متطلبات التلمذة في مدرسة يسوع

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

متطلبات التلمذة في مدرسة يسوع

الأب د. لويس حزبون
2019/09/07

يتناول إنجيل يوم الاحد (لوقا 14: 25-33) متطلبات يسوع لكل من يريد ان يتبعه ويصبح له تلميذاً. ومن هذه المتطلبات: ان يحمل التلميذ الصليب ويأتي وراء يسوع (لوقا 14: 25-27) وان يحسب نفقة اتباعه (لوقا 14: 28-32) وان يتخلى عن كل ما لديه لأجل المسيح. ووضَّح ن يسوع ذلك من خلال مثلين: كما ان من يبني برجا او ملك يستعد للحرب عليه ان يحسب التكلفة كذلك يتوجب على من يريد ان يتبع يسوع أن يحسب نفقة إتِّباعه والامكانيات. وهكذا دعوة يسوع تتطلب الأولوية في حياة المدعو بحيث يتحرر من القيود الدنيوية والارتباطات الاسرية التي تقف عقبة او منافسة لنداء الرب. وبإعطاء الله المكانة الأولى في حياته اليومية يغني المدعو علاقته بالآخرين ويضعها في مكانها الصحيح. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)

25 وكانت جُموعٌ كثيرَةٌ تَسيرُ مَعَه فَالتَفتَ وقالَ لَهم:

تشير عبارة "جُموعٌ كثيرَةٌ" إلى هؤلاء الناس العديدين الذين أُعجبوا بيسوع، وتأمّلوا بشخصه وحياته وتعاليمه. أمَّا عبارة " التَفتَ " فتشير الى ظاهرة دراميّة، انها محاولة متعمدة من يسوع الذي أراد بها ان يوقف حماس الجماهير السطحي الطائش في اتباعهم له. أمَّا عبارة " وقالَ لَهم:" فلا تشير الى القلَّة المختارة، الاثني عشر، بل إلى "جموع كثيرة"، إلى جميع تلاميذ يسوع الحاضرين واللاحقين ولأي شخص، وإلى كل من يرغب في أن يكون تلميذ يسوع. أمَّا عبارة " تَسيرُ مَعَه " فتشير الى طريق يسوع باتجاه اورشليم ليتمَّ رسالة الفداء والخلاص على الصليب. ويدعو يسوع الجموع ثلاث مرات في هذا النص الإنجيلي (لوقا 14: 28-29). ليتبعوه على هذا الطريق بحمل الصليب.

26 مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً

تشير عبارة " مَن أَتى إِلَيَّ " الى من يريد بكامل وعيه ان يتبع يسوع: لا يكفي تعلُّقٌ خارجيّ بشخصه، تعلّقٌ نزَواتيّ وعابر، بل لا بد من التخلّيَ الداخليّ عن شخصه، وعن كل ما يملك. أمَّا عبارة " ولَم يُفَضِّلْني " فهي في اللغة اليونانية ( μισεῖ معناها يبغضني بمعنى "أحبني اقل")، وهنا احتفظ لوقا الإنجيلي بالعبارة الأصليّة والاراميّة: וְלא יִשְׂנָא אֶת־אָבִיו וְאֶת־אִמּוֹ. وفعل יִשְׂנָא ويختلف عن فعل كره، وبالتالي فلا يعني الكراهية ولا البغضاء بل الاستياء وضربًا من الاشمئزاز بعد خيبة الأمل علما ان اللغة الآرامية التي تكلمها يسوع لا توجد فيها صيغة التفضيل كما هو الحال في لغة العهد القديم التي لا تعرف أفعال التفضيل (تكوين 29: 31، وتثنية الاشتراع 21: 15-16، وأشعيا 60: 15). لذا استعمل يسوع كلمة قوية حافظ عليها النص اليوناني بأمانة. فيسوع لم يستعمل فعل "فضّل بل فعل "بغض او كره ". ولكن يجب أن نتذكّر أن فعل "البغض" في العهد القديم ولاسيّمَا في الأدب الحِكميّ، لا يتضمّن رفضاً أنانيّاً لكل عِلاقة بشرية، بل ينزِع الطابع المُطلق عن أمور هذا العالم نزعاً إراديّاً فيجعلها تنتقل إلى المركز الثاني حين تكون مصالح الله في خطر. إن يسوع يفرض حبّاً مُطْلقاً وصِدقاً كاملاً وتكريساً لشخصه دون قيدٍ ولا شرط. هذا لا يعني إنكارَ العواطف الشرعيّة التي تربطنا بعائلتنا، أو محبّةَ حياتنا. ولكن يجب أن نُخضع كلّ شيء لمحبّتنا لله. والجدير بالذكر ان لوقا الانجيلي يذكر وصايا الله العشر التي تقضي بما للوالدين من حقوق "أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ" (لوقا 18: 20، خروج 20: 12). لكن يسوع يريد ان يتفوَّق حب الله على حب الوالدين، وعدم تفضيل أي شيء على محبتنا له، وهكذا فهمه متى الإنجيلي (متى 10: 37). ويُعلق القديس أمبروسيوس "الله لا يريدنا أن نجهل الطبيعة (الحب الطبيعي العائلي) ولا أيضًا أن نُستعبد لها، وإنما نُخضع الطبيعة، ونكرم خالق الطبيعة، ولا نتخلى عن الله بسبب حبنا للوالدين". وإننا نجد أبضا تفسيرا لهذه الآية في انجيل متى "من كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه Ἀγαπήσεις مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي" (متى 10: 37). الفعل اليوناني أحب ἀγαπάω يدل على محبة الله والقريب. أمَّا الفعل اليوناني أحب φιλῶν فإنه يدل على محبة الوالدين وصلات القرابة، وهذا يبيّن ان صلات القرابة وإن كانت مشروعة قد تُمسي عقبات في طريق الذين يريدون ان يسيروا وراء يسوع؛ ويعلق القديس كيرلس الكبير "ما يريد أن يعلمنا إيَّاه بهذه الوصايا يظهر واضحًا لمن يُفهم مما قاله في موضع آخر عن ذات الموضوع: " من كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه Ἀγαπήσεις مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي" (متى 10: 37). فبقوله: " أَحَبَّ إِلَيه مِنّي " أوضح أنه يسمح لنا بالحب لكن ليس أكثر منه. أنه يطلب لنفسه عاطفتنا الرئيسيَّة، وهذا حق، لأن محبَّة الله لها سموها أكثر من تكريم الوالدين ومن العاطفة الطبيعيَّة للأبناء. أمَّا عبارة "أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه" فتشير الى الروابط الأسرية والتزاماتنا التي يمكن أن تصبح عذرا او عقبة تمنع من إعطاء تلميذ المسيح نفسه للمسيح بالكامل (لوقا 9: 23-26، 57-62). الرب يتكلم ليس كفريضه على كل انسان انه يبغض اباه وأمه ولكن بمعني ان الانسان يبغض كل شيء يُبعده عن الرب سواء اسرته او نفسه او اي شيء. ولا شيء يجب ان يقف امام الانسان في طريقه للرب حتى نفسه. أمَّا عبارة "امَرأَتِه" فتشير الى حب الرجل لزوجته الذي يأتي بعد محبة المسيح (لوقا 18: 29) خلافا لما ورد في انجيل متى الذي يطالب بترك الزوجة " الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما مِن أَحدٍ تَرَكَ بَيتاً أَوِ امرَأَةً أَو إِخوَةً أَو والِدَينِ أَو بَنينَ مِن أَجْلِ مَلَكوتِ الله" (متى 10: 37)؛ أمَّا عبارة " نَفسِه " في الاصل اليوناني ψυχή (معناها النفس والحياة) فتشير الى تخلَّى الانسان عن أنانيَّته الشخصيَّة وحُبِّه المفرط لذاته. ويعلق القديس غريغوريوس النيزينزي: "لا يكفي أن نتخلى عمّا نملك، بل نتخلّى أيضاً عن نفوسِنا (عن ذواتنا)" (العظة 32/ 10). أمَّا عبارة "تِلميذ" الذي وردت في العهد الجديد تحت لفظ اليوناني μαθητής فتشير الى مَن يتبع باختياره معلما ويشاركه أفكاره. ويُخصص العهد الجديد اسم "تلميذ" لمن اعترف بيسوع معلما مثل الاثني عشر (متى 10: 1)، وكل من إتَّبع يسوع ولا سيما الاثنين والسبعين الذين بعثهم يسوع في رسالة التبشير (لوقا 10: 1)؛ أمَّا في سفر أعمال الرسل فيشير لقب "تلميذ" الى كل مؤمنٍ، سواء عرف يسوع خلال حياته الأرضية مثل الرسل (اعمال الرسل 1: 13) أم لم يعرفه شخصيا مثل بولس الرسول (اعمال الرسل 9: 10-26).

27 ومَن لم يَحمِلْ صَليَبهُ ويَتبَعْني، لا يَسْتَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً.

تشير عبارة "يَحمِلْ صَليَبهُ" الى عقاب استخدمه الرومان في القرن الأول للخونة والعبيد. وكانت العادة ان المحكوم عليه كان يحمل صليبه الى مكان الإعدام. فيسوع شبَّه نفسا بالعبد وحمل صليبه، فمن يريد ان يتبعه، عليه ان يتوقع العقبات والآلام وصعوبات الحياة، وان يتحملها لا رغما منه بل برضاه كعلامة اتحاده بالمسيح ومشاركته في السير وراءه، ويَقبل ما ينبغي ان يكابده كوسيلة للتضحية بشخصه حتى الموت؛ وهنا يطالبنا يسوع بقبول الموت اليومي عن كل شيء من أجل الله، وان نحمل معه الصليب بلا انقطاع من خلال حبنا الفائق لله الذي يسمو على كل عاطفة وحب! ويعلق البابا غريغوريوس الكبير "نحن نحمل صليب ربَّنا بطريقتين، إما بالزهد فيما يخص أجسادنا أو خلال حنوِّنا على أقربائنا نحسب احتياجاتهم احتياجاتنا". فحمل الصليب يٌقضي علينا أن نزهد بالحياة الدنيوية التي نعتمد عليها، بما فيها من التجارب السهلة والاباحية والاجهاض والكراهية والعنف والسرقة كي نختار يسوع فوق كل شيء ونتبعه. أمَّا عبارة "يَتبَعْني" في الأصل اليوناني ἔρχεται ὀπίσω (معناه يأتي وراء او يسير وراءه) فتشير الى "السير على خطى يسوع " او إتِّباع يسوع ومشاركته في مصيره. وهنا نلاحظ أنّ اللغتين العبرّيةَ والآرامية لا تمتلكان مُفردة خاصّة تعني "اتّبع". واتبع تشير في الدين اليهودي في القرن الأول الى الطاعة ومختلف الخدمات المترتبة على تلاميذ الرابيين نحو معلميهم. ولكن في الانجيل يتخذ فعل "تبع" معاني أخرى حيث أنه لم يَعد التلميذ ان يختار معلمه بل الدعوة تأتي من يسوع وتُلبّى عادة بطاعة فورية، والتلميذ يتبع يسوع لا كسامع فقط، بل كمعاون وشاهد للملكوت، وكأحد العملة في حصاده (متى 10: 1-27). فتلميذ يسوع لا يتمسك بتعليم المعلم فقط، بل يلازم شخصه، ويسير في خطى يسوع على الطريق التي تقود إلى الصليب. فهناك مشاركة في الآلام بين المسيح وتلميذه. فحالة التلمذة هي مشاركة يسوع في آلامه. ولذلك فإن كل انسان ينبغي ان يختار بين أقرب المقرّبين اليه وأعزّهم من جانب (متى 15: 4) وبين المسيح من جانب آخر. وبما ان يسوع حمل الصليب من أجلنا، علينا ان نحمل صليبنا نحن أيضًا من أجله! هذا هو حساب النفقة التي سألنا السيِّد أن نضعها في الاعتبار لبناء برج الصداقة او خوض المعركة ضد تجارب ابليس.

28 فمَن مِنكُم، إذا أَرادَ أَن يَبنِيَ بُرجاً، لا يَجلِسُ قَبلَ ذلِكَ ويَحسُبُ النَّفَقَة، لِيَرى هل بِإِمكانِه أَن يُتِمَّه،

تشير عبارة "مَن مِنكُم، إذا أَرادَ أَن يَبنِيَ بُرجاً " الى ضرورة التفكير قبل الاقدام على مشروع هام، خاصة مشروع الالتزام بإتباع يسوع كتلاميذٍ له. أمَّا عبارة " يَحسُبُ النَّفَقَة " فتشير الى مطالبتنا أن نحسب حساب النفقة، مقدَّما لنا مثل من يبني برجًا يلزمه أن يحسب النفقة أولًا قبل أن يحفر الأساس. وهذا الامر يُذكرنا قول يشوع بن سيراخ: " يا بُنَيَّ، إِن أَقبَلتَ لِخِدمَةِ الرَّبِّ فأَعْدِدْ نَفْسَكَ لِلمِحنَة"(يشوع ابن سيراخ 2: 1). فمن أراد أن يتبع يسوع سيكون عليه نفقة وهي التضحية بكل ما في العالم حتى العلاقات الأسرية العادية، إن كانت ستعطلنا عن حب يسوع وإتباعه. أمَّا عبارة " لِيَرى هل بِإِمكانِه أَن يُتِمَّه" فتشير الى تعليق القديس غريغوريوس أسقف النيصي "يلزمنا أن نجاهد على الدوام لنبلغ نهاية كل عمل صعب بالاهتمام المتزايد بوصايا الله، وبهذا نكمل العمل الإلهي. فإنه لا يكفي حجر واحد لعمل البرج، هكذا لا تكفي وصيَّة واحدة لكمال النفس، إنما يلزمنا أن نحفر الأساس وكما يقول الرسول نضع حجارة من ذهب وفضة وأحجار كريمة (1 قورنتس 2: 12). ليتنا إذن ونحن نود أن نتبع الرب أن نجلس مع أنفسنا لنحسب النفقة، ألا وهي "الإيمان الحيّ العامل بالمحبَّة" (غلاطية 5: 6).

29 مَخافَةَ أَن يَضَعَ الأَساسَ ولا يَقدِرَ على الإتمام، فيأخُذَ جَميعُ النَّاظِرينَ إِلَيه يَسخَرونَ مِنه.

تشير عبارة "أن يَضَعَ الأَساسَ ولا يَقدِرَ على الإتمام" تشير الى الالتزام بالفطنة والقناعة بحسب الإمكانيّات المُتاحة لك كما يقول المثل الشعبي " على قدر فراشك مدّ رجليك". وهنا يدعونا الإنجيل إلى الحذر من الاندفاع والطموح والتهوّر في إتباع يسوع، ويحذَّرنا مِنَ الاكتفاء بالعاطفة الدينيَّة السطحيَّة غير المؤسَّسةِ على الإيمان الراسخ به والمحبَّة الصادقة له والإرادة الصامدة أمام الصعوبات، ذلك لأنَّ العاطفة وحدَها مؤقَّتة وضعيفة لا تلبث أن تنهار وتضمحلَّ أمام متطلَّبات يسوع الشاقَّة.

30 ويقولون: هذا الرَّجُلُ شَرَعَ في بِناءٍ ولَم يَقْدِرْ على إِتْمامِه.

تشير عبارة "هل بِإِمكانِه أَن يُتِمَّه ولَم يَقْدِرْ على إِتْمامِه " الى ما علق عليه القديس كيرلس الكبير "بدون قبول الصليب نحمل اسم المسيح دون حياته فينا، ويكون لنا منظر الصليب دون قوَّته، لهذا تتطلع إلينا القوات الشرِّيرة وتهزأ بنا، قائلة: " هذا الرَّجُلُ شَرَعَ في بِناءٍ ولَم يَقْدِرْ على إِتْمامِه". وكما يقول إن لنا أعداء كثيرين يودُّون الاستهزاء بنا، من أرواح شرِّيرة وناموس الخطيَّة وشهوات الجسد ...".

31 أَم أَيُّ مَلِكٍ يَسيرُ إِلى مُحارَبَةِ مَلكٍ آخَر، ولا يَجلِسُ قَبلَ ذلك فيُفَكِّرُ لِيَرى هل يَستَطيعُ أَن يَلْقى بِعَشَرَةِ آلافٍ مَن يَزحَفُ إِلَيه بِعِشرينَ أَلفاً؟ 32وإِلاَّ أَرسَلَ وَفْداً، مادام ذَلك المَلِكُ بعيداً عنه، يَسْأَلُه عن شُروطِ
الصُّلْحِ.

تشير عبارة "أَيُّ مَلِكٍ يَسيرُ إِلى مُحارَبَةِ مَلكٍ آخَر" الى عملية حرب تتطلب تفكير ومثابرة حيث لا يمكن إتباع يسوع دون تفكير؛ وإن إتباعه بحاجة الى تفكير وتنظيم؛ حيث أن حمل الصليب وراء يسوع يتطلب صراع مع عدو الخير، الذي يلتهب حسدًا وغيرة، ولا يتوقف عن محاربتنا بكل طرق الخداع ليحطِّم أعماقنا. ويُعلق البابا فرنسيس" هنالك حرب أعمق يجب علينا جميعا خوضها، نحن جميعا! إنه القرار القوي والشجاع بنبذ الشر وإغراءاته واختيار الخير، مستعدين لدفع الثمن شخصيا: إن هذا هو معنى اتباع المسيح، وحمل الصليب الخاص! هذه الحرب العميقة ضد الشر! فما الفائدة من شن حروب، حروب الكثيرة، إن كنتَ عاجزا عن خوض الحرب ضد الشر؟" أمَّا عبارة " مَلكٍ آخَر" فتشير الى إبليس إله هذا الدهر ورئيس هذا العالم، وذلك لحسده فهو لا يتوقف عن محاربته لنا بكل طرق الخداع. إن كان الابليس يصارع بكونه ملكًا يريد أن يقتنص الكل إلى مملكة الظلمة، فإننا كمؤمنين قد ارتبطنا بملك الملوك فصرنا "ملوكًا" (رؤية 1: 6)، ماذا يعني هذا؟ يقول بولس الرسول " فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات" (أفسس 6: 12). أمَّا عبارة " يَجلِسُ قَبلَ ذلك فيُفَكِّرُ " فتشير الى من أراد أن يكون تلميذ المسيح، عليه أن يحسب حساب التضحيات المطلوبة منه، وأن يكون مستعدّاً لقبولها بقلب كبير. أمَّا عبارة " عَشَرَةِ آلافٍ" فتشير الى رقم 10 الذي يدل على الوصايا وأمَّا رقم "1000" فيدل على الفكر الروحي السماوي. فالتلميذ يحارب بالمسيح يسوع سالكًا في الوصيَّة بالفكر السماوي، أي حربه سيكون بالتزامه بالوصايا حباً في المسيح "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" (يوحنا 14: 21)؛ أمَّا عبارة " بِعِشرينَ أَلفاً" فتشير الى العدو الذي يحارب بضربات يمينية (10000) (بر ذاتي) وضربات يسارية (10000) (شهوات). وهو يحارب التلاميذ في الروحانيات (1000) حتى يُخرجهم منها، كما يوضَّح ذلك بولس الرسول "فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات"(أفسس 6: 12). ونلاحظ أن قوة العدو 20000 أكبر من قوة التلاميذ 10000، التي يمثل "القطيع الصغير" (12: 32) الذي يُسر الآب أن يعطيه ملكوت السماوات. يبدو في المظهر أقل وأضعف أمام مقاومة عدو الخير لكنه بقدر ما يترك "جميع أمواله" أي لا يتكل على ذاته، ولا بره الذاتي، بل على المسيح لأن رقم 10 يُشير للوصايا ورقم "1000" يشير إلى الفكر الروحي السماوي. فإنه يحارب بالمسيح سالكًا في الوصيَّة بالفكر السماوي. فمن يلتزم بالوصايا ويعيش الروحانيات، يحارب يسوع فيه ومعه فيغلب الشر. وعليه فان يسوع يوصينا في هذين المثلين الى الحذر والتقدم في آنٍ واحد.

33 وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً.

تشير عبارة " وهكذا " باليونانية οὕτως οὖν (معناها فكذلك إذن) الى أنه كما أنّ باني البُرج يقبل بكل النفقات الضروريّة لئلا يسخر الناس منه، وكما أنّ الملك يبدأ بمحادثات سلام لئلاّ يصاب بهزيمة تامّة، كذلك على من يتوق أن يكون تلميذا للمسيح أن يقبل بكلّ التضحيات المفروضة عليه لئلاّ يهلك. وأمَّا لوقا فيقدِم تطبيقاً جديداً للمثلين السابقين، وهي الدعوة إلى " التخلي " عن جميع الأموال. أمَّا عبارة " لا يَتَخَلَّى " فتشير الى نداء التحرر من المال للاغتناء عند الله (لوقا 12: 13-34). والتحرر يتطلب عدم اتكال التلميذ على أمواله والتعلق به، بل أن ينفق منها على المحتاجين، وينبذ كل شيء يمنع اعتماده على المسيح وحده كما اوصى يسوع "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني"(متى 16: 24). ويعلق البابا فرنسيس " تلميذ يسوع يتخلى عن جميع الخيرات لأنه وجد فيه "الخير الأعظم"، ذاك الخير الذي منه تنال كل الخيرات الأخرى ملء قيمتها ومعناها"، وخير مثال على ذلك تخلي أبونا إبراهيم من أجل تلبية دعوة الله الذي قال له: " اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ. وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة "(التكوين 12: 1-2). أمَّا عبارة "جَميعِ أَموالِه " فتشير الى عدم الاتكال على ذاته، ولا برِّه الذاتي، ولا إمكانياته. أمَّا عبارة " لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً" فتشير الى استعادة ما ورد في آية 26 وآية 27 لتأكيد ما يميّز وضع تلميذ المسيح الملتزم التزاما كاملاً بخدمة معلّمه يسوع المسيح. على تلميذِ المسيح أن يفرض على نفسه استسلاماً من دون قَيد ولا شرط. ويختم لوقا الانجيل المثلين الواردين أعلاه بهذه الآية فيجعل منهما دعوة الى التخلي عن جميع الأموال ونداءً الى الزهد بالنفس والتجرد والتحرُّر (لوقا 12: 13-34 و16: 1-13 و18: 24-30).

ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)

انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 14: 25-33)، نستنتج انه يتمحور حول موضوع ما يُطلب من أتباع يسوع ومن هنا نتساءل ما معنى اتباع يسوع وما هي شروط إتباع يسوع التزاماته او متطلباته.

1) ما معنى اتباع يسوع؟

إتباع السيد المسيح معناه السير في طرق الله التي خطَّها يسوع المسيح داعيا جميع البشر إلى ملكوت الخلاص. ويتطلب إتباع يسوع دعوة منه كما حدث مع تلاميذه. فقد سمعوا نداءه فلبُّوا الدعوة "كانَ يسوعُ سائراً على شاطِئِ بَحرِ الجَليل، رأَى سِمعانَ وأَخاهُ أَندَراوس يُلقِيانِ الشَّبَكَةَ في البَحر، ِلأَنَّهما كانا صَيَّادَيْن. فقالَ لَهما: اِتبَعاني أَجعَلْكما صَيادَي بَشَر. فتَركا الشِّباكَ لِوَقتِهما وتَبِعاه" (مرقس 1: 16-18).
واتبع التلاميذ يسوع على نحو القطيع لراعيه (مزمور 80: 2)، والشعب لمَلكِه (2 صموئيل 15: 13) والمؤمنُ لإلهه (1 ملوك 18: 21). وما هو مطلوب من الإنسان لكي يصير تلميذاً ليسوع، لا الاستعدادات الفكرية (الذكاء)، ولا حتّى الأدبية، بل الدعوة او النداء الحر الذي يوجِّهه له يسوع "اِتْبَعْني" (يوحنا 1: 43). وفي الانجيل يدل لفظ "يتبع" ἀκολουθέωعلى التعلق بشخص يسوع كما عبّر أحد اتباعه "يا مُعَلِّم، أَتبَعُكَ حَيثُ تَمضي" (متى 8: 19). ومن هذا المنطلق، فإن فعل "يتبع" في مفهوم تلاميذه يعني قطع كل علاقة بالماضي، والتعلُّق الكلي والخضوع المطلق ليسوع عن طريق الإيمان والاقتداء به.

ا) إتباع يسوع عن طريق الإيمان

في مفهوم يوحنا الرسول إتّباع المسيح يعني الإيمان به إيماناً كاملاً من خلال آيات خارجية كما صرّح السامريون للمرأة السامرية "لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ، فقَد سَمِعناهُ نَحنُ وعَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً" (يوحنا 4: 42)، وهذا الايمان ً يتغلب على كل تردّد من جانب الحكمة البشرية "فتَبِعَه جَمعٌ كثير، لِما رَأوا مِنَ الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى" (يوحنا 6: 2).
ويعني إتّباع يسوع ايضا إنه إتباع نور العالم واتخاذه رائداً كما أعلن يسوع " أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة"(يوحنا 8: 12)، ويفيد الاتباع الانتظام في صف الخراف التي يجمعها الراعي الواحد في قطيع واحد "الخِرافُ إلى صوتِه تُصغي. يَدعو خِرافَه كُلَّ واحدٍ مِنها بِاسمِه ويُخرِجُها" (يوحنا 10: 3).

ب) إتباع يسوع عن طريق الاقتداء

يؤدي إتِّباع يسوع عن طريق الايمان الى الاقتداء به وبمثاله وسماع تعليمه، ومطابقة حياته الشخصية على خطاه "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني. لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها" (مرقس 8: 34-35).

ويؤكد بولس الرسول إتباع يسوع عن طريق الاقتداء بموت المسيح وقيامته وتطبيقه، وهذا التطبيق يبدأ بالعماد "أَوَ تَجهَلونَ أَنَّنا، وقَدِ اَعتَمَدْنا جَميعًا في يسوعَ المسيح، إِنَّما اعتَمَدْنا في مَوتِه فدُفِنَّا مَعَه في مَوتِه بِالمَعمُودِيَّةِ لِنَحْيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة كما أُقيمَ المَسيحُ مِن بَينِ الأَمواتِ بِمَجْدِ الآب؟ " (رومة 6: 3-4)، ويكتمل عن طريق الاقتداء بالمسيح "اِقتَدوا بي كما أَقتَدي أَنا بِالمسيح"(1 قورنتس 11: 1)، والاشتراك بالاختيار في الألم الذي من خلاله تظهر قوة القيامة "نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضاً "(2 قورنتس 4: 10).
باختصار، إن إتِّباع المسيح يعني الإيمان به كتلاميذ والاقتداء به والسير على نهجه، والالتزام برسالته، وحفظ وصاياه والتبشير بها، وتكريس حياتنا مخلِصين له حتى النهاية، وخلال هذه المسيرة نحتمل الآلام من أجله متشبِّهين بمن أحبَّنا حتى المنتهى، ولذلك لإتباع يسوع هناك بعض الشروط او المتطلبات.

2) المتطلبات لإتباع يسوع

يشترط يسوع من أتباعه ثلاث متطلبات، وهي: الزهد بالذات وحمل الصليب وتخلي الانسان عن جميع أمواله

المتطلب الأول: الزهد بالذات

يقوم المتطلب الأول على الزهد بالذات حيث ان حضور الذات يُعطِّل كل اتجاه نحو الله، بينما إنكار الذات أي إزاحتها يتيح للمسيح ان يكون الكل في الكل، الأول والآخِر، محبوباً ومُطاعاً أكثر من النفس وأكثر من الأهل والعالم كله. ويقوم الزهد بالذات بالتجرد عن كلّ ما هو عزيز على قلبنا، حتى عن عواطف المودّة الشرعيّة (لوقا 14: 26)، والتّرفع عن الرغبات والملذّات الأرضيّة والمصالح الشخصيّة، ومشاركةَ التلميذ في آلام المعلم (لوقا 14: 27) والاستعداد لنتخلّى عن كلّ ما نملك من أجل المسيح (لوقا 14: 33) كي نعطي ذواتِنا عطاءً تامّاً، ونقبل بكل التضحيات التي تفرض علينا. وهذا يتطلب منا التحرر من الذات عندما نسعى تحقيق الأمن والحياة في أنفسنا بدلا من الله والاَّ نجد أنفسنا على طريق الموت.

ويلخص انجيل متى المطلب الأول بالزهد بالذات بقوله " مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني" (متى 16: 24). فينبغي للتلميذ ألا يموت في ذاته فحسب: فإن الصليب الذي يحمله هو العلامة على أنه يزهد في الدنيا أيضا، وأنه قد قطع كل علاقاته الطبيعية مع اهله في حالة وقوفهم في إيمانه (متى 10: 33-39)، وقبل وضعه كمُضطهد" جَميعُ الَّذينَ يُريدونَ أَن يَحيَوا حَياةَ التَّقْوى في المسيحِ يسوعَ يُضطَهَدون." (2طيموتاوس 3: 12).

وهكذا يتم ّالزهد بالذات بإنكار الذات بالموت عن الخطيئة "فكَذلِكَ أحسَبوا أَنتُم أَنَّكم أَمواتٌ عنِ الخَطيئَة أَحْياءٌ للهِ في يسوعَ المسيح" (رومة 6: 11)، وبالموت عن الانسان القديم "نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ إِنسانَنا القَديمَ قد صُلِبَ معَه لِيَزولَ هذا البَشَرُ الخاطِئ، فلا نَظَلَّ عَبيدًا لِلخَطيئَة" (رومة 6: 6)، وبالموت عن شهوات الجسد ومقاومة الرغبات الجسدية ورفض إغراءات الحياة مهما كان الثمن "إِنَّ الَّذينَ هم لِلمَسيحِ يَسوعَ قد صَلَبوا الجَسَدَ وما فيه مِن أَهْواءٍ وشَهَوات"(غلاطية 5: 24)، وأخيراً بالموت عن كل أركان العالم ( قولسي 2: 20). وخير مثال على ذلك يوسف بن يعقوب الذي احتمل ظلم الاتهام وظلام السجن الطويل، وأَبـَى السقوط في الشهوات، وتجنّب أن يصنع الشر ويُخطئ إلى الله، وذلك بمقاومة تجربة زوجة فوطيفار، رئيس حرس فرعون بقوله لها " " هُوَذا سَيِّدي كُلُّ ما هو لَه قد جَعَلَه في يَدي. ولَيسَ هو أَكبَرَ مِنِّي في هذا البَيت، ولَم يُمسِكْ عَنِّي شَيئًا غَيرَكِ لأَنكِ زَوجَتُه. فكَيفَ أَصنَعُ هذه السَّيِّئَةَ العَظيمةَ وأَخْطَأُ إِلى الله؟ " (تكوين 39: 9). وفي هذا الصدد رفعت القديسة تريزا دي كالكوتا صلاتها " اجعلنا، يا رب، نفهم أنّنا لن نَبلُغَ ملءَ الحياة إلاّ بموت مستمرّ عن ذاتنا وعن رغباتنا الأنانيّة، لأنّنا فقط عندما نموت معك، يمكننا أن نقوم معك".

إن التلميذ، وقد زهد في ذاته وممتلكاته، يتعلّم أن يتبع يسوع حتى الصليب "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني" (متى 16: 24). وعندما يطلب يسوع من تلاميذه مثل هذه التضحية، لا تضحية خيراتهم وممتلكاتهم وحسب، بل تضحية أشخاصهم أيضاً، فهو يظهر نفسه كإله، ويبيِّن نهائياً إلى أيّ مدى تبلغ متطلبات الله. لكن التلاميذ لن يستطيعوا أداء هذه المتطلبات إلاّ عندما يتمم يسوع أولاً فعل هذه التضحية في موته وفصحه. فعلى سبيل المثال بطرس المستعد بالروح لاتّباع يسوع حيثما يذهب، (متى 26: 35) والذي لضعفه لم يتورع عن تركه أسوة بباقي التلاميذ (متى26: 56)، غير إنه لم يستطع أن يدرك ذلك إلا عندما فتح يسوع الطريق بموته وقيامته: عندئذ فقط ذهب بطرس إلى حيثما لم يكن ليخطر بباله كما صرّح له يسوع "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لَمَّا كُنتَ شاباً، كُنتَ تَتَزَنَّرُ بِيَديكَ، وتَسيرُ إِلى حَيثُ تشاء، فإِذا شِخْتَ بَسَطتَ يَدَيكَ، وشَدَّ غَيرُكَ لكَ الزُّنَّار، ومَضى بِكَ إِلى حَيثُ لا تَشاء. قالَ ذلكَ مُشيراً إِلى المِيتَةِ الَّتي سيُمَجِّدُ بِها الله. ثُمَّ قالَ له: اِتَبْعني! (يوحنا 21: 18-19). وإن المؤمن الذي يتبع المسيح "حيثما يذهب" (رؤيا 14: 4)، عندئذ يتحقق وعد يسوع: "مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي" (يوحنا 12: 26).

والزهد بالذات يساعدنا ان نضع حب الله في المقام الأول حيث قال يسوع" مَن أَتى إِلَيَّ ولَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ وامَرأَتِه وبَنيهِ وإِخوَتِه وأَخواتِه، بل على نَفسِه أَيضاً، لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً" (لوقا 14: 26)؛ ما يريد أن يعلمنا يسوع إيَّاه بهذه الوصية يظهر واضحًا في انجيل متى "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني" (متى 10: 37)، فبقوله: "أكثر مني" أوضح يسوع أنه يسمح لنا بالحب، لكن ليس أكثر منه. تسمو محبة الانسان لله أكثر من أي أحد. فالزهد يُحرِّرنا من كل عائق اسرية فنستطيع ان نتَّبع المسيح (متى 16: 25)؛ فيسوع لا يريدنا أن نرفض الحب الطبيعي العائلي، بل يطلب أن يزيد حبنا له عن الحب العائلي. ومن هذا المنطلق يدعونا الى حياة جديدة التي لا تأتي من الروابط الاسرية، ولكن من النعمة أي الاتحاد بالمسيح وحمل صليبه، لان الروابط الاسرية قد تعيق أحيانا ثقتنا في الرب عندما نضع ثقتنا في الاسرة كأمان وحماية وحياة أكثر من الله او بدل الله.

ونستنتج مما سبق ان الزهد المطلوب منا هو ان نقطع كل اهتمام (روابط أسرية -مال -كرامة) يعطِّلنا عن النمو في محبة ربنا، لأن محبَّة الله لها سموها أكثر من تكريم الوالدين ومحبتهم. ويُعلق القديس أمبروسيوس "الله لا يريدنا أن نجهل الحب العائلي ولا أيضًا أن نُستَعْبد له، وإنما نُخضع الطبيعة، ونُكرم خالق الطبيعة، فلا نتخلى عن الله بسبب حبِّنا للوالدين. فإتباع المسيح هي هبة الذات للمسيح وهذا يتطلب ان نضعه في المقام الأول في الحياة قبل الذات والاهل.

إن حب الاهل وإكرامهم ومحبة العائلة وصية من وصايا الله وواجب، ولكن يأتي بعد حب المسيح. ولكن هذا المحبة يمكن ان تكون مبررا لعدم خدمة الله او انجاز عمل كما ادعى بعض الكتبة والفريسيين "وأَمَّا أَنتُم فتَقولون: مَن قالَ لأَبيهِ أَو أُمِّه: كُلُّ شَيءٍ قد أُساعِدُكَ بِه جَعَلتُه قُرْباناً، فَلَن يَلزَمَه أَن يُكرِمَ أَباه. لَقَد نَقَضتُم كلامَ اللهِ مِن أَجْلِ سُنَّتِكم"(متى 15: 5). وهنا يوضِّح السيد المسيح ان اكرام الابوين وصيه الهية بل هو وبخ اليهود بشده لأنهم بعدم التزامهم بهذه الوصية قد خالفوا وتعدُّوا على الناموس.

بالإضافة الى ذلك، بما ان تلميذ يسوع لا يرتبط بتعليم بل بشخص، لذلك لا يستطيع التلميذ ان يترك معلمه الذي أصبح مرتبطاً به أكثر من ابيه وأمه (لوقا 14: 25-26). فاتّباع يسوع، في الواقع، لا يعني اعتناق تعليم أدبي وروحي فحسب، وإنما مشاركته في مصيره أيضاً، أي في آلامه ومجده. فقد كان التلاميذ على استعداد لمشاركته في مجده كما صرّح بطرس الرسول "قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك، فماذا يكون جزاؤنا؟" (متى 19: 27). إلا أنهم يجب أن يتعلموا انهم لا بدَّ لهم أن يشاركوه أولاً في تجاربه وآلامه. لذا يطالب يسوع تلميذه بالزهد بالذات، وذلك بان يفضل التلميذ يسوع على نَفسِه (لوقا 14: 26) بالتجرد الكامل وبترك الأقارب (متى 8: 19-22)، دون ما مقاسمة أو رجعة (لوقا 9: 61-62). وهذا النداء قد يدعى إليه الجميع، لكن ليس الجميع يستطيعون ان يلبّوا هذا النداء (متى 19: 22-24).

المتطلب الثاني: حمل الصليب

يقوم المطلب الثاني لإتِّباع يسوع هو حمل الصليب. قال يسوع " ومَن لم يَحمِلْ صَليَبهُ ويَتبَعْني، لا يَسْتَطيعُ أَن يكونَ لي تِلميذاً" (لوقا 14: 27). ففي زمن المسيح، "حملَ الصليب" معناه أن يتخلّى الإنسان عن حياته، أن يكون مستعدّاً للموت، وفي النهاية أن يموت (لوقا 17: 33). في هذا المعنى "حمل صليبه"، أن نكون في وضع نتحمّل فيه كلّ شيء من أجل المسيح، نتحمّل حتّى الموت. على التلميذ ان يقبل ما ينبغي ان يتحمله كوسيلة للتضحية بشخصه حتى الموت، فعلى التلميذ الحقيقيّ أن يضع نفسه في وضع إنسانٍ حُكم عليه بالموت، فحمَلَ أداة تعذيبه وموته.

وفي زمن آباء الكنيسة اتّخذت العبارة "حمل الصليب" معنى رمزيّاً. فالصليب صار استعارة تدلّ على أحداث تُضايقنا في حياتنا، وتقلقنا أو تؤلمنا. في هذا المنظار تعني عبارة "حمل الصليب "، الدخولَ في مخطَّط الله والقَبولَ بسخاء بهذه الأحداث المؤلمة، وكأنّها أداة خلاصنا، وكأنها وسائلُ ترسلها العنايةُ من أجل تقدّم ملكوت الله. حين نَحمل صليبَنا بهذه الطريقة نتبع يسوع حقّاً.

الصليب قبل المسيح كان يرمز إلى العار وإلى الألم، لكن مع المسيح أصبح يرمز قبل كل شيء إلى المحبة والتضحية والعطاء. بكلمة أخرى، إن دعوة يسوع المتطلبة لحمل صليبه وراءه، هي بالأساس إحدى متطلبات الحُب الإنساني نفسه. ومن أحب الله أكثر من نفسه يقدر على حمل الصليب "مَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها" (متى 10: 39ب). ولن يقدر على حمل الصليب إلاَّ من أحب الله حتى أكثر من نفسه. ذلك لأن صليب المسيح هو مرتبط بأعظم حُب يمكن أن يصله الإنسان، " لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه " (يوحنا 15: 13).

صليب المسيح هو إذن البرهان الكبير على حبه لكل واحد منا بل أنه أفضل تعبير عن هذا الحُب الكبير. فكل أنواع الحُب تحتاج إلى لغة التضحية أو الذبيحة أي إلى الصليب. وموقف كهذا لو اعتنقناه، قد يعرضنا للاحتقار وعدم تفهم الاخرين لنا وللسخرية وربما للنميمة. ولكن لا ننسى ان يسوع بعد ان حمل صليبه وسُمر عليه عاد وقام من بين الاموات. ان كنا نتقبَّل ما تحمله لنا الحياة من آلام، انسجاماً مع دعوتنا المسيحية، سنكتشف في حينه ان الصليب درب يقودُنا، منذ الآن الى فرح لم نختبره من قبل وستنمو حياتنا الروحية، ويثبت فينا ملكوت الله. وصفت الطبيبة إريكا فيليلا، مُؤسِّسة أبناء مريم، "ان الصليب وحده هو الذي يعطي معنى للألم وقوة للآمل، فيثبت المؤمن في إيمانه وفي مسيرته مع المسيح. الصليب (أي المرض والالم) مع المسيح هو انتصار.

وكان جمهور الذين يستمعون الى يسوع يُدركون تماما معنى ان "حمل الصليب". فعندما كان الرومان يسوقون مجرما لتنفيذ حكم الإعدام فيه كانوا يُجبرونه على حمل الصليب الذي سيُعلق عليه إلى مكان تنفيذ العقوبة. وكان هذا يُظهر خضوعه لروما، ويُحذر الآخرين حتى يخضعوا هم أيضا. فإتباع يسوع معناه الخضوع الكامل له حتى الموت. وهذا يتطلب مِن مَن يريد ان يتبعه ان لا يندفع في حماس سطحي لابتاعه بل عليه ان يتعمق ويعرف ان هناك ثمن لاتباعه. ويسوع المحكوم عليه بالصَّلْب حمل صليبه إلى مكان تنفيذ العقوبة، كما جاء في أنجيل يوحنا "خَرَجَ حامِلاً صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة" (يوحنا 19: 17). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" أن السيِّد لا يطالبنا أن نضع صليبًا من خشب لنحمله كل يوم، وإنما أن نضع الموت نصب أعيننا".

مات يسوع مصلوباً، فأصبح الصليب، الذي كان أداة للفداء، مع الموت، والألم، والدم، أحد الأركان الأساسية التي تساعد على تذكيرنا بخلاصنا. إن الصليب لم يَعد عاراً، بل أصبح مطلباً، وعنواناً للمجد للمسيح أولاً ثم للمسيحيين من بعده، كما أعلن بولس الرسول "فإِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصْلوب، عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين" (1 قورنتس 1: 23). حمل يسوع الصليب من أجلنا، فلنحمله نحن أيضًا من أجله! هذا هو حساب النفقة التي سألنا أن نضعها في الاعتبار لبناء برج التلمذة او لمحاربة ملك آخر أي ابليس.

ونستنتج مما سبق عليه ان المعنى المباشر لحمل الصليب هو قبول الألم والعار والاضطهاد والظلم بأنواعه من أجل المسيح حتى بذل الحياة شهادة له. ولم يتردد بطرس الرسول يشجّع المؤمنين على حمل الصليب "فقَد تأَلَّمَ المسيحُ أَيضًا مِن أَجلِكم وترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه" (1بطرس 2: 21). والمؤمن وهو يحمل صليبه يُشارِك الرب الذي تألَّم مظلوماً ولم يفتح فاه (اشعيا 53: 7)، " ويتِمُّ في جَسَدِه ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة " (قولسي 1: 24)، كما يصرّح بولس الرسول " فأَعرِفَهُ وأَعرِفَ قُوَّةَ قِيامتِه والمُشارَكَةَ في آلامِه فأَتمثَّلَ بِه في مَوتِه، لَعَلي أَبلُغُ القِيامةَ مِن بَينِ الأَموات" (فيلبي 3: 10-11).

وقد عاش القديس بولس الرسول حياته في الإيمان مصلوباً، كما صرّح "وقد صُلِبتُ مع المسيح. فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20 -21)). وسجّل بولس الرسول قائمة آلامه "نَجوعُ ونَعطَشُ ونَعْرى ونُلطَمُ ونُشَرَّد، ونُجهِدُ النَّفْسَ في العَمَلِ بِأَيدينا. نُشتَمُ فنُبارِك، نُضطَهَدُ فنَحتَمِل، يُشَنَّعُ علَينا فنَرُدُّ بِالحُسْنى. صِرنا شِبْهَ أَقْذارِ العالَم ونُفايةَ النَّاسِ أَجمَعين، (1قورنتس 4: 12-13).

لكن مع كل هذه الالام لم يَعد الصليب مجرّد ألم أو مذلة فحسب، بل إنه يحقق مجد الله مقدماً. إنه علامة للخلاص (يوحنا 3: 14،) "شجرة الحياة" (رؤيا 22: 2 و14 و15). لذا يستطيع المسيحي ان يصرح بفخر مع بولس الرسول “أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم. " (غلاطية 6: 14)." وإِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا"(رومة 8: 17). وليس من طريق آخر الى الحياة والسلام الداخلي الحق سوى طريق الصليب المقدس. إن شئنا الحصول على السلام الداخلي واستحقاق الاكليل الخالد لنحمل الصليب وان نتبع يسوع، لقد سبقك هو " حاملا صليبه (يوحنا 19: 17).

المتطلب الثالث: التخلي عن جميع أمواله

يقوم المطلب الثالث من اجل إتِّباع يسوع هو تخلي التلميذ عن جميع أمواله. فقال يسوع "كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً. (لوقا 15: 33). يوضِّح انجيل متى هدف التخلي بقوله "إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني"(متى 19: 21). التخلي عن جميع أمواله تعني ان تلميذ المسيح لا يستطيع بعد إتباعه للمسيح ان يعتمد على أمواله، بل يجب عليه ان ينبذ كل شيء يمنع اعتماده على المسيح وحده "ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها"(متى 10: 38-39). لا يعني التّخلّي عن شيء بل عن كلّ شيء في سبيل المسيح.

لا يستطيع المؤمن أن يتبع المسيح وهو يحمل معه أثقاله: محبته للمال والاشياء وللعالم. وفي الواقع، ترك التلاميذ الأوائل (بطرس يعقوب ويوحنا ...) السفينة الممتلئة بالسمك الكثير والأهل وتبعوا يسوع " رَجَعوا بِالسَّفينَتَينِ إِلى البَرّ، وتَركوا كُلَّ شَيءٍ وتَبِعوه" (لوقا 5: 11)، وتَرْك لاوي مكان الجباية "فتَركَ كُلَّ شيءٍ وقامَ فتَبِعَه" (لوقا 5: 28)، "تركَتِ المَرأَةُ السامرية جَرَّتَها" (يوحنا 4: 28)؛ رمزاً للتخلِّي عن الماضي الشرير. فتغيير الحياة شرطٌ واضح من أجل ان يصبح المرء تلميذ الرب. وخير مثال على ذلك القديس أنطونيوس الكبير الذي باع كل ما كان له ووزَّع ماله على الفقراء ومضى إلى البرية متخلِّياً عن كل شيء ليتَّحد بالرب، فسطع نوره في العالم كله.

أمَّا الشاب الغني، الذي استكثر أن يتخلَّى عن أمواله ويُوزِّعها على الفقراء، أخفق أن يتبع المسيح، لأنه أحب أمواله أكثر، وهذا ما نستنتجه من قول يسوع له: “واحِدَةٌ تَنقُصُكَ بَعدُ: بعْ جَميعَ ما تَملِك ووَزِّعْه على الفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّموات، وتَعالَ فَاتبَعْني. فلمَّا سَمِعَ ذلك اغتَمَّ لِأَنَّه كانَ غَنِيّاً جِدّاً"(لوقا 18: 18-23). وكذلك يقول بولس الرسول ان رفيقه " ديماسَ قد تَرَكَني لِحُبِّه هذِه الدُّنْيا " (2 طيموتاوس 10:4)، فأصبح بهذا عثرة وسخرية.

ونستنتج مما سبق ان المطلب الثالث يقتضي التخلِّي عن تعلَّق القلب بحُبِّ المال حيث يصبح المال إلَهاً يُعبد من دون الله. لذلك التخلي يتطلب السعي للعيش بكرامة ومساعدة الفقراء وسدِّ حاجة المعوزين اقتساماً للخيرات، ومشاركة المرضى ومنكوبي اضطرابات الطبيعة والمجاعات، وغير ذلك من الحاجات الإنسانيَّة والدينيَّة الضروريَّة، بالخدمة والتبرُّع السخي برهاناً لصِدْق الإيمان.

وقد يواجه الانسان المسيحي من اجل إتباع يسوع خسارة في المركز الاجتماعي او في المال، وقد يُضطر ان يفقد ماله او وقته او وظيفته. وقد يكره البعض او تعزله اسرته او حتى يُحكم عليه بالموت، وهذا يدل ان إتباع المسيح ليس معناه حياة خالية من المتاعب. فيجب ان نحسب بدقه تكاليف التلمذة حتى نعرف ما نحن مقبلون عليه وحتى لا نتعرض فيما بعد لتجربة الارتداد عنه فنصبح عثرة وسخرية. من هنا فقد طلب يسوع من كل مَن يرغب ان يتبعه ويصير تلميذا له أن يجلس أولاً ويحسب النفقة، ليس فقط لأن يبدأ بل ليواصل المسير إلى النهاية (لوقا 14: 28-30). بعد أن دعا يسوع الكل للملكوت، قال إن هناك متطلبات وهناك نفقة. فمن يقبل بهذه المتطلبات وبهذه النفقة يكون من تلاميذ يسوع.

الخلاصة

مالت جموع غفيرة الى الاعتقاد ان يسوع هو المسيح، لكنهم أساءوا فهم طبيعة الملكوت. فبيّن يسوع متطلبات التلمذة من خلال مثلين قد أنفرد بهما لوقا الإنجيلي: بناء برج (لوقا 14:28-30) ومحاربة ملك (لوقا 14: 31 – 32). يبدو أن هذين المثلين هما في الأصل عبرة في ضرورة التفكير قبل الإقدام على مشروع هام، وهو، ولا شك، مشروع الالتزام باتباع يسوع. لكن لوقا يختتم ربط هذين المثلين، بدعوة إلى الزهد بالنفس " وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً"(لوقا 14: 33). فكما ان رأس مال بناء البرج هو المال الكافي (لوقا 14: 28-30) وراس مال الملك المحارب هو الجيش الكافي (لوقا 14: 331-32) كذلك راس مال تلميذ المسيح هو حمل الصليب والزهد (لوقا 14: 26-27، 33).

من أراد ان يتبع يسوع يتوجب عليه ان يتمم الشروط التالية: ان يحمل الصليب ويأتي وراءه (لوقا 14: 25-27) وان يحسب نفقة إتباعه حتى النهاية (لوقا 14: 28-32)، وان يتخلى عن كل ما لديه لأجل المسيح والبقاء على روح التضحية وإعطاء الأفضلية لأمور الروح، والشهادة العلنية للمسيح (لوقا 9: 23-26) كي يصبح تلميذا حقيقيا ليسوع " وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً" (لوقا 14: 33). وإن كان حمل الصليب هو نفقة اتباعنا وراء المسيح، فمطلوب منّا أن نحسب حساب النفقة، مثل من يبني برجًا يلزمه أن يحسب النفقة أولًا قبل أن يحفر الأساس، ومثل الملك الذي يحارب ملكًا آخر ان يراجع إمكانياته قبل بدء المعركة.

دعاء

أيها الآب السماوي، نطلب اليك باسم ابنك يسوع المسيح، ان نضعك في المكانة الأولى في حياتنا فنستطيع ان نردد مع القديس نيقولا:

"ربّي والهي، إنزع منِّي كل مل يُبعدني عنك
ربِّي والهي، هبني كلَّ ما يُقرِّبني منك.
ربِّي والهي، جرّدني من ذاتي لكي أكون كلّيا لك".

(القديس نيقولا دي فلو 1417-1487 متصوف وناسك سويسري).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء