معجزة الخبز والسمكتين معناها ومكانها

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

معجزة الخبز والسمكتين معناها ومكانها

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/07/28

يروي يوحنا الإنجيلي معجزة تكثير الارغفة والسمك (يوحنا 6: 1-15)، وهي المعجزة الوحيدة التي وردت في كل من الاناجيل الأربعة (متى 14: 13-23، مرقس 6: 30-46، ولوقا 9: 10-17)، وذلك لأهميتها. فهي تُثبت لاهوت المسيح. لذا تُعتبر هذه المعجزة في انجيل يوحنا ذروة نشاط يسوع ونهايته في الجليل وجوهر الخدمة فيها، والاختبار الحاسم بين الايمان والرفض. إذ من خلال هذه المعجزة أعلن يسوع العلاقات الجديدة بين البشر في ملكوت الله بالمشاركة في الخبز الواحد الذي قدّمه يسوع للجموع، وهذه المشاركة تدل على الاخوة التي يحتفل بها المؤمنون في عشاء الافخارستيا وكسر الخبز (لوقا 22: 14-20). ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 1-15)

1 عبَرَ يسوعُ بَعدَ ذلك بَحرَ الجَليل (أَي بُحَيَرَةَ طَبَرِيَّة)

تشير عبارة "بَعدَ ذلك" الى ذهاب يسوع للجليل وإجراء فيه معجزات وبالتالي بدأ الشعب إتباعه؛ أمَّا عبارة "بَحرَ الجَليل" فتشير الى بحيرة عذبة تستمد مياهها من نهر الأردن واسم بحر الجليل القديم "بَحرِ كِنَّارةَ " (عدد 34: 11) ثم بُحَيْرَة جَنّيسَارت (لوقا 5: 1) بحرية طبرية (يوحنا 6: 1 و21: 1) وهو الاسم المشهور به بين العرب. ولهذا البحر شأن عظيم في الأناجيل من حيث نسبته إلى تاريخ حياة المخلص في بدء حياته العلنية؛ وهذا البحر محاط بتلال وهضاب إلا في سهول البطيحة من الشمال والغوير وطبرية الغوير من الجنوب حيث يلتقي به نهر الأردن في خروجه. أما طول البحر من الشمال إلى الجنوب فيبلغ نحو 23 كم وطرفه العريض المقابل لقرية المجدل يبلغ 12 كم اما سطحه فيقل ارتفاعاً بنحو 207 م عن سطح البحر الأبيض المتوسط. يتصف مناخه بنصف الحار بسبب انخفاض سطحه. أمَّا عبارة "بُحَيَرَةَ طَبَرِيَّة " فتشير الى الاسم الروماني الرسمي، الذي يَرجع الى مدينة طبرية التي تقع على الجانب الغربي من البحيرة التي قام هيرودس انتيباس مؤخرًا بتوسيعها وتجميلها، وأطلق عليها اسم الامبراطور طيباريوس قيصر حوالي سنة 26 م. تكريمًا له.. لم تذكر مدينة طبرية إلا مرة في الإنجيل (يوحنا 6: 23) ومع أنها كانت مدينة ذات شأن في أيام المسيح.

2 فتَبِعَه جَمعٌ كثير، لِما رَأوا مِنَ الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى

تشير عبارة "جَمعٌ كثير" الى جمهور غفير يُعلِّله حضور عيد الفصح القريب، وهذا الجمع يساعد على توسيع الشهادة التي يؤدّيها يسوع. أمَّا عبارة "الآياتِ" باليونانية σημεῖον في نظر الاناجيل متى ومرقس ولوقا تشير الى "الخوارق" التي تدل على ان الأزمنة المسيحانية قد تُدشِّنت (متى 1: 38)، وبدت المعجزة في نظرهم عملا يدل على قدرة يسوع. أمَّا في انجيل يوحنا فاعتبرت " الآيات" أعمال رمزية تدل على ان الحدث الاسكاتولوجي تمّ في يسوع، وتدعو هذه الآيات جميع الامم للتعرف الى يسوع كإبن الله. اما عبارة " الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى" فتشير الى معجزات الشفاء التي أوردها الإنجيلي متى (متى 14: 14). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أن ما ورد هنا لا يشير إلى أصحاب عقول حكيمة جدًا، لأنهم انجذبوا بالمعجزات أكثر من التعليم، مع أن الآيات هي لغير المؤمنين وليس للمؤمنين" كما يؤكد ذلك بولس الرسول " كانَ اليَهودُ يَطُلبونَ الآيات" (1 قورنتس 1: 22).

3 فصَعِدَ يسوعُ الجَبَل وجَلَسَ مع تلاميذِه

تُذكّر عبارة "صَعِدَ يسوعُ الجَبَل" بعظة الجبل (متى 5: 1-8)، فكما صعد موسى الجبل وأعطى شعبه الشريعة كذلك صعد يسوع الجبل ليعطي جمهور غذاء الحياة للجسد والنفس. ومن ناحية أخرى وتتّفق الأناجيل الازائيّة في القول على أنّ يسوع كان يحب الاعتزال في الجبل ليصلّي ليقضي وقت مع الله الآب في علاقة حيوية (متى 14: 23 لوقا 6: 12، 9: 28) علما ان أغلب الأديان تعتبر الجبل منطقة التلاقي بين السماء والأرض. ولعلّ السبب في ذلك ارتفاعه والسرّ الذي يكتنفه. إن كان يسوع يقضي الليل هناك يصلي حتى يعلمنا أن من يرغب في الاقتراب من الله يلزمه أن يتحرر من كل اضطراب ويبحث عن اماكن هادئة خالية من الارتباك. ان قضاء وقت منفردين مع الله، يساعدنا على ان ننمو روحيا ويزيدنا تشبهاً بالمسيح. وأمَّا عبارة َ"جَلَسَ" فتشير الى ان يسوع كان يعلم تلاميذه كما يعلم الرابي اليهودي تلاميذه.

4 وكانَ قدِ اقتَرَبَ الفِصحُ، عيدُ اليَهود

تشير عبارة "اقتَرَبَ الفِصحُ" الى سبب حضور الجمع الكثير ويعطي مفتاحا للفهم الروحي لمعجزة الخبز والسمكتين اذ يربط الإنجيلي يوحنا بين هذه المعجزة وعيد الفصح كما يوضِّح ذلك بولس الرسول " فقَد ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنا، وهو المسيح"(1 قورنتس 5: 7)؛ لانَّ الفصح الحقيقي هو ذبيحة الصليب وهو بعينه الافخارستيا. أمَّا عبارة "عيد الفِصح اليهودي " فتشير الى العيد السنوي الذي يحتفل به كل ذكر في اسرائيل في اورشليم. في هذا العيد تلتقي طقوس الرعاة (يذبحون الحمل) والمزارعين (يقدمون الفطير). وأمَّا طقوس العيد فتذكر بالخروج من مصر، فينتعش الايمان بخلاص شعبه في الماضي، وتحرّك الامانة في زمن الحاضر، وتُشعل الرجاء بالخلاص الآتي. وأمَّا المسيحيون فيرون في هذا العيد موت وقيامة المسيح الذي هو الحمل الفصحى الجديد (1 قورنتس 10: 2) أمَّا رموز الفصح (العبور) فدخلت في الكلام عن العماد (1 قورنتس 10: 2) وعن العشاء الرباني او الافخارستيا. ويوحنا الانجيلي يجعل أفعال يسوع الهامة في إطار الاعياد اليهودية بحيث يعطيها معناها المسيحي النهائي. ومن هذا المنطلق فان معجزة إشباع الجموع هي رمز للفصح الجديد أي الافخارستيا وبالتالي فان عيد الفصح في نظر المسيحيين لم يعد عيد عبور البحر وخلاص اسرائيل من عبودية مصر، بل صار ارتفاع الابن يسوع على الصليب كحمل الله الذي يرفع خطيئة العالم. فإن الفصح الحقيقي هو تقديم جسد المسيح ذبيحة على الصليب، وهو بعينه الافخارستيا. وفي هذا الإطار تمّت معجزة تكثير الارغفة والسمك.

5 فرَفَعَ يسوعُ عَينَيه، فرأَى جَمعاً كثيراً مُقبِلاً إِلَيه. فقالَ لِفيلِبُّس: مِن أَينَ نَشتَري خُبزاً لِيأكُلَ هؤلاء

تشير عبارة "رَفَعَ يسوعُ عَينَيه" الى نظرة يسوع الى الجموع التي كانت تحيط به لكي يُعطيها الخبز المادي وخبز الكلمة وخبز القربان. أمَّا عبارة " فرأَى جَمعاً كثيراً مُقبِلاً إِلَيه " فتشير الى نظرة يسوع الحنونة الشفوقة الى الجموع فأراد ان يكافئهم لإقبالهم على سماع كلمة الله، كما أراد ان يقوي إيمان تلاميذه، فهمَّ على إجراء معجزة تكثير الخبز والسمك. أمَّا عبارة " ِفيلِبُّس" (اسم يوناني Φίλιππος معناه محب للخيل)، فيشير الى أحد الرسل الاثني عشر (متى 10: 3). وكان من بيت صيدا على بحيرة طبرية، مدينة أندراوس وبطرس. التقى به يسوع أولاً في بيت عنيا عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمّد، دعاه فتبعه. ووجد فيلبس نثنائيل فجاء به إلى يسوع ثقة منه بأن مقابلة واحدة منه مع يسوع تقنعه أنه هو المسيح (يوحنا 1: 43- 49). وبعد ذلك بسنة اختاره يسوع ليكون تلميذاً له. ويوم دخوله أورشليم منتصراً جاء بعض اليونانيين يريدون مقابلته، فأوصلهم فيلبس إليه (يوحنا 12: 20- 23). وعندما كلم يسوع تلاميذه مبيناً لهم أنهم قد رأوا الآب لم يفهم فيلبس الكلام على ما يظهر، فقال ليسوع: " يا ربّ، أَرِنا الآبَ وحَسْبُنا"(يوحنا 14: 8). وكان هو أحد الرسل المجتمعين في العلية بعد القيامة (أعمال الرسل 1: 13). وهذه آخر ملاحظة معتمدة عنه. ويقول اوسابيوس مؤرخ الكنيسة أن فيلبس قد دفن في هيرابوليس في آسيا الصغرى. أمَّا سؤال يسوع لفيلبُّس " "مِن أَينَ نَشتَري خُبزاً لِيأكُلَ هؤلاء" فتشير الى امتحان طريقة التلميذ في التفكير. وقد سال يسوع فيلِبُّس " مِن أَينَ نَشتَري " لكن فيلبس أجابه على شيء آخر وقال بمئتي دينار. أمّا عبارة "مِن أَينَ" باليونانية Πόθεν فتشير الى ظرف يستخدمه يسوع عادة للدلالة على المصدر الإلهي كما حدث مع وكيل المائدة في عرس قانا الجليل " فلَمَّا ذاقَ الماءَ الَّذي صارَ خَمْراً، وكانَ لا يَدري مِن أَينَ أَتَت" (يوحنا 2: 9)، وعندما كشف يسوع ع سر الروح القدس لنيقوديمس " فالرِّيحُ تَهُبُّ حَيثُ تَشاء فتَسمَعُ صَوتَها ولكنَّكَ لا تَدْري مِن أَينَ تَأتي" (يوحنا 3: 8)، وفي حوار يسوع مع المرأة السامرية تسأله " مِن أَينَ لَكَ الماءُ الحَيّ؟ " (يوحنا 4: 11) وفي اقوال الناس عن يسوع يتساءلون " وأَمَّا المسيح فلا يُعرَفُ حينَ يأتي مِن أَينَ هو " (7: 27). من هذا السؤال " من اين" يكشف فيها يسوع نفسه على أنه الشخص الذي يأتي من الآب ويجلب حياة الآب.

6 وإِنَّما قالَ هذا لِيَمتَحِنَه، لِأَنَّهُ كانَ يَعلَمُ ما سَيَصنَع

تشير عبارة " وإِنَّما قالَ هذا لِيَمتَحِنَه " الى اختبار يسوع لفيليبس كي يقوي إيمانه الضعف، إذ سأله عن حل بشري الذي لا يوجد له أي حل. أمَّا عبارة "لِأَنَّهُ كانَ يَعلَمُ ما سَيَصنَع" فتشير الى معرفة المسيح بالواقع ان لا يشبع هذه الجمع الغفير الا بمعجزة إلهية الذي هو مزمِع أن يصنعها كآية عظيمة أمام تلاميذه تُساندهم عندما يكلمهم عن خبز الحياة الأبدية "أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" (6: 51).

7 أجابَه فيلِبُّس: لوِ اشتَرَينا خُبزاً بِمَائَتي دينار، لما كفَى أَن يَحصُلَ الواحِدُ مِنهُم على كِسرَةٍ صَغيرة

تشير عبارة " لوِ اشتَرَينا خُبزاً بِمَائَتي دينار" الى جواب فيلبس بمنطق بشريّ عمليا وحسابيا. أنه لا ينظر الى الموقف في نور الايمان ومقدرة الرب على الرب على سد حاجات الشعب. ان المبلغ أكبر بكثير مما كان مع التلاميذ وهو لا يكفي اطلاقا. أراد يسوع ان يعلم فيلبس ان الموارد المادية ليست أهم شيء. فان الله قادر ان يصنع المعجزات. أمَّا لفظة "دينار" فتشير الى مبلغ كبير؛ إذ ان الدينار كان اجرة يوم عمل زراعي (متى 20: 2، لوقا 10: 34). وقد ورد في المشنة ان وجبة الخبز اليومية لشخص واحد ثاني عُشر دينار. وعليه فان مائتي دينار تدل على عظمة المعجزة من ناحية، كما تدل على عجز التلاميذ ان يطعموا الشعب بعد تفقدهم ما لديهم من خمسة أرغفة وسمكتين. اما عبارة " لما كفَى أَن يَحصُلَ الواحِدُ مِنهُم على كِسرَةٍ صَغيرة " فتشير الى عدم وجود إمكانيات في المكان لإشباع هذه الجماهير، وحتى وإن وُجدت الإمكانيات العينية فمن أين للتلاميذ أن يشتروا هذا، فهم بحاجة الى أكثر من 200 دينارًا.

8 وقالَ له أّحَدُ تَلاميذه، أَندَراوَس أَخو سِمْعانَ بُطرُس:

تشير عبارة " أَندَراوَس " اسم يوناني Ἀνδρέας (معناه رجل حقاً) الى اسم أحد تلاميذ المسيح، وهو أخ سمعان بطرس، وكان موطنه بيت صيدا (يوحنا 1: 44) وكان صياداً كبطرس (مرقس 1: 16 - 18)، وكان لأندراوس بيت مع بطرس في كفرناحوم (مرقس 1: 29)، وكان تلميذاً ليوحنا المعمدان الذي أرشده إلى يسوع حمل الله. وبعد ما اقتنع أندراوس بأن يسوع هو المسيح أحضر بطرس أخاه إلى يسوع (يوحنا1: 35 - 42) ليتبعه (مرقس 1: 16) وقد جاء ذكره في سجل الرسل (مرقس 3: 18). وأندراوس هو الذي أخبر يسوع عن الصبي الذي كان معه خمسة أرغفة وسمكتان عند إطعام الخمسة آلاف (يوحنا 6: 8 و9) وقد سأل هو وبطرس ويعقوب ويوحنا عن خراب أورشليم ومجيء المسيح الثاني (مرقس 13: 3 و4) وأخبر هو وفيلبس يسوع برغبة بعض اليونانيين في رؤيته (يوحنا 12: 22). ويقول التقليد أن أندراوس استشهد في باتريا في أخائيا في القسم الجنوبي من بلاد اليونان وأنه صلب على صليب بشكل × وهذا النوع من الصلبان يسمى الآن صليب القديس أندراوس. ويقول تقليد آخر أن سفينة كانت تحمل شيئين من بقايا أندراوس غرقت بالقرب من المكان المعروف الآن باسم مدينة القديس أندراوس في اسكتلندا. وتقام ذكرى استشهاده في 30 من تشرين الثاني من كل عام وتلقى العظات في ذلك اليوم في بعض الكنائس عن الإرساليات التبشيرية بما أن أندراوس يبرز في الأناجيل كالشخص الذي يُحضر الآخرين إلى يسوع. ومما هو أكيد ومثبت أن الرسول أندراوس لم يكتب سفر الأبوكريفا المعروف باسم "أعمال القديس أندراوس".

9 ههُنا صَبِيٌّ معَهُ خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتان، ولكِن ما هذا لِمِثلِ هذا العَدَدِ الكَبير؟

تشير عبارة "خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتان" الى علامة شعور الإنسان بدوره الحيوي ومساهمته في خدمة البشرية. كما في كلمات داود النبي " ومِن يَدِكَ أَعطَيناكَ" (1أخبار 29: 14). ويقول البابا بِندِكتُس السادس عشر "إنّ أرغفة الخبز المصنوعة من الشّعير في حياتنا قد تبدو غير مفيدة، لكن الله بحاجة إليها وهو يطلبها منّا". يأخذ يسوع الارغفة الخمسة والسمكتين ليعطي مائة ضعف. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " ما نطق به اندراوس ليس مصادفة إنما سمع عن معجزات الأنبياء وكيف صنع أليشاع آية بالأرغفة ". وفي الواقع تُذكرنا َ أرغفة الشعير بما فعله اليشاع حين اطمع مئة رجل بعشرين رغيفا، وأكلوا وفضل عنهم (2 ملوك 4: 42-44). وأمَّا القديس أوغسطينوس فيعلق " أن الأرغفة الخمسة من الشعير ترمز إلى العهد القديم الذي يضم أسفار موسى الخمسة. وهي من الشعير، لأن قشرة الشعير جامدة ويصعب نزعها، كالعهد القديم حين كان اليهود يمارسونه بالحرف، ويستصعبون إدراكه بالروح. وأما السمكتان فتشيران إلى الشخصيتان الرئيسيتان في العهد القديم، وهما النبي والملك أو الحاكم. فيسع هو الكاهن إذ يقدم نفسه للَّه ذبيحة من أجلنا، وهو الحاكم إذ يملك علينا. وقد ترمز السمكتان إلى العهدين الجديد والقديم". أمَّا عبارة " أَرغِفَةٍ " باليونانية ἄρτους فتشير الى ارغفة صغيرة كالأقراص المدوّرة. وأرغفة الشعير هي طعام الفقراء جداً. اما عبارة " سَمَكتان" باليونانية ὀψάρια فتشير الى سمكتين صغيرتين لهما زعانف، إذ أن الشريعة ميَّزت بين السمك الطاهر والسمك النجس، فالذي له زعانف وحراشف طاهر، والذي ليس له زعانف وحراشف كان نجساً (الاويين 11: 9-12)، وهما سمكتان مملحتان كعادة أهل السواحل في الاحتفاظ بفائض الأسماك، ويعلق القديس اوغسطينوس " ان السمكتين هما وصيتا حب الله وقريبنا، أو هما الشعبان: أهل الختان والغرلة، أو الشخصيتان للملك والكاهن". ويُكثر السمك في بحيرة الجليل، وهناك أكثر من ثلاثين نوعاً من السمك الصالح للطعام (متى 13: 47 و48). وقد رمز المسيحيون الأولون بالسمكة إلى إيمانهم، فكانت السمكة رمزا سريا أيام الاضطهاد الروماني، حيث كان المسيحيون يتعرفون على بعضهم بعلامة السمكة، والواقع أن حروف السمكة في اليونانية ΙΧΘΥΣ هي بدء كلمات الجملة "Ἰησοῦς Χριστός, Θεοῦ Υἱός, Σωτήρ" أي يسوع المسيح ابن الله المخلص. أمَّا عبارة "ما هذا لِمِثلِ هذا العَدَدِ الكَبير؟" فتشير الى رد فعل فيلبس الذي يبدو محيرا بل مستحيلا بل في خيبة أمل ولكنه دليل على ضعف إيمانه. لان الإيمان بشخص المسيح يتجاوز حدود العقل والمنطق. ويعلق القديس كيرلس "تحول عدم إيمانه إلى شهادة حسنة للمسيح. لأنهم باعترافه أن مبلغا كبيرًا كهذا المال لن يكفي الجموع ولو لشراء زادٍ طفيف، بهذا ذاته يكلل قدرة رب الجنود، هذا الذي عندما لم يتوفر شيء... تمم عمل محبته نحو الجموع بغنى فائق". إن الموقف الذي يبدو مستحيلا بالوسائل البشرية، هو فرصة لله. لقد فعل التلاميذ كل ما كان في قدرتهم: قدّموا الطعام الموجود خمسة ارغفة وسمكتين وجعلوا الناس يقعدون على العشب ثم صنع الله المستحيل استجابة للصلاة. استخدم الرب الخمس الارغفة والسمكتين كي يُطعِم الجموع، كي يُقدِّموا الناس ما عندهم مهما كان قليلاً كالعبد الأمين الذي يستثمر وزناته بقدر ما أُوتي به من قوة وهبات. علينا ان نلقي القليل مما توفَّر لدينا بين يديه، فهو قادر ان يأخذ القليل ويُكثره لأنه النبي المقتدر. الله يأخذ مهما قدمنا له من وقت او قدرة او موارد ويضاعفه بوفرة تفوق اقصى توقعاتنا. وما أحلى ما قاله يهوشافاط الملك " ولا نَعلَمُ ماذا نَصنعَ، وإِنَّما عُيونُنا إِلَيك" (2 أخبار 20: 12). إنّ الربّ قادر أن يُبارِك في القليل فيفيض. فلنُقدِّم ما عندنا من إمكانات محدودة وهو يستثمرها لمجده. وعندئذ نجد طرق التضامن والمشاركة والتعاون التي تساعدنا في سد حاجاته الناس الماديّة والمعنويّة: للطعام والملبس والمسكن والتعليم والصحة، والتطلع للعدالة والكرامة والحرّيّة.

10 فقالَ يسوع: أَقعِدوا النَّاس. وكان هُناكَ عُشبٌ كَثير. فَقَعَدَ الرِّجالُ وكانَ عَدَدُهم نَحوَ خَمسِةَ آلاف

تشير عبارة " أَقعِدوا" الى طلب السيد المسيح من تلاميذه أن يتكئ الناس على العشب قبل أن يقدم لهم الطعام، لتسهيل قيادتهم ولتجنب التشويش والارتباك. لقد طلب الطاعة المرتبطة بالإيمان ليقفوا ويروا خلاص الله العجيب. ونلاحظ هنا سلطة يسوع على الجموع. ويُعد يسوع تلاميذه للمساهمة في عمله (مرقس 6: 30). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أطاع التلاميذ يسوع في الحال، ولم يضطربوا، ولا قالوا ما هو هذا، كيف يأمرنا أن نتكئ الجموع ولم يظهر شيئًا في الوسط؟ بهذا ابتدأوا بالإيمان قبل نظرهم إلى المعجزة". أمَّا عبارة " فَقَعَدَ " باليونانية ἀνέπεσαν (معناه أتكأ) فتشير الى اتكاء الرجال على الكوع الإيسر، وهي الطريقة العادية حينئذ لتناول الطعام. أمَّا عبارة " النَّاس " ἄνθρωπος (معناها "الناس" ) في حين "الرِّجالُ " باليونانية ἄνδρες (معناها الرجال) فتشير الى رؤوس العائلات. وكان من عادة اليهود أن يحصوا الرجال وحدهم من سن العشرين فما فوق دون النساء والأطفال أو الصبيان. وجلسوا في ترتيب حيث "قَعدوا أَفواجاً مِنها مِائة ومِنها خَمْسون "(متى 6: 40). فإلهنا إله ترتيب ونظام وليس إله تشويش. وهذا يقترح الترتيب الذي به أجلس الناس على الارض لضمان اعطاء كل واحد نصيبه "لْيَكُنْ كُلُّ شيَءٍ بِأَدَبٍ ونِظام" (1 قورنتس 14: 40). أمَّا عبارة "عُشبٌ كَثير" فتشير الى ايام الربيع وزمن عيد الفصح. يتصرّف يسوع كالراعي الصالح الذي يقود شعبه الى مكان مليء بالعشب كما ورد في مزمور الرب راعي (مزمور 23). وهذه الصورة تذكرنا بصورة سفر الخروج " رأَوُا اللهَ وأَكَلوا وشَرِبوا " (9:24-11). أمَّا عبارة "خَمسِةَ آلاف" فتشير الى عدد كبير جداً، ولاسيما حين نعلم انه كان في كل من كفرناحوم وبيت صيدا نحو 2000 او 3000 نسمة. لهذا، نفهم أننا أمام عدد رمزي نجده ايضا في جماعة المسيحية الاولى في أورشليم (اعمال الرسل 4: 4). وبعبارة أخرى 5000 هو رقم الكمال في العالم اليهودي (مرقس 6: 40، 44) وهو علامة الجماعة الكاملة في نهاية الأزمنة. ويأتي من ضرب 5 (عدد مقدس في العالم اليهودي) X 1000 (هو عدد كبير جدا وهو مكعب عشرة)، وهو رقم يوافق التنظيم الذي وصفه مرقس "فقَعدوا أَفواجاً مِنها مِائة ومِنها خَمْسون " (مرقس 6: 40) ويوحي بتجمّع اسرائيل. لقد ضاعف يسوع الارغفة الخمسة والسمكتين حتى أشبعت أكثر من خمسة آلاف نفس. ويعلق القديس كيرلس الكبير " المؤمن رمزه 5000 (خمس حواس × حياة سماوية "1000" = 5000). حيث ان رقم 5 يشير إلى حواس المؤمنين الخمس وقد سمت لتصير سماوية حيث رقم 1000 يشير في الكتاب المقدس إلى الحياة السماوية". بدأ ما قُدِّم التلاميذ ليسوع أساس غير كافٍ، ولكن بين يديه أصبح أكثر من كافٍ. عندما نعطي يسوع تتضاعف مواردنا.

11 فأَخَذَ يسوعُ الأَرغِفَةَ وشَكَر، ثُمَّ وزَّعَ مِنها على الآكِلين، وفَعَلَ مِثلَ ذلك بالسَّمَكَتَين، على قَدْرِ ما أَرادوا

تشير عبارة "شَكَر" باليونانية εὐχαριστήσας وبالعبرية יְבָרֶךְ (معناها يبارك) الى صلاة التسبيح والشكر والبركة التي ترافق "كسر الخبز" في رتبة المائدة عند اليهود. وفيما يسوع يبارك الزاد الموجود وبصورة معجزيه يتكاثر ليكفي الجمهور. "ففيه خُلِقَ كُلُّ شيَء " (قولسي 1: 16). فالخبز والسمك كان يتضاعف بين يدَي الرب. والطعام لم ينفد حتى أكل الجميع وشبعوا (متى 14: 20؛ 15: 37؛ مرقس 6: 42). ويعلق القديس اوغسطينوس "كانت الخمسة أرغفة هذه مثل بذور لم تُرمَ في الأرض، ولكنّ الّذي صنع السماء والأرض قام بتكثيرها". وصلاة الشكر شبيهة في رتبة الافخارستيا حيث تتخذ هذه الصلاة معنى جديداً. وهذه الصلاة تذكرنا بنعم الله على الشعب وعظمة عطاياه. وما يدعو هنا الى فعل الشكر هو عمل الله الذي يظهر خصوصا في معجزة الخبز والسمكتين. فإن اللفظة العبرية للشكر هي إمَّا (תודה) التي تعبّر عن الاعتراف بالجميل، وإمَّا "ברך " التي تعبّر عن التبادل الجوهري بين لله والانسان. فهي صدى بركة الله الذي يهب خليقته الحياة والخلاص (تثنية الاشتراع 30: 19)، هي البركة التي يشكر الانسان بوساطتها خالقه (دانيال 3: 9). أمَّا في اسفار العهد الجديد فان فعل "الشكر" لا ينفصل عن الاعتراف (ἐξομολογέω ) (متى 11: 25) وعن الحمد والتسبيح (αἰνέω) (لوقا 2: 13) وعن التمجيد (δοξάζω) متى 5: 16) وخاصة عن البركة (εὐλογέω) (لوقا 1:64) لان الشكر يجلب البركة ، فشكر وبارك لهما معنى واحد. وهناك عبارة جديدة لا يعرفها العهد القديم وردت 60 مرة وهي كلمة الافخارستيا (ευχαριστία) التي تعبّر عن الشكر المسيحي كجواب للنعمة التي وهبها الله في يسوع المسيح. تشير هذه الآية الى صورة عن عشاء الرب (متى 26: 26). كان يوحنا الإنجيلي يفكر في الافخارستيا، وذلك لأشارته الواضحة الى اقتراب عيد الفصح وكانت الكنيسة في ذاك الوقت تحتفل بسر الافخارستيا قبل أربعين او خمسين سنة على الأقل. أمَّا عبارة " على قَدْرِ ما أَرادوا " فتشير الى توفير الله للناس ما يحتاجون اليه من طعام. كما تنبأ النبي اشعيا " لا يَجوعونَ ولا يَعْطَشون ولا تَلفَحُهمُ السَّمومُ ولا الشَّمْس لِأَنَّ راحِمَهم يَهْديهم وإِلى يَنابيعَ المِياهِ يورِدُهم" (أشعيا 49: 10). إن هذه التكاثر هو سر الحياة. فيحسن ان نردد مع صاحب المزامير "ما أَعظَمَ أَعْمالكَ يا رَبّ لقد صَنعتَ جَميعَها بِالحِكمة فاْمتَلأَتِ الأَرضُ مِن خَيراتِكَ" (مزمور 104: 24). وكان يسوع ينوي بمعجزة تكثير الخبز الى تهيئة تلاميذه لقبول المعجزة الكبرى التي قرر ان يصنعها قبل ان يتألم وهي ان يحوِّل الخبز الى جسده والخمر الى دمه. كما جاء في انجيل متى "أَخذَ يسوعُ خُبزاً وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَه تلاميذَه وقال: ((خُذوا فَكُلوا، هذا هُوَ جَسَدي". ثُمَّ أَخَذَ كَأساً وشَكَرَ وناوَلَهم إِيَّاها قائلاً: ((اِشرَبوا مِنها كُلُّكم فهذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس لِغُفرانِ الخَطايا)) (متى 26: 26-28). اما عبارة "وزَّعَ " فتشير في انجيل يوحنا الذي تجنب استعمال كلمة "كسر" لكي يلمح ان المسيح " لَم يَكسِروا ساقَيْه (يوحنا 33:19)؛ فيوحنا يكتب هذه المعجزة ويطابق بينها وبين ما حدث على الصليب، وبينما تستعمل الأناجيل الأخرى كلمة "كسر" (متى 14: 19، مرقس 6: 41، لوقا 9: 16). أمَّا عبارة " وشَكَر، ثُمَّ وزَّعَ " باليونانية εὐχαριστήσας διέδωκεν(معناه شاكرا ووزَّع) فتشير الى فعلين في اليونانية يختلفان من حيث صيغة الزمن، ففعل "شكر" يدل على الاستمرارية، ذلك كان يتكاثر الخبز عند توزيعه. إن دلّت اعجوبة تكثير الخبز وسر الافخارستيا على شيء، إنما يدلان على الحب الشديد الذي يكنُّه الله للبشرية جمعاء. ان الرب يسوع لا يتجاهل احتياجات الانسان فهو يهتم بكل جانب من حياتنا، الجانب المادي والجانب الروحي أيضا. ويعلق القديس أمبروسيوس "أعطى يسوع للبعض خبزًا من الشعير لئلا يخوروا في الطريق، ومنح سرّ جسده للآخرين (متى 26: 26) لكي يجاهدوا من أجل الملكوت". قبل أن يوزِّع السيد المسيح الخبز والسمكتان على تلاميذه شكر لكي يُدرِّبنا على حياة الشكر. إنه يعلمنا أن نقدم الشكر لله على كل بركاته الروحية والجسدية، فإن ما لدينا هو عطية مجانية من عنده. وكما يقول بولس الرسول " فكُلُّ ما خَلَقَ اللهُ حَسَن، فما مِن طَعامٍ مَرْذولٍ إِذا تَناوَلَه الإِنسانُ بِشُكْر، لأَنَّ كَلامً اللهِ والصَّلاةَ يُقَدِّسانِه " (1 طيموتاوس 4: 4-5). وهذه المعجزة دعوة لكل المؤمنين أن يسدّوا احتياجات الآخرين كخدمة إيمانية مسيحية وليست اجتماعية فقط.

12 فلَمَّا شَبِعوا قالَ لِتلاميذِه: اِجمَعوا ما فَضَلَ مِنَ الكِسَرِ لِئَلاَّ يَضيعَ شَيءٌ مِنها

تشير عبارة " شَبِعوا " باليونانية ἐνεπλήσθησαν (معناها امتلأوا) الى تلميح للمّنِّ الذي اعطي لإسرائيل في البرية (خروج 16: 4)؛ كما أطعم الله شعبه في برية سيناء، كذلك فعل يسوع في ذاك المكان المقفر (مرقس 6: 30). فقد سدَّ كل احتياجات الانسان: روحا ونفسا وجسدا وأشبعه ليس من الخبز فقط، أنما أيضا من خبز الحياة الأبدية. أمَّا عبارة " اِجمَعوا ما فَضَلَ مِنَ الكِسَرِ لِئَلاَّ يَضيعَ شَيءٌ مِنها" فتشير الى الوفرة (2ملوك 4: 43)، وهكذا يتأكد الإيمان بأنه كانت هناك وفرة من الطعام حقًا، وإن ما حدث لم يكن تخيلًا، تلمح العبارة ايضا الى ان المائدة لا تزال مفتوحة للجميع. وترمز هذه الفضلات الى طعام المّنِّ الذي اعطاه الله في البرية (خروج 17) واخيرا الى طعام القربان الاقدس، ومراده ذلك إبراز وفرة المواهب السماوية القادرة على اشباع المؤمنين (يوحنا 6: 35). وفي الواقع، كان اليهود يتطلعون إلى الخبز بكونه الطعام الرئيسي الذي يمثل بركة من الرب، لذا يحرصون ألا يسقط فتات خبز على الأرض ولا يطأ أحد بقدميه على فتات الخبز. جاء في أمثال اليهود: "من يحتقر خبزًا يسقط في أعماق الفقر". أمَّا عبارة "الكِسَرِ" فلا تشير الى الفتات التي سقطت على الارض، بل الى خبز الفائض الذي وزّعه يسوع. وما كتبه يوحنا الإنجيلي يقودنا أخيرا الى الكلام عن خبز الحياة، فيسوع ليس هو فقط معطي الحياة، بل هو خبز الحياة. اما عبارة " لِئَلاَّ يَضيعَ شَيءٌ مِنها " فتشير الى بقايا الطعام التي هي ليست تافهة بل قد تسدُّ جوع المحتاج، فالأمين في القليل يُقيمه الله على الكثير وفي هذا الصدد يقول الكتاب المقدس "كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير" (متى 25: 21).

13 فجَمَعوها ومَلأُوا اثنَتَي عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ الكِسَرِ الَّتي فَضَلَت عنِ الآكِلينَ مِن خَمسَةِ أَرغِفَةِ الشَّعير"

تشير عبارة "اثنَتَي عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ الكِسَرِ" الى عدد الرسل الاثني عشر الذين اختارهم يسوع وهم يرمزون الى اسباط إسرائيل الاثني عشر وبالتالي الى مُجمل الكنائس. فهي رمز لكنيسة المسيح، كنيسة الاثني عشر تلميذا، التي اجتمعت حول المسيح لتصير واحدًا في المسيح يسوع. وهذه الكسر من الخبز تعطى طعاما للكنيسة من خلال القربان المقدس حتى مجيء المسيح (مرقس 6: 43). ولقد وضع اليهود لأنفسهم قانونًا أن يتركوا كسرة خبز بعد الطعام إشارة إلى أن البركة قائمة في البيت (أيوب 20: 21). أمَّا عبارة "قُفَّةً" باليونانية (κόφινος) فتشير الى سلة صغيرة من الخيزران الصلب تُحمل على الذراع للتسوق (لوقا 9: 17)، او كان اليهود يحملون فيها مؤنهم حتى يتجنَّوا شراء الطعام من الامم الوثنية (مرقس 8: 8). وأمَّا السلة باليونانية σπυρίς فهي خاصة باليونانيين (متى 15: 37)؛ أمَّا عبارة "الكِسَرِ الَّتي فَضَلَت عنِ الآكِلينَ" فتشير الى الوفرة (2 ملوك 4: 43- 44) ويدل رفع الفضلات على المائدة التي لا تزال مفتوحة بواسطة الرسل لجميع الناس. هناك وجوه شبه بين هذه المعجزة ومعجزة اليشاع في تكثير الارغفة (2 ملوك 4: 42-44)، والمن الذي أعطاه الله في البرية (خروج 16، مزمور 78: 34-25). فكانت الكنيسة الأولى تنظر الى تحقيق هذه النصوص في يسوع، تلك النصوص التي كان يُعاد قراءتها في الدين اليهودي المعاصر لهم، نظرهم الى الإنباء بأعمال الله والمسيح في آخر الأزمنة.

14 فلَمَّا رأَى النَّاسُ الآيةَ الَّتي أَتى بِها يسوع، قالوا: حَقاً، هذا هوَ النَّبِيُّ الآتي إِلى العالَم

تشير هذه العبارة "النَّبِيُّ الآتي إِلى العالَم" الى ترقب عامة الشعب مجيء المسيح الى العالم وإدراكهم انَّ يسوع هو نبي الازمنة الاخيرة (يوحنا 1: 21)، ذلك النبي المنتظر الذي تكلم عنه موسى (ثنية الاشتراع 18: 15)، وهو المرسل من الله الى العالم ليتزعم حركة تحرير قومي يحرر اليهود من استعمار الرومانيين ويؤسس لهم دولة قوية، ويُقيم سلطان اسرائيل. ولذلك همّوا بإعلانه ملكاً (يوحنا 6:15). لكن يسوع علم التباس هذه المسيحانية الشعبية، ورفض هذا التنصيب الملكي المشبوه، والانزلاق في عملية منافية لصُلب رسالته. نبذ هذا الشعب تعليم الرب، ووجَّه قلبه وعقله لا الى التقوى ونشر ملكوت الله، بل الى ملكوت سياسي دنيوي بعيد عن رسالة الخلاص التي جاء اليها المسيح على الارض. الشعب يفكر في خبز مادي ويسوع يفكر في خبز الحياة الأبدية، الشعب يفكر في مملكة أرضية، ويسوع يفكر في مملكة روحية.

15 وعَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل

تشير عبارة " يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً" الى مظاهرة مسيحانية حماسية تهدد رسالة يسوع بالتشويه. إذ قرر الشعب أنه لو رفض المسيح مطلبهم يختطفونه ويجعلونه ملكًا حسب إرادتهم. لم يروا فيه المخلِّص الذي ينتزعهم من موت الخطيئة، وإنما الملك الذي ينقذهم من سطوة المحتل الروماني واستبداد الملك هيرودس. فهو لم يأتِ ليأخذ مُلْكاً على الأرض، وإنما ليكون فصحاً فريداً يدخل بدم نفسه مرة واحدة إلى الأقداس ليصنع فداءً أبدياً كما جاء في تعليم صاحب الرسالة الى العبرانيين "دَخَلَ القُدْسَ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ التُّيوسِ والعُجول، بل بِدَمِه، فحَصَلَ على فِداءٍ أَبَدِيّ (عبرانيّين 9: 12). فهم الشعب اليهودي المسيح بطريقة خاطئة كما نفهمه حتى الآن، فكل ما نريده هو الشبع والخيرات المادية وحل مشاكلنا مع الآخرين. أمَّا عبارة " فانصَرَفَ " فتشير الى رفض يسوع مملكة من هذا العالم، لا يريد مُلكاً في العالم، بل أن يملك على الصليب لأنه اتى الى العالم لينشر ملكوت الله على الارض، وهو ملكوت روحي كما أعلن "لَيسَت مَملَكَتي مِن هذا العالَم" (يوحنا 18: 36)، رفض تولي مُلك أرضي كما يفهمه الجمع. كما سبق ان رفض يسوع التجربة في الصحراء كما ورد في انجيل متى "مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، وقالَ له: أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً. فقالَ له يسوع: اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد" (متى 4: 8-10). وهنا تمَّت القطيعة بينه وبين أصحاب النظريات الشعبية حول مسيحانية سياسية. وأمَّا عبارة "عادَ وَحدَه إلى الجَبَل" فتشير الى عودة يسوع الى الجبل كملجأ من الدعاية الصاخبة (يوحنا 6: 15) في حين تتّفق الأناجيل الازائيّة في القول على أنّ يسوع كان يحب الاعتزال في الجبل ليصلّي (متى 14: 23 لوقا 6: 12، 9: 28).
قضاء يسوع وقت مع الله الآب في الصلاة في علاقة حيوية حيث ان أغلب الأديان تعتبر الجبل منطقة التلاقي بين السماء والأرض. ولعلّ السبب في ذلك ارتفاعه والسرّ الذي يكتنفه. ان قضاء وقت على انفراد مع الله، يساعدنا على ان ننمو روحيا ونزداد تشبهاً بالمسيح.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 6: 1-15)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 1-15) يمكننا ان نتناول ثلاث نقاط: الفرق بين المعجزة والآية، ومعنى معجزة تكثير الخبز والسمك ومكان المعجزة.

1) الفرق بين المعجزة والآية

إن تكثير الخبز في نظر يوحنا الانجيلي ليس فقط معجزة اي تحدي للقوانين الطبيعية بل هي آية الهية فعّالة اي لها شارة رمزية. فالقديس أوغسطينوس يكتشف بعيني الإيمان في معجزة تكثير الخبز والسمك علامة الحبّ والقدرة الإلهيين. ومن هنا لا بد من التمييز بين المعجزة والآية.

والألفاظ التي تشير إلى المعجزات في الكتاب المقدس بالعبرية هي: إمَّا (אֹתֹת) اي آيات (خروج 10: 1) او (מפְתִים) أي خوارق رمزية (تثنية الاشتراع 7: 19). ومن هذا المنطلق المعجزة تمتاز عن الآية بطابعها الخارق للعادة. فهي تنطوي على وقائع من الطبيعة التي تتجاوز غالبا ما اعتاد الانسان ان يراه في الكون، ولا يستطيع ان يصنعه. وفي هذا الصدد يقول القديس اوغسطينوس " إنّ المعجزات الّتي صنعها ربّنا يسوع المسيح هي حقًّا أعمالٌ إلهيّة. إنّها تهيّئُ العقل البشريّ لمعرفة الله من خلال ما هو مرئيّ، إذ أنّ عيوننا لا تستطيع أن تراه بسبب طبيعتها". ومن هذا المنطلق إن المعجزة هي أية تمتاز بوجه خاص بالكشف عن قدرة الله وتدعى مأثرة (خروج 15: 11) او شيئا عظيما (مزمور 106: 7) او شيئا مخيفا (خروج 34: 10) او أعجوبة (بالعبرية פֶלֶא) (خروج 15: 11) او عجيبة (بالعبرية נִפְלה) (مزمور 106: 7).

بكلمة أخرى المعجزة تكمن في إنجازات مستحيلة على الانسان، والله وحده قادر علي إتمامها لإنه إله المستحيلات كما يترنم صاحب المزامير" لأَنَّكَ عَظيمٌ وصانعُ العَجائب وَحدَكَ أَنتَ اللّه" (مزمور 86: 10) ومن خلالها يُظهر مجده (خروج 15: 1) وشعاع قداسته وسموه (خروج 15: 11). فان المعجزات في النهاية هي آيات فعّالة ومواهب مجانية تدل على محبة الله (مزمور 16: 7) وهي تدعو الى الايمان.

2) معنى معجزة تكثير الخبز والسمك

ان تكثير الخبز والخمر في نظر يوحنا الانجيلي هي معجزة وآية.

أ) معجزة تكثير الخبز والسمك فهي معجزة، إذ يبارك يسوع الارغفة الخمسة والسمكتين وبصورة معجزة يتكاثر الخبز والسمك ليكفي الجمهور، ويزيد اثنتا عشرة قفة من الكسر فيُدرك الجمهور دلالة المعجزة المسيحانية ويعترفوا انه هو حَقاً، هذا هوَ النَّبِيُّ الآتي إِلى العالَم" أي النبي الذي ورد ذكره في تثنية الاشتراع (18: 15).

ب) تكثير الخبز والسمك هي آية، وذلك بسبب الرمز الذي تخفيه المعجزة. وعلى هذا النحو فان تكثير الخبز تُظهر يسوع كآية، أولا: لان وجود يسوع يرمز الى حضور الله الذي يعمل من خلاله من ناحية كما تنبأ اشعيا النبي “هاءَنَذا والأَبْناءَ الَّذينَ أَعْطانيهمِ الرَّبُّ آياتً وعَلاماتٍ في إِسْرائيل من لَدُنْ رَبِّ القُوَّات السَّاكِنِ في جَبَلِ صِهْيون" (اشعيا 8: 18).

ثانياً: ان تكثير الخبز والسمك هي آية لأنها تثبت ان يسوع هو مرسل من الله (خروج 4: 1-5)، وتثبِّت عطية الله.

ثالثاً: ان تكثير الخبز هو آية، حيث إنها اعلان صارخ للمسيحانية. ومعجزة تكثير الخبز تظهر كعطاء المسيح الملوكي لشعبه. كما يترنم صاحب المزامير " ستُبَيَنُ لي سَبيلَ الحَياة. أَمامَ وَجهِكَ فرَحٌ تامّ وعن يَمينكَ نَعيمٌ على الدَّوام" (مزمور 16: 11). يظهر يسوع انه هو المسيح الذي يقبل على مائدته شعب الله، ويشبعه. فتبعه جمع كبير، لما رأوا من الآيات التي أتى بها فشفى المرضى. وهو الذي اخذ المبادرة لإطعام الجماهير، وهو الذي اخذ الارغفة ثم وزّع على الحاضرين. وفعل بالمثل بالسمكتين بمقدار ما ارادوا. وهو الذي أمر تلاميذه أخيرا بان يجمعوا ما فضل من الكسر. وان كل شيء يظهر عظمة الآية: ضخامة الجمهور الذي يقدّر بخمسة آلاف رجل، وتقدير المواد اللازمة لإطعامهم" لوِ اشتَرَينا خُبزاً بِمَائَتي دينار، لما كفَى أَن يَحصُلَ الواحِدُ مِنهُم على كِسرَةٍ صَغيرة" (يوحنا 6: 7). وبالفعل رفع التلاميذ، بناء على امر يسوع، ما فضل من الكسر، فملآؤوا اثني عشرة قفة، أي ما يكفي لإطعام شعب الاثني عشر سبط.

لكن الناس لم يروا فيها إلا مقدرة فائقة الطبيعة للملك المسيحاني الزمني. وكشف مُلك أحلامه المسيحاني. لكن يسوع علم التباس هذه المسيحانية الشعبية ورفض ان يشارك فيها. فشعر انهم يهتمون باختطافه، لقيموه ملكا كما يريدون هم، فابتعد عنهم، وعاد وحده الى الجبل. رفض هذا التنصيب، لأنه منافي لمعنى رسالته الخلاصية فيما يتيه الشعب في مسيح سياسي قومي نرى يسوع يهدف الى حقيقة روحية؛ انه يفكر بالخبز الخالد وبالمائدة القربانية حيث سيشبع شعبه الى الابد.

إن دلّ سر الافخارستيا، واعجوبة تكثير الخبز على شيء، انما يدلان على الحب الشديد الذي يكنُّه الله للبشرية كما يقول القديس يوحنا "الله محبة" (1 يوحنا). ان يسوع لا يهمل "الجوع الجسدي: غير انه يفكر بنوع خاص في "الجوع الى الله" الذي هو أهم بكثير من كل جوع آخر. والواقع، إن المعجزة هي إيضاح للتغذي بالقربان الاقدس وبكلمته في قلوبنا بالإيمان. فيسوع ليس هو فقط معطي الحياة، بل هو الذي يسند الحياة ويعولها، وهو ضروري للحياة المسيحية كالخبز اليومي للجسد، هو الغذاء الكامل للنفس المؤمنة التي تتغذى بالقربان الاقدس وبكلمته الذي يمكن ان يتغذى بها كل يوم وكل ساعة بواسطة الايمان. وفي هذا الصدد يقول البابا بِندِكتُس السادس عشر "في الافخارستيا، نستقبل تكثير الخبز الذي لا ينضب من حبّ الرّب يسوع المسيح الغني بما فيه الكفاية ليُشبع جوع كلِّ العصور".

3) مكان تكثير الخبز والسمك

التسمية

يسمى مكان تكثير الخبز والسمك اليوم بمنطقة "الطابغة". ويشتق اسم الطابغة -التسمية العربية– من اليونانية Heptapegon (هبتابغون) ومعناها الينابيع السبعة، إذ تكثر الينابيع هنا التي كانت تدير طواحين في تلك المنطقة. وعليه يشار اليها بالعبرية " עין שבע‎ اي "عين السبع". فأطلق على هذه المنطقة في ايام المسيح اسم (مجدان) ربما مشتقه من العبرية (מי גד) ومعناها مياه السعادة (متى 15: 39) او (دلمانوتا) (مرقس 8: 10). ويبدو بحسب الاناجيل ان هذه المنطقة كانت مقفرة، فيذكرونها بعباره يونانيةἔρημον τόπον (مكان قفر) ويشير القديس ايرونيموس لهذا المكان بأنه " العزلة". إذ يطل الموقع على البحيرة حيث كان يسوع وتلاميذه يعتزلون فيه ليستريحوا قليلا (مرقس6: 30). ومنذ القرن الثاني عشر عُرف هذا المكان باسم لاتيني “Mensa Christi” أي عشاء المسيح او "Tabula Domini) " أي مائدة الرب،) وذلك لتكثير الخبز الاول وفطور يسوع مع تلاميذه بعد قيامته من الاموات (يوحنا 21: 9- 13).

الموقع

تقع الطابغة من الجهة الشمالية من بحيرة طبريا على مسافة 4 كم جنوب شرق كفرناحوم. وفي أيام سيدنا يسوع المسيح امتدت منطقة كفرناحوم الواقعة غربي بحيرة طبريا من الطابغة حتى مصب نهر الاردن. وان المسيحين الاوليين من كفرناحوم تناقلوا في القرون الأربعة الاولى ذكريات حياة المسيح في تلك المنطقة بربطها في ثلاثة صخور: الصخرة الاولى لتذكار معجزة الخبز والسمك الأولى (يوحنا 6: 1-15، متى 14: 13 -21)، مرقس 6: 30-44)، وعليه بنيت كنيسة تكثير الخبز، والصخرة الثانية هي مغاره صخريه قرب منحدر الجبل تحيي عظة يسوع الكبرى عن التطويبات (متى 5: 1- 7) فبنيت كنيسة التطويبات، أمَّا الصخرة الثالثة فتحيي ترائي يسوع لتلاميذه على شاطئ بحيرة طبريا ورئاسة بطرس (يوحنا221: 9-13) فأقيمت كنيسة الطابغة للفرنسيسكان.

تاريخ معالم الكنيسة تكثير الخبز والسمك

يذكر الإنجيل هنا معجزة تكثير الخبز والسمك واشباع الجموع (يوحنا 6: 1-15). وقد حدثت في 29 نيسان إذ أَمَر يسوع تلاميذه " أَقعِدوا النَّاس. وكان هُناكَ عُشبٌ كَثير" (يوحنا6: 10)، وقد رفع أثنتا عشرة قفة ممتلئة من الكسر وكان الآكلون من الارغفة خمسة الاف رجل (ويوحنا6: 1-14). بقي الموقع مدفونا أكثر من 1300 سنة تحت الردم حتى قام باكتشافها في القرن التاسع عشر بيفر Z. Biever عام 1891 وكرجهP. Karge في عام 1911. ثم تابع الآباء البندكتان عام 1932 الحفريات بإشراف علماء الآثار مادر A. E. Mader وشنايدر A. M. Schneider حيث قاموا بكشف الاساسات القديمة والفسيفساء البيزنطية لكنيستين بيزنطيتين لإحياء معجزة تكثير الخبز والسمك.

الكنيسة الاولى بناها الكونت يوسف من طبريا عام 350؛ الذي أعتنق الديانة المسيحية، وكان له علاقة وثيقة مع الامبراطور قسطنطين. وقد شيَّد كنائس طبريا وقانا الجليل(كفركنا) وكفرناحوم وصفورية والناصرة. وبلغ طوله الكنيسة نحو 15.5 م وعرضها 9.5 م. ويمكن ان نرى بقايا اساسات الكنيسة الاولى تحت الزجاج الواقع على يمين المذبح الحالي في الزاوية الشمالية. والجدير بالذكر ان اتجاهات هذه الكنيسة تختلف قليلا عن اتجاهات الكنيسة اللاحقة. وفي عام 383 زارت السائحة إيجاريه المكان ووصفته بهذه العبارة "في مكان ليس بعيدا عن كفرناحوم مقابل بحر الجليل أرض مروية جيدا تنمو فيها الحشائش وكثيرٌ من الأشجار والنخيل. ويقع هذا المكان الينابيع السبعة الوفيرة المياه. في هذا البستان المثمر أطعم يسوع خمسة الاف شخص مع خمسة أرغفة خبز وسمكتين". وشاهدت امام حنية الكنيسة الحجر الذي وضع عليه الرب يسوع الارغفة والسمكتين قبل مباركتها. كانت السائحة ايجيرية هي اول من ذكرت كنيسة في موضع تكثير الخبز. وفي عام 419 هدم زلزال كل المنطقة بما فيها من الكنائس والبيوت.

وفي عام 450 بُنيت كنيسة اخرى على أنقاض الكنيسة الاولى وكانت واجهتها نحو الشرق، وقد رُصت أرضيتها بالفسيفساء المرسوم عليه العصافير والزهور والحيوانات والسمك. وقد وضع الحجر المقدس الذي حدثت عليه معجزة الخبز والسمك تحت المذبح بدل من الذخيرة، وقد زين بفسيفساء يمثل سلة فيها خمسة أرغفة والسمكتان. وقد تأثرت الرسومات بالطابع المصري بفضل مارتيريوس بطريرك القدس (479-486) الذي مكت فترة في مصر. وقد ذكر اسمه على يسار المذبح باللغة اليونانية. ومن بين الحجاج الذين زاروا هذه الكنيسة القديس سابا (439-532)، المعروف باسمه دير مار سابا في صحراء بيت لحم.
في العصر البيزنطي ذكر الرحالة هذا الموضع نخص منهم ثيودوسيوس الذي زار فلسطين عام 530 وانطونيوس بلاشنتينوس (570). وفي سنة 551 حدث زلزال آخر هدم الكنيسة، ويؤكد ذلك ما جاء في كتابات الحاج دي بياشنسا الذي زار المنطقة عام 570 ولم يشاهد في المنطقة بعد ذلك الا أخربة.

وربما رممت الكنيسة في عام 575، ولكن الفرس اجتاحوا البلاد عام 614 وأشعلوا النار في الاماكن المقدسة وذبحوا الكثير من الرهبان. بقيت جدران الكنيسة قائمة سوداء وفسيفساؤها مغطاة حتى النصف الاول من القرن العشرين. بعد الفرس احتل العرب عام 637 البلاد وانتهت الحقبة اليونانية وبدأت الحقبة العربية الإسلامية. فحين زار المطران اركولف Arculfe في سنة 670 منطقة البحيرة وقف على الأطلال المسيحية يتحسر عندما رأى بعض أعمدة الكنيسة فقط ملقاة بقرب ينابيع المياه.

وفي زمن شارلمان 808 جاء رهبان من الغرب وضربوا خيامهم قرب الكاتدرائية المدمرة ثم بنوا معبدًا يقيمون فيه فروضهم الدينية. ولم يتمكنوا من بناء كنائس فيها الا زمن الانتداب البريطاني. وفي عام 1932 اقام الآباء البندكتان كنيسة فوق الأرضية الفسيفسائية. وفي عام 1965 أنشأوا ديرًا مجاورًا ثم الكنيسة الحالية وساحتها عام 1982.

الخلاصة

قدم لنا الإنجيلي يوحنا أولا المسيح ونه واهب التجديد، ثم واهب الحياة. الآن يقدمه كونه الخبز السماوي الذي يقوت النفس ويشبعها لتبقى حيَّة ونامية. إنه الكلمة المتجسد، بكلمته يقيمنا للحياة الجديدة، وبجسده الذي هو الخبز السماوي ينعشنا لنثبت فيه. ونحصل منه على كل احتياجاتنا.

وفي هذا النص الإنجيلي نرى السيد المسيح يشبع الجموع بسمكتين وخمسة أرغفة شعير قدَّمها غلام وهو قادر ان يشبعنا جسديًا ويشبعنا نفسيًا ويُشبعنا روحيًا. بالرغم من ان يوحنا الإنجيلي لا يكرر ما جاء في الاناجيل الازائية، لكنه ذكر هذه المعجزة لارتباطها بما سيذكره فيما بعد عن يسوع خبز الحياة. هنا نسمع عن الجسد والدم كسرِ حياة في المسيح والثبات فيه لذلك اهتم بذكر هذه المعجزة وهي المعجزة الوحيدة المذكورة في الأربعة أناجيل (متى 13:14-21، مرقس 30:6-44، لوقا 10:9-17). لذلك ينبه يوحنا أن الفصح كان قريبًا. فالمسيح أعطانا جسده مأكلًا ودمه مشربًا في الفصح الذي يلي هذا الفصح فصار هو فصحنا الجديد، جسد المسيح المكسور لإشباع العالم والمسيح. وفي كل قداس يكرِّر المسيح معجزة إشباع الجموع ولكن على مستوى الحياة الأبدية بحيث يحضر يسوع في الوسط ويكسر ويعطي جسده ودمه مأكلا ومشربا للمؤمنين ويحوِّل الحياة الحاضرة لحياة أبدية.

دعاء

أيها الآب السماوي، أنت يا من أرسلت الينا ابنك الوحيد، لكي نجتمع حول مائدته لكي نباركك انت يا رب إله الكون، يا من جدَّت علينا بالخبز من ثمر الأرض وعمل الانسان ونحتفل في القربان الخبز الحي النازل من السماء فنقدم لك اعمالنا ونضع امكانياتنا البشرية المتواضعة بين يديك لكي تباركها فتسدّ جوعنا المادي وجوعنا الروحي، جوعنا الى كلمتك المقدسة، والى خبز الحياة الأبدية، والى الله تعالى له المجد والعزة. آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء