كرم امسيح يكنز لنفسه "كنزًا في السماء"

كرم امسيح يكنز لنفسه "كنزًا في السماء"

الأب رفعت بدر
2017/11/21

من يطالع سيرة الراحل الكبير، كرم امسيح، لا يمكن الا ان يثمّن سيرة رجل عصامي، شقّ طريق التقدّم والابداع، فكان مثالا ملهما للعديد من الشباب والشابات في ربوع الوطن، لا بل وذاع صيته الهام في العالم أجمع. وشعار حياته ما يتلى في الكنائس ايام الآحاد والأعياد: 'أعطنا اللهم حسن التصرف في أمور الدنيا، وحنينا الى أمور الآخرة'.

ابتدأ الشاب 'كرم' العمل والتدرب في مجال سبك وتصنيع الذهب في عام 1955، وفي عام 57، ابتدأ يصقل بعض الاشكال، ويبيعها لدكاكين صغيرة في وسط العاصمة عمان، وفي عام 60، ازدهر العمل اكثر وعيّن معه 12 موظفا، وبدأت رحلة الطموح والمهنية في عالم الذهب والجواهر. وفي عام 62 تشارك مع نور منسّى وفتح أول محل في البلد، وابتدا التعامل مع فلسطين ومصر، ودشن عمله في عالم الالماس. وفي عام 1976 ابتدأ العمل باستقلالية، وصار عمله مبدعا ومقنعا ومتطلعا الى آفاق رحبة في العالم.

وهكذا، ومن سنة الى أخرى، ومن افتتاح فرع الى آخر، حتى غدت ماركة 'كرم امسيح' في العديد من مناسبات الفرح في المملكة، من خطوبة واعراس وحفلات تخريج واعياد الام والفالنتاين وغيرها... واطلق في عام 2005 جائزة 'كرم امسيح للتميز' في تصميم المجوهرات، واصبحت سيرته قصة نجاح ومبهرة ومستمرة، وقد استضاف مجلس الالماس الدولي في الاردن على مدار مرتين.

هذا من جانب الاسم اللامع في عالم المجوهرات.

الا انّ 'ابا أسامة' قد امتلك 'كنزا' آخر، أكثر لمعانا وسطوعا وتقديرا، وأصغى جيّدا لكلام السيد المسيح: 'اكنزوا لكم كنزا في السماء'. ومن التعامل في كنوز الارض، عمل على امتلاك كنز في السماء، وذلك بالسير على درب الايمان والتربية في البيت على حب الله والقريب، من خلال التقرّب من المراسيم المقدّسة، والمواظبة على حضور الصلوات، الى جوار 'كنز حياته' وشريكته 'بدور نينو، أم اسامة'، ووصل به الامر الى ان قرّر بناء كنيسة، تعتبر من أكبر وأجمل الكنائس في عمّان الحبيبة، ودشنت مع بدايات الالفية الثالثة للميلاد، وتم منحه وزوجته عضوية جمعية فرسان القبر المقدس التاريخية الخيرية، ومُنحا لقب فارس وسيدة للقبر المقدس، من قبل البطريرك ميشيل صباح، وهو لقب يعطى للعائلة التي تصلي متحدة وتعيش متحدة، في البيت وفي العمل وفي المجتمع، وتعمل من خلال مثلها الصالح قبل أن تقدّم المعونة المادية والمالية التي تخدم فيها شعب الله، فيسمّى الرجل فارسا, وتسمّى الزوجة سيّدة للقبر المقدس، علامة على الصلة ما بين هذه الجمعية الروحية والخيرية المنتشرة في العالم، ودورها في مساعدة الارض المقدسة المرتبطة بمدينة القبر الفارغ والقيامة - القدس.

وقد أنعم البطريرك فؤاد الطوال عليهما برتبة كوماندر 'أو ضابط' في الجمعية الخيرية، كما منح ابنهما البكر اسامة الفروسية وزوجته سهير خوري رتبة سيدة القبر المقدس، وهو الابن البكر ذاته الذي تم انتخابه لثلاث مرات نقيبا للصاغة وتجار المجوهرات في الاردن.

وهكذا، نجاح في العمل، ونجاح في بناء كنيسة وسط العاصمة الاردنية، لتدل على حالة الامن والاستقرار التي تتيح للمواطن، كل مواطن، أن يعمل وأن يتميّز وأن يبدع، وان يبني بيتا لله يدل على الاحترام للحرية الدينية وحرية العبادة، وقد شجعت تلك المبادرة عائلات أخرى على بناء كنائس شقيقة في مختلف انحاء المملكة، ومنها في موقع المعمودية – المغطس.

وقدم امسيح وزوجته وابناؤهما الخير الكثير للمجتمع الاردني، وبالاخص للفقراء والمحتاجين، من أردنيين ومن وافدين، حيث قامت العديد من المبادرات التي تحمل اسم العائلة التي تعمل بروح الفريق الواحد، ومنها 'صندوق كرم امسيح' الذي يضيء هذا العام شمعته العاشرة، بالتعاون مع جمعية الكاريتاس الاردنية التي تضيء بدورها شمعتها الخمسين.

حين كان مسجّى في الكنيسة قبل يومين، تذكرت كذلك فارسا آخر غادر ارضنا بثياب الفروسية، وقد كان مسهما بايمانه وعطائه للوطن والكنيسة، اقصد المرحوم ناصر قعوار ابا عوني رحمه الله. وكم نفخر بوجود اشخاص يحبون وطنهم وقيادتهم وكل اطياف الشعب الاردني، وفي ذات الوقت كم نفخر بالانجاز الذي حققه المواطنون العرب المسيحيون، في خدمة اقتصاد بلدانهم، ولدينا في سيرة الفارس المترجل ابي اسامة خير مثل وقدوة وتعزيز للوحدة الوطنية والمحبة الخالصة لجميع الناس بدون أدنى تمييز. فالروح الوطنية الصالحة لا تلغي الايمان المصفّى كالذهب. والايمان الصادق لا بد وأن يدفع بالانسان الى الوطنية الصادقة.

وانّ جلالة الملك عبدالله الثاني لا يفوّت فرصة الا ويردّد فيها بأنّ 'المسلمين والمسيحيين في الأردن يشكّلون أسرة واحدة متكاتفة تعمل من أجل مصلحة الوطن وتقدّمه وازدهاره'. وفي الوقت التي يتم الحديث فيه عن تدني نسب المسيحيين في الشرق، وانحسار نسبة حضورهم وفعاليتهم في مجتمعاتهم، يبرز مثال 'الكوماندر' أبو أسامة ليزيل الشكوك، وليبيّن أنّ بمستطاع شخص ما أن يعمل بجد واخلاص وان يصل الى تحقيق أهداف رائعة ورائدة، يسهم من خلالها في تقدم مجتمعه وازدهاره، سيرا الى تحقيق الهدف الاكبر: أي أن يكنز لنفسه كنزا في السماء...

قال السيد المسيح: 'ومثل ملكوت السموات كمثل تاجر كان يطلب اللؤلؤ الكريم، فوجد لؤلؤةً ثمينة، فمضى وباع جميع ما يملك واشتراها' (متى 13: 44-45). هنيئًا لك أبا اسامة، حسن تصرفك في شؤون الدنيا، وحنينك، بل ووصولك إلى محطة الآخرة الصالحة.

وباسم كهنة الرعايا، من مختلف الكنائس، وباسم الأسرة الاردنية الواحدة، وباسم المركز الكاثوليكي للإعلام، أقول لك شكرًا على كل عطائك ومحبتك... على وطنيّتك وعلى ايمانك... شكرًا، ابا أسامة ، رحمك الله، وأطال بعمر محبيك... آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء