مقاومة ضد المسيح وتجديف على الروح القدس

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.
  • strict warning: Non-static method views_many_to_one_helper::option_definition() should not be called statically, assuming $this from incompatible context in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter_many_to_one.inc on line 23.

مقاومة ضد المسيح وتجديف على الروح القدس

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/06/09

يصف انجيل مرقس في هذا الاحد خدمة السيد المسيح في الجليل المملوءة حبًا لخلاص الناس، لكنها كانت تُواجه مقاومة من فئتين: من ذويه ومن الكتبة. فأقاربه يقولون "إنه ضائِعُ الرُّشْد"؛ وأما الكتبة فيجذفون عليه بقولهم عنه " إِنَّه بِسَيِّدِ الشَّياطينِ يَطرُدُ الشَّياطين" (مرقس 3: 20-35). ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الإنجيلي (مرقس 3: 20-35)

20 وجاءَ إِلى البَيت، فعادَ الجَمعُ إِلى الآزدِحام، حتَّى لم يَستَطيعوا أَن يَتنَاوَلوا طَعاماً.

تشير عبارة " البَيت " باليونانية οἶκον (معناها بيت دون أداة تعريف) إلى بيت سمعان وأندراوس في كفرناحوم (مرقس 1: 29) حيث يجد يسوع نفسه في بيته. وذلك بعد ان ترك يسوع البحيرة (مرقس 3: 7) والجبل (مرقس 3: 13) دخل يسوع مع تلاميذه الى بيت. ويعلق القديس بيدُس "عاد الربّ إلى البيت مَن اختارهم على الجبل كما لو كان يريد أن يعلّمهم أنّهم بعد أن نالوا شرف الرسالة، يجب أن يدخلوا إلى ضمائرهم". أمَّا عبارة "الجَمعُ" فتشير الى احدى الالفاظ المتكررة في انجيل مرقس (مرقس 2: 13، 3: 7، 4: 1، 5: 21، 6: 34، 7: 14) مما يدلُّ ان يسوع لم يعاشر افرادا، بل جمعاً منذ بدء رسالته العلنية. أمَّا عبارة " الآزدِحام " فتشير إلى حماس الجمع الذي اثاره يسوع منذ حياته العلنية، لان الجمع كان يلتف حوله ويرافقه في تجواله ويعاشره (مرقس 2: 1-2) رغبةً في سمع كلامه ونوال الشفاء ومشاهدة معجزاته. أمَّا عبارة " لم يَستَطيعوا أَن يَتنَاوَلوا طَعاماً" فتشير الى انشغال يسوع والرسل بتعليم الجمع وصنع المعجزات بحيث لم يعد لديهم متسع من الوقت لتناول الطعام. فمشيئة الله تُشغله عن نفسه وعن ذويه وهمّه غذاء الجمهور الروحي.

21 وبَلَغَ الخَبَرُ ذَويه فَخَرَجوا لِيُمسِكوه، لِأَنَّهم كانوا يَقولون: ((إِنَّه ضائِعُ الرُّشْد)).

تشير عبارة " بلغ الخَبَرُ " الى أنباء سمعها ذويه عن اسفار يسوع ومعجزاته وتعليمه وازدحام الناس عليه. أمَّا عبارة "ذَويه" باليونانية οἱ παρ' αὐτοῦ (معناها خاصته) فتشير الى الأقارب أي إِخوتُه (مرقس 3: 31) الذين خافوا على يسوع وخافوا على أنفسهم من ملاحقة السلطة، وهكذا رذلوه كما رذله الكتبة والفريسيون. ونعلم مما قاله يوحنا الإنجيلي ان اقرباءه لم يكونوا يومئذٍ مؤمنين (يوحنا 7: 5). أمَّا عبارة " فَخَرَجوا " فتشير الى سفرهم من الناصرة الى كفرناحوم. ونجد هنا التناقض بين موقف الله الذي يأتي الى البيت (مرقس 3: 20) كي يضم الانسان الى حبه، وموقف الإنسان في غباوته الذي يخرج من دائرة الحب، متهمًا حتى الله أنه مختل! أمَّا عبارة " لِيُمسِكوه" فتشير الى ذويه الذين جاؤوا ليأخذوا يسوع ويرجعوه الى الناصرة معهم ويوقفوا عمله الرسولي، لأنهم لم يفهموا عمق الحكمة التي كان يعلّمها للجمع، بل اعتقدوا أنّ كلامه خالٍ من أيّ منطق؛ أمَّا عبارة " إِنَّه ضائِعُ الرُّشْد "باليونانية ἐξέστη(معناها اختَّل وخرج عن صوابه) فلا تشير الى أن يسوع فقد عقله، بل انه يعاني من الهوس الديني وقد أصبح متطرفا كما جاء في انجيل يوحنا" إِنَّ بِه مَسّاً مِنَ الشَّيطان، فهُو يَهْذي"( يوحنا 10: 20). كان ذويه قلقين عليه، ولكنهم أخطأوا فهم هدف خدمته، ولم يدركوا حقيقته إلا بعد وقت طويل. ولقد وُجّه أتهام مماثل أكثر من مرة الى بولس الرسول " بَينَما هو يُدافِعُ عن نَفسِه بِهذا الكَلامِ، قالَ فَسطُس بِأَعلى صَوتِه: ((جُنِنْتَ يا بولُس، فَإِنَّ تَبَحُّرَكَ في العِلمِ يَنتَهي بِكَ إِلى الجُنون" (اعمال الرسل 26: 24) واستخدم بولس الرسول هذه العبارة عن نفسه " فإِن خَرَجْنا عَن صَوابِنا ἐξέστημεν ففي سَبيلِ الله، وإِن تَعقَّلْنا ففي سَبيلِكَم" (2 قورنتس 5: 13).

22 وكانَ الكَتَبَةُ الَّذينَ نَزَلوا مِن أُورَشَليم يَقولون: ((إِنَّ فيه بَعلَ زَبول، وإِنَّه بِسَيِّدِ الشَّياطينِ يَطرُدُ الشَّياطين)).

تشير عبارة "الكَتَبَةُ" باليونانية γραμματεῖς إلى الذين خصَّصوا نفوسهم: أولاً لدرس الناموس وتفسيره، وكان شرحهم، كما معروف هو عنه مدنياً ودينياً، وكانوا يحاولون تطبيقه على تفاصيل الحياة اليومية. حيث أ، قرارات عظماء كتبة الشريعة الشفاهية أصبحت تدعى التقاليد. ثانياً لدرس الأسفار الإلهية بنوع عام وذلك من الوجهة التاريخية والتعليمية. ثالثاً للتعليم. وبلغوا أوج نفوذهم على الشعب في أيام المسيح. وكان بين أعضاء السنهدريم (مجمع اليهود) الكثيرون منهم (متى 16: 21). وأغلبيتهم قاوموا يسوع وتذمروا عليه وظنوا أنهم وجدوا أخطاء في أكثر ما عمله أو قاله هو وتلاميذه (متى 21: 15). وقد ارسلهم رؤساء الشعب في اورشليم ليراقبوا يسوع ويمنعوا تأثير تعليمه ومعجزاته بنميمتهم وتهمهم الخبيثة. ويقع عليهم جزء كبير من مسؤولية صلب المسيح. وقد وصف السيد المسيح بعضهم بأنهم مراؤون، لأنهم اهتموا بالأمور المادية العرضية واهملوا الأمور الروحية الجوهرية (متى 23). أمِّا عبارة " نَزَلوا " فتشير الى بعثة الكتبة من مجمع السنهدريم في اورشليم لإفساد خدمة السيد، إذ ذاع صيته. ويعلق الراهب السسترسياني إسحَق النجمة " إنّ ميزة هؤلاء الفاسدين الذين مسّتهم الغيرة هي أن يغمضوا أعينهم طالما استطاعوا، فلا يرون فضائل الآخرين؛ فإمّا يحجبون نظرهم عمّا هو حقّ، وإمّا يحطّون من شأن ما هو عظيم، وإمّا يشوّهون ما هو حسن" (العظة 39). أمّا عبارة " أُورَشَليم " فنشير الى مكان مرموق في الأناجيل. لكن لوقا الإنجيلي ينوّه بهذا الدور أكثر من غيره، كنقطة اتصال بين الإنجيل وأعمال الرسل. اما بحسب إنجيل مرقس، وصل صدى بشارة يوحنا المعمدان حتى أورشليم (مرقس 1: 5). لكن إنجيل الملكوت الذي يعلنه يسوع يبدأ أولاً في الجليل وينحصر فيها. ويسوع لا يحوّل نشاطه صوب أورشليم، إلاَّ بعد أن اصطدم بعدم إيمان مدن الجليل (مرقس 6: 1 -6، 8: 11، 9: 3)، وبعد أن أعلن ثلاثة مرات عن آلامه. فهو لا يصعد إليها إلا لكي يتمّم ذبيحته الخلاصية (مرقس 10: 32). وخلال رسالته العلنيّة، يأتي خصوم يسوع الألدّاء من أورشليم (مرقس 15: 1). أمَّا عبارة "الشيطان" بالعبرية، הַשָׂטָן (معناها المقاوم) او باليونانية "إبليس" διάβολος (معناه المشتكي زوراً) فتشير إلى كائن شخصي غير مرئي في حدّ ذاته، ولكنه يظهر بعمله أو بتأثيره إما من خلال نشاط كائنات أخرى (أرواح نجسة) وإمّا من خلال تجربة الشيطان الذي يحاول أن يُبلبل علاقات الله مع شعبه فيدفع الناس إلى ارتكاب الخطيئة، ثم يشكوهم أمام الله، وهكذا يعرقل مخطّط الله الخلاصي. وهناك أسماء أخرى له: "أَبو الكَذِب"(يوحنا 8: 44)، " سيِّدَ هذا العالَمِ " (يوحنا 14 :30) " المُتَّهِمُ " (رؤية 12 :10)، " الشِّرِّيرُ "ا (متى 13 :19)، " العَدُوُّ "(متى 13 :39)، "الحَيَّةُ " (2 قورنتس 11 :3). وتتضمّن فكرة الشيطان في العهد الجديد ميزتين: إنّه الملاك الجاحد (2 بطرس 2 :4) وعدو الله العظيم وسيّد هذا العالم. إنّه سيُغلب أمام المسيح ومملكته. المسيح نزع سلطانه (متى 12 :28). وقد بدأ هذا النصر بمجيء المسيح على الأرض (لوقا 10 :18) وموته على الصليب (يوحنا 12 :31) وسيتمّ عند مجيئه الثاني (رؤية 12 :12). وفي الأيام الأخيرة، وبعد أن يقيّد ألف سنة، نراه يضاعف الشيطان جهوده ليدمّر مملكة الله ويطغي الشعوب (رؤية 20 :7). ويقوم الشيطان بدور المجرّب، جاهداً أن يوقع البشر في الخطيئة (1 تسالونيقي 3: 5)، جاعلاً منهم هكذا مقاومين لله ذاته (أعمال 5: 3). أمَّا عبارة " بَعلَ زَبول " فتشير إلى أحد أسماء رئيس الشياطين، وهو في الأصل اسم إلاهيّ نجده في نصوص أوغاريت. ينطبق على إلاه أوغاريت العلي (عليان). وقد يكون أصلها "بعل زَبوب " أي رب الذباب، وهو إله عقرون (1 ملوك 1: 2) وأسموه هكذا إذ كانوا يعتقدون أن فيه القدرة على طرد الذباب من المنازل، وقد حوّر الرابينيّون المعنى وتحدّثوا عن الزبل "بعل الزبل، أي إله المزابل. واما لقب بعل زبول يعني في فم الفرّيسيّين رئيس الأرواح الشرّيرة الذي به يطرد يسوع الشياطين (متى 10 :25). ويُسمَّى أيضا في أقوال الرابينيّين بليعال او بليعار (اسم عبري בְּלִיַּעַל معناه عديم الفائدة أو شرير) كما يظهر جليا في تعليم بولس الرسول" وأَيُّ ائتِلافٍ بَينَ المسيحِ وبَليعار؟ "(2 قورنتس 6: 15). ومهما يكن الامر، فإن يسوع يُتهم حسداً وبغضاً بأنَّ لا قدرة له على الشياطين إلا برئيسهم بعل زبول.

23 فدَعاهم وكَلَّمَهم بِالأَمثالِ قال: ((كَيفَ يَستطيعُ الشَّيطانُ أَن يَطرُدَ الشَّيطان؟

تشير عبارة "دَعاهم" الى مواجهة يسوع الكتبة الذين دعاهم ليجيب على اتهامهم ليسوع انه يطرد الشياطين بِسَيِّدِ الشَّياطينِ. أمَّا عبارة " الأَمثالِ " باليونانية παραβολή فتشير إلى اول استعمال لهذه الكلمة في إنجيل مرقس، الذي يرى أن الامثال تحجب سِرَّا يُخفى على " الذي في الخارج"، وهو سر ملكوت الله (مرقس 4: 11)، وفي الوقت عينه تكشف للذين في الداخل سر الملكوت الذي بدا بعمل يُنهي مُلك الشيطان. إن أقوال يسوع هنا هي أمثال، لا بسبب طابعها المُتسم بالاستعارات، بل لأنها تكشف لمن يفهم أن ملكوت الله يعمل منذ الآن نهاية مُلك الشيطان. وفي الواقع، منذ نشأة الكنيسة الأولى، أطلقت تسمية "مثل " على كل قصة قالها يسوع إيضاحاً لتعاليمه: في المثل فكرة المقارنة، واللغز لأنه يثير الفضول ويحمل على البحث. والجدير بالذكر ان "مثل او حكمة " (باليونانية paroimia ) تختلف عن الامثال الوارد ذكرها أعلاه)، فهي بمثابة اقوال مختصرة توضح قوانين السلوك ونتائجه على نوع مؤثر. ولكل شعب امثال عديدة تظهر خصائص ذلك الشعب وحكمته وجهالته وعواطفه وهزلياته (عدد 23: 18 و24: ومتى 24: 32).

24 فإِذا انقَسَمَت مَملَكَةٌ على نَفْسِها فلا تَستَطيعُ تِلكَ المَملَكَةُ أَن تَثبُت. 25وإِذا انقَسَمَ بَيتٌ على نَفْسِه، فلا يَستَطيعُ ذلك البَيتُ أَن يَثبُت. 26وإِذا ثارَ الشَّيطانُ على نَفسِهِ فَانقَسَم فلا يَستَطيعُ أَن يَثبُت، بل يَنتَهي أَمرُه.

تشير عبارة " انقَسَمَت مَملَكَةٌ على نَفْسِها " الى كشف يسوع عن غباوة تفكير الكتبة وسخافة ادعائهم؛ وذلك إن حدث شقاق يتبعه خراب لا محالة. أمَّا عبارة " بَيتٌ" باليونانية οἰκία فتشير إلى عائلة او عشيرة او مبنى (2صموئيل 7: 5-16). اما عبارة " ثارَ الشَّيطانُ على نَفسِهِ فَانقَسَم " فتشير الى رد المسيح على الكتبة أن الشيطان لا ينقسم على نفسه وإلاّ خربت مملكته. وهنا نجد تدرج في الانقسام: ملكوت، بيت، الشيطان. فكلما كانت الجماعة صغيرة كان الانقسام أْدْعى الى الهلاك. لم يكن الشيطان منقسما على ذاته، بل هو في اندحار أمام المسيح القوي الجبار. وفي هذا درس لنا ألاَّ ننقسم على أنفسنا سواء على مستوى العائلة او على مستوى الكنيسة. وكل انقسام سواء على مستوى الكنيسة أو مستوى العائلة هو غريب عن روح المسيح. إنه من عمل الشيطان.

27 فَما مِن أَحدٍ يَستَطيعُ أَن يَدخلَ بَيتَ الرَّجُلِ القَوِيِّ وينهَبَ أَمتِعَتَه، إِذا لم يُوثِقْ ذلكَ الرَّجُلَ القَوِيَّ أَوَّلاً، فعِندئذٍ يَنهَبُ بَيتَه.

تشير عبارة " الرَّجُلِ القَوِيِّ " الى الشيطان الذي احتل الإنسان وحسبه بيته، ونهب كل طاقاته وإمكانياته ومواهبه لتعمل لحساب مملكة الشر؛ لكن الأقوى هو يسوع المسيح الذي يقوِّض مملكة الشيطان ويدمِّرها (لوقا 11: 22، 3: 16)، ويطرحه خارجا الى الابد (رؤية 20: 2، 10). ان القوة، هي من صفات المسيح (اشعيا 11: 2)؛ اما عبارة" يُوثِقْ ذلكَ الرَّجُلَ القَوِيَّ " فتشير الى هجوم يسوع على الشيطان وجعل ذاك "القوي" لا يقوى على شيء (متى 4: 1-11) وذلك بمقاومة سلاحه، وهو إغراءات العالم. إذ قد رفض يسوع كل ما عرضه عليه الشيطان في تجربته على الجبل. أمَّا عبارة "إِذا لم يُوثِقْ ذلكَ الرَّجُلَ القَوِيَّ أَوَّلاً، فعِندئذٍ يَنهَبُ بَيتَه" فتشير الى صراع يسوع مع الشيطان. هذا هو اول مثل يرويه مرقس في انجيله. مع ان الله سمح للشيطان بالعمل في عالمنا، إلا أن الله هو الأقوى، ولان يسوع هو الله، فأن له القدرة على الشيطان، فهو يقدر ان يطرد الشيطان ويقضي على عمله الرهيب في حياة الناس. ويعلق القديس كيرلس الكبير "يقصد بالقوي الشيطان، وما هو بيته إلا مملكته على الأرض، وأما أمتعته فهم أولئك الناس الذين يتشبهون بإبليس أبيهم في شئونهم وأعمالهم... دخل المسيح الكلمة وحده بيت إبليس، هذا العالم الأرضي، وربط الشياطين " أَهبَطَهم أَسفَلَ الجَحيم وأُسلَمَهم إِلى أُحابيلِ الظُّلُمات " (2 بطرس 2: 4)". بميلاد الرب يسوع، تمزَّقت قوة الشيطان وسلطانه، وفي البرية غلب الرب يسوع تجارب الشيطان، وبالقيامة قهر آخر اسلحته، وهو الموت، وسيقيد الرب يسوع الشيطان نهائيا الى الابد فلا يعود يقوم بعمله الشرير " إِبْليسُ الَّذي يُضِلُّهم أُلقِيَ في مُستَنقعَ النَّارِ والكِبْربت، حَيثُ الوَحشُ والنَّبِيُّ الكَذَّاب، وسيُعانونَ العَذابَ نَهارًا ولَيلاً أَبَدَ الدُّهور"(رؤية 20: 10). ولن يسود الشر العالم بعد ذلك. فالرب يسوع له سلطان كامل على الشيطان وكل قواته. وباختصار، المسيح إنما يُخرج الشيطان من الناس بأمره وسلطانه. كان الشيطان يمتلك الناس، وجاء المسيح ليحررهم من سلطانه ويضمَّهم كأحرار لملكوته. ويؤكّد الربّ يسوع على أنّ سلطته في طرد الأرواح الشرّيرة هي برهان ساطع لحضور ملكوت الربّ وهي تثبت أنّ ملكوت الربّ قد أتى.

28 ((الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ كُلَّ شَيءٍ يُغفَرُ لِبَني البَشَرِ مِن خَطيئةٍ وتَجْديفٍ مَهما بَلَغَ تَجْديفُهم.

تشير عبارة "الحَقَّ أَقولُ لَكم" الى تأكيد يُعطي بها يسوع قوة لأقواله. أما عبارة "تَجْديفٍ" باليونانية βλασφημίαι فتشير الى التلفظ بأقوال مهينة لله او لاسمه القدوس بشكل مباشرة (خروج 22: 27) او تعارض قدرته او امتيازاته (مرقس 2: 7)، او تقاوم شخصاً مكلَّف برسالة من الله (أعمال الرسل 6: 11)، او إلى مؤسسة مقدسة (حزقيال 35: 12). والاناجيل تتكلم عن تجذيف ضد يسوع، مُرسل الآب وحامل قدرته (مرقس 15: 29). فالتجديف هو الرفض المتعمد لعمل الروح القدس.

29 وأَمَّا مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس، فلا غُفرانَ له أبداً، بل هو مُذنِبٌ بِخَطيئةٍ لِلأَبَد)).

تشير عبارة "مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس" الى الخطيئة التي تقوم على رفض الاعتراف بالقدرة العاملة بيسوع، وعلى نسبة الأعمال التي يعملها بالروح القدس الى الشيطان. وهذا الرفض للتوبة يحول دون المغفرة؛ إن يسوع المسيح مستعد أن يغفر جميع الاتهامات، إن رجع الانسان عن شره، أمَّا إن بقي الانسان مُصراً على عدم التوبة، فيُعتبر مُجدِّفاً على الروح القدس، أي رافضا عمله الذي هو التوبة، فيحرم من المغفرة ويسقط تحت الدينونة؛ أمَّا عبارة " هو مُذنِبٌ بِخَطيئةٍ لِلأَبَد " باليونانية οὐκ ἔχει ἄφεσιν εἰς τὸν αἰῶνα (معناها تورط في خطيئة ابدية) فتشير الى التجديف على الروح القدس الذي "لا يُغفر في الدنيا ولا في الآخرة" (متى 12: 32). قد يُنكر الانسان سر المسيح، ولكنه لا يُعذر على سوء تفسير العلاقة القائمة على طرد الشياطين الذي أجراه يسوع بروح الله. يسوع هو موسى الجديد الذي يطرد الشياطين بسلطانه الخاص كما صرح يسوع للناس الذين اعترضوا على سلطة يسوع " أَمَّا إذا كُنتُ بإِصبَعِ اللهِ أَطرُدُ الشَّياطين، فقَد وافاكُم ملَكوتُ الله" (لوقا 11: 20). وقد حذّر يسوع الكتبة من شناعة العواقب المترتبة على تلك التهمة، ان موقف كهذا لعدم الايمان المتعمِّد قد تنجم عنه حالة متقسِّيه تُصبح معها التوبة ومن ثم الغفران مستحيل، ولكن كان يسوع أكثر ميلا منه لإتاحة فرص المغفرة والإصلاح وفتح باب النعمة والرحمة الالهية غير المحدودة. أمَّا عبارة " بِخَطيئةٍ لِلأَبَد " فتشير الى رفض الانسان قدرة الله العاملة في يسوع، ونسبها الى الشيطان. هذا الرفض يتعارض كل التعارض مع الغفران الذي يقدِّمه الله " مَن قالَ كَلِمَةً على ابنِ الإِنسانِ يُغفَرُ له، أَمَّا مَن قالَ على الرُّوحِ القُدُس، فَلَن يُغفَرَ لَه لا في هذهِ الدُّنيا ولا في الآخِرة "(متى 12: 32).

30 ذلك بأَنَّهم قالوا إِنَّ فيه رُوحاً نَجِساً.

تشير عبارة "رُوحاً" الى كائن غير مادي قد يلبس أو لا يلبس جسداً؛ أمَّا عبارة "نَجِساً" فتشير الى رمز للخطيئة (متى 23: 27)، والنجاسة هي مساومات مع الآلهة الكاذبة (حزقيال 20 :30-31)، وهي حالة عابرة تَستبعد من المشاركة في القدسيّات (تثنية الاشتراع 12 :15، وتصدر عن القلب وتمتد الى الفكر والضمير (متى 15: 11) وتجلب الويل (الاحبار 18: 25 وأشعيا 24: 5). اما عبارة " رُوحاً نَجِساً " فتشير الى الشيطان مرقس 1: 23؛ 5: 2؛ 7: 25). أنه روح نجس لان تأثيره مناقض لقداسة الله وشعبه.

31 وجاءَت أُمُّه وإِخوتُه فوقَفوا في خارِجِ الدَّار، وأرسَلوا إِليهِ مَن يَدْعوه.

تشير كلمة " أُمُّه "الى مريم العذراء التي يذكرها مرقس الإنجيلي لأول مرة. إن مريم تحتل وضعاً خاصاً ليسوع لا يحتله أي عضو آخر في الكنيسة. إذ يتجلّى مجدها وفرحها كأمّ المسيح في كلمات الربّ " مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات هو أَخي وأُختي وأُمِّي " (متى 12: 50). وتعرف مريم أولاً وقبل كل شيء بصفتها "أم يسوع " (لوقا 1: 3، 31)، وذلك بملء حريتها وقد قبلت أن تلد ابن الله، من أجل شعب الله. وهي تُمثل جميع هذا الشعب، وتحمله على قبول الخلاص الذي يعرضه الله عليه. وسرّ الأمومة يقتضي اشتراكاً كاملاً في سرّ يسوع، في حياته على الأرض، حتى تجربة الصليب (يوحنا 19: 25-26) واتحاداً في مجده، حتى الاشتراك في قيامته (رؤيا 21)؛ ولكن لا ننسى أن بواسطتها، صار ابن الله، وهو الوسيط " الوحيد، أخاً لكل الناس، وأقام معهم علاقة عضوية، كما أنهم لا يستطيعون الاتصال به بدون وساطة الكنيسة التي هي جسده (قولسي 1: 18). وهذه الحقيقة الأساسية التي تحدد موقف المسيحيين تجاه مريم: ولذلك يرتبط موقفهم هذا إزاء مريم ارتباطاً مباشراً بموقفهم إزاء أمهم الكنيسة (يوحنا 19: 27). اما عبارة " إِخوتُه " فتشير في الكتاب المقدس، كما العادة هي في بلادنا، إلى أبناء الأم الواحدة تربطهم رابطة الدم، وإمَّا الى أبناء عمومته، لان اليهود يعتبرون أولاد الخالة والخال وأولاد العمومة أنهم إخوة. وفي الواقع، "أخوة يسوع" هم أبناء مريم زوجة قلاوبا أخت مريم التي كانت بجانب مريم امه عند الصليب "وكانَ أَيضاً هُناكَ بَعضُ النِّساءِ يَنظُرْنَ عن بُعْد، مِنهُنَّ مَريَمُ المِجدَلِيَّة، ومَريَمُ أُمُّ يَعقوبَ الصَّغيرِ ويوسى، وسالومَة" (مرقس 15: 40). وذُكر مرقس الإنجيلي هؤلاء الاخوة بقوله " لَيسَ هذا النَّجَّارَ ابنَ مَريَم، أَخا يعقوبَ ويوسى ويَهوذا وسِمعان؟ أَوَ لَيسَت أَخَواتُهُ عِندَنا ههُنا؟ (مرقس 6: 3)، وخير مثال على ذكر الاخوة على أنهم أبناء العمومة مثل إبراهيم ولوط، إذ قال َإبراهيم لِلُوط "لا تَكُنْ خُصومةٌ بَيْني وبَينَكَ، ولا بَينَ رُعاتي ورُعاتِكَ، فنَحنُ إخْوَة"(تكوين 13: 8)، وفي الواقع إن لوط هو ابن أخيه. ومثل آخر هو علاقة لابان بن ناحور خال يعقوب (التكوين 28: 2)، ومع ذلك نسمع لابان يقول ليعقوب " ((إِذا كُنتَ أَخي، أَفتَخدِمُني مجَّانًا؟ " (تكوين 29: 15). وكثيرا ما كان ابناء العم او الخال او العمة او الخالة، يًقال عنهم إخوة في تلك الايام. وأمَّا يسوع فكان لامه البكر الوحيد. أمَّا عبارة " فوقَفوا في خارِجِ الدَّار " فتشير الى قضاء اقاربه فترة خارج البيت التي اثنائها كان يسوع يتحاور مع الكتبة.

32 وكانَ الجَمعُ جالِساً حَولَه فقالوا له: ((إِنَّ أُمَّكَ وإِخوَتَكَ في خارجِ الدَّار يَطلُبونَكَ)).

تشير عبارة " أُمَّكَ " الى مريم ام يسوع المسيح. نلاحظ هنا غياب الآب " في اللائحة، ولم ترد اية إشارة ليوسف فلعلَّ ذلك يفيد أنه قد مات. أمَّا عبارة " إِخوَتَكَ في خارجِ الدَّار" فتشير الى إخوته الذين وقفوا خارجًا لأنهم كانوا لا يؤمنون به. حيث أن الوقوف خارجًا يدلّ على فقدان علاقتهم بالمسيح. أما من يدخل للداخل فهم هؤلاء الذين قبلوا المسيح وحفظوا وصاياه. وفي هذا الصدد يقول لوقا الإنجيلي " فتَنَبَّهوا كَيفَ تَسمَعون! "(لوقا 8: 18)، فالكل يسمع ولكن من يسمع وينفذ ويطيع الوصايا هو المقبول أمام الله. أمَّا عبارة " يَطلُبونَكَ " فتشير الى أقرباء يسوع الذين جاؤوا ليأخذوه، خلافا لما ورد في انجيل لوقا حيث جاء اقرباؤه ليروه " إِنَّ أُمَّكَ وإخوتَكَ واقِفونَ في خارِجِ الدَّارِ يُريدونَ أَن يَروكَ " (لوقا 8: 20). وهنا تجاهله اهله كما رفضه وطنه الناصرة، حيث نشأ وترعرع فيه (مرقس 6: 1-6).

33 فأَجابَهم: ((مَن أُمِّي وإِخَوتي؟)) 34ثُمَّ أجالَ طَرفَه في الجالِسينَ حَولَه وقال: ((هؤُلاءِ هُم أُمِّي وإِخوَتي،

تشير عبارة " مَن أُمِّي وإِخَوتي؟" الى مفهوم جديد للارتباط به ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " إنه لم يقل: "أنتِ لست أمي"، بل قال: "من هي أمي"، وكأنه يقدم مفهومًا جديدًا للارتباط به ليس خلال علاقة جسدية خلال الدم واللحم والنسب، وإنما خلال الطاعة لإرادة أبيه. ألا ترى أنه في كل مناسبة لم ينكر القرابة حسب الطبيعة لكنه أضاف إليها ما هو بواسطة الفضيلة؟". أمَّا عبارة "هؤُلاءِ هُم أُمِّي وإِخوَتي" فتشير الى قرابة من نوع جديد. عائلة يسوع تتكوَّن من الذين يعملون بمشيئة الله "فقالَ يسوع: ((الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما مِن أَحَدٍ تَرَكَ بَيتاً أَو إِخوَةً أَو أَخَواتٍ أَو أُمَّا أَو أَباً أَو بَنينَ أَو حُقولاً مِن أَجْلي وأَجْلِ البِشارَة إِلاَّ نالَ الآنَ في هذهِ الدُّنْيا مِائةَ ضِعْفٍ مِنَ البُيوتِ والإِخوَةِ والأَخَواتِ والأُمَّهاتِ والبَنينَ" (مرقس 10: 30). من يعمل بمشيئة الله يكون اخا للمسيح وأما، وأمَّا الاخوة فبالإيمان. نشير هنا الى ان يسوع لم يرفض القرابة الجسدية بل شدَّد على القرابة الروحية بينه وبين الذين يؤمنون به. وأوضح أنَّ صلتنا بعائلتنا الروحية هي أوثق وأهم من صلتنا بعائلاتنا حسب الجسد. ومن هذا المنطلق فإن جواب يسوع ليس فيه استبعاد لامه، او انتقاد لها التي صوّرها الانجيل بصورة المؤمنة (لوقا: 1: 45) ولا فيه احتقار لإخوته. مريم هي والدة يسوع بصفتها أمّه، وهي والدته وأخته وقريبته بصفتها أوّل العاملين بمشيئة الله وهي التي قالت للملاك جبرائيل: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لوقا 1: 38). ولقد كانت أمه تسمع كلمة الله وتعمل بها "كانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها" (لوقا 2: 19)، لذا طوّبها يسوع بقوله "طوبى لِمَن يَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ ويَحفَظُها" (لوقا 11: 28).

35 لأَنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أخي وأُخْتي وأُمِّي)).

تشير عبارة " مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أخي وأُخْتي وأُمِّي " الى عائلة يسوع الروحية لان أصلها الوحيد هو الآب السماوي " لَيسَ مَن يَقولُ لي ((يا ربّ، يا ربّ)) يَدخُلُ مَلكوتَ السَّمَوات، بل مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ أَبي الَّذي في السَّمَوات" (متى 7: 21). يوضح لوقا الإنجيلي أنه يجب سماع الكلمة في ايمان للعمل بها "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها" (لوقا 8: 21). ويعلق القديس اوغسطينوس: "أمّه هي أيضًا كلّ نفس مقدّسة تنفّذ مشيئة أبيها، والتي تظهر محبّتها الخصبة من خلال أولئك الذين تلدهم له "حتَّى يُصوَّرَ فيهمِ المسيح" (غلاطية 4: 19)". ومن هذا المنطلق فإن جواب يسوع لا يقلل بأية حال قدسية العلاقة العائلية، ولكنه يؤكد ان العلاقات الروحية أعمق وأقوى وقائمة على الطاعة لإرادة الله، وهذا هو مبدأ نشأة الكنيسة الاولى. أمَّا عبارة "هو أخي وأُخْتي وأُمِّي " فتشير الى شعور يسوع انه أخ لكل إنسان يعمل بمشيئة الله. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " الإنسان يصير كأم ليسوع بالكرازة به، إذ يكون كمن يلد الرب في قلوب سامعيه". ويضيف القديس أمبروسيوس "احرص أن تتمم مشيئة الآب لكي تكون أمًا للمسيح".

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 3: 20-35)

بعد دراسة وقائع النص الانجيلي (مرقس 3: 20-35)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول نقطتين: مقاومة ذوي يسوع ضده والتجديف على الروح القدس. إذ تنشأ المقاومة من مصدرين: يُتهم يسوع عن سوء نية، من عائلته ومن الكتبة الآتين من اورشليم، وهو بمثابة سلطات أورشليم الدينية.

1) المقاومة من فئة اسرته (مرقس 20-21؛ 31-35)

المقاومة التي أبداها أقرباء يسوع هي بمثابة احتجاج حسن النية ولكن في غير محله. لِأَنَّهم كانوا يَقولون "إِنَّه ضائِعُ الرُّشْد" (مرقس 3: 21) وأرادوا ان يمسكوه ليأخذوه ويرجعوه الى الناصرة معهم ويوقفوا عمله الرسولي، لأنهم لم يفهموا عمق الحكمة التي كان يعلّمها للجمع، بل اعتقدوا أنّ كلامه خالٍ من أيّ منطق، تلك هي خطة أقاربه. فأَجابَهم: "مَن أُمِّي وإِخَوتي؟" (مرقس 3: 33).

أمَّا نتيجة مقاومة اسرته فقد أجالَ يسوع طَرفَه في الجالِسينَ حَولَه وقال ((هؤُلاءِ هُم أُمِّي وإِخوَتي، لأَنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أخي وأُخْتي وأُمِّي"(مرقس 3: 35). لقد جذب السيد المسيح تلاميذه إلى البيت والتف حوله جموع، كي يعلن علاقته بهذه الجمع، " لأَنَّ مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أخي وأُخْتي وأُمِّي " (مرقس 3: 35)، أنه دخل معهم في قرابة على مستوى يفوق القرابة الجسدية. إنه لم يحطم القرابة حسب الجسد ولا قاومها، لكنه أعلن الالتزام بقرابة أسمى وأعلى وهي القربة الروحية.

والجدير بالذكر أن انجيل مرقس لم يقل أنَّ يسوع أجال طرفه في تلاميذه، بل "أجالَ طَرفَه في الجالِسينَ حَولَه" (مرقس 3: 34)، وهو لم يميّز بعد بين التلاميذ والناس، بل بين التلاميذ والاقارب حيث ان عائلته الحقيقة هم الناس بقدر ما يقفون موقف السامع المصغي. لأَنَّ "مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله هو أخي وأُخْتي وأُمِّي" (مرقس 3: 35)؛ وأكد يسوع لهم ان القرابة الحقيقية هي القرابة الروحية، وشدَّد على تضامنه مع الذين قبلوا ان يسمعوا الكلمة والتزموا بها وبإتباعه من أجل الملكوت. مع ان يسوع أهتم بكل من أحبوه، لكن لم تكن عنده محاباة، بل كان يقدِّم لكل إنسان فرصة ان يطيع الله، وبالتالي الانضمام لعائلته الروحية.

2) المقاومة من فئة الكتبة (مرقس 3: 22-30):

لم يلاقي يسوع مقاومة من اسرته فحسب، إنما من فئة الكتبة أيضا. وكانت هذه المقاومة التي جاءت من الكتبة أشد خطرا حيث نشأت نتيجة الكراهية والحسد بغرض إبعاد الناس عن المسيح (متى 12: 22-37). إذ لم يستطع الكتبة إنكار معجزات الرب يسوع وقوته الخارقة للطبيعة، وأبوا الايمان بأن قوته هي من الله وإلا لكان عليهم أن يقبلوه على انه المسيح الذي كانوا ينتظرونه، ولكن منعهم كبرياؤهم من ذلك. وفي محاولة منهم للقضاء على شعبيته اتهموه بأنه يستمد قوته من الشيطان، فقالوا عنه "إِنَّ فيه بَعلَ زَبول، وإِنَّه بِسَيِّدِ الشَّياطينِ يَطرُدُ الشَّياطين" (مرقس 3: 22). وهذا هو التجديف. هو كل إهانة تُوجّه إلى الله نفسه! وهي نقيض السجود والتسبيح.

اتهمه الكتبة يسوع بالكذب، وردّ يسوع عليهم في موضوعين رئيسيين: المملكة المنقسمة على نفسها تخرب. والموضوع الثاني، وهو خياران لا ثالث لهما: إن كنت أطرد الشيطان برئيس الشياطين، فهذا يعني أن الشيطان يحارب نفسه. وهذا غير معقول. وإن كنت أطرد بقدرة الله فلماذا لا تؤمنون؟ وبهذا الكلام، دحض يسوع ادعاء الكتبة اللامنطقي والسخيف ببرهان منطقي. وفي الواقع يسوع يطرد الشياطين بقدرة الله مما يدل على ان ملكوت الله حلّ في البشر. وبالتالي، نحن امام عمل جديد، هو عمل يسوع الذي يُنهي سلطان الشيطان في العالم (لوقا 10: 18). ويبقى على المؤمن ان يكتشف هذا العمل بالإيمان.

في الواقع، إن هذا التعامي عينه يجعل خطيئة اليهود تامة، لأنهم يوجهون الإهانات للابن " أَلَسْنا على صوابٍ في قَولِنا إِنَّكَ سامِريّ، وإِنَّ بِكَ مَسّاً مِنَ الشَّيطان؟ " (يوحنا 8: 49)، فيسوع الذي يُكرِّم الآب يتَّهمه اليهود بالتجديف، لأنه يقول عن نفسه إنه ابن الله كما جاء في قولهم له: "لا نَرجُمُكَ لِلعَمَلِ الحَسَن، بل لِلتَّجْديف، لأَنَّكَ، وأَنتَ إنْسان، تَجعَلُ نَفْسَكَ الله " (يوحنا 10: 33)، ولهذا السبب يحكمون عليه بالموت " لَنا شَريعَة، وبِحَسَبِ هذهِ الشَّريعة يَجِبُ علَيه أَن يَموت لأَنَّه جعَلَ نَفْسَه ابنَ الله " (يوحنا 19: 7). وعلى الصليب يوسعونه تجديفاً يا "أَيُّها الَّذي يَنقُضُ الهَيكلَ ويَبْنيهِ في ثَلاثةِ أَيَّام، خَلِّصْ نَفْسَكَ فَانزِلْ عَنِ الصَّليب (مرقس 15: 29-30).

ولو لم يكن ثمّة إلا خطأ يتعلق بهويّة ابن الإنسان، لكانت الخطيئة قابلة للغفران (متى 12: 32)، على أساس أنها من قبيل الجهل (لوقا 23: 34). ولكن هناك تجاهل أعظم، لأن أعداء يسوع ينسبون إلى الشيطان العلامات التي يتمّمها بروح الله "إِنَّ فيه بَعلَ زَبول، وإِنَّه بِسَيِّدِ الشَّياطينِ يَطرُدُ الشَّياطين" (مرقس 3: 22). ففي الأمر ثمة تجديف على الروح، لا يمكن أن يُغفر، لا في هذا العالم، ولا في الآخر (متى 12: 31-32)، لأنه رفض إرادي للوحي الإلهي. ومن هنا يُطرح بعض الأسئلة:

ا) ما معنى التجديف على الروح القدس

التجديف على الروح هو ليس إحزان الروح كما يقول بولس الرسول " لا تُحزِنوا رُوحَ اللّه القُدُّوسَ الَّذي به خُتِمتُم لِيَومِ الفِداء " (أفسس 4: 30)، ولا إخماد الروح (1 تسالونيقي 5: 19)، ولا مقاومة الروح كما قال اسطفانس لليهود "يا صِلابَ الرِّقاب، ويا غُلْفَ القُلوبِ والآذان، إِنَّكُم تُقاوِمونَ الرُّوحَ القُدُسَ دائمًا أَبَدًا، وكما كانَ آباؤُكم فَكذلِكَ أَنتُم." (اعمال الرسل 7: 51)، إنما التجديف على الروح القدس هو الرفض الكامل والدائم كل عمل الروح القدس في القلب، رفض يستمر مدى الحياة ونتيجة هذا الرفض، لا يتوب الانسان، فلا يغفر الله له. وصدق القول" لا توجد خطيئة بلا مغفرة، إلاّ التي بلا توبة “حسب قول يسوع " إِن لم تَتوبوا تَهِلكوا بِأَجمَعِكُم كذلِكَ" (لوقا 13: 5). نستنتج مما سبق ان عدم التوبة حتى الموت، هي خطيئة الوحيدة التي بلا مغفرة. الانسان يقع في اليأس وبالتالي في كآبة التي لا تساعده على أي عمل روحي. يكون الانسان هو السبب في هلاك نفسه، وليس الله الغفور الرحيم.

ومن هنا نستنتج ان أي خطيئة يتوب عنها الانسان يغفرها الله بحسب وعده " وإِذا اعتَرَفْنا بِخَطايانا فإِنَّه أَمينٌ بارّ يَغفِرُ لَنا خَطايانا وُيطَهِّرُنا مِن كُلِّ إِثْم " (1 يوحنا 1: 9). الملحدون الذين آمنوا، يغفر لهم عدم إيمانهم وسخريتهم بالله وبروحه القدوس. فكل الذين أتبعوا مقدونيوس في هرطقته وإنكاره لاهوت الروح القدس، لما تابوا قبلتهم الكنيسة وأعطتهم الحل والمغفرة. ويقول القديس أوغسطينوس" حقًا إن كل خطيئة وتجديف يغفر للبشر ليس فقط ما يقال ضد ابن الإنسان. فما دامت لا توجد خطيئة عدم التوبة هذه التي توجّه ضد الروح القدس الذي به تغفر الكنيسة جميع الخطايا، فإن جميع الخطايا تغفر".

ب) لماذا التجديف على الروح القدس لن يُغفَر؟

لقد أجاب القدّيس توما الأكويني على هذا السؤال بتفسيره أنّ هذه الخطيئة غير قابلة للغفران بطبيعتها لأنّها تفتقر إلى المقوّمات التي يرتكز عليها غفران الخطايا. فإنّ هذه الخطيئة لا تُرتَكب حين يقوم إنسان ما بالتفوّه بكلام نابٍ على الروح القدس؛ إنّما جوهر هذه الخطيئة يكمن في رفض الإنسان تلقّي الخلاص الذي يقدّمه الله الآب للإنسان بواسطة الروح القدس باستحقاق ذبيحة الإبن على الصليب. إذا رفض الإنسان كشف خزي الخطيئة، هذا الكشف الآتي من الروح القدس، والذي يحمل طابعًا خلاصيًّا (يوحنا 16: 8)، فإنّه يرفض في الوقت نفسه مجيء الروح القدس. هذا المجيء يتجسّد من خلال السرّ الفصحى باتّحاد مع القوّة الخلاصيّة لدم الربّ يسوع المسيح، هذا الدم الذي "يُطَهِّرَ ضَمائِرَنا مِنَ الأَعمالِ المَيْتَة لِنَعبدَ اللهَ الحَيّ" (العبرانيين 9: 14).

نحن نعرف أنّ ثمرة هذا التطهير هي غفران الخطايا. وبالتالي، فإنّ مَن يرفض الروح والدم (1يوحنا 5: 8) يبقى في "الأَعمالِ المَيْتَة" أي في الخطيئة. إنّ خطيئة التجديف على الروح القدس تكمن في الرفض المطلق لهذا الغفران الذي يشكّل الروح القدس نبعًا له، ويشكّل الارتداد الحقيقيّ الذي يقوم به الروح في الضمير شرطًا أساسيًّا له. إن قال يسوع: "كُلُّ خَطِيئَةٍ سَتُغْفَرُ لِلنَّاس، وكُلُّ تَجْدِيف، أَمَّا التَّجْدِيفُ عَلى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَر لا في هذا العالم ولا في العالم الآتي"، فذلك لأنّ عدم الغفران هذا مرتبط بعدم التوبة أي الرفض المطلق للارتداد. ولا يمكن أن تغفر الخطيئة بفعل من الله دون شرط تغيير روح الإنسان وقلبه.

ويعلق البابا القديس يوحنّا بولس الثاني في الرسالة العامة "إن التجديف على الروح القدس هو الخطيئة التي يرتكبها الإنسان الذي يطلب "حقّ" البقاء في الشرّ – أي في حال الخطيئة مهما كانت – ويرفض الخلاص بذات الفعل. هكذا يبقى الإنسان محبوسًا في الخطيئة جاعلاً من المستحيل توبته، وبالتالي أيضًا غفران خطاياه الذي يعتبره غير ضروريٍّ وغير ذي أهمّية لحياته. نحن هنا أمام حالة من الدمار الروحي لأنّ التجديف على الروح القدس لا يسمح للإنسان بالخروج من سجن الخطيئة الذي أدخل نفسه إليه". ( Dominum et vivificantem، الفقرة 46).

أما التجديف على الروح القدس هو الإصرار على مقاومة صوت الروح القدس الذي يبكت على الخطيئة داعيًا للتوبة (يوحنا 16: 8)، أي أن يصر الإنسان على عدم التوبة حتى آخر نسمة من نسمات حياته. لذا إصرار الإنسان على المقاومة لصوت الروح القدس ينطفئ صوته. لذلك يحذر الرسول بولس "لا تطفئوا الروح" و "لا تحزنوا الروح" وإذا انطفأ الروح داخل إنسان لعناده سيصبح غير قادرًا على التوبة لأنه لا يسمع صوت الروح القدس، وإذ لا يقدم توبة لا تغفر خطيئته، وهذا هو التجديف على الروح الذي لا يُغفر.

ج) ما علاقة عدم التوبة بالتجديف على الروح القدس؟

من يرفض الروح لا يتوب، ولا يأتي بثمر روحي. والانسان لا يتوب الاّ بعمل الروح فيه. فالروح القدس “أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة" (يوحنا 16: 8). وهو الذي يقود الانسان الى الحياة الروحية. أنه القوة التي تساعد على كل عمل صالح والثمر الروحي. ولا يستطيع أحد ان يعمل عملا روحيا بدون معونة الروح القدس. فإن رفض الانسان معونة او شركة الروح القدس (2 قورنتس 13: 14)، لا يمكن ان يعمل خيرا على الاطلاق لان كل اعمال البر هي ثمر الروح (غلاطية 5: 22). ومن يكون بلا ثمر يقطع ويلقى في النار " ها هيَ ذي الفَأسُ على أصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار" (متى 3: 10). ويعلق الراهب السسترسياني إسحَق النجمة "التوبة ليست محجوبة عمّن يثمر ثمرًا يدلّ على توبته (لوقا 3: 8). إلاّ أنّ المرء عندما يرزح تحت ثقل الشرّ، لا تعود له القدرة على التطلّع إلى تلك التوبة التي تقود إلى المغفرة" (العظة 39).

وبعبارة أخرى، من يجذِّف على الروح القدس هو اعمى روحيا، فالعمى الروحي يُعمى الإنسان أيضًا عن فساد طريقه فلا يعرف أنه خاطئ ولن يطلب التوبة، ويعميه أيضًا عن رؤية الهلاك الأبدي، فلا يقع بصره إلاّ على ملذات العالم.

د) هل التجديف على الروح القدس يحد من قدرة الله على المغفرة؟

التجديف على الروح القدس هي الخطيئة الوحيدة التي بطبيعتها، تُبعد الانسان عن نطاق الغفران. الروح القدس هو الذي يأتي بهبة الخلاص لقلب الانسان. هذا يعني أننا نرفض النظر إليه، اننا نكفر بالروح القدس. التجديف على الروح القدس انكار عملية تبكيت الروح القدس على الخطيئة، لأنه لا يمكن أن يخلص إنسان، إلا بعمل الروح القدس ورفض التوبة والاعتراف بالخطيئة، هو رفض لغفران الله. فكل من يرفض عمل الروح القدس، يحرم نفسه من القوة الوحيدة التي تستطيع ان تقوده الى التوبة والعودة الى الله. وهذا الامر لا يعني ان الخطيئة ضد الروح القدس تضع محدودية في الله وكأن الله لا يستطيع أن يغفر. خطيئة التجديف على الروح تنبع من الحدود التي يضعها الإنسان أمام غفران الله. الخطيئة بشكل عام، والتجذيف بشكل خاص يغفران، لان الله إله الغفران، (متى 13: 29) من تجاهل سر يسوع وما فهم كيف يطرد الشيطان، غفر الله له. أما من تجاهل عمل الروح القدس في يسوع لا يُغفر له، لأنه يعارض عمل الروح وإلهاماته. نحن أمام تحذير وتهديد يُبقي غفران الله مفتوحاً.

الخلاصة

قاوم أقارب يسوع عن حسن نية خدمة يسوع في الجليل لكن الكتبة قاوموا خدمة يسوع عن خبث وحسد وكراهية فجذّفوا عليه قائلين " فيه بَعلَ زَبول، وإِنَّه بِسَيِّدِ الشَّياطينِ يَطرُدُ الشَّياطين ". فهددهم يسوع قائلا "مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس، فلا غُفرانَ له أبداً، بل هو مُذنِبٌ بِخَطيئةٍ لِلأَبَد" خطيئة التجذيف التي لا تغتفر ليست عملا واحد، بل هو موقف متعمد لرفض النور، وتفضيل الظلمة على النور " إِنَّما الدَّينونَةُ هي أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة "(يوحنا 3: 19). أوضح يسوع ان نتيجة المقاومة للكتبة ليسوع هو تجديف على الروح، وهذه الخطيئة لا تغفر (مرقس 3: 23-30) لأنهم لم يتوبوا. وإن التوبة هي الخطوة الأولى في طريق مغفرة الخطايا. ومتى رفض الانسان التوبة فقد حُرم من غفران خطيئته. إذ يرفض إرشاد روح الربّ ويرفض البصيرة والمعرفة لكي يتعرّفوا على الحق. إنّه يفقد معرفته لحالته الشرّيرة الفاسدة، فإنّه يعجز عن معرفة حقّ الربّ.

وبتعبير آخر، إنّ الخطيئة ضدّ الروح القدس هي أن يفقد الإنسان معرفته لحالته الشرّيرة الفاسدة نتيجة رفضه لإرشاد الروح القدس، وبذلك لا يستطيع أن يأتي تائباً ونادماً. وبهذا المفهوم التجديف على الروح القدس هو الاصرار على عدم التوبة، ومن ارتكب هذه الخطيئة يكون قد حرم نفسه من ينبوع المغفرة واستحق الإدانة بروحه المنقسم على ذاته. من يرفض يسوع علانية لا يمكن ان ينال الغفران، ولا يمكن للإنسان ان ينال رسالة الغفران الى ان يقبل مُعطي الغفران أي يسوع المسيح. وأنه لكي نصل إلى الغفران من المهم أن نتوب ونغيّر عقليتنا. كما قال يسوع "الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ كُلَّ شَيءٍ يُغفَرُ لِبَني البَشَرِ مِن خَطيئةٍ وتَجْديفٍ مَهما بَلَغَ تَجْديفُهم أمَّا وأَمَّا مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس، فلا غُفرانَ له أبداً، بل هو مُذنِبٌ بِخَطيئةٍ لِلأَبَد" (مرقس 3: 28-29). إن التجديف أي المقاومة المستمرة لتأثير الروح القدس، يتضمن الرفض المستمر عن عمد لعمل الروح القدس، وبالتالي لله ذاته. إن من يرتكب هذه الخطيئة يغلق عل ذاته بعيداً عن الله، بصورة شاملة، حتى انه لا يعي أي خطيئة على الاطلاق. فيتوجب علينا ان نقاد لإلهام الروح القدس، كي نساهم في انتصار يسوع على "قوى الشر" و "شيطان" و "عدو الله"، وننشر ملكوت الله بيننا.

دعاء

أيها الآب السماوي، نطلب اليك باسم المسيح، ان تملك على عقولنا وقلوبنا وتكون سيد بيوتنا فنصغي دوما الى إرشادات الروح القدس ولا يكون أي شيء في حياتنا خارجا عن سيادتك بل نعمل مشيئتك الإلهية ونقاوم الشيطان فيُطرد الى الخارج فنتحرر من الخطيئة ومن قبضته وحبائله الشريرة ويسود ملكوت الله على الأرض. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء