مثل الغني ولعازر الفقير المريض

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

مثل الغني ولعازر الفقير المريض

الأب د. لويس حزبون
2019/09/28

يتناول إنجيل هذا الأحد (لوقا 16: 19-31) مثل الغني ولّعازر الذي ضربه يسوع للفريسيين، المُحبين للمال (لوقا 16: 14) مُعلما إياهم الاهتمام بالقريب خاصة الفقير المحتاج ومظهراً أن من استعلى لدى الناس يكون مرذولاً من قبل الله (لوقا 16: 15). فهذا المثل هو نموذج لمن أساء استخدام المال فخسر أبديته بدل اكتساب صداقة الله. وقد أصبح هذا المثل موضع إهتمام الفنون في العصور الوسطى. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 16: 19-31)

19كانَ رَجُلٌ غَنِيٌّ يَلبَسُ الأُرجُوانَ والكَتَّانَ النَّاعِم، ويَتَنَعَّمُ كُلَّ يَومٍ تَنَعُّماً فاخِراً.

تشير عبارة " غَنِيٌّ " في الأصل اليوناني πλούσιος (مقابل لها في اللغة العبرية עָשִׁיר) الى من استغنى عن الحاجة أو عن شيء آخر، ولعل هذا الشيء الآخر هنا في هذا المثل كان الله والقريب. لا نعرف اسمه بل صفته كغنيّ، وكأنّ الناس لا يتقرّبون منه ولا يهتمّون لاسمه، بل لغناه، وهو لا يرى هويّته إلا فيما يملك. وأن هذا الغني بكونه غير رحيم كان في حضرة الله بلا اسم، إذ قيل في سفر المزامير عن الذين لا يخافون الرب: " بِشَفَتَيَّ أَسماءَها لا أَذكُر " (مزمور 16: 4)؛ وهذا معنى قول السيد المسيح "ما عرَفْتُكُم قَطّ " (متى 7: 23). امَّا عبارة “ألأُرجُوانَ" فتشير الى الثوب الأحمر؛ وكانت ثياب الأرجوان غالية الثمن يلبسها الأغنياء و ذوو المكانة الرفيعة وكبار موظفي الدولة (أستير 8: 2) . وكانوا يصنعون لون الأرجوان من بعض أصداف السمك. وكان الصوريون يصنعون الأرجوان الذي اشتهروا به من نوعين من محار السمك. أمَّا عبارة "الكَتَّانَ النَّاعِم" تشير الى ثياب نادرة وغالية الثمن (أغلى من الصوف). ولكن يبدو أن الناس (لا الكهنة وحدهم) لبسوا ثيابًا مصنوعة من الكتّان (أمثال 31 :13). أمَّا عبارة "يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَومٍ تَنَعُّماً فاخِرا" فتشير الى الترويح عن نفسه بوسائل الترفيه بإقامة الولائم والاحتفالات؛ ويصف عاموس النبي حياة الترف لتي يعيشها الأغنياء بقوله "يَضَّجِعونَ على أَسِرَّةٍ مِن عاج وَينبَطِحونَ على أَرائِكِهم ويأكُلونَ الحُمْلانَ مِنَ الغَنَم والعُجولَ المُخْتارَةَ مِنَ المَعلَف ويَرتَجِلونَ على صَوتِ العود ويَشرَبونَ الخَمرَ بِالكُؤُوس ويَدَّهِنونَ بِالأَدهانِ النَّفيسَة ولا يَكتَئِبونَ لانكسار يوسُف (عاموس 7: 4-6). إن الرجل الغني لم يتورّع عن إنفاق أمواله بطريقة أنانية. وليس شيء أخطر من الترف. اسمع ما يقوله موسى النبي عنه " أنه متى أكلت وشربت: "تَنَبَّهْ لِئَلاَّ تَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ" (ثنية الاشتراع 8: 11). امَّا عبارة " كُلَّ يَومٍ " الى استمرار الغني في إشباع شهواته أنها حالة وليس عمل مرة واحدة. إن الغنى كان مظهر من مظاهر الشرف عند الفريسيين ومقياس لقيمة المرء لكن شرف الإنسان وقيمته بمفهوم الكتاب المقدس في أخلاقه وفضائله خاصة في معاملته للآخرين.

20 وكانَ رَجُلٌ فَقيرٌ اسمُه لَعازَر مُلْقىً عِندَ بابِه قد غطَّتِ القُروحُ جِسْمَه

تشير عبارة "لَعازَر" في الأصل اليوناني Λάζαρος (اسم مشتق من اللغة العبرية לַעְזָר ومعناه "الله يُعين")، الى الشخصية الوحيدة التي أعطيت اسماً في الأمثال. هو فقير ولكنّنا نعرفه كشخص. رغم حالته المدقعة، أدرك كيف يعرّف عن نفسه للآخرين كإنسان. بهذه التسمية أراد الرب يسوع كشف عميق عن حقيقة صاحبه، حيث أن هذا الفقير كان بكّليته متوكلاً على الله، وكان الله مصدر عونه وقوته فاستحق هذا الاسم. وهو اسم يناسب الفقير، كأن سرّ القوَّة في حياة هذا الفقير، ليس الفقر في ذاته، وإنما قبول آلام الفقر بشكر، والله يعينه عليها، فالله يُعين من لا معين له؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" بالرغم من صراعه ضد الجوع المستمر ولم يكن له حتى القوت الضروري، لكنه لم يشتكي ولم يتذمر ولم يُجدِّف على الله بل احتمل كل شيء بنبلٍ". وربما قصد لوقا الإنجيلي بهذا الاسم للدلالة على إيمان المسكين بالله. ويُعلّق القديس أمبروسيوس "كان سرّ القوَّة في حياة هذا الفقير، ليس الفقر في ذاته، وإنما قبول آلام الفقر بشكر خلال "الله المعين". ويدل الاسم ايضا ان المسيح يعرف الفقراء بالاسم فهم إخوته كما جاء في تعليم يسوع "كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه"(متى 25: 40)، ويعلق القديس غريغوريوس الكبير "أشار ربَّنا إلى اسم الفقير دون اسم الغني إذ يعرف الله المتواضع ويزكيه دون المتكبر". والجدير بالذكر انه ليس هناك علاقة بين هذا الاسم ولعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات (يوحنا 11)؛ أمَّا عبارة " مُلْقىً عِندَ بابِه" فتشير الى صيغة المجهول ليظهر أن الله شاء أن يكون هناك. لم يذكر الانجيل أي خطيئة للغني سوى انه عاش لنفسه، وأهمل لعازر الفقير الذي على بابه وهو في أمس الحاجة الى كسرة الخبز ليسدَّ جوعه ويطرد عنه شبح الموت المُرعب. وخطيئة هذا الغني لا تكمن في غناه بل في حبِّه للعالم وما في العالم كغاية في ذاته، حيث انه لم يرَ أبعد من شهواته وملذاته. لم يرَ لعازر الفقير عند بابه ولم يشعر به ولم يتخذه صديقا له (لوقا 16: 19)، لم يستعمل أملاكه ليُعزّيه ولم يفتح بيته كي يدخل لعازر اليه بل عامله كأنه ليس موجود. وكأنَّi أقام هُوَّةً عَميقةً بينهما. باختصار لم يُردْ الغني ان يرى الله في حياته من خلال لعازر الفقير. ويعلق القديس باسيليوس" بِمَ ستُجيبُ الربّ الديّان، أنتَ الذي تُلبِسُ جدرانَ بيتِكَ ولا تُلبِسُ شَبيهَكَ؟ أنتَ الذي تُزيِّنُ خيلَكَ ولا تنظرُ حتّى إلى أخيك الذي يعيشُ في الضيق؟ أنتَ الذي تَدفنُ كنزَكَ ولا تساعدُ المظلوم؟

21 وكانَ يَشتَهِي أَن يَشبَعَ مِن فُتاتِ مائِدَةِ الغَنيّ. غَيرَ أَنَّ الكِلابَ كانت تأتي فتَلحَسُ قُروحَه

تشير عبارة "يَشتَهِي أَن يَشبَعَ مِن فُتاتِ مائِدَةِ الغَنيّ " الى تلك الكِسر من الخبز التي كان يستخدمها الآكلون لمسح اصابعهم بعد أكل اللحم والمرق، لان فوط المائدة لم تكن معروفة يومئذ، والفقير كان بودّه لو يسدُّ رمقه بتلك الفتات من الخبز، لانَّ الخدم كانوا أحيانا يلقون هذه الفضلات في الطريق، ويكون للفقراء نصيب في قليل منها. أمَّا عبارة" الكِلابَ "فتشير الى حيوانات شريرة كما يعتبرها صاحب سفر المزامير " كِلابٌ كثيرةٌ أَحاطَت بي، زُمرَةٌ مِنَ الأَشْرارِ أَحدَقَت بي "(مزمور 22: 17)؛ وتشير أيضا الى حيوانات قبيحة ونجسة كما وصفها سفر الامثال " ككَلْبٍ عائِدٍ على قَيئه " (الامثال 26: 11)؛ أمَّا عبارة "قروحه" فلا تشير الى الجروح التي تحل بالإنسان من الخارج بل القروح الذي تأتي الانسان من الداخل. فالقروح تصيب الجِلْدَ والأنسجَة العميقة، وتطول مُدّة شِفائها إمّا لتقيُّح فيها أو لضعف الدورة الدمويّة، كما تصيب غِشاء الأنْسجة الداخليّة نتيجة الْتِهاب مَوْضعيّ؛ أمَّا عبارة "تَلحَسُ قُروحَه" فتشير الى الكلاب المتشردة التي كانت تلحس قروحه (مزمور 68: 23)، وكان عاجزاً عن طردها بسبب ضعفه ووحدته. وهذه الكلاب كانت تعتبر نجسة بالنسبة لليهود. وترمز الكلاب الى الوثنيين بما انها مكانها خارج الدار؛ مملا يدل على رحمة الوثنيين أكثر من اليهود، وخير مثال على ذلك السامري الرحيم الذي تفوق على الكاهن واللاوي في الاهتمام بالرجل الجريح الذي وقع بين ايدي اللصوص (لوقا 10: 33-37).

22 وماتَ الفَقيرُ فحَمَلَتهُ المَلائِكَةُ إِلى حِضْنِ إِبراهيم. ثُمَّ ماتَ الغَنيُّ ودُفِن.

تشير عبارة "ماتَ الفَقيرُ" الى ما جاء في تعليم صاحب الحكمة "في أَعيُنِ الأَغْبِياءِ يَبْدو أَنَّهم ماتوا وحُسِبَ ذَهابُهم مُصيبَةً 3 ورَحيلُهم عنَّا كارِثَةً لكِنَّهم في سَلام" وإِذا كانوا في عُيونِ النَّاسِ قد عوقِبوا فرَجاؤُهم كانَ مَمْلوءًا خُلودًا"(الحكمة 3: 2-3)؛ في الموت ذُكِرَ اسم لعازر أولًا فهو ذهب للسماء. امَّا عبارة " فحَمَلَتهُ المَلائِكَةُ " فتشير الى انتقاله من رفقة الكلاب الى رفقة الملائكة وفرحتهم بالفقير مع انه يكفي ملاكا واحدا لحمله؛ وبعد خروج النفس مباشرة تدخل إمَّا للفردوس أو للجحيم، والجحيم هو مكان انتظار وليس مكانا للعذاب. أمَّا المجد والعقاب فسيكون في اليوم الأخير، إما في المجد السماوي او في جهنم؛ فموت لعازر لم يحسب موتا بل انتقال من عالم الفناء إلى عالم البقاء. أمَّا عبارة حِضْنِ إِبراهيم " فتشير الى موضع الأبرار بعد الرقاد. وهذا العبارة تدل على فكرة الوليمة حيث يتكئ كل رجل على مرفقه فيكون في حضن الذي على يساره، وعليه جلس لعازر بجانب إبراهيم (يوحنا 13: 23)، وهو مكان الشرف والبنوة، وهو أفضل مكان في الوليمة (لوقا 13: 28). والحضن يرمز الى الراحة؛ والمحبة، فالمحبة هي لغة السماء. ويعلق الأب قيصريوس أسقف آرل "يُفهم "حضن إبراهيم" على أنه راحة المطوَّبين الذين ينتمون لملكوت السماوات؛ أمَّا القديس كيرلس الكبير والقديس يوحنا الذهبي الفم فيريا "حضن إبراهيم" أنه الفردوس". أمَّا عبارة " إِبراهيم " اسم عبراني אַבְרָהָם (معناه ابو جمهور) (تكوين 17: 5) فتشير الى ابن تارح من نسل سام بن نوح إبراهيم الذي آمن بالإله الواحد مالك السماء والأرض وإلههما (تكوين 14: 22) وديان الأمم وكل الأرض (تكوين 15: 14?18: 25)، كانت لإبراهيم مع الله علاقة شخصية وشركة روحية قوية (التكوين 24: 14) ولذلك نال ابراهيم لقب ((خليل الله)) الذي ذكر في الكتاب ثلاث مرات (2 اخبار 20: 7 وأشعيا 41: 8 ويعقوب 2: 23). وكان إيمان ابراهيم عظيماً إلى الحد الذي عنده كان مستعداً أن يقدم ابنه وحيده ذبيحة للرب ولكن الرب منعه من ذلك (التكوين 22: 2?12) يذكر الكتاب المقدس ان الرب ظهر لإبراهيم (خروج6: 3) واختاره (نحميا9: 7) وفداه (اشعيا 29: 22) وباركه هو ونسله واسطة بركة لجميع أمم الأرض (التكوين 12: 3). ودُعي ابراهيم في العهد الجديد أباً لكل المسيحيين كمؤمنين (غلاطية 3: 29). وقد أشار المسيح إلى مكانته السامية بين القديسين في السماء (لو 13: 28). وفي هذه الآية يعرض يسوع "الملكوت" بصورة "وليمة مسيحانية" " إِذ تَرَونَ إِبراهيمَ وإِسحقَ ويعقوبَ وجميعَ الأَنبِياءِ في مَلَكوتِ الله، وتَرَونَ أَنفُسَكُم في خارِجِه مَطرودين" (لوقا 13: 28)، حيث يجتمع المختارون حول الآباء والانبياء. والذين لا يلبّون دعوة يسوع يُبعدون عن هذه الوليمة. أمَّا عبارة "دُفِن" فتشير الى جنازة تليق بمقامه على الأرض، لكن نهايته التراب، لان مقامه تبدّل في عالم الآخرة. المثل لا يشير إلى دفن الفقير لأنه حي، بل يبرز دفن الغني لأنه ميت. في هذا الصدد يقول صاحب المزامير " لا تَخَفْ إِذا اْغتَنى الإِنْسان واْزدادَ بَيتُه مَجدًا فإِنَّه إِذا ماتَ لا يأخُذُ شَيئًا ولا يَنزِلُ مَجدُه وَراءَه" (مزمور 49: 17 ـ 18). وعندها يصحّ قول المسيح: " ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفْسَه؟ " (مرقس 8: 36).

23 فرَفَعَ عَينَيهِ وهوَ في مَثْوى الأَمْواتِ يُقاسي العَذاب، فرأَى إِبْراهيمَ عَن بُعدٍ ولَعازَرَ في أَحضانِه.

تشير عبارة "رَفَعَ عَينَيهِ " الى الرجل الغني الموجود في مكان سفلي، أمَّا لعازر فهو في مكان مرتفع سامٍ (معنويًا)؛ إذ صار لعازر فوق، والغني أسفل. أمَّا عبارة " مَثْوى الأَمْواتِ " في الأصل اليوناني ἅ|δῃ (مشتقة من العبرية שְׁאוֹל ومعناها الهاوية او الجحيم) فتشير الى وهو المكان الذي يذهب اليه الأموات انتظاراً للدينونة الأخيرة لدى مجيء الرب يسوع. فالأموات مصنّفون قبل الدينونة (لوقا 16: 28) أصنافا مختلفة تستبق السعادة والعقاب الابدي كما كان يعتقد بعض الجماعات اليهودية " فقالَ يسوع لاحد المجرمين المصلوبين معه على الجلجلة: "الحَقَّ أَقولُ لَكَ: سَتكونُ اليَومَ مَعي في الفِردَوس παραδείσῳ."(لوقا 23: 43). اما عبارة " فرأَى إِبْراهيمَ عَن بُعدٍ " فتشير الى حرمان الغني من أبيه إبراهيم، إذ يراه بعيدًا جدّا عنه، هذا الذي كان يفخر قبلًا في عجرفة أنه ابن إبراهيم (يوحنا 8: 39) دون أن يحمل إيمانه العملي. ويعلق القديس كيرلس الكبير "مما يزيد عذاب الرجل الغني أنه في الجحيم تطلع ليرى لعازر في حضن إبراهيم". فلا يقف الأمر عن إحساسه بعذاباته الخاصة وإنما بمقارنته لنفسه بالنسبة لكرامة لعازر تتضاعف آلامه. من هنا نستنتج ان لوقا الإنجيلي ينفرد بعرض أوضاع الافراد في الآخرة، وهو لا يريد إطلاع قرائه على الدينا الآخرة، بل يهدف الى ان يدلَّهم على سبيل الخلاص. اما عبارة "عازَرَ" يذكر اسم الغني وهذا يدل إن يسوع يعرف خاصته

24 فنادى: يا أبتِ إِبراهيمُ ارحَمنْي فأَرسِلْ لَعاَزر لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصبَعِه في الماءِ ويُبَرِّدَ لِساني، فإِنِّي مُعَذَّبٌ في هذا اللَّهيب.

تشير عبارة " يا أبتِ إِبراهيمُ " الى اكتفاء الغني بانتمائه لإبراهيم كسائر اليهود ولم يعمل على تفعيل هذا الانتماء بالسير على خطى إبراهيم في بره وعلاقته مع الله. اما عبارة "لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصبَعِه في الماءِ" فتشير الى أقل عمل للرحمة الذي به تُعطى المعونة للبشر بالروح القدس (لوقا 11: 20)، من ناحية، وتدل على شدَّة العذاب، ولكن لا يمكننا فهم طبيعة العذاب تمامًاً من ناحية أخرى، وذلك باستعمال الرموز والصور ولكنه لا يُشار الى طبيعة هذا العذاب. فالغني الذي أنفق اموالا طائلة على نفسه بأنانية، يستعطي الآن من الفقير نقطة ماء. يصبح الغني بحاجة إلى مساعدة من لعازر. ويعلق القديس أوغسطينوس "مع كون الغني وهو في هذه الحالة بدون جسد، أي روح مجردة، لكنه رأى نفسه كمن هو في جسده، إذ يستحيل عليه أن يميز حاله ". أمَّا عبارة "فإِنِّي مُعَذَّبٌ في هذا اللَّهيب" فتشير الى وصف رمزي لهول الألم الناتج عن الاشواق المشتعلة التي لا يمكن إشباعها الآن.

25 فقالَ إِبراهيم: يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب.

تشير عبارة " يا بُنَيَّ" الى قول إبراهيم الذي لا ينكر بنوة الرجل الغني له حسب الجسد، لكن هذه البنوة لم تنفعه شيئًا، بل تدينه، لأنه لم يسلكْ بروح أبيه وإيمانه. أمَّا عبارة "تَذَكَّرْ" فتشير الى ذكرى الماضي بأن الغني ابتهج بغناه، واستوفيت خيراته في حياته على الأرض، ونال مكافأته التي يستحقها، وهذه الذكرى لا تطمس في العالم الآخر؛ ويُعلق القديس كيرلس الكبير على الرجل الغني " قد قدَّمت خيراتك لشهواتك وللمتملقين، ولم تذكر مرة واحدة المريض والمتألَّم، لم تشفق على لعازر عندما رأيته ملقيًا عند أبوابك. وكان يعاني من أمرين، آلام قروحه الشديدة وحاجته لضروريات الحياة". وأمَّا عبارة "نالَ لَعاَزرُ البَلايا " فتشير إلى الفقر والجوع والمرض القاسي وهي شرور بنظرة الغني له؛ أمَّا عبارة "أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا" فتشير الى تمييز الفارق في الزمان والمكان. هذه هي تقلبات الزمن. يجب الاّ نستهتر بالحياة البشرية على الأرض؛ أمَّا عبارة " يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب" فتشير الى مبدأ انقلاب الأوضاع والادوار بعد الموت حيث يُصبح الغني فقيراً، والفقير غنيَّاً، والسعيد شقيَّاً، والشقي سعيدا، وينال الفقير سعادته، وينال الغني عقابه. وهنا نجد تفسير حيّ لوعظة يسوع " طوبى لَكُم أَيُّها الفُقَراء، فإِنَّ لَكُم مَلَكوتَ الله "، " لكِنِ الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء فقَد نِلتُم عَزاءَكُم" (لوقا 6: 20، 24). وهذا ما يؤكده نشيد تعظم "أَشَبعَ الجِياعَ مِنَ الخَيرات والأَغنِياءُ صرَفَهم فارِغين" (لوقا 1 53). لا يقصد الرب يسوع بالمثل أن الآخرة هي مجرد عكس للأوضاع الأرضية أي أن الغنى يؤدي حكما إلى العذاب والفقر إلى العزاء. لعازر يتعزى لأن متكل على الله، أما الغني فقد كان أنانياً كافرا وكان متكل على كبريائه وسعادته. الحكم على الغني ليس فقط بسبب غناه بل لأنه بغناه حجب نفسه عن أخيه المحتاج وقطع أيّة صلة به، وكأن الله يحاسبه على خير لم يعمله وليس على شر اقترفه. وفي هذا الصدد يقول يعقوب الرسول "لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم"(يعقوب 2: 13). الموت يقلب الموازين، فيصبح الثري شقيًّا والفقير سعيدًا، في الآخرة.

26 ومع هذا كُلِّه، فبَيننا وبَينَكم أُقيمَت هُوَّةٌ عَميقة، لِكَيلا يَستَطيعَ الَّذينَ يُريدونَ الاجتِيازَ مِن هُنا إِلَيكُم أَن يَفعَلوا ولِكَيلا يُعبَرَ مِن هُناك إِلَينا.

تشير عبارة "هُوَّةٌ عَميقة" في الأصل اليوناني χάσμα μέγα ἐστήρικται, (معناها حفرة فوهتها فارغة عظيمة وثابتة) الى استحالة تبدّل حالة الراقد بعد الموت. كل يستمر في وضعه، فإما ما ُيرمز إليه بالعذاب وإما فيما يُرمز إليه بالعزاء. فأحكام الله عادلة ونهائية لن تتغير وللأبد. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله " ترمز هُوَّةٌ عَميقة الى أن الوقت قد انتهى فلا مجال للتوبة". عند الموت ينتهي زمن الرحمة ويبدأ زمن العدل؛ فلا يقدر شرِّير أن يترك الجحيم إلى الفردوس، ولا مجال لأبناء الملكوت بعد رحيلهم أن يسقطوا الى الجحيم. ويعلق القديس أوغسطينوس" أن الحكم الإلهي لن يتغير ولا يمكن للأبرار أن يتشفعوا بأحد حتى وإن أرادوا ذلك". ويقول الاب ثيوفلاكتيوس أن هذا الحديث إنما يكشف عن خطأ أتباع أريجين القائلين "بأن الكل يتجدد عند مجيء المسيح الأخير ولا يهلك أحد"؛ كانت هوة عظيمة بين الغني ولعازر الفقير لم يردمها الغني الجاهل بمحبته ومساعدته وعطاءه. هذه الهوة بقيت في الحياة الأبدية لكنها باتت بين لعازر الغني بمجد الله والغني المفتقر له. الهوة بين الأغنياء وفقراء هذا الدهر ستبقى ما دام عالمنا بعيداً عن الله، عالم لا يسعى وراء تنقية القلب والقداسة. أمَّا عبارة " لِكَيلا يَستَطيعَ " فتشير الى إن مصير الناس يتحدّد عند ساعة الموت، التي لا يستطيع الانسان بعدها أن يختار؛ أن الوقت قد انتهى فلا مجال للتوبة. فما زرعه على الأرض يناله في في الآخرة للأبد. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس "أن هذا الحديث إنما يكشف عن خطأ أتباع أوريجانوس القائلين بأن الكل سيتجدَّدون عند مجيء المسيح الأخير ولا يهلك أحد". أمَّا عبارة "لِكَيلا " في اللغة اليونانية ὅπως (معناها حتى إنَّ) فتشير الى الهوة التي تجعل عبور هذا الفاصل أمراً مستحيلا بين الفئتين في العالم الآخر؛ أمَّا عبارة "يُعبَرَ مِن هُناك إِلَينا " فتشير الى ان مصير الناس الذي يُحدّد عند الموت تحديداً لا عودة فيه بعكس ما يعتقد أصحاب عقيدة الالفية. وتنص هذه العقيدة بأنَّ يسوع سوف يأتي أولا بشكل غير منظور، وغير معلوم من قبل عامة الناس، ليقيم الأموات الصالحين، ويختطفهم من الأرض مدة سبع سنوات حافلة "بالابتهاج". خلال هذا الوقت ستكون هناك معاناة شديدة على الأرض تسمى "المحنة". وفي نهاية السنوات السبعة، ستجتمع قوى الشر لمحاربة يسوع، الذي سيعود بشكل منظور لهزيمتهم في معركة هرمجدون. وسيقيم يسوع بعد ذلك مملكة دنيوية مدنية، والتي سيسود عليها كملك من أورشليم مدة ألف عام. وفي نهاية الأعوام الألف، سوف يقوم الموتى الأشرار، وبعد ذلك يدان جميع الناس وينالون مكافآتهم الأبدية. اما القديس اوغسطينوس يؤكد" أن الحكم الإلهي لن يتغير ولا يمكن للأبرار أن يترفقوا بأحد حتى وإن أرادوا ذلك".

27 فقال: أَسأَلُكَ إِذاً يا أَبتِ أَن تُرسِلَه إِلى بَيتِ أَبي،

تشير عبارة " أَسأَلُكَ إِذاً يا أَبتِ أَن تُرسِلَه " الى الشفاعة أي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ ويتذكر الغني الآن ذويه، ويوصي بهم رحمة من إبراهيم ولعازر المسكين. فإذا كان الغني الشرير في الجحيم يتشفع في اهله في الأرض، وهو الذي كان بلا محبة في حياته، فكم بالحري الملائكة والقديسون. أمَّا القديس أوغسطينوس فيعلق "إذا طلب الغني من إبراهيم أن يرسل لعازر لإخوته، إذ حسب نفسه غير مستحق للشهادة للحق".

28 فإِنَّ لي خَمسَةَ إِخَوة. فَلْيُنذِرْهُم لِئَلاَّ يَصيروا هُم أَيضاً إلى مَكانِ العَذابِ هذا.

تشير عبارة " خَمسَةَ إِخَوة " الى أنهم ست اخوة بصفته هو السادس. ولو استقبلوا لعازر فكانوا سبعة، أي الجماعة الكاملة التي تدخل الملكوت؛ أمَّا القديس أوغسطينوس فيعلق "من هم هؤلاء الإخوة الخمسة الذين يحتاجون إلى موسى والأنبياء ليخلصوا؟ إنهم اليهود الذين يُرمز لهم برقم خمسة، لأنهم تحت الناموس الذي سجل في أسفار موسى الخمسة". ونحن عموماً نشبه الأخوة الخمسة، نرى أمامنا كثيرين يموتون قبلنا ويرحلون عنا، لكننا نلبث بعيدين عن سماع كلمة الله وعن الاعمال الصالحة فماذا ننتظر؟

29 فقالَ إِبراهيم: عندَهُم موسى والأَنبِياء، فَلْيَستَمِعوا إِلَيهم.

تشير عبارة " عندَهُم موسى والأَنبِياء " الى رد يسوع على سؤال كيف يبتعد اخوة الغني عن العذاب وذلك عن طريق الاستماع الى موسى والانبياء الى حفظ الشريعة واقول الأنبياء كما ورد سابقا في النص " دامَ عَهْدُ الشَّريعَةِ والأَنبِياءِ حتَّى يوحَنَّا، ومِن ذلكَ الحِينِ يُبَشَّرُ بِمَلكوتِ الله، وكُلُّ امْرِئٍ مُلزَمٌ بِدُخوِله. لِأَن تَزولَ السَّماءُ والأَرضُ أَيسرُ مِن أَن تَسقُطَ نُقطَةٌ واحِدَةٌ مِنَ الشَّريعَة"(لوقا 16: 16-17). إن عهد الشريعة والانبياء حتى يوحنا، وهذا الزمن قد انتهى. ومن هذا المنطلق إن العهد القديم هو أساس الإيمان المسيحي. ومن هنا تأتي أهمية العهد القديم تجاه من يرفضونه ويستخفون به مثل الغنوصيِّين. امَّا عبارة " فَلْيَستَمِعوا إِلَيهم" فتشير الى تحذير يسوع بالكارثة التي تُهدد الناس الذين يشبهون إخوة الغني والذين يستمعون إلى الرب ويستهزئون بكلامه.

30 فقال: لا يا أَبتِ إِبراهيم، ولكِن إذا مَضى إِليهِم واحِدٌ مِنَ الأَمواتِ يَتوبون.

تشير عبارة "مَضى إِليهِم واحِدٌ مِنَ الأَمواتِ يَتوبون" الى إقامة ميت التي لن تكون سببا في توبة أحد. فإن أعظم المعجزات لا تكفي للتغلب على قساوة القلوب. أقام الرب يسوع لعازر من بين الأموات (يوحنا 11: 46)، ولكن اليهود بالعكس فكروا في قتله. ويعلق القدس يوحنا الذهبي الفم "حقا أن من لا يسمع للكتب المقدَّسة لا يبالي بالميت الذي يقوم من الأموات. هذا ما يشهد له اليهود إذ أرادوا مرة أن يقتلوا لعازر الذي أقامه السيِّد من الموت". الفريسيون طالبوا الرب يسوع بالعجائب، ولكن الرب رفض أن تكون برهانا للإيمان (ا مرقس 8: 11-12). الغني يعكس منطق مسيحيي اليوم: كيف نؤمن دون عجائب وما إلى ذلك؟ وفي الكتاب المقدس ما يكفي ليقودنا للخلاص دون معجزات.

31 فقالَ له: إِن لم يَستَمِعوا إِلى موسى والأَنبِياء، لا يَقَتَنِعوا ولو قامَ واحِدٌ مِنَ الأَموات.

تشير عبارة " موسى والأَنبِياء" الى الكتاب المقدس الذي له تأثير في النفوس أكثر من إقامة الميت. ما من إيمان سوى بالعودة إلى كلمة الله المعلنة عن طريق موسى والأنبياء والرب يسوع نفسه. "إنجيل المسيح هو قُدرَةُ اللهِ لِخَلاصِ كُلِّ مُؤمِن" (رومية 1: 16). فالكتاب المقدس كافٍ ليقودنا نحو الخلاص دون معجزات قيامة أحد من الأموات. فما يدفع الانسان الى الايمان هو كلمة الله قبل المعجزات. أمَّا العلامة الحاسمة فهي قيامة يسوع التي لم تُقنع اليهود؛ إنهم لم يؤمنوا بموسى، لذا لن يؤمنوا بيسوع كما قال يوحنا الإنجيلي" لو كُنتُم تُؤمِنونَ بِموسى لآمَنتُم بي لأَنَّهُ في شَأني كَتَب"(يوحنا 5: 46)؛ أمَّا عبارة " لا يَقَتَنِعوا ولو قامَ واحِدٌ مِنَ الأَموات " فتشير الى العلامة الحاسمة التي تحمْل الانسان على الإيمان التي هي ليست المعجزة الخارقة، بل الكتاب المقدس أي الوحي كما اكّد يسوع لتلميذي عمّواس "فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه" (لوقا 24: 27). ومن هنا نجد عنصر السخرية في كلام يسوع "إِن لم يَستَمِعوا إِلى موسى والأَنبِياء، لا يَقَتَنِعوا ولو قامَ واحِدٌ مِنَ الأَموات"، وهو في طريقه الى اورشليم لكي يموت، فإنه كان مُدركا ان الفريسيين لن يقبلوه حتى ولو قام من الأموات. لقد ذكر يسوع عدم تأثير المعجزات في مدن الجليل مثل كُورَزِين وبَيتَ صَيدا وكفرناحوم (لوقا 10: 13)؛ وفضّل يسوع الآيات الروحية على المعجزات كما صرّح لتلاميذه " صَدِّقوني: إِنِّي في الآب وإِنَّ الآبَ فيَّ وإِذا كُنتُم لا تُصَدِّقوني فصَدِّقوا مِن أَجْلِ تِلكَ الأَعمال (يوحنا 14: 11). فطلب علاماتٍ من الله هو محاولة تحريك الله كما نشاء، أمَّا الله فيريدنا ان نحيا بالإيمان. نجد في هذه الآية تشديد على ضرورة التوبة والايمان كي ننجو من الدينونة ونال الخلاص.

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 16: 1-13)

انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 16: 19-31)، نستنتج انه يتمحور حول تغيّر الموقف الذي يؤدي اليه الانتقال من هذه الدنيا الى الآخرة وفقا لاستخدام الغنى الأرضي لمساعدة القريب. فمثل الغني ولّعازر (لوقا 16: 19-31) مستوحى من موضوع معروف في مصر القديمة وفي الدين اليهودي. والمثل يحتوي على ثلاثة مشاهد وهي حياة الغني والفقير في الأرض، وحياتهما بعد الموت، وأخيرا طريق الخلاص.

المشهد الأول: حياة الغني والفقير لعازر على الأرض (لوقا 16: 19-22)

يصف المثل حياة الرجل الغني ونفسيته وخطيئته. أن اسمه غير مذكور لان هنا لا يتم التركيز على هويته وشخصه، ولكن على ما يملك لأن حياته مرتكزة على الغنى المادي. والرجل الغني هو واحد من وجوه المجتمع، ومن ذوي المكانة والجاه، وكان يعشق رفاهة العيش وهمّه الدنيا والبذخ المسرف، فكان يرتدي أفخر الثياب، ويُعد أخر موائد الطعام.

وهو دون اسم، أنه نكرة، حيث ان الانانية في استخدام أمواله افقدته الاسم، لان الشخص الاناني يعيش وحده، ولا مجال لأية علاقة بينه وبين الآخرين خاصة الفقراء والمحتاجين، ومن بينهم لعازر الفقير. ويُعلق القديس كيرلس الكبير بقوله " إن الغني كونه غير رحيم كان في حضرة الله بلا اسم، إذ قيل بصوت المرتل عن الذين لا يخافون الرب "بِشَفَتَيَّ أَسماءَها لا أَذكُر" (مزمور 16: 4).

أمَّا فلسفة الرجل الغني فتقوم على ان الانسان موجود على الأرض لكي يتنعم ويتلذذ، بحسب مبدأ الشاعر الروماني هوراس "Carpe diem" ومعناها عش يومك "لنأكُل ونشرب ونمرح، لأننا غدا نموت". وقد وصف صاحب سفر الحكمة هذه الفلسفة بقوله "فإنَّ أيَّامَنا مُروُر الظِّلّ ونهايَتَنا بِلا رَجعَة لأًنَّه مَخْتومٌ علَيها فما مِن أَحَدٍ يَعود. فتَعالَوا نَتَمَتعُّ بِالطّيِّباتِ الحاضِرَة ونَنتَفعُ مِنَ الخَليقَةِ بِحَمِيَّةِ الشَّباب. لِنَسكَرْ مِنِ الخَمْرِ الفاخِرَةِ والعُطور ولا تَفُتْنا زهرَةُ الرَّبيع ولنتَكلَلْ ببَراعِمِ الوَردِ قَبلَ ذُبولي ولا يَكُنْ فينا مَن لا يَشتَرِكُ في قَصفِنا. لِنَظلُمِ البارَّ الفَقيرَ ولا نُشفِقْ على الأَرمَلَة ولا نَهَبْ شَيبَةَ الشًيخِ الكَثيرةَ الأيَّام " (الحكمة 2، 5-10). ويحذِّر موسى النبي من ذلك بقوله "أنه متى أكلت وشربت "تَنَبَّهْ لِئَلاَّ تَنْسى الرَّبَّ إِلهَكَ" (تثنية الاشتراع 8: 11). إننا لم نولد ولا نعيش لكي نأكل ونشرب، إنما نأكل ونشرب لكي نعيش.

أمَّا خطيئته فلم يذكر يسوع أي خطايا للغني سوى أنه عاش لنفسه وأهمل الفقير الذي على بابه. ويعلق القديس ايرونيموس أنّ العيب ليس في الغنى عند "الرجُل الموسر" بل في قساوته وتصلّبه وعدم شعوره مع المسكين، وعدم "مؤازرته" للمعوز المسمّى "لعازر"(في عظته رقم 86). خطيئته هي الإهمال، إهماله للقريب وتجاهله لعازر الفقير واللامبالاة في تعامله معه، واللامبالاة، تعتبر أنّ الآخر غير موجود؛ وهنا تظهر أهمية الوصية "أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ " (لوقا 10: 27).

خطيئته إذا ليس إنه فعل شراً، بل أنه لم يفعل خيراً. لم تقم تهمه ضده، ولم تعلق بأخلاقه وصفاته وصمة تشينه، ولم يقل أحد إنه استغل ماله في طرق محرّمة او انه كسب المال بأساليب غير مشروعة؛ فخطيئته ليست في كونه غنياً، بل كان الغنى في العقلية اليهودية علامة رضى وبركة من الله، إذ إبراهيم كان غنيا وأيوب كان غنيا، ولعازر صديق يسوع كان غنيا. لم يكن ابراهيم يا إخوتي غنياً لنفسه، إنما للفقراء؛ عوضاً عن الاحتفاظ بثروته، عرض تقاسمها. خطيئته إذاً ليست غناه، لأنّ كلّ ما نمتلكه هو عطيّة الربّ، والمال هو عطيّة الربّ. خطيئته في استخدام أمواله واحتقاره للفقير لعازر وعدم مساعدته، ويُعلق القدّيس بطرس خريزولوغُس " لم يكن ابراهيم غنياً لنفسه، إنما للفقراء؛ عوضاً عن الاحتفاظ بثروته، عرض تقاسمه"(عظته عن الغني ولعازر)

خطيئته ليس أنه يعيش في حياة ترف، بل أنه يرى الفقير مرتين وثلاثًة مرات بل ومرات عديدة كل يوم ملقى عند بابه، دون ان يفكر فيه أو يلين قلبه في مساعدته؛ ويقول القدّيس برناردس "إن لم تساعد أخاك الفقير، فأنت تسلبه حقّه وتقتله ". فخطيئته تكمن في كبريائه وقسوته، كونه لا يعرف ولا يريد ان يعرف ان غاية الانسان هي العلاقة الحسنى بالله من خلال علاقته بأخيه الانسان من حيت العدل والمحبة. وبموجب فضيلتَيْ العدل والمحبَّة، يجب على الغني ألاّ يتمتَّع وحدَه بخيراته الوافرة ويترك الفقير قابع في بؤرةِ فقره، لذا قال إبراهيم ذلك للغنيّ: " تذكَّرْ أَنَّك نِلتَ خيراتِكَ في حياتِكَ " ولم يُشرِك فيها الفقراء، فهو يُعاقب على ذلك. ومن هذا المنطلق، فان خطيئته تكمن في عدم مشاركته مع لعازر الفقير المعوز بل تحجر قلبه تجاهه. وبالرغم من ترفه الشديد بالدنيويات لم يكترث به ولم يتحرك صوبه. فكانت الكلاب أفضل منه لأنها "كانت تأتي فتَلحَسُ قُروحَه" (لوقا 16: 21). وقصارة القول، خطيته تكمن في قسوته، فان الله منحنا الخيرات، لكي نسعد بها غيرنا، وليس لمجرد تمتعنا الشخصي.

اما الفقير له اسم لعازر לַעְזָר، ومعناه "الله يعين" وهو اسم يناسبه. فهو الذي لا يتكل على ذاته، وإنما على الله معينه. ويُعلق البابا غريغوريوس" أشار ربَّنا إلى اسم الفقير دون اسم الغني إذ يعرف الله المتواضع ويزكيه دون المتكبر". إذ كان عنوان حياة لعازر ورمزها الاتكال على الله، أمّا اسم الغني فلم يُذكر لعدم أهميته، هذا معنى قول السيد "ما عرَفْتُكُم قَطّ. إِلَيْكُم عَنِّي أَيُّها الأَثَمَة " (متى 7: 23).
واما حياته فكان لعازر فقيرا، وجائعا ومريضا ومحروما. كان فقيرا بل فقيرًا جدًا، إنه بحاجة الى الغير ولا يستطيع ان يستغني عن الغير ولا عن فتات الخبز التي كانوا في بيت الغني يمسحون بها اصابعهم ثم يرمونها ارضا.

بالإضافة الى فقره كان يعاني من ضعفٍ جسديٍ الذي هو أقسى بكثير من الفقر، فكان جسمه مغطى بالقروح، ويتعذَّب من مرضٍ خطيرٍ بلا علاج؛ وبجانب هذا الضعف أيضًا، كان ملقى عند باب الغني ومحرومًا تمامًا من الذين يعولونه، مع صعوبة إيجاد أي مئونة لسّد حاجته، وهو ينظر الى الأطعمة الفاخرة ويتمنى لو يُعطى نصيبا من الفتات المتساقط على الموائد. مع انه يحق له ان يتمتع بخيرات الدنيا التي هي في حوزة الغني، الأمر الذي ضاعف من مرارة فقره وضعفه. فعدم وجود من يعوله يجعل ألمه أشدَّ، خاصة عدم اكتراث الغني به بالرغم من ترفه. ومع كل ذك لم يذكر لوقا الانجيلي أنّ ان لعازر الفقير كان يتذمّر او يشكو أو ما شابه.

ونستنتج مما سبق ليس كل فقر بالضرورة مقدَّسًا، ولا كل غنى يكون ممقوتًا؛ بمعنى آخر ليس الفقر غاية في ذاته ولا الغنى شر في ذاته، إنما حياة الإنسان هي التي تفسد هذا أو ذاك؛ الحياة المترفة غير المترفقة بالمحتاجين تُهين الغنى، والحياة المقدَّسة الشاكرة تُزين الفقر. أننا كلنا فقراء بحسب القديس باسيليوس "الفقير ليس هو من لا يمتلك خيرات بل هو من اعتنق حالة الفقر الروحي". "الفقير هو الفقير لله"؛ هكذا عندما نسمع طوبى للفقراء فإنهم سيشبعون (لوقا 6: 20-21) ندرك للحال أن هذه الطوبى هي للمفتقرين لمجد الرب، المعوزين محبته وعطفه، والساعين إليه.

المشهد الثاني: حياة الغني والفقير لعازر في الآخرة (لوقا 16: 23-31)

مات الغني ودفن (لوقا 16: 16). وكانت جنازته رائعة تحفّها العظمة والجاه، بدليل ذكر كلمة "دفن" أي ستر جسده واوراه التُّراب. وكان ثمة نائحون مأجورون ودموع مأجورة فضلا عن الدموع الحقيقية التي ذرفها أصحابه وذوو قرابته. ولا يوجد ذكر للملائكة. فانهم لم يلازموا الغني في موته.

أمَّا دفن لعازر فلم يذكر عنه شيء. ولعل ذوي الرحمة حملوه الى مقبرة الفقراء. على ان القصة تقول إن "المَلائِكَةُ حَمَلَتهُ إِلى حِضْنِ إِبراهيم "(لوقا 16: 22). وفي هذا الصدد قيل في سفر الحكمة " أَمَّا نُفوسُ الأَبْرارِ فهي بِيَدِ الله فلا يَمَسَّها أَيّ عَذاب. في أَعيُنِ الأَغْبِياءِ يَبْدو أَنَّهم ماتوا وحُسِبَ ذَهابُهم مُصيبَةً ورَحيلُهم عنَّا كارِثَةً لكِنَّهم في سَلام وإِذا كانوا في عُيونِ النَّاسِ قد عوقِبوا فرَجاؤُهم كانَ مَمْلوءًا خُلودًا "(الحكمة 3: 2، 3).

وبعد دفنه "حَمَلَتهُ المَلائِكَةُ إِلى حِضْنِ إِبراهيم" (لوقا 16: 22)؛ فموت لعازر كان لقاءً بالربّ، أمّا موت الغني فكان انفصال عنه. انتقل لعازر إلى حيث لا عذاب ولا ألم ولا جوع ولا ظلم ولا قهر. إنّه ينعم بالرّفاهيّة الحقيقيّة، وهي الحياة مع الربّ. أمَّا انفصال الغنيّ عن الربّ جعله يُدرك اهمّية لعازر في حياته. لذا لما رأى الغني وهوَ في الجحيم إِبْراهيمَ عَن بُعدٍ ولَعازَرَ في أَحضانِه (لوقا 16: 23)، أزداد عذابه إذ يرى نفسه لا ينعم بما لدى الغير كما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "عذابه يتزايد برؤيته أفراح الفقير".

قلبَ المسيح المقاييس والموازين. فهناك يتصدر إبراهيم أبو المؤمنين وليمة، ويتكئ الى جانبيه في مركز الكرامة لعازر الفقير. فغدى لعازر غنيا، والغني فقيراً يتوسل نقطة ماء بارد " يا أبتِ إِبراهيمُ ارحَمنْي فأَرسِلْ لَعاَزر لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصبَعِه في الماءِ ويُبَرِّدَ لِساني" (لوقا 16: 24). وكأن كلمات سفر الحكمة تتحقق على لسان الغني "هُوَذا الَّذي كُنَّا حينًا نَجعَلُه ضُحكَةً ومَوضوعَ تَهَكُّمٍ نَحنُ الأَغْبِياء! لقَد حَسِبْنا حياتَه جُنونًا وآخِرَتَه عارًا فكَيفَ أَصبَحَ في عِدادِ بَني الله وصارَ نَصيبُه مع القِدِّيسين لقَد ضلَلْنا عن طَريقِ الحَقَ ولم يُضِئ لَنا نوُر البِرّ ولم تُشرِقِ الشَّمسُ علَينا" (حكمة 5، 4-7). فالغني قد استوفى نصيبه من خيرات الأرض كما ذكّره إبراهيم (لوقا 16: 25)؛ ويعلّق القديس أمبروسيوس "صار الغنى فقرًا، والفقر غنى. فقد صار الغني في عذاب إذ حُرم من الملذّات بعد أن كان مترفًا، وهو الآن يتوق في الجحيم أن يبّل الفقير طرف إصبعه بماء ويبرِّد لسانه. أنه محتاج إلى الماء غذاء الروح وقت البليَّة".

ويحدث مبدأ انقلاب الأوضاع بعد الموت كما جاء في تصريح ابينا إبراهيم الى الرجل الغني: "يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب" (لوقا 19: 25).! وأوضَّح يسوع تلك المواقف في مثل الغني ولعازر الفقير التي يصف تغيير الموقف الذي يؤدي اليه الانتقال من هذه الدنيا الى الآخرة (لوقا 16: 19-26). فذاك الذي كان محتقَراً على الأرض يتمتع الآن بأعظم الإكرام، وهذا الغني المتكبّر القاسي القلب الذي لم يعرف الشفقة يصرخ طالباً الرحمة. يبدو في ملكوت الله انقلابا للمواقف الحاضرة. فالغني نال الويلات ليس بسبب ثروته بل لرفضه تقاسمها وعدم اكتراثه بمعاناة قريبه لعازر الفقير عند بابه.

وحُرم الغني من أبيه إبراهيم، إذ يراه بعيدًا جدّا عنه، هذا الذي كان يفخر قبلًا في عجرفة أنه ابن إبراهيم دون أن يحمل إيمانه العملي. يقول الكتاب المقدَّس أن الحكم بلا رحمة للذين لا يستعملون الرحمة "لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم" (يعقوب 2: 13). نرى هنا التباين معكوساً بين الغني والفقير في الهاوية، وهي العالم الذي يذهب اليه الأموات انتظاراً للدينونة الأخيرة.

وبالإضافة ذلك، هناك هُوَّةٌ عَميقة (لوقا 16 26) أزلية بين الغني ولعازر " لِكَيلا يَستَطيعَ الَّذينَ يُريدونَ الاجتِيازَ مِن هُنا إِلَيكُم أَن يَفعَلوا ولِكَيلا يُعبَرَ مِن هُناك إِلَينا" (لوقا 16: 26). إن مصير الانسان يكون في الابدية ما اختار ان يكون في الزمن. ساعة الموت يكون ما كُتب قد كُتب. دون أمل للعودة الى الوراء لان هناك هوة عظيمة. لا يستطيع أحد ان يجتازها. ويكشف يسوع هنا ان التوبة أصبحت مستحيلة. فمن يختار العزلة واحتقار الغير يحكم على نفسه بالعزلة الأبدية، حيث ان مصيرنا في الآخرة يتوافق وخيارنا في الحاضر. فمن كان منفتحا على الله وعلى الناس، يتمتع بالله والانسان بعد الممات؛ اختيارنا هنا يُحدِّد اختيارنا هناك كما نستشفه من نشيد تعظم" َشَبعَ الجِياعَ مِنَ الخَيرات والأَغنِياءُ صرَفَهم فارِغين" (لوقا :1 53).

قبل الغني الامر الواقع وسلم بعدالة الواقع. انه كمن يفطن الى مسؤوليته تجاه الفقير لعازر، لآنه لم يأبه الى وجود لعازر على بابه "لِأَنَّ الرَّفيعَ عِندَ النَّاسِ رِجْسٌ في نَظَرِ الله" (لوقا 16: 15). وهكذا كان الغني في عذاب. عذاب من تعب نفسه، عذاب لأنه بدأ يحصد ثمار ما قد زرعه. عذاب في المقارنة بين حياته في العالم وحياته الآن. عذاب في المقارنة بينه وبين لعازر المسكين. عذاب من جهة إحساسه بغضب الله عليه. عذاب من جهة عدم استجابة أبينا ابراهيم لطلب من طلباته. عذاب ليس له رجاء، إذ يرى عذابه لا ينتهي؛ وأخيرا عذاب من جهة أخوته الذين في العالم. فالرب يسوع يكلّم هُنا مُحذراً إيانا حتى لا نُضيّع حياتنا في الركض وراء الأرضيات الفانية وننسى الله والقريب فنخسر بذلك علاقتنا الأبدية.

ونستنتج مما سبق كما يقول القديس ايريناوس ان النفس التي تركت الجسد لا تلبس جسدًا آخر كما يظن الذين ينادون بتناسخ الأرواح، وان النفوس تعرف بعضها البعض حتى قبل أن تلبس الجسد الممجد في اليوم الأخير. والغني عرف لعازر، بل عرف إبراهيم الذي لم يراه على الأرض، وأخيرا إن النفوس وإن كان لها بداية لكنها تبقى خالدة، إما في الملكوت أو في جهنم.

المشهد الثالث: طريق الخلاص (لوقا 27-31)

اخذ الرجل الغني يتوسل الى إبراهيم بشأن اخوته الذين هم في خطر داهم كيلا يواجههم نفس المصير إن لم يبلغهم نذير. فقال لإبراهيم "فإِنَّ لي خَمسَةَ إِخَوة. فَلْيُنذِرْهُم لِئَلاَّ يَصيروا هُم أَيضاً إلى مَكانِ العَذابِ هذا" (لوقا 16: 28). فكيف يمكن لفاقد الخلاص أن يطلب من أجل خلاص الآخرين. بالرغم من ذلك، ان إبراهيم أخبره ان الإنذارات متوافرة وجدير بالبشر ان يكونوا رحماء، لان هذا تفرضهم عليهم إنسانيتهم لا خوفا من وعيد ولا طمعا في وعد. ان أشد الإنذارات تعجز عن ردع " الغني " عن أوهامه. فان أنانيته وتحجر قلبه تحول دون قراءة " علامات الله". فلن تقنعه قيامة ميت.

يتذرع الناس بعلامات بدل ان يصغوا الى كلمة الله التي لا يزال يُرددِّها الأنبياء، وأصبحت متجسدة في يسوع المسيح. فقالَ إبراهيم "إِن لم يَستَمِعوا إِلى موسى والأَنبِياء، لا يَقَتَنِعوا ولو قامَ واحِدٌ مِنَ الأَموات" (لوقا 16: 31). من لا يسمع كلام الله ويعمل بموجبه، لن يتوب ولو شاهد أكبر العجائب. من لا يؤمن بكلام الله، لن يؤمن لو شاهد اعجوبة إنسان يقوم من بين الأموات. وهنا نتساءل هل آمن الفريسيون بعد ان رأوا لعازر اخ مريم ومرتا يقوم من القبر؟ "؛ خلاصنا إذاً بسماع الكلمة، لا بمعاينة الرؤى. أساس التوبة الايمان، واساس الايمان كلمة الله.

والجدير بالذكر ان نشير الى الفرق بين الاستماع والسماع. فالاستماع يعني الاصغاء، أمَّا السماع معناه الاستجابة والعمل بموجب كلام المتكلم. والأهم ليس الاستماع الى كلام الله بل السماع له أي العمل بموجبه كما جاء في تعليم يعقوب الرسول. "وكونوا مِمَّن يَعمَلونَ بهذه الكَلِمَة، لا مِمَّن يَكتَفونَ بِسَماعِها فيَخدَعونَ أَنفُسَهم " (يعقوب 1: 22). وفي الواقع لم يفتخر بولس الرسول بالعجائب التي إجترحها يسوع وتلاميذه. بل افتخر بيسوع ويسوع المصلوب." فإِنِّي لم أَشَأْ أَن أَعرِفَ شَيئًا، وأَنا بَينَكُم، غَيرَ يسوعَ المسيح، بل يسوعَ المسيحَ المَصْلوب " (1 قورنتس2: 2).

العبرة

يعتبر الفريسيون الغنى دليلا على رضى الله. فحيّرهم يسوع بهذا المثل الذي يقول فيه إن الفقير المريض بالقروح قد حصل على مكافأة حسنة. وأن الرجل الغني قد عُوقب. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لا يقدر أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ نفسه"، موضحًا أن الذي يسيء إلى الإنسان هو سلوك الإنسان وحياته وليس غناه أو فقره. ووفي الواقع، عوقب الغني بسبب أنانيته في استخدام أمواله، إذ لم يُطعم لعازر، ولم يعطه حقّه. إنّ مقدار المال الّذي يمتلكه ليس هو المهمّ، بل الأهمّ هو طريقة إنفاقه واستخدامه. وتعلق الام تريزا " أرى الربّ في كل انسان. عندما أغسل جراح إنسان، أشعر بأنني أداوي الربّ نفسه. أليست تجربة جميلة؟" في حين كان الرجل الغني قاسي القلب برغم ما لديه من بركات وخيرات واملاك.

ليس الغنى في نظر يسوع شرّا في حد ذاته، غير انه يعرض صاحبه لخطرين: من ناحية أن الثروة قد تؤدي إلى تحجر قلب الغني “تجاه الله"، واكتفائه بسعادة هذه الحياة، وتجاهله الحياة الأبدية؛ ومن ناحية أخرى أن الثروة قد تؤدي إلى تحجر قلب الغني " تجاه الآخر"، وتمنعه من رؤية الفقير المنطرح امام بابه. وقد انتقد البابا فرنسيس "عدداً كبيراً جداً من الناس، الذين يتظاهرون بعدم رؤية الفقراء، ولا وجود للفقراء بالنسبة له". وحذَّر البابا "إن لم تفتح أبواب القلب على مصراعيها للفقراء، فستظل هذه الأبواب مغلقة أمام الله أيضا". واختتم البابا قوله إن "هذا أمر فظيع"، لأن "تجاهل الفقراء هو بمثابة ازدراء لله".

ويُطلعنا المَثِل أيضا على الغنى الذي يمكن استخدامه كعلاج زائف ضد الموت إذ بإمكانه أن يوهم المرء بقدرته على التغلب على الموت وإبعاده. فكان الرجل الغني يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَومٍ تَنَعُّماً فاخِراً" (لوقا 16: 19) كما لو لم يكن ثمة أمر آخر سوى هذا النوع من الحياة. إلا أن الغنى لا يدوم إلى الأبد. سمح الرجل الغني للثروة أن تخدعه إلى أن أتى الموت ووضعه أمام حقيقة بلا ثروات وبلا أصدقاء وبلا عائلة. وفي الواقع ما ينتظرنا بعد الموت، إما الخلاص وإما الهلاك: إن كنا قد بنينا روابط وجسور صداقة من خلال اموالنا سنجدها هناك مرة أخرى وستكون لنا خشبة خلاص كما اكَّد يسوع " الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه " (متى 25: 40). وإن كنا قد بنينا هوّة بيننا وبين الفقراء وأبقينا الأبواب مغلقة فهذا ما سنجده بعد الموت كما أكده أيضا يسوع المسيح "الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَيَّما مَرَّةٍ لم تَصنَعوا ذلك لِواحِدٍ مِن هؤُلاءِ الصِّغار فَلي لم تَصنَعوه. فيَذهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذابِ الأَبديّ، والأَبرارُ إِلى الحَياةِ الأَبدِيَّة" (متى 25: 45-46).

الخلاصة

لا يدل المثل على صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء والاَّ لماذا ذكر إبراهيم الغني يتصدر الوليمة الحافلة. إن الكتاب المقدَّس يشهد عن إبراهيم أنه كان غنيًا جدًا، لكنه كمحبٍ للعطاء. ولا يشجع المثل على النظرة الاستسلامية: الأغنياء في الجحيم والفقراء في النعيم، ويصبح الفقراء ضحايا الظلم الاجتماعي كما كانت تنظر الشيوعية بزعامة كل من كارل ماركس ولينين وستالين حيث انطلقت من هذه النظرة المقولة المأثورة " الدين افيون الشعب".

ولا يصف المثل وصفاً دقيق للسماء او لجهنم. بل يشدد المثل على الخطر الذي يُهدد أمثال الغني وإخوته. كما المثل هو درس عن الإنسانية في هذا العالم وليس درسا عن الوجود في العالم الآخر. المثل هي قصة كل غني يجعل همّه في ديناه، ودينه في ماله، ويعبده من دون الله، وينفق منه على نفسه وشهواته وملذاته، ولا يلتفت الى فقير الذي لا يملك من دنياه رغيفا، ونسى ان الفقير هو طريق لله. وتعلق الأمّ القديسة تريزا "سوف ندرك في السّماء ما قدّمه الفقراء لنا، إنّهم طريقنا إلى قلب الربّ "؛ هذه هي أهمّيّة مثل الغني ولعازر، كان يمكن للغنيّ أن يلتفت إليه ويشركه بنعمة الربّ، ولكنّه فضّل أنانيّته.

الفكرة الأساسية في هذا المثل أيضا هي ليس معالجة مشكلة من المشاكل الاجتماعية، بل هي تحذير لمن هم كأخوة الرجل الغني، الذين سيقودهم تصرفهم إزاء الفقراء إلى الهلاك. غير أن رسالة مثل الغني ولعازر لا تقتصر على هذا فقط. ففي الجزء الأول كلام عن محاسبة الله للبشر على تصرفهم وموقفهم من الفقراء والمساكين، وأن على إتباع المسيح أن يعوا ذلك. عندما يواجه كلّ إنسان حقيقته، يكتشف الغني مدى التعاسة التي تربّى عليها هو وإخوته، رغم تحذيرات الكتب والأنبياء.

وأخيرا ما هو موقفنا تجاه اموالنا؟ هل نكنزها لنفسنا في الانانية ام نستخدمها لمنفعة الآخرين؟ هل نرى حاجة الآخرين اليوم؟ هل نستطيع الخروج من ذواتنا ونعطي للأخر وكيف؟ إن الطرق كثيرة وعديدة وكل منا حسب إمكانياته ووفق قدراته قد يكون بإطعام فقير أو إعطاء المال أو الخدمة التي فيها نخرج من ذواتنا ونعطي للأخر من وقتنا، من معرفتنا، المهم إن نستخدم الوزنات التي أعطانا إياها الرب، حينها سنرى بركة الرب على ما أعطانا من وزنات. قد يرسل اللهُ فقيرا لنعطيه، لم يرسَلَهُ إلينا لنصرِفَهُ خالي اليدَين مكتفيين بالقول له "الله يعطيك" ونصَرَفه. وقد أشار غبطة البطريرك الكلداني لويس روفائيل الاول ساكو إلى أن "اليوم لدينا الكثير من لعازر والأغنياء. الأغنياء هم أغنياء الحروب والفساد، أمَّا الفقراء فهم الناس الأبرياء".

الدعاء

يا رب أعطنا عيون ترى، وآذان تسمع، وأعطنا قلوبا سخيّة كي نتمكّن من مقاسمة الفقراء المحتاجين الكنوز الروحيّة والماديّة الّتي منحتنا إياها، لعلهم يكون لنا الطريق للدخول إلى الملكوت. يا رب، لا تجعل الغِنى يُغلق قلوبنا او يُحجّرها ويُحوّل أنظارنا عن اخوتي خاصة الفقراء. بل هبنا القوة والإرادة لكي نكون مستعداً ان نتضامن مع كلّ فقير نلتقي به، وهكذا نُرفَع يوما "إلى حضن إبراهيم" في الأفراح السماوية الخالدة! آمين

القصة: الرجل الغني ولعازر في العالم المعاصر

في مدينة براكل الألمانية، وعلى مدخل أحد البنوك، وضع فنان كبير تماثيل برونزية، تمثل الرجل الغني ولعازر واصفا بداية عمل البنوك. تمثال الرجل الغني يحمل نقوداً في صرّة قماش، ويتساقط النقد منه دون علمه، إلا في النهاية، ويشاهد خلفه امرأة تزحف لكي تجمع بعض نقد متساقط. وفي المقابل، شاب عاطل عن العمل وفقير، يحاول القفز من أعلى البلكون، ويصيح صارخاً بوجه "الغني المكدّس أمواله: أعطني من هذا قبل أن تخزنه في البنك. وإلى جوار الطريق، طفل يحاول الإفلات من يد أمه المستعجلة، لكي يحصل على بعض المال. يصف المشهد الرجل الغني الذي لا وقت لديه ليعدّ أمواله، والفقير اللاهث لكي يجمع فقط بعض نقد متساقط عن طريق الخطأ من جيوب الغني.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء