كتب بشار جرار من واشنطن: السيبرية الروحية

كتب بشار جرار من واشنطن: السيبرية الروحية

واشنطن - بشار جرار
2017/12/06

على وقع منصات التواصل الاجتماعي وتسارع تطورها واستخداماتها، ثمة تسونامي يضرب بأسس علاقات الفرد بالآخرين والأشياء. في نظري، أهم تلك العلاقات على الإطلاق العلاقة الوجودية، فهي أصل الأشياء كلها. فالعلاقة بين الخالق والمخلوق عادت إلى سيرتها الأولى، مسقطة الوسطاء والشركاء وكل ما تفتقت به أذهانهم من هياكل. عادت إلى صيرورتها الأولى مجرد كلمة.. كلمة إما أن نسمعها ونعمل بها فتصير منطق الأمور وبوصلة الحياة، وإما أن نتجاهلها فتحل محلها كلمات من كل حدب وصوب، كلمة من الغريزة وأخرى من الحاجة وثالثة من الرغبة ورابعة من الشهوة... هكذا حتى تضجّ العقول والضمائر والنفوس والأبدان بضوضاء تضيع في معمعته الصحة والهمّة والسعادة الحقيقية المستدامة لا الزائفة العابرة.

لقد حطّم الإلكتروني القيود والحدود كلها، فما عاد لأحد العذر في خوف أو جهل من معرفة الكلمة الحقة والعمل بها. أما العلاقات مع الآخر، فقد وضعتنا منصّات التواصل الاجتماعي على المحكّ في مواجهة حقيقة "لا افتراضية" مع الذات أو الهروب منها. رويدًا رويدًا حتى تقذف بنا أمواج تلك المنصات بعيدًا بعيدًا، فنرى جفاء فقطيعة وربما عداوة مع القريب (الجار والزميل وحتى الأسرة) وتواصل يصل حد الولاء والارتباط بالبعيد ظنا منا أو وهما بأنه هو الأقرب إلينا.

تبقى العلاقة بين مشغلي تلك المنصات ومستخدميها والمادة الصمّاء هي الأكثر وضوحًا في اضطراب هذه العلاقة وانفلاتها من كل عقال حيث شجعت منصات التواصل الاجتماعي -بشكل عجزت عنه الدعاية التقليدية– على التهافت الاستهلاكي والسوقية بكل ما تعني الكلمة من معنى سلبي، كما رأينا في "الجمعة السوداء" وبدرجة أقل في "الإثنين السايبري" لمن فاته التهافت على صفقات ما يلزم وما لا يلزم. رحماك ربي بأي "فيس" نلقاك؟

بمحبة وخدمة ورجاء،
أخوكم بشار جرار
واشنطن

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء