مثل الوكيل الخائن والمال الحرام

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

مثل الوكيل الخائن والمال الحرام

الأب د. لويس حزبون
2019/09/21

يتناول إنجيل هذا الاحد (لوقا 16: 1-13) مثل الوكيل الخائن الذي ضربه يسوع لتلاميذه مُعلِّما إياهم الوكالة في استخدام المال. فكل ما يعطيه الله لهم هم وكلاء عليه. ومن خلالهم يدعونا يسوع لنكون أمناء على عطاياه لنا من مال ووقت وصحة ... وكل واحد منَّا له مواهبه وعطاياه من الرب، وأحيانا يمرُّ في ساعات، تتطلب منه الفطنة والذكاء واتخاذ قرار. فهذا المثل هو من صلب حياتنا، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي وتحليله (لوقا 16: 1-13)

1 وقالَ أَيضاً لِتَلاميذِه: كانَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وكانَ لَه وَكيلٌ فشُكِيَ إِلَيه بِأَنَّه يُبَذِّرُ أَموالَه

تشير عبارة "رَجُلٌ غَنِيٌّ" الى إنسان سلَّم أمور أملاكه الى وكيل يعتني بها ويجمع له محصولها. وهو يرمز الى الله صاحب كل المواهب، وهو الذي يعطي لكل منا موهبة كما جاء في تعليم بطرس الرسول "لْيَخْدُمْ بَعضُكم بَعضًا، كُلُّ واحِدٍ بما نالَ مِنَ المَوهِبَة كما يَحسُنُ بِالوُكَلاءِ الصَّالِحينَ على نِعمَةِ اللهِ المُتَنَوِّعَة"(1بطرس 10:4)؛ الله يعطي كل منا مواهب وأموال وسيطلب حسابًا عن كل ما أعطانا إياه؛ أمَّا عبارة "وَكيلٌ" فتشير الى لفظ ينفرد به لوقا الإنجيلي، للدلالة على مدير الأعمال الذي له الاشراف الكامل وإدارة أملاك الرجل الغني، ولهذا فهو يعتبر الشخص الثاني بعد سيده، وكان له شأن عظيم في القرن الأول كما نستخلص من رسالة بولس الرسول "فلْيَعُدَّنا النَّاسُ خَدَماً لِلمسيح ووُكَلاءَ أَسرارِ الله، وما يُطلَبُ آخِرَ الأَمرِ مِنَ الوُكَلاءِ أَن يَكونَ كُلٌّ مِنهُم أَمينًا" (1 قورنتس 4: 1-2)؛ وكانت وظيفة هذا الوكيل ما تمكنه من اختلاس ما شاء، لأنه أُمِّن على أموال كثيرة، وعين سيده لم تراقبه دائما. أما عبارة " فشُكِيَ إِلَيه " فتشير الى وشاية حقّة لأنه لم ينكرها، وتصرُّفه بعد ذلك اثبت انه غير أمين على أموال سيده. أمَّا عبارة "يُبَذِّرُ أَموالَه" فتشير الى الوكيل الذي ينفق أموال سيده على لذَّاته بدل ان يعطيها لسيده، وهذا الامر ما قيل عن الابن الضال الذي "َبدَّدَ مالَه هُناكَ في عيشَةِ إِسراف" بلا حساب (لوقا 13:15).

2 فدَعاهُ وقالَ له: ما هذا الَّذي أَسمَعُ عَنكَ؟ أَدِّ حِسابَ وَكالَتِكَ، فلا يُمكِنُكَ بَعدَ اليَومِ أَنْ تَكونَ لي وَكيلاً

لا تشير عبارة " ما هذا الَّذي أَسمَعُ عَنكَ؟ " الى استفهام عن حقيقة الوشاية، بل الى تعجب وتوبيخ من امر واقع لا يستطيع الوكيل انكاره. إنه يحمل حسابا وعتابا ويحتمل عقابا. فما الحال عندما يأتي من السيد المسيح الديان! أمَّا عبارة "أَدِّ حِسابَ وَكالَتِكَ" فتشير الى طلب صاحب العمل الى وكيل اعماله الى تصفية حساباته كلها، دلالة على ان الخيانة ليست نافعة للإنسان، لأنها عرضة للظهور وخسران للخائن إذ يضيع مركزه وصيته؛ وهذا رمز ما نسمعه يوم الدينونة كما ورد في رسالة العبرانيين "ما مِن خَلقٍ يَخْفى علَيه، بل كُلُّ شيَءٍ عارٍ مَكْشوفٌ لِعَينَيه، ولَه يَجِبُ علَينا أَن نُؤَدِّيَ الحِساب" (عبرانيين 4: 13)؛ أمَّا عبارة "فلا يُمكِنُكَ بَعدَ اليَومِ أَنْ تَكونَ لي وَكيلاً" فتشير الى الرجل الغني الذي أراد أن يستغني عن وكيله وذلك بطرده من وظيفته دون ان يهاجمه او تسوية الدين على الفور، إنما بإعطائه الوقت، حتى يتمكن من إصلاح الامر بطريقة أو بأخرى. ل اليوم حقيقة أنه لا يستطيع الاستمرار في العيش كما كان. هو تحت الحكم. يجب عليه تأدية حساب لما قام به.

3 فقالَ الوكيلُ في نَفْسِه: ماذا أَعمَل؟ فَإِنَّ سيِّدي يَستَرِدُّ الوَكالَةَ مِنّي، وأَنا لا أَقوى على الفِلاحة، وأَخجَلُ بِالاستِعطاء

تشير عبارة " فقالَ الوكيلُ في نَفْسِه " الى تعبير الشخص عن فكره بكلام يحدّث فيه صاحبه نفسه، وهذا الأسلوب يتردَّد في أمثال لوقا الإنجيلي (15: 17-19 و16: 3؛ 18: 4؛ و20: 13)، ونجد هذا الأسلوب في أنجيل متى البشير (21: 38، 24: 48)؛ أمَّا عبارة " ماذا أَعمَل؟ " فتشير الى صحوة الوكيل من غفلته، حيث بدأ يفكر في إصلاح حاله؛ وهو الآن في موقف حرج، وفي مأزق. ولم يسيطر على تفكيره سوى تأمين مستقبله، لأنه يعرف كم هو عاجز أمام الحالة الصعبة الجديدة التي ستُفرض عليه. حيث أخذ يفكر ملياً ويعطي جواباً وقراراً سليماً في موقف كهذا. وبهذا الامر صار مثالا لأبناء النور، لأنه ما من شيء أضر من عمل بلا روية. وأمَّا عبارة "سيِّدي" فتشير الى الرجل الغني الوارد ذكره في الآية الأولى (لوقا 15 :1)، وهو يرمز في الواقع الى ربنا يسوع المسيح. الواهب الحياة وكنز الصالحات والعطايا؛ امَّا عبارة "أَنا لا أَقوى على الفِلاحة، وأَخجَلُ بِالاستِعطاء" فتشير الى الوكيل الذي لن يستطيع أن يعمل كعامل زراعة أو يتسول، لأنه غير متعوِّد على العمل الشاق او الاستعطاء بعد حياة مرفَّهة كونه مدير أعمال، أي "السيد الثاني" بعد صاحب العمل. كما انه من المستحيل ان يعمل عند سيد آخر، لأنه أصبح ذو سمعة سيئة.

4 قد عرَفتُ ماذا أَعمَلُ حتَّى إِذا نُزِعتُ عنِ الوَكالَة، يَكونُ هُناكَ مَن يَقبَلونَني في بُيوتِهم

تشير عبارة "عرَفتُ ماذا أَعمَلُ " الى اتخاذ القرار في هذه الازمَة؛ أمَّا عبارة " يَقبَلونَني" فتشير الى استقباله الأصدقاء بمال الظلم، وهؤلاء الأصدقاء هم جماعة الفقراء والمساكين الذين وُعدوا بملكوت الله بحسب الانجيل الطاهر. وهنا لا يريد الوكيل الخائن أكثر من بيت يرحب به مرة أخرى بعد انهياره بسبب خيانته في عمله.

5 فدَعا مَديني سَيِّدِه واحِداً بَعدَ الآخَر وقالَ لِلأَوَّل: كم عَلَيكَ لِسَيِّدي؟

تشير عبارة " مَديني سَيِّدِه " الى هؤلاء الذين كانوا يدفعون ديونهم عينيَّاً اما زيتاً او قمحا. وكل وكيل في بعض الأحيان يتلقى أكثر مما قيّده في حساباته، وبهذه الوسيلة يزيد من ثروته الشخصية؛ ومن الناحية المجازية تشير عبارة "مَديني سَيِّدِه" الى فقراء ومحتاجين وكل هؤلاء الذين ليس لديهم ما يأكلونه وما يلبسونه، أليس هؤلاء هم إخوة الرب؟ فإذا صرفنا على هؤلاء فهم يُصبحون لنا أصدقاء، ويشهدون لنا في السماء. وبهذا تصير أموالنا سماوية، ويصير لنا كنزًا في السماء ينفعنا حين نغادر هذا العالم؛ أمَّا عبارة "كم عَلَيكَ لِسَيِّدي؟" فتشير الى ما يعُلمه الوكيل من الديون، ولكنه يسأل المديون حتى ينبِّهه على مقدار ديونه ويشعره بأنه يُسدي له معروفا.

6 قال: مِائةُ كَيْلٍ زَيتاً: فقالَ له: إِلَيكَ صَكَّكَ، فاجلِسْ واكتُبْ على عَجَلٍ: خَمسين

تشير عبارة " مِائةُ كَيْلٍ زَيتاً " فتشير الى المديون الذي كان مستأجرا من ذلك السيد ارضا فيها أشجار زيتون، وكان نصيب السيد من غلتها مائة كيل. وكان الزيت يتاجر به كما في هذه الأيام. تشير عبارة " مِائةُ كَيْلٍ" في الأصل اليوناني βάτος (معناها "بث" בַת في اللغة العبرية) الى مكيال سعة عبراني للمواد السائلة يعادل حجمه 45 لتر، وعليه فإن (100 كيل) يعادل نحو 3000 لتر من الزيت. أمَّا عبارة "اكتُبْ على عَجَلٍ: خَمسين" فتشير الى الوكيل الخائن الذي يقوم بتزوير أوراق سيده حول المديونين، إذ يقبل من مديني سيده أقل مما عليهم ليكون صاحب الفضل معهم، فينقص من الدين لصالح المدين حتى إذا ترك العمل يجد من يقبله على الأقلّ، فيكمل مسيرة حياته. اما عبارة "على عَجَلٍ" فتشير الى السرعة في كتابة الصك قبل ان يأخذه السيد، لأنه لم يكن لذلك الوكيل الحق في تغيير الصك، بل كان عليه ان يصون كل حقوق سيده لكنه خسّره نصف دخله من الزيت وربَّح الاجير وجعله ممنونا له وشريكا له في الاختلاس. ولنا في ذلك ان الخطيئة تقود الى خطيئة أخرى. فمن يبدأ ان يخون في القليل تقوده شهواته ان يخون في الكثير.

7 ثُمَّ قالَ لآخَر: وأَنتَ كم عَليكَ؟ قال: مِائةُ كَيْلٍ قَمحاً. قالَ له: إِلَيكَ صَكَّكَ، فَاكتُبْ: ثَمانين

تشير عبارة " كَيْلٍ" κόρος (معناها كُر כּר في اللغة العبرية) الى مكيال سعة عبراني للمواد الجافة، وتساوي بين 450 لتر. أمَّا عبارة "صك " فتشير الى وثيقة بمال أو نحوه.

8 فأَثْنى السَّيِّدُ على الوَكيلِ الخائِن، لِأَنَّه كانَ فَطِناً في تَصَرُّفِه. وذلِك أَنَّ أَبناءَ هذهِ الدُّنيا أَكثرُ فِطنَةً مع أَشباهِهِم مِن أَبْناءِ النُّور

تشير عبارة "أَثْنى" الى امتداح السيِّد الوكيل الخائن، لا في تبذيره الأموال، ولا في ظلمه، ولا في خيانته، حيث ان الخيانة مذمومة مهما كانت ومِن مَن صدرت، وإنما امتدحه في حكمته وفطنته بكسبه أصدقاء له واهتمامه بالحياة المقبلة ولتدبيره الذكيّ في تفادي كارثة شخصيّة وتأمين معيشته المستقبليّة، إذ عرف كيف يستعمل المال لخدمة الآخرين آملا ان يُحسنوا اليه كما أحسن هو إليهم. فكر الوكيل أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه سيده الوكالة؛ فالمديح يخصَّ ذكاء وفطنة تصرف الوكيل، وليس عدم نزاهته. فيسوع لا يمتدح عمل الشر بحد ذاته، بل يمتدح الذكاء والفطنة في التملّص من المأزق: شطارة الوكيل في الاعتناء بنفسه من خلال خصم ديون الأجراء الذين سيعتنون به بدورهم عندما يكون بحاجة إليهم ويكونون له خشبة النجاة في المستقبل. أمَّا عبارة "السَّيِّدُ" فتشير الى سيد الوكيل، ويدل مجازيا على الله؛ أمَّا عبارة" الوَكيلِ الخائِن " فتشير الى وكيل الظلم او وكيل بدون برِّ كما تصفه اللفظة اليونانية οἰκονόμον τῆς ἀδικίας. فهو لا يمتلك بر الكتبة والفريسيين، لكن الظلم يُترجم بالخيانة نظراً الى سياق الكلام التي يتكلم عن الأمانة (لوقا 16: 10-12)، فوكيل الخائن هو وَصْفٌ لأخلاقه بصفة عامة؛ أمَّا عبارة " فَطِناً " فتشير الى إنسان حاذقٍ ماهرٍ، يدرك الامر ويفهمه. أمَّا عبارة " َأبناءَ هذهِ الدُّنيا " فتشير الى المتعلقين بأمور الدنيا، ولا يعرفون إلا الدنيا الحاضرة، ولا يعملون إلا في سبيلها، ويعلق الاب ثيوفلاكتيوس " يقصد بأبناء هذه الدنيا أولئك الذين يضعون فكرهم في خيرات الأرض"؛ أمَّا عبارة " فِطنَةً" فتشير الى "بصيرة" حيث يستدرك الشخص بها موقفاً خطيراً لتجنّب الخسارة أو الكارثة، أمَّا في العهد القديم فتدل الفطنة على كل حيلة شريفة او غير شريفة كما ورد في سفر التكوين "كانتِ الحيَّةُ أَحيَلَ جَميعِ حَيَواناتِ الحُقولِ الَّتي صنَعَها الرَّبُّ الإِله. فقالَت لِلْمَرأَة: ((أَيقينًا قالَ الله: لا تأكُلا مِن جَميعِ أَشْجارِ الجَنَّة؟ "(التكوين 3: 1)؛ أمَّا عبارة "أبناء هذه الدنيا الذين هم أكثر فطنة" فتشير الى انهم دائمًا يفكرون في الغد، ويستثمرون أموالهم لتكون ضمانًا لمستقبلهم، ويتذرّعون بالحكمة في معاملة أهل جيلهم، أكثر من الحكمة الّتي يستخدمها أبناء النور في معاملتهم لمؤمني جيلهم. ونستطيع تطبيق المثل ليس فقط على الأموال بل على الوقت والصحة والتعليم والذكاء، بل أيضا على كل ما أعطاه الله لنا؛ أمَّا عبارة "أَشباهِهِم" في الاصل اليوناني (γενεὰν τὴν ἑαυτῶν (معناها الجيل الذي لهم) فتشير الى اجيالهم. وترد هذه اللفظة في نصوص قمران وتعني فئة جماعة قمران؛ أمَّا عبارة "أَبْناءِ النُّور" فتشير الى أبناء الإيمان الذين يسيرون في نور الله ونور العهد الجديد ولهم الحياة الأبدية، ويُعلق الاب ثيوفلاكتيوس "يقصد بأبناء النور الذين ينشغلون بالكنوز الروحيَّة خلال الحب الإلهي". وفي مخطوطات قمران، هم أعضاء الجماعة، عكس أبناء الظلام الذين هم خصومهم". ويختم المثل بدعوة التلاميذ الاّ يكون من هم في خدمة الملكوت أقل فطنة من أبناء هذا العالم في خدمة شؤونهم الزائلة والسيِّئة. أراد يسوع هنا ان يلفت انتباه تلاميذه ليس الى الحكمة المتوجِّة بالخيانة بل المصحوبة بالأمانة. ليست طريقة الوكيل الخائن نموذجًا للتوبة. لكنه يقوم بحسابات حكيمة - لاستخدام ساعاته الأخيرة المسؤولة عن ممتلكات سيده لإظهار الرحمة للآخرين بتخفيف ديونهم. فإننا نشيد بفطنته كمثال لنا، أولاد النور كما في وصف بولس الرسول " لأَنَّكم جَميعًا أَبناءُ النُّورِ وأَبناءُ النَّهار " (1 تسالونيكي 5: 5 ) ؛ أفسس 5: 8) مدركين ان ما نملكه ليس لنا كما ادركه الوكيل الخائن ، إنما ما لدينا هو ملك لآخر ، وهو سيدنا يسوع المسيح .

9 وأَنا أَقولُ لَكم: اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة

تشير عبارة " اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ " الى جماعة الفقراء والمساكين، وهم اول من وُعدوا بملكوت الله بحسب الانجيل الطاهر؛ ويعلق القديس أمبروسيوس "اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام"(لو 16: 9)، حتّى نستطيع من خلال كَرَمنا تجاه الفقراء أن نحصل على حظوة الملائكة وبقية القدّيسين" (شرح لإنجيل القدّيس لوقا، 7). أمَّا عبارة "المالِ" (في الأصل اليوناني μαμωνᾶ مامون المشتقة من اللفظة العبرية מָמוֹנָהּ) فتشير ما هو أمين وثابت. فنجد ان لفظة المال والأمانة هما لفظتان مشتقتان من أصل ٍعبريٍ واحدٍ؛ وهنا نرى التناقض القائم بين الخيانة والامانة. وفي الواقع المال غشّاش. ويصبح صديقا إذا اعطيناه، فيستقبلنا الفقراء على باب الملكوت. "مامون" كلمة مشتقة في الأصل من فكرة الوديعة. لكنها تدل هنا على المال وقد كُني به عن قوة تتسلط على العالم؛ أمَّا عبارة "المالِ الحَرام " فتشير الى مال الظلم أي الثروة الزمنيَّة التي غالبًا ما جُمعت خلال الابتزاز والطمع وكثيرا ما تنفق بشتى الوسائل الحرام، فصاحب الثروة كثيراً ما ينزلق الى التعسف، وذلك بغطرسته، لان الغني كما يقول صاحب الامثال "الغَنِيُّ حَكيمٌ في عَينَيه" (أمثال 28: 11)، او بقساوته لان " "الغَنِيُّ يُجاوِبُ بِالغِلاظَة" (أمثال 18: 23) وبجوره إذ "كثُر مالَه بِالرّبِى والفائِدة" ( أمثال 28: 8) كما ينزلق أيضا الى شتى الشرور والتبذير والرشوة وشراء الضمائر وارتكاب الجرائم، لكن يتعيَّن على تلاميذ المسيح ان يستخدموا الفرص الّتي بين ايديهم في هذا العالم في سبيل ملكوت الله؛ لأنّ " مَن يَرحَمِ الفَقير َيُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه " (أمثال 19: 17). أمَّا عبارة " قَبِلوكُم" فتشير الى الأصدقاء بمال الظلم حتى إذا فرغ بعد الممات، يوم الدينونة، ساعة لا يفيد المال شيئا للخلاص (صفنيا 1: 18) قبلونا في المظال الأبدية لان الله يعطف على من ينفق أمواله لعمل الخير" تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني" (متى25: 34-35)؛ أمَّا عبارة "المَساكِنِ الأَبَدِيَّة" في الأصل اليوناني αἰωνίους σκηνάς. (معناها المظال الابدية) فتشير الى السماء أي دار الخلود حيث الأفراح الحقيقية وهي ابدية مقابلة بالمساكن الأرضية الزائلة؛ وعيد المظال هو عيد الفرح عند اليهود، وكان رمزًا لأفراح السماء، وهي صورة مستوحاة من صورة عيد الاكواخ الذي كانوا يرون فيه صورة مسبقة لزمن الخلاص (زكريا 14: 16-21)، وقد أطلق على السماء "مظالًا أبديَّة"، لأن اليهود كانوا يهتمون جدّا بعيد المظال، ويحسبونه عيد الفرح الحقيقي، فيه يسكنون في مظالٍ من أغصان الشجر لمدة أسبوع. وهكذا تهيئ لنا الصدقة نصيبًا لعيدٍ أبديٍ مفرحٍ، فنقيم في السماء مع مصاف القدِّيسين. وهذه الآية هي دعوة الى ان نكنز لنا كنزاً في السماء "اجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ " (لوقا 12: 33) وذلك عن طريق الصدقة والإحسان (لوقا 11: 41). ومن يُقدّم إحساناً إلى بائس، فإنّ ملائكة الله تستقبله في "المظال الأبديّة" أي في "دار الخلود". ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " الصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة". كما اتخذ الوكيل بخيانته وحكمته أصدقاء قبلوه في بيوتهم الأرضية، فيجب على ابناء النور (المسيحيين) ان يتخذوا بتصرفهم في الأموال بحكمة وعدل أصدقاء (الفقراء) يقبلونهم في الموطن السماوي.

10 مَن كانَ أَميناً على القَليل، كانَ أَميناً على الكثيرِ أَيضاً. ومَن كانَ خائِناً في القَليل كانَ خائِناً في الكَثيرِ أَيضاً.

تشير عبارة "من كانَ أَميناً على القَليل" الى المحافظة على الغنى الأرضي بغض النظر عن قلته او كثرته؛ فلا يبدد الانسان ماله على ملذات الدنيا وشهواتها، بل يُعطيه للمحتاج، وخير برهانٍ على ذلك الأرملة التي كان لها فلسين "فقدَّمتهما الى الهيكل، فقدَّمت كل ما تملكه" (لوقا 21: 2)؛ فمن كان امينا على الارضيات يكون امينا على الروحيات؛ أمَّا عبارة " كانَ أَميناً على الكثيرِ" فتشير الى العطايا الروحية والاهتمام بالمحافظة على الكنوز الفائقة لملكوت الله. فالأمين على خيرات الأرض يكون امينا على خيرات السماء، ومن يكون امينا مع الناس سيكون أميناً مع الله. ومن هذا المنطلق يدعو الانسان الى ان يكون امينا حتى في ابسط التفاصيل وأدقها حتى يكون جديرا في كنوز السماء التي هي أغلى وأثمن بكثير من غنى الأرض؛ أمَّا عبارة " خائِناً في الأصل اليوناني ἄδικος (معناها ظالم) فتشير حرفيا الى من ليس باراً. لو كنّا غير جديرين للمحافظة على الغنى الأرضي فلسنا جديرين بالكنوز الفائقة لملكوت الربّ. وتهدف هذه الآية الى إبعاد كل سوء فهم بأن نرى في المثل تشجيع أو دعوة للغش.

11 فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟

تشير عبارة " المالِ الحَرام " الى المال الذي سمَّاه حرام، لأنه كثيرا ما يجمع ظلما وينفق باطلا ويُخزن بخلا، وكثيرا ما يخدع مالكه ويقوده الى الخطيئة. ويعلق القديس أمبروسيوس "لقد أجاد الرّب يسوع الكلام عن "المالِ الحَرام" لأنّ البخل يُخضِع ميولنا للتجربة من خلال إغراءات الثروات المتنوّعة لدرجة أنّنا نريد أن نكون عبيدًا لها" (شرح لإنجيل القدّيس لوقا، 7). أمَّا عبارة " الحَقِّ " فتشير الى الغنى الحقيقي لذي هو رضى الله وكنز السماء (متى 6: 19-20) وميراث القديسين والملكوت المعد منذ أنشاء العالم. تشير هذه الآية الى الفرق بين مال الحرام والخير الحق، وذلك لأن المال باطل، فهو موجود اليوم، وغير موجود غدًا، ولا يستطيع أن يأخذه الانسان معه إلى العالم الآخر، بينما العطايا السماوية والفضائل والأعمال الصالحة تصحب الانسان معه في السماء كما يصرح ذلك يوحنا الرسول " طوبى مُنذُ الآنَ لِلأَمْواتِ الَّذينَ يَموتونَ في الرَّبّ! أَجَل، يَقولُ الرُّوح، فلْيَستَريحوا مِن جُهودِهم، لأَنَّ أَعْمالَهم تَتبَعُهم" (رؤيا 14: 13). فالرب لن يأتمنا على الكثير إن لم نكن أمناء في القليل.

12 وإِذا لم تكونوا أُمَناءَ على ما لَيسَ لَكم، فمَن يُعطيكُم ما لَكم؟

تشير عبارة "ما لَيسَ لَكم" الى الغنى الأرضي الذي نحوزه فقط بالوكالة ولا يمكن اختزانه؛ ولا أحد من الناس يحق له الادعاء ان ماله لنفسه. فالمال لله والانسان وكيله وهو ملزم ان ينفقه كما امره الله، فإن لم نكن أمناء مع الفقراء والمحتاجين فيما بين أيدينا من مال الظلم، فالله لن يعطينا ما هو لنا من البركة والسلام والفرح والرجاء؛ أمَّا لو أعطينا ما عندنا للفقراء سكب الله علينا من غنى مجده؛ أمَّا عبارة "ما لَكم؟" فتشير الى الثروة الروحية التي يهبها الله لنا والتي نمتلكها الى الابد، وعبّر عنها بطرس الرسول "ِميراثٍ غَيرِ قابِلٍ لِلفَسادِ والرَّجاسَةِ والذُّبول، مَحفوظٍ لَكم في السَّمَوات " (1بطرس 1: 4)؛ ويعلق القديس ايرونيموس "ما هو ليس لكم" فهو كمية من الذهب أو الفضة؛ أمَّا ما هو لك فهو الميراث الروحي، إذ قيل في موضع آخر "فِداءُ نَفْسِ الإِنْسانِ غِناه" (أمثال 13: 8). وبعبارة أخرى، تعني هذه الآية أنه من لا يكون أمينا، وفيّاً لمشيئة الله في تعاطيه الأمور المادية، ولا يحسب للفقير حسابا، فهذا لن يحظى بالخيرات الروحية.

13 ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال

تشير عبارة " يَعمَلَ " هنا الى العبادة. فإمّا نحن بالفعل وكلاء وبالتالي أمناء لله، وإمّا نتصرف كمالكين وبالتالي لسنا أمناء لله. فالمال إله كذاب. هو صنم يتعبد له الانسان إذا تصرف فيه كمالك وليس كوكيل، لأنه عندئذٍ يجعل المال الانسان عبدا. أمَّا عبارة " المال" في اليونانية μαμωνᾶ مامون) فتشير الى "المال كسلطان يستعبد العالم (لوقا 16: 9)، لان للمال قوة وسلطة ان ينتزع مكانة الله في حياة الانسان. ويعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم "يسمّي المسيح المال هنا ربًّا لا بسبب طبيعته الذاتيّة، إنّما بسبب تعاسة الذين ينحنون لنيره. فما أتعس المُدانين من أمثال الذين يتخلّون عن الله ربّهم ليتسلّط عليهم المال تسلّطًا مؤلمـًا". إن المال سيد مخادع. والمال يَعد صاحبه بالسيادة والسلطة، لكنه غالبا لا يفي بوعده. ولا يمكن لأي قدر من المال أن يهب الإنسان الصحة والسعادة والحياة الأبدية. فالأفضل اتخاذ الله لا المال سيداً؛ أمَّا خادم الله فهو يحيا في راحة بال وطمأنينة وامان في هذا العالم الآن والى الابد؛ أمَّا عبارة "سيدان"، فلا تشير الى سيدين، إنما سيد واحد، إذ ليس للمال حق السيادة، إنما الإنسان هو الذي يثقل نفسه بنير العبوديَّة (للمال) كما يعلق القديس أمبروسيوس. "يضع السيد المسيح حدًا فاصلاً بين قبول تبعيته والارتباط بمحبة المال. الله ليس ضد الغنى، فإبراهيم وإسحق ويعقوب كانوا أغنياء، والله لم يكن ضدهم، بل الله ضد عبادة المال، أي عندما يصير المال هدفًا وإلهًا يُعبَدْ، أو أداة للملذات والترف الزائد في حين الفقراء في جوع وحرمان". وعبادة المال تعني أن يظن الإنسان أن المال فيه ضمانًا للمستقبل. ومن هنا جاءت وصية بولس الرسول "واعلَمْ أَنَّه سَتَأتي في الأَيَّام الأَخيرَة أَزمِنَةٌ عَسيرَة يَكونُ النَّاسُ فيها مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمِ ولِلْمَال ... فأَعرِضْ عن أُولئِكَ النَّاس"(2 طيموتاوس 3: 1-5). أمَّا عبارة " فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال" فتشير الى وضع الانسان أمام خَيار. إنّه اختيار صعب. وحاسم. يعتمد عليه نجاح أو فشل حياتنا. من جانب، يوجد الربّ مع رغبته في خلاص كل انسان وملكوته المستقبلي بكلّ متطلّباته. من الجانب الآخر هناك المتعة المباشرة، والرفاهيّة المادّية، والأنانيّة. هل نعرف نحن اتّخاذ الاختيار الّذي يُخلّصنا؟ فنتشبه بالقائد يشوع بن نون في اتخاذ القرار " والآنَ اتَقوا الرَّبَّ واعبُدوه بِكمَالٍ ووَفاء، وأَبعِدوا الآلِهَةَ الَّتي عَبَدَها آباؤُكم في عِبرِ النَّهرِ وفي مِصْرَ، واعبُدوا الرَّبّ. وإِن ساءَ في أَعيُنِكم أَن تَعبُدوا الرَّبّ، فاخْتاروا لَكمُ اليَومَ مَن تَعبُدون: إِمَّا الآلِهَةَ الَّتي عَبَدَها آباؤُكم في عِبرِ النَّهْرِ، أَو آلهَةَ الأَمورِّيينَ الَّذينَ أَنتُم مُقيمونَ بِأَرضِهم. أَمَّا أَنا وبَيتي فنَعبُدُ الرَّبّ " (يشوع 24: 15).

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)

انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)، نستنتج ان النص يتمحور حول الأمانة في الوكالة في استعمال خيرات الارض. وهنا نتساءل عن الفرق بين حكم الرجل الغني على وكليه الخائن وحكم يسوع عليه، ومن هنا نبحث في نقطتين: كيف حكم الرجل الغني على وكيله الخائن؟ وكيف حكم يسوع عليه؟

1) حكم الرجل الغني على وكليه الخائن (لوقا 16: 2-8)

"أَثْنى السَّيِّدُ على الوَكيلِ الخائِن، لِأَنَّه كانَ فَطِناً في تَصَرُّفِه. وذلِك أَنَّ أَبناءَ هذهِ الدُّنيا أَكثرُ فِطنَةً مع أَشباهِهِم مِن أَبْناءِ النُّور" (لوقا 16: 8). غريب تقدير السيد لعبده الخائن لا لخيانته بل لفطنته. لم يمتدحه على فضيلته بل على حكمته. أعجب السيد بذكاء عقل وكيله، لكنه لم يُسر باعوجاج قلبه، والاّ فلماذا عزله عن وظيفته.

عرف الوكيل كيف يتصرّف بالمال تصرّفا ذكياً، كما إنه عرف كيف يستعمل المال لخدمة الآخرين آملا ان يُحسنوا إليه كما أحسن هو إليهم فيؤمن مستقبله. فكر في أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه سيده الوكالة، وكأنَّه يطبق كلام يسوع "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد " (لوقا 12: 32).

إن أبناء هذا العالم يعرفون جيدًا كيف يدبِّروا حياتهم ومستقبلهم، حيث أن لديهم عزم ثابت علي بلوغ طموحاتهم في هذه الدنيا، ولا تعوزهم الوسائل لبلوغ غاياتهم، ولديهم غيرة واجتهاد في استعمال هذه الوسائل. أما أبناء النور، يعوزهم النظرة المستقبلية لحياتهم الأبدية.

ونستنتج مما سبق انه لا يجوز لنا بأي شكل من الاشكال أن نسيء استعمال المال خاصة مال الغير. في حين نجد ان البشر يستنفذون كل طاقاتهم وكل إمكانياتهم في الأمور الاقتصادية والمالية كي يحصلوا على أفضل ثمر ونتيجة. ويُعلق القديس كيرلس الكبير "لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل به بالتزامه بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة)". أبناء النور هم عكس أبناء هذا العالم وهم مدعوون كي يصبحوا وكلاء الحق الذي حمله السيّد المسيح لنا في تعليم التطويبات. قد تأتي لحظات مطلوب من أبناء النور اخذ قراراً مناسباً في وقت مناسب ولظرف مناسب كما فعل الوكيل الخائن.

2) حكم يسوع على الوكيل الخائن (اوقا 16: 9- 13)

ينتقل يسوع من مسالة الفطنة الى مسالة المال ليفسر مثل الوكيل الخائن. ويعطي يسوع أربع ارشادات او الحكم في استعمال المال: المال خير قليل الأهمية، المال خير مكتسب، المال خير غريب، المال خير للملكوت.

ا) المال خير قليل الأهمية

"مَن كانَ أَميناً على القَليل، كانَ أَميناً على الكثيرِ أَيضاً" (لوقا 16: 10) يعتبر يسوع المسيح المال خير قليل الأهمية، أمَّا الامر الكبير او الكثير الأهمية في نظر يسوع هو الحياة الأبدية والخيرات الإلهية حيث ان المال له أهمية محدودة. ومن هنا يوصي يسوع بان يُحسن الانسان استعمال او إدارة المال او الأمور الزمنية ويتعرف على كيفية التصرف في الامور الأكثر أهمية، وهي الأمور الروحية. لذا ليست نصيحة يسوع دعوة الى تبذير الأموال بل الى حُسن استعماله. ذا كان هناك إمكانية استخدام المال في الخير أو الشر، فلنستخدم أموالنا في الخير.

نستنج مما سبق ان ليس المال الذي يجعل الانسان إنسانا، فالغنى المادي لا يجعل من الانسان كائنا سعيداً. ليست القيمة في المال. انما القيمة في الانسان، لا فيما يملك. فيُمكن ان يملك الانسان الكثير وان يكون تعيسا وشريرا، لذلك يدعو يسوع حسن استعمال الخيرات، حيث ان ليس المال شرًّا بطبيعته الذاتيّة، بل يصبح المال شرًّا حين يتعامل المرء معه هدفًا لا وسيلة للوصول لهدف أسمى هو محبّة الإنسان ومساعدته.

في الواقع، يؤكد يسوع أن المال تافه، حتى عندما يكون وفير، والمال الغير شريف (لوقا 16/ 11-12). المال تافه، لأنه لا يكفي لإعطاء الحياة؛ والمال عير شريف، لأنه يعد الحياة حتى لو كان غير قادر على الوفاء بوعده. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يؤمنون بالمال التافه وغير الشريف، دون أن يستخدموه يعتقدون أنه كل شيء، ولكن عندما يعيشون كأشخاص محتاجين يشاركون ما لديهم مع الآخرين، يجدون في نهاية المطاف ثروة المال الحقيقية في هذه المشاركة ذاتها - ثروة قادرة على بيت ابوي حيث يمكنهم أخيرًا العيش فيه بسعادة.

المال يصبح شرًّا حين تصبح محبّته أقوى من محبّة الإنسان الآخر وسد حاجته. ومن هنا جاءت وصية يسوع "فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه" (متّى 6، 33). إنّ كنوز السماء أغلى وأثمن بكثير من غنى الأرض. لذلك اوصانا يسوع قائلا " اكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في السَّماء" (متى 6: 20). لكن لو كنّا غير جديرين أو غير أهل للمحافظة على الغنى الأرضي بغض النظر عن قلّته أو كثرته في أيدينا فلسنا جديرين بالكنوز الفائقة لملكوت الربّ.

ب) المال خير غريب

"فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟ (لوقا 16: 12). ليس المال خير الانسان الحقيقي، انما هو خير غريب. ويعلق القديس أمبروسيوس " الثروات غريبة عنّا لأنّها خارج طبيعتنا، فهي لا تولد معنا ولا تتبعنا في الموت. وعلى العكس من ذلك، فالرّب يسوع المسيح هو لنا لأنّه الحياة" (شرح لإنجيل القدّيس لوقا، 7) . فالمال غريب لأنه باطل، فهو موجود اليوم، وغير موجود غدًا، ولا يستطيع أن يأخذه الانسان معه إلى العالم الآخر. "باطِلُ الأَباطيل، يَقولُ الجامِعة كُلُّ شيَءً باطِل" (الجامعة 12: 8). ويُعلق القديس كيرلس الكبير " إن ما ليس لكم هو الغنى الذي نمتلكه، إذ لم نولد ومعنا الغنى، بل بالعكس وُلدنا عراة، ويمكننا بحق أن نؤكد كلمات الكتاب المقدَّس: "فإِنَّنا لم نَأتِ العالَمِ وَمَعَنا شَيء، ولا نَستَطيعُ أَن نَخرُجَ مِنه ومَعَنا شَيء" (1 طيموتاوس 6: 7)، وكما نطق أيضا أيوب البار " عُرْيانًا خَرَجتُ مِن جَوفِ أُمّي وعُرْيانًا أَعودُ إِلَيه، الرَّبُّ أَعْطْى والرَّبُّ أَخَذ فلْيَكُنَ اسمُ الرَّبِّ مُبارَكًا" (أيوب 1: 21).

ومن هذا المنطلق يتوجب علينا ان لا نضيّع الموارد الّتي لدينا، لأنّها ملك للربّ وليس ملكنا. يمكن عمل ثروات ضخمة، ويمكن فقدها أيضاً بين عشيّة وضحاها، أو في ظرف يوم واحد. وقد يصبح المال حراما عندما يغدو الهاً، وعندما يغدو المال الهاً تزول كل القيم والاعتبارات الإنسانية في سبيل الوصول إليه، إضافة الى كون المال زائل، تراه من بعيد كأنه حقيقة وسرعان ما تقترب إليه تجده سراب.

ج) المال خير مكتسب

"اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام" (لوقا 16: 9). من ناحية المال هو ثمرة التعب، " بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا" (التكوين 3: 19). المال قوام الحياة، وهَم كل ِّ إنسان. والانسان لا يستطيع ان يضمن لنفسه ولعائلته العيش الكريم بدون المال كما جاء في سفر التكوين " بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا" (التكوين 3: 19).

ومن ناحية أخرى، يمكن ان يكون المال سبب ظلم حيث اعتبره يسوع أمرا "حراما" وسبب خطيئة، إذ هناك الظلم في المال الحرام لأنه يحرم الآخرين من حقهم. فقد تفسد أهواء الانسان فينقلب المال بين يديه أداة ظلم إذ يعبد الانسان المال بدلا من ربه ويسخّر المال لشهواته في هذه الدنيا بدلا لآخرته من خلال بذله في اعمال البر والرحمة. وتصبح ثروة الشخص وقيمته تقدَّر بالمال، وعلاقاته يُحدِّدها المال، والأمان هو المال. وقد يسخر الانسان الآخر ويستغله ويدوس على كرامته ليجمع مال أكثر. فيصح المال ربا.

ومن هنا جاءت كلمة يسوع "ما مِن خادِمٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَيْن، لِأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال" (لوقا 16: 13). ويعلق القديس أمبروسيوس " هذا لا يعني أنّ هناك سَيِّدَيْن؛ لا يوجد سوى سيّد واحد. فلا يحقّ للمال أن يكون سيّدًا حتّى لو كان هناك أشخاص يخدمونه، لأنّ هؤلاء قد اختاروا نير العبوديّة" (شرح لإنجيل القدّيس لوقا). كانَ أيّوب غنياً، لكنّه لم يترك ثرواته تتملكه وتسيطر عليه، بل كان يستخدمُ المال لمساعدة الآخرين، وكان يعتبرُ نفسه موزِّعًا للخيرات، لا مالكًا لها؛ كان سيّدَ المال، لا عبدَه. وبكلمة أخرى، للمال قوّة وسلطان، فلنستخدمه بحرص ورويّة.

د) المال خير للملكوت

"اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة" (لوقا 16: 9). يطلب المسيح منا أن تكون لنا النظرة المستقبلية للمال، وليس النظرة المحدودة بهذا العالم. وأن الحياة المستقبلية هي ثمرة ونتيجة للحياة الحاضرة. والله أعطانا المال الحرام الذي هو مال الأرض، كي نستخدمه بحكمة فننال الخير الحق في الملكوت "فَإِذا لم تَكونوا أُمَناء على المالِ الحَرام، فعَلى الخَيرِ الحَقِّ مَن يَأَتَمِنُكم؟ (لوقا 16: 11).

لذلك يعتبر يسوع المال خادما وبالتالي رمزا للمحبة فيقول: "اِتَّخِذوا لكم أَصدِقاءَ بِالمالِ الحَرام، حتَّى إِذا فُقِدَ قَبِلوكُم في المَساكِنِ الأَبَدِيَّة"(لوقا 16: 9). ومن هنا جاءت نصيحة يسوع للذي دعاه لتناول العشاء" إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ المُكافأَةَ على صنيعِكَ. ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان. فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار"(لوقا 14: 12-14). فإن أولئك الّذين يحصلون على الصدقات يصبحون أصدقاءنا لأنّنا كنّا رحماء معهم وقت عوزهم، تماماً كما أنّ الربّ رحيماً معنا " طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون" (متى 5: 7).

عرف الوكيل الخائن كيف يستعمل خيرات هذا العالم ليخلق له أصدقاء ويهيئ لمستقبله الأرضي، ويعلق القديس كيرلس الكبير" أن السيِّد المسيح إذ يقدَّم لنا مثلًا لا يقصد بنا أن نطبقه في كل الجوانب، وإنما في الجانب الذي قصده السيِّد. هكذا لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل بالتزامنا بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة)". فكم بالأحرى على المسيحي أن يهيئ مستقبله الأبدي بمشاركته الفقراء من خلال الصدقة؛ لكي يستقبلوه في مدينة الله. فالفقراء هم في منزلهم لدى الله بحسب روحانية التطويبات كما هو واضح في مثل لعازر والغني (لوقا 16: 19-31).
أدرك الوكيل الخائن أن الثروة الحقيقية هي ثروة الأخوة، فعل كل شيء لكسبها. توقف عن استخدام الآخرين للثراء، وبدلاً من ذلك، بدأ في استخدام الثروة لإيجاد الصداقة. ويمكننا القول إنه توقف عن البحث عن بيت الثراء بل عن بيت الصداقة والإخوة التي تؤمن له السعادة الحقيقية.

ليست طريقة الوكيل الخائن نموذجًا للتوبة. لكنه يقوم بحسابات حكيمة - لاستخدام ساعاته الأخيرة المسؤولة عن ممتلكات سيده لإظهار الرحمة للآخرين بتخفيف ديونهم. فإننا نشيد بفطنته كمثال لنا، أولاد النور كما في وصف بولس الرسول " لأَنَّكم جَميعًا أَبناءُ النُّورِ وأَبناءُ النَّهار " (1 تسالونيكي 5: 5 ) ؛ أفسس 5: 8) مدركين ان ما نملكه ليس لنا كما ادركه الوكيل الخائن ، إنما ما لدينا هو ملك لآخر ، وهو سيدنا يسوع المسيح

والمال خير لاكتساب الملكوت من خلال مساعدة القريب. والقريب ليس قريبنا بالجسد وحسب، بل هو كلّ إنسان نلتقي به في حياتنا اليوميّة. قريبنا ليس فقط مَن كان شريكنا في الدين أو في الطائفة أو في الوطن أو في اللون أو في العرق أو في الجنس... قريبنا هو كلّ إنسان خلقه الله على صورته ومثاله. وتزداد هذه القرابة كلّما زادت حاجة هذا الإنسان إلينا والى اموالنا. فالمسيح ساوى نفسه بالقريب المحتاج حين قال: " لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ" (متّى 25، 35-36). ومن هذا المنطلق من يحبّ الله حقًّا يقتضي أن يحبّ الجائع والنازح والذي بلا مأوى، ليس بالقول أو بالفكر وحسب، بل بالفعل، أي بماله وبكلّ ما يملك. وفي هذا الصدد وصّى بولس الرسول الأغنياء المقتدرين" أَن يَصنَعوا الخَيرَ فيَغتَنُوا بِالأَعمالِ الصَّالِحة، ويُعطوا بِسَخاء ويُشرِكوا غَيرَهُم في خَيراتِهم لِيَكنِزوا لأَنفُسِهِم لِلمُستَقبَلِ ذُخرًا ثابِتا لِيَنالوا الحَياةَ الحَقيقِيَّة" ( 1 طيموتاوس 6: 18-19).

إن استعمال المال للصدقة والإحسان يجعل لنا أصدقاء أولئك الذين من أجلهم اتى المسيح (لوقا 4: 18). هؤلاء الفقراء يكونون يوما في " حضن إبراهيم" (لوقا 16: 21-25)، أي ذوي منزلة رفيعة في السماء ويستقبلون في المظال الأبدية من قبل الله، أولئك الذين كانوا لهم في الأرض محسنين. يقول القديس منصور دي بول "الفقراء؟ هم الذين يفتحون لنا السماء فإن أردنا بلوغ السعادة الأبدية، علينا ان نحيا ونموت في خدمة الفقراء". ويعلق القدّيس أمبروسيوس "إنّ صدور الفقراء، وبيوت الأرامل، وأفواه الأطفال، هي بمثابة الأهراء الّتي تدوم إلى الأبد". تتكوّن الثروة الحقيقيّة ليس فيما نحتفظ به بل فيما نُعطيه. يتوقّع الربّ منّا أن نضعها في خدمة الآخرين. نحن ننتمي إلى الربّ وكلّ ما نملكه هو له.

ويطلب يسوع الأمانة في القليل، وذلك أن يترفق الإنسان بالمحتاج، ويعين من هم في ضائقة بما لديه من المال. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " إن خدمت القدِّيسين (الفقراء) فستشاركهم مكافآتهم. فالصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة". وقد كتب بولس الرسول " لأنَّنا مِن صَنْعِ الله خُلِقْنا في المسيحِ يسوعَ لِلأَعمالِ الصَّالِحةِ الَّتي أَعَدَّها اللهُ بِسابِقِ إِعدادِه لنِمُارِسَها" (أفسس 2: 10). يريد الله أن نحول أموالنا لتصير لنا رصيد سماوي. "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد "(لوقا 12: 33).

الإنسان الفطن هو من يعتبر المال وسيلة وليس هدف. وخير مثال على استعمال المال كوسيلة للخدمة ما حظيت به الأم تريزا دي كالكوتا من إعجاب العالم ونالت العديد من الجوائز تقديرا لخدماتها الجليلة لأفقر الفقراء. وقد عرفت كيف تستغل سمعتها العالمية بذكاء من أجل جمع المال والمساعدات لخدمة القضية الإنسانية النبيلة التي جعلتها هدفا لها. في حين كانَ الفِرِّيسِيُّونَ، وهُم مُحِبُّونَ لِلمال، يَسمَعونَ يسوع وَيَهزَأُونَ بِه" (لوقا 16، 14). ونستنتج من هنا ان حبّ المال يطرد من القلب محبّة الربّ ومحبّة القريب.

ومن أراد ان يعبد الله حقًّا يتوجب عليه أن يتصرّف بالمال باعتبار أنّ المال أمانة من الله يصرفه في أماكنه الصحيحة حيث ينبغي أن يُصرف على المحتاجين والمستضعفين والنازحين والمعذَّبين. الإنسان لا يكون مالكًا ماله إلاّ حين يصرفه. فهو عبد المال، لا مالك له، حين يحتفظ به لنفسه ظانًّا أنّه ضمانة لمستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده.

ونستنتج مما سبق إن الانسان يجد نفسه أمام خَيار بين عبادة الله والعمل في سبيل ملكوته والسعادة الأبدية، ام عبادة المال والعمل في سبيل تكديس الثروات الأرضيّة وكبرياء الغنى وشهواته. إنّه اختيار حاسم. يعتمد عليه نجاح أو فشل حياتنا. من يعبد المال ويجعله صنماً له، لا يمكنه أن يكون ابن النور. منذ أن ظهر الله في العالم، والإنسان أمام خيار جذري. فعلى المسيحي أن يُظهر، من خلال استعماله للمال بأنه ينتمي إلى الله. وهكذا في اختيارنا في استعمال المال من أجل إسعاف الإخوة المحتاجين فإنّه يُصبح المال مفتاحاً للسماء، " لأَنَّ المَحبَّةَ تَستُرُ كَثيرًا مِنَ الخَطايا (1بطرس 4: 8). وباختصار، ينبغي علينا أن نستخدم مواردنا الماديّة بطريقة تساعدنا في الحياة الأبديّة، لأنّ " مَن يَرحَمِ الفَقير َيُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه"(أمثال 19، 17).

العبرة

كثيرا ما يثير هذا المثل شيئا من الاستغراب، لأنه، على ما يبدو، يجعل من الوكيل الخائن قدوة حسنة يقتدى بها. إذا صح أن هذا الوكيل هو قدوة، وليس ذلك إلا نظرا لفطنته. فالمثل يدعونا ان نعيش نحن كوكلاء الله، كل ما هو بين أيدينا من عمل يديه أو عطيَّة من عنده، سواء مواهبنا أو قدراتنا أو دوافعنا أو عواطفنا أو ممتلكاتنا حتى جسدنا وأوقاتنا. لقد استعمل الوكيل الخائن ما ليس له وما لا يستطيع الاحتفاظ به، لكي يحصل على ما يحتاجه لاحقاً. لقد صنع صداقات واشترى شراكات مستقبلية بمال لا يخصّه.

نحن وكلاء، سنعطى حسابًا عن كل كلمة. غاية الله من هذه الوكالة ان نحمل سماته فينا التي تتمركز في "الأمانة". إن كان الله قد دعي "الأمين" كما جاء في تعليم بولس الرسول "هو اللهُ أَمينٌ دَعاكُم إِلى مُشارَكةِ اَبنِه يسوعَ المسيحِ رَبِّنا"(1 قورنتس 1: 9) فإنه يود في أبنائه أن يكونوا أمناء على مثاله، إذ يوصينا: " كُنْ أَمينًا حَتَّى المَوت، فسأعْطيكَ إِكْليلَ الحَياة " (رؤيا 2: 10). فنحن أمام الله وكلاء لا ملاّكون. كل ما نملك من مال، خيرات، صفات، إمكانيات عقلية وفكرية وعاطفية وأدبية سنؤدي عنه حسابا. ما الانسان الا وكيل والله هو الملاّك. من هنا لا حق لنا في تبذير "مال " الله. وسنؤدي حساباً عن الغنى الذي لم نستثمره.

إن الحياة المستقبلية ثمرة ونتيجة للحياة الحاضرة، وان الطريقة التي بها يتصرّف الانسان بمتاع الدنيا تحدِّد مصيره في الحياة الآخرة. لذلك لا يستحسن ان نضيع الموارد التي لدينا، لأنها ملك لله وليس لنا. ولذا ينبغي علينا ان نستخدم مواردنا المادية بطريقة تساعدنا في الحياة الأبدية. لآن استخدام المال كغاية في حد ذاته سرعان ما يفصلنا عن الله وعن المحتاجين. وإن مفتاح استخدام المال بحكمة هو استخدامه في تحقيق مقاصد الله بدلاً ان نكدس المال لأنفسنا؛ وذلك تلبية لوصية السيد المسيح "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد." (لوقا 12: 33). فالإنسان لا يستطيع ان يفصل بين ما يؤمن وما يعمل. وما يكنزه يكشف عن اولوياته الحقيقية واهتماماته الفعلية بالأشياء التي تنفق فيها وقته وماله وطاقته " فحَيثُ يَكونُ كَنزُكُم يَكونَ قَلبُكم " (لوقا 12: 34).

ويقدم لنا مثل الوكيل الخائن بعض الارشادات والتحذيرات. الارشاد الأول: الخيرات هي ملك الله وحده. ونحن مؤتمنون عليها، نحن وكلاء عليها لكي تخدم الأخوَّة بين البشر؛ فيتوجب علينا ان نكون وكلاء أمناء، وفي هذا الصدد يقول داود النبي: "لَكَ يَا رَبُّ الْعَظَمَةُ وَالْجَبَرُوتُ وَالْجَلاَلُ وَالْبَهَاءُ وَالْمَجْدُ، مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. لَكَ يَا رَبُّ الْمُلْكُ، وَالْغِنَى وَالْكَرَامَةُ مِنْ لَدُنْكَ، لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ” (1أخبار 29: 11- 14). الارشاد الثاني: قد يُستخدم المال في الخير أو الشر فلنستخدمه في الخير، فكل ما بين يديك أُعطِى لك لخدمة الآخرين: قال المسيح: "إِذا لم تكونوا أُمَناءَ على ما لَيسَ لَكم، فمَن يُعطيكُم ما لَكم؟" (لوقا 16: 12)؛ الارشاد الثالث: للمال قوّة وسلطان فلنستخدمه بطريقة تساعدنا في الحياة الأبديّة.

أمَّا التحذيرات فيجب الأخذ بعين الاعتبار، وهي أولا: إن الشر لا يستمر وعطايا الربّ لن تتبدد؛ ثانيا: الإدراك بان العطايا من الربّ من اجل مساعدة مشتركة. فإذا كان الوكيل الخائن مدفوع من الحاجة لكي يصبح كريما مع شيء من الخبث، من أجل خلاص نفسه، فكم بالأحرى أبناء النور عليهم ان يكونوا مدفوعين ليحقِّقوا تضامنا ومشاركة حقيقية بين البشر. إذ ذاك يصبح المسيحيون أبناء الآب السماوي (متى 5: 43-48)؛ والتحذير الأخير هو إن الغنى بمال السوء هو في صراع دائم مع الغنى الحقيقي، على أبناء النور أن يتحرروا من الغنى الأول رافضين إياه معتمدين على مبادئهم الإيمانية.

الخلاصة

يدعونا الله ان نكون أمناء على عطاياه لنا. إن كل ما نتمتع به الآن في حياتنا الحاضرة من وقت وصحة ومال وأقرباء وآباء وأولاد، إنما هي عطايا من الله لنا، ونحن وكلاء عليها. ففكر الوكيل ماذا يفعل في أيامه القادمة، ولكن سيده أمتدحه لأنه في حكمة فكر في مستقبله، فكر في أن يكون له أصدقاء يلجأ إليهم حينما يأخذ منه الوكالة.

دعاء

" أيّها الآب السماوي، كلّ ما نملكه هو هبة منك. ساعدنا باسم يسوع ابنك، أن نكون وكلاء حكماء وفطنين وأمناءً لأموالنا وممتلكاتنا الّتي تضعها بين أيدنا كي نستخدمها لمجدك ولخير القريب، فنؤدّي لك المجد بكلّ حياتنا. يا رب أعطنا عيونا ترى، وأذانا تسمع، وقلوبا ترق، لكل محتاج بأي نوع، لعله يكون طريقنا للدخول إلى الملكوت. آمين.

قصة حقيقية

ماتت سيدة غنية جداً وكانت تمتلك الملايين وماتت، وفي أثناء جنازتها كان الكل مشغول بكم تركت من أموال؟ وجاء أحدهم ويبدو أنه كان إنساناً مادياً وسأل كاهن الرعية: كم تركت هذه السيدة؟ فأجابه الكاهن بذكاء شديد وكان يريد أن يقدم له درساً عميقاً: لقد تركت كل شيء. نعم لن نأخذ شيئاً معنا، فهل ندرك أن كل فرصة يتيحها الرب لنا هي لتسخيرها لخدمة الآخرين. وكل بركة يباركنا بها الرب يجب أن نقدمها لخدمة الآخرين، وكل موهبة أعطاها الرب لنا يجب أن نكرسها لخدمة الآخرين. وإن كنا أمناء فيما هو للغير سيعطينا ما هو لنا أي "الأبدية" في السماء.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء