معضلة اسمها "تسويق الذات"

معضلة اسمها "تسويق الذات"

حنان كامل الشيخ
2017/09/12

من مفارقات الشعوب العربية، ما يمكن لمسه والإحساس به من اللقاء الأول مع شخص ما، لتكتشف بنفسك كيف أن شعبا تقريبا بأكمله، يستطيع أن يسوق لك نفسه في مجمل مناحي الحياة كأستاذ متمرس وخبير محكم، في الوقت الذي لربما لا يمتلك من أصول معرفته الحقيقية بها أكثر من مبادئها الأولية.

في حين أن شعبا آخر، ليس بعيدا عن هنا، يتحرج من إطلاق معلوماته الوفيرة حول الموضوع، والتحدث عن خبرته الواقعية بخصوصه، متقهقرا أمام أسلوب المواجهة، وذكاء التسويق.

نحن شعب لا يعرف أن يسوق نفسه! هذه حقيقة، وحقيقة مؤسفة في ظل وجود عناصر النجاح والتميز كافة، ضمن الأدوات التي نمتلكها ونتمكن منها.

هذا العيب الواضح في تقديم مؤهلاتنا العلمية والعملية والإنسانية والمعرفية، سواء في أسواق العمل خارج حدود الوطن، أو في المحافل المشتركة عربيا ودوليا، مرجعه بالتأكيد متعلق بالثقة في النفس والحياء المتوطن في ثنايا شخصياتنا، منذ عشرات السنين وحتى اليوم. حياء، يمنعنا من التحدث بطلاقة واسترسال حول مقدرتنا في فعل ما يمكننا فعله حقا، أو استعدادنا لتطوير ما تم إنجازه إلى ما هو أفضل.

هذا الأمر انعكس ولا يزال على مستوى التعامل والثقة بنا، والذي صار مبنيا وبشكل نمطي على الانطباع العام بخصوصنا، أننا شعب متعلم ومهني جدا، إنما لا يعرف كيف يقول ذلك! في الوقت الذي نجد آخرين من دول حولنا، عاشوا تقريبا ظروفا سياسية واجتماعية مشابهة لظروفنا، إن لم تكن أسوأ في كثير من الأحيان، يتفوقون علينا بتقدير أنفسهم واحترام مقدراتهم ومن ثم إجبار المحيطين على الإعجاب بها، فقط لأنهم يعرفون كيف يتحدثون ويجلسون وينظرون . وكل ذلك بالطبع مرده إلى التربية والتعليم القائمين على زرع الثقة بالنفس، قبل أن تزرع العلوم و الثقافات والتجارب.

وليس جديدا أننا، وأخص الجيل الذي كان يسمع كلام الكبار، ويحترم معلميه ومربيه، ويقلق من يوم النتيجة، أيا كانت؛ نتيجة الامتحان أو المقابلة أو حتى الفحص الطبي، جبلنا على إخفاء متعلقاتنا الشخصية أمام الآخرين، حتى لا يفهم إظهارها تبجحا! من هنا صار أي اختبار جودة شفهي يخوضه اثنان، أحدهما من هنا والآخر من هناك، حتى ولو كان في تحضير صحن بطاطا مقلية، ستؤول نتيجته الطيبة مؤكد إلى الذي عرف كيف يقول إن بلاده تنتج أفضل بطاطا في العالم، وإن طريقة تقشير الحبات المنتقاة بعناية تؤثر تلقائيا على الطعم النهائي، إن كانت من فوق إلى تحت أو بالعكس، ومن بعدها قضية التقطيع التي يجب أن تكون مثلا بمصاحبة موسيقى موتزارت حتى لا تتأذى مشاعر البطاطا، والتي أثبتت تجارب هذا الشخص ودراساته أنها كائن حي يحس ويتألم، ونهاية بطريقة تقديم البطاطا المقلية فوق سلة ملونة، لتفتح شهية المتلقي للخدمة.

هذا فيما الآخر بالتأكيد كان سيقوم بالمهمة بشكل جيد أيضا ولكن بدون أن يعلن عن ذلك، ولا حتى أن يعرف هو شخصيا أنه يستطيع ذلك، بل ويحاجج في أن النتيجة هي خير برهان، أمام من جاء ليسمع وليس لينتظر النتائج للأسف الشديد!

موضوع تسويق الذات أمر بمنتهى الحساسية والأهمية، في ظل انفتاح الأسواق القادمة على التطبيقات الجاهزة والقائمة بالأساس على الفكرة والإعلان. ثم إننا لا زلنا نعتمد على الأدوات القديمة، إن صحت تسميتها كذلك، في تسيير حياتنا الاجتماعية والمالية والعلمية والفكرية. وقد صادفت شخصيا كثيرا من إخوتنا الذين لم يحظوا بفرص في حياتهم وهم يستحقونها، في التعليم أو السفر أو التطوير أو العمل، وربما حتى من أولئك الذين فقدوا فعليا وظائفهم ومراكزهم أو أحقيتهم في الترقية الأدبية والمهنية، بسبب هذا الموضوع الحساس والخطير.

ربما قد آن الأوان أن يتحول الحديث في موضوع تسويق الذات، من منطقة السخرية وجلد الذات، إلى منطقة الدراسة والحلول.

(نقلا عن الغد الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء