإنسان ومعاصيه وتنكره للحق، عندها قلتَ بطبيعتك البشرية "نفسي حزينة حتى الموت" وها نحن يجتاحُنا الحزن إذ يغوص العَالم في حمأة الألم والمعاناة لازدياد العُنف ولغياب الرحمة من القلوب، ولتكبر الإنسان وأنانيته وعدم اكتراثه بالفقير والمُعدَم والمُشرد والسَّقيم.

"السلام لكم" قال المسيح لتلاميذه بعد قيامته وهم في دار أغلّقت أبوابها كما يقول الحرف والحرف رهيب، فدهشوا وخافوا وتوهموا أنهم يرَون روحاً، لكن الفرح استولى عليهم عندما أراهم يديه مكان ثقوب المسامير وجَنبه الذي كان طُعِن بحربة حارسٍ رومانيٍ على خشبة الصليب فسال منه دم وماء!

إنَّ ما يدعو للأسى أن حِراب أعداء الحق والحياة لا تزال تُسَدد لتطعن كل من ينادي بالمحبة والرحمة والسلام هؤلاء الذين لا يدرون عواقب أعمالهم .. كما أظلمت عيونهم عن معرفة مسيح القيامة آتٍ مرة أخرى لكن هذه المرَّة " بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات" وستراه كل عين حتى الذين طعنوه ولا يزالون.. عندئذٍ ستنفتح عيونهم وينتحبون ندماً.. حيث لا ينفع ندم.. ذلك أن أناة الله والفرص التي أُعطيت لهم قد انتهت.. جاء في سفر رؤيا القديس يوحنا "ها هُوذا آتٍ على السَّحاب وستراه كلُّ عينٍ والذين طعنوه، وتنتحب عليه جميع قبائل الأرض. أجل، آمين" .

ومع تهانينا بهذه المناسبة المجيدة ، وندعو الله أن يسود السلام ويحل الاستقرار في منطقتنا العربية كلها، وأن يصون هذا الحِمى الأبي ويبارك جُهود راعي المسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المفدى ليبقى أردننا آمِناً مُزدهراً وبهمة العيون اليَقِظة الساهرة بإخلاص وتفانٍ على أمن الوطن ومنجزاته، وعلى أمان المواطن وسلامته. وكل عام وأردننا بنسيجه الواحد المترابط المتضامن بخير.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء