قراءة معمّقة في الإرشاد الرسولي الجديد: ’إفرحوا وابتهجوا‘

قراءة معمّقة في الإرشاد الرسولي الجديد: ’إفرحوا وابتهجوا‘

بقلم: أندريا تورنيلي ، ترجمة: منير بيوك
2018/04/13

يدعونا الإرشاد الرسولي "إفرحوا وابتهجوا" حول "الدعوة إلى القداسة في العالم المعاصر"، المكوّن من 5 فصول في 177 فقرة، إلى أن نكون قديسين في عالم اليوم

ويوضح البابا فرنسيس بأن هذه الدعوة ليست موجّهة لعدد قليل من الأشخاص، إنما هي دعوة لكل من يعيش في حياته اليومية: "إن الرب يطلب كل شيء، ويقدّم الحياة الحقيقية والسعادة التي من أجلها خلقنا. هو يريدنا قديسين، ولا يقبل أن نرضى بحياة دون المستوى، بلا طعم ومتقلبة" (1).

"الطبقة المتوسطة للقداسة"

في الفصل الأول، يدعونا البابا، بأن لا نفكر فقط "بالذين تم تطويبهم أو أُعلنت قداستهم"، ويذكّر بأنه "لا توجد هويّة كاملة دون الانتماء إلى شعب ما. لذلك لا يخلُص أحد بمفرده، كفرد منعزل..." (6). ويضيف: "يطيب لي أن أرى القداسة في شعب الله الصبور: في الأمهات والآباء الذين يربّون أبناءهم بمحبة كبيرة، وفي أولئك الرجال والنساء الذين يعملون ليحملوا الخبز إلى البيت، وفي المرضى والراهبات المُسنَّات اللواتي لا تفارق الابتسامة ثغورهن... هذه هي، في أغلب المرات، القداسة التي تقطن بقربنا، قداسة الذين يعيشون بقربنا وهم انعكاس لحضور الله. فإن أردنا استعمال تعبير آخر لهم، فإنهم "الطبقة المتوسطة للقداسة" (7).

الرب يدعو الجميع

يدعونا فرنسيس إلى عدم فقدان الشجاعة عند التأمل في "أمثلة قداسة تبدو بعيدة المنال"، لأننا يجب أن نتبّع "المسيرة الفريدة والمميّزة التي يحفظها الربّ لنا" (11). ويوضح البابا أن هناك أيضًا "أنماط القداسة النسائية" (12)، ويؤكد أنه لكي نكون قديسين فإنه "ليس من الضروري أن نكون أساقفة أو كهنة أو راهبات أو رهبانًا. كثيرًا ما نتعرّض لتجربة التفكير أن القداسة محجوزة للذين يمكنهم الابتعاد عن الانشغالات اليومية ليكرّسوا وقتًا أكبر للصلاة. ليس الأمر هكذا. فجميعنا مدعوون لنصبح قديسين ونعيش بمحبة ونقدّم شهادتنا في الانشغالات اليوميّة" (14).

قداسة المبادرات الصغيرة

يذكر البابا أن القداسة "ستنمو من خلال مبادرات صغيرة. على سبيل المثال: تذهب سيدة إلى السوق للتسوق، فتلتقي بجارة وتبدأ بالحديث معها وتصلان إلى الانتقادات. غير أن هذه المرأة تقول في نفسها: ’لا، لن أتكلم بالسوء على أحد‘. هذه خطوة نحو القداسة. ومن ثم في البيت، يطلب منها ابنها أن يحدّثها عن تصوراته، وبالرغم من تعبها تجلس بقربه وتُصغي بصبر ومحبة، وهذه تقدمة أخرى تُقدِّس..." (16). ويضيف: "ليتك تعرف ما هي تلك الكلمة، ما هي رسالة يسوع تلك التي يرغب الله في قولها للعالم من خلال حياتك" (24).

الالتزام في العالم ليس "إلهاءً"

يكتب البابا قائلاً: "ليس سليمًا أن نحبَّ الصمت ونتجنّب اللقاء مع الآخر، أن نرغب في الراحة ونرفض النشاط، أن نبحث عن الصلاة ونُقلّل من شأن الخدمة" (26). في بعض الأحيان "نشعر بتجربة وضع الالتزام الراعوي أو الالتزام في العالم في مكان ثانوي كما ولو أنّهما ’يصرفاننا‘ عن مسيرة التقديس والسلام الداخلي" (27)، "هذا الأمر لا يعني ازدراء أوقات السكينة والعزلة والصمت أمام الله. على العكس"، فـ"الحداثة المستمرة للأدوات التكنولوجية، وجاذبية السفر والمعروضات الاستهلاكية التي لا تحصى ولا تترك لنا أحيانًا فسحات فارغة حيث يتردّد صدى صوت الله" (29). فالدعوة هي: "لا تخف من القداسة. فإنها لن تسلبك القوة أو الحياة أو الفرح" (32).

عدوّان ماكران للقداسة

في الفصل الثاني، يحذّر فرنسيس من "عدويين ماكرين" هما الغنوصية والبيلاجية: "إنهما شكلان من الأمان العقائدي أو النظامي، يفضيان إلى نخبوية نرجسية وسلطوية، حيث وبدلاً من البشارة يتم تحليل وتصنيف الآخرين، وبدلاً من فتح الباب أما النعمة يتم استهلاك الطاقات في الفحص والتحقق" (35). ويحذّر البابا قائلاً: "لنتنبّه. يمكن لهذا الأمر أن يحصل داخل الكنيسة. لأنّه شائع أيضًا لدى الغنوصيين الاعتقاد أنهم بتفسيراتهم يمكنهم أن يجعلوا الإيمان والإنجيل مفهومَين بشكل كامل. فنظريّاتهم الخاصة هي مُطلقة بالنسبة إليهم ويجبرون الآخرين على الخضوع لاستنتاجاتهم" (39).

الأنبياء الكذبة

يكتب البابا: "عندما يملك أحدهم أجوبة لجميع الأسئلة، فهذا يُظهر أنه لا يسير في الطريق القويم وأنّه قد يكون نبيًا مُزيّفًا... إن الله يفوقنا بلا حدود؛ وهو على الدوام يمثل مفاجأة لنا ولسنا نعرف على وجه اليقين في أيّ ظرفٍ تاريخي نلتقيه، طالما تحديد زمان ومكان وطريقة اللقاء لا تتوقف علينا. إنّ من يرغب في أن يكون كل شيء واضحًا وأكيدًا يدّعي السيطرة على سموّ الله" (41). ويذّكر فرنسيس "ليس من السهل فهم الحقيقة التي تلقيناها من الرب. كما تعجز قدرتنا عن التعبير عنها. لذلك لا يمكننا الإدعاء أن طريقة فهمنا تسمح لنا بالتحكّم بحياة الآخرين (43). إن "العقيدة، أو بالأحرى، إن فهمنا وتعبيرنا عنها، ليس نظامًا منغلقًا خاليًا من ديناميكيات قادرة على خلق تساؤلات وشكوك ونقاشات..." (44).

الاعتماد على القوة الذاتية

"إن الذين يستجيبون لهذه الذهنية البيلاجية أو شبه البيلاجية، بالرغم من حديثهم الحار عن نعمة الله، لا يثقون، في نهاية الأمر، إلا بقواهم الشخصية ويشعرون أنهم متفوّقين على غيرهم لأنّهم يحافظون على قوانين معينة أو لأنهم أمناء بشكل حازم لأسلوب كاثوليكي معيّن" (47). إنهم يفشلون في إدراك أنه "لا يمكن للجميع أن يقوموا بكل شيء"، و"بأن الهشاشة البشرية في هذه الحياة لا تُشفى بالكامل ونهائيًا بفضل النعمة" (49). ويكمل فرنسيس قوله "إنّ النعمة تتطلّب طبيعتنا، فهي لا تحوّلنا فورًا إلى رجال خارقين" (50).

المواقف الأنانية

يكتب البابا قائلاً: "إن القديسين يتحاشون أن يضعوا ثقتهم في أعمالهم" (54)، "إن الأمر الأول هو الانتماء إلى الله. وهي مسألة تقديم ذواتنا له هو الذي سبقنا في تقديم ذاته، وأن نسلِّمه قدراتنا والتزامنا وكفاحنا ضدَّ الشرّ وإبداعنا لكي تنمو عطيته المجانية وتتطوّر في داخلنا (56). لكن "هناك أيضًا مسيحيّون يلتزمون في إتباع مسيرة أخرى: مسيرة التبرير بواسطة قواهم". فالنتيجة هي "رضى عن النفس أنانيّ ونخبويّ خالٍ من الحبّ الحقيقي. يظهر بتصرفات عديدة متفاوتة فيما بينها ظاهريًا: الهوس بالقانون وسحر إظهار المكتسبات الاجتماعية والسياسية، والتباهي في العناية بالليتورجية وبالعقيدة وبهيبة الكنيسة، والغرور الناجم عن إدارة مسائل عملية" (57). ويضيف: "إن حياة الكنيسة في الكثير من الأحيان، وضد دفع الروح القدس، تتحوّل إلى قطعة متحف أو إلى ملكية للقليلين. هذا الأمر يحدث عندما تعطي بعض المجموعات المسيحية أهمية مفرطة لإتباع قوانين معينة خاصة بالمجموعة أو لعادات وأنماط" (58).

ملخّص الشريعة

ويخلص البابا الفصل الثاني من الإرشاد الرسولي بقوله: "من الجيّد أن نذكّر بأنه غالبًا ما توجد هرميّة للفضائل تدعونا للبحث عمّا هو جوهري" (60). وبعبارة ثانية، "بمعنى آخر: وسط الغابة الكثيفة للمبادئ والشرائع، يفتح يسوع ثغرة تسمح بتمييز وجهين: وجه الآب ووجه الأخ" (61).

تطويبات اليوم

في الفصل الثالث من الإرشاد الرسولي، يقدم البابا فرنسيس التطويبات الإنجيلية على أنها "بطاقة الهوية الشخصية بالنسبة للمسيحي". ويقرأها مرة أخرى، ويعيد صياغتها من جديد.

"طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السماوات"

"إن الغنى لا يضمن لك شيئًا. لا بل عندما يشعر القلب أنّه غني، يشعر بالاكتفاء بذاته لدرجة أنّه لا يملك فسحة لكلمة الله ومحبّة الإخوة ولا حتى للتنعُّم بأمور الحياة الأكثر أهميّة" (68).

"طوبى للودعاء فأنهم يرثون الأرض"

"إنها عبارة قوية، في هذا العالم الذي هو منذ البدء مكان عداوة، حيث يوجد نزاع في كلّ مكان، وحيث توجد كراهية في كلِّ مكان، وحيث نُصنّف الآخرين باستمرار حسب أفكارهم وعاداتهم وحتى أسلوبهم في الكلام أو اللبس" (71). ويذكر البابا أنه "حتى عندما يدافع المرء عن إيمانه وقناعاته عليه أن يقوم بذلك بوداعة"، "لقد أخطأنا في الكنيسة مرّات عديدة عندما لم نقبل نداء الكلمة الإلهيِّ هذا" (73).

"طوبى للمحزونين، فإنهم يُعزَّون"

"إنّ الإنسان الذي يرى الأمور على حقيقتها يسمح للألم بأن يخترقه ويبكي في قلبه، وهو قادر على لمس أعماق الحياة وأن يكون سعيدًا حقًّا" (76).

"طوبى للجياع والعطاش إلى البّر، فإنهم يُشبَعون"

"إن العدالة التي يقترحها يسوع ليست كالعدالة التي يبحث العالم عنها، والتي غالبًا ما تكون مشوَّهة بمصالح خسيسة ويتمُّ التلاعب بها من جهة أو من أخرى. يُظهر لنا الواقع كم هو سهل الدخول في حلقة الفساد والانتماء إلى هذه السياسة اليوميّة للـ "أُعطي لكي يُعطوني" وحيث كلُّ شيء هو تجارة"، "غير أنَّ هذا الأمر لا يتعلّق بالجوع والعطش للعدالة اللذين يمتدحهما يسوع" (78).

"طوبى للرحماء، فإنهم يُرحمون"

يكتب فرنسيس: "كل ما أردتم أن يفعل الناس لكم، افعلوهُ أنتم لهم. حيث يذكرنا التعليم المسيحي أنّه ينبغي تطبيق هذه القاعدة في جميع الحالات" (80). ويتابع: "يسوع لا يقول: طوبى للذين يُخطِّطون للإنتقام"، ولكنه يعطي الطوبى للذين يغفرون ويقومون بذلك ’سبعين مرّة سبع مرّات‘" (82).

"طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يُدعَون"

يكتب فرنسيس: "إن عالم الإشاعات، المكوَّن من أشخاص يتكرَّسون للإنتقاد والتدمير، لا يبني السلام" (87)، "فالمسالمون هم مصدر سلام، يبنون السلام والصداقة الاجتماعيّة" (88). ويستدرك البابا: "ليس من السهل أن نبني هذا السلام الإنجيلي الذي لا يستثني أحدًا، بل يدمج أيضًا حتى الأشخاص الغريبين بعض الشيء والأشخاص ذوي الطباع الصعبة والمعقّدين والذين يبحثون عن اهتمام، والمختلفين عنا، والذين آذتهم الحياة والذين لديهم اهتمامات أخرى" (89).

"طوبى للمُضطَهدين على البِرّ فإِن لهم ملكوت السموات"

يقول البابا: "إن هذا الطريق يسير عكس التيار.. فإن لم نُرِد السقوط في ضحالة مظلمة فلا نطلبنَّ حياة مريحة لأن "الذي يُريد أن يُخلِّص حياته يَفقِدُها" (90). ويتابع: "لا يمكن أن ننتظر، من أجل عيش الإنجيل، أن يكون كل ما حولنا مناسبًا" (91). لكن فرنسيس يشرح أيضًا "القديس ليس شخصًا غريب الأطوار، بعيدًا، يصبح غير محتمل بسبب زهوه، سلبيته وضغائنه، فلم يكن هكذا رسل المسيح" (93). كما أن "الاضطهاد ليس واقعًا من الماضي، فاليوم أيضًا نعاني منه سواء بشكل قاسٍ، مثل العديد من الشهداء المعاصرين، أو بأسلوب أكثر خفة من خلال التشهير والأكاذيب" (94).

قاعدة السلوك الكبيرة

يستذكر فرنسيس كلمات يسوع عن إطعام الجياع والترحيب بالغرباء، مقدمًا لهم "قاعدة سلوك سنحاسب على أساسها" (95). ويقول: "عندما ألتقي بفرد ينام في أحوال جوية سيئة، في ليلة باردة، يمكنني الشعور بأن هذا الوضع هو إزعاج، وعقبة في مسيرتي، ومشكلة يجب أن يحلها السياسيون... أو يمكنني أن أتفاعل انطلاقًا من الإيمان والمحبة، وأن أرى فيه كائنًا بشريًا له كرامتي نفسها، كائن يحبه الآب بشكل لا نهائي، صورة لله، أخا فداه المسيح. هذا هو أن نكون مسيحيين!" (98).

خطر المنظمات غير الحكومية وعدم الثقة في اللالتزام الاجتماعي

يكتب فرنسيس: "مع الأسف تدفعنا الإيديولوجيات أحيانًا إلى خطأين ضارين. من جهة خطأ المسيحيين الذين يفصلون متطلبات الإنجيل هذه عن علاقتهم الشخصية مع الرب، عن الاتحاد الداخلي معه، عن النعمة. هكذا تتحول المسيحية إلى مجرد منظمة غير حكومية نُزعت عنها تلك الروحانية المنيرة" (100). كما يوجد الخطأ الأيديولوجي الضار الآخر "لمن يعيشون في عدم ثقة في الالتزام الاجتماعي للآخرين معتبرين إياه شيئًا سطحيًا، دنيويًا، معلمنًا، محايثًا، شيوعيًا، شعبويًا" (101).

دافع عن الحياة... برمتها

يكتب البابا: "إن الدفاع عن البريء الذي لم يولد، على سبيل المثال، يجب أن يكون واضحًا وحازمًا وشغوفًا، لأن ما على المحك هنا هو كرامة الحياة البشرية، المقدسة دائمًا... كما مقدسة هي بالتساوي حياة الفقراء الذين وُلدوا، والذين يتخبطون في البؤس والهجر، والاستبعاد، والاتجار بالبشر، والموت الرحيم المختفي للمرضى، والمسنين المفتقدين إلى العناية، والأشكال الجديدة للعبودية، وكافة أشكال الإقصاء. لا يمكننا اقتراح مثال للقداسة يتجاهل ظلم هذا العالم" (101).

المهاجرون (وأخلاقيات الحياة)

يدرج البابا هنا أمرًا دقيقًا عن المهاجرين: "غالبًا ما نسمع من يقول إنه أمام النسبية ونقائص العالم الحالي تصبح أوضاع المهاجرين مثلاً قضية هامشية. يؤكد بعض الكاثوليك أنها قضية ثانوية مقارنة بقضايا البيوأخلاقيات الجادة. أن يقول شيئًا كهذا سياسي متخوف على نجاحه قد يكون أمرًا يمكن فهمه، ولكن ما من مسيحي، يليق به أن يضع نفسه فقط مكان ذاك الأخ الذي يخاطر بحياته كي يمنح لأبنائه مستقبلاً. ألا يمكننا رؤية أن هذا هو بالضبط ما يطلبه منا يسوع حين يقول لنا إننا نأويه في كل غريب؟" (102). لذلك، يوضح فرنسيس: "ليس هذا إذًا ابتكارًا لأحد البابوات أو هذيانًا عابرًا" (103).

ليس فقط العبادة والصلاة والإلتزام بالقواعد الأخلاقية

يشير فرنسيس: "قد نعتقد أننا نمجد الله فقط من خلال العبادة والصلاة، أو بمجرد تطبيق بعض القواعد الأخلاقية، وننسى أن المعيار لتقييم حياتنا هو قبل كل شيء ما فعلناه للآخرين" (104). "فمَن يريد أن يمجد الله بحياته حقًا، ومَن يتطلع بالفعل إلى القداسة كي تمجد حياته القدوس، هو مدعو إلى أن يقهر نفسه ويبذلها، ويتعب محاولاً عيش أعمال الرحمة" (107).

مخاطر النزعة الاستهلاكية

يحذر فرنسيس من أنه "يمكن للاستهلاك من أجل المتعة أن يلحق بنا الضرر لأننا في هوسنا بالاستمتاع ينتهي بنا الأمر بأن نكون مركزين على أنفسنا بشكل مبالغ فيه، على حقوقنا وفي الرغبة في أن يكون لدينا وقت فراغ للاستمتاع به.. كما يمكن لاستهلاك إعلام سطحي وأشكال الاتصال السريعة والافتراضية أن تكون عوامل تشويش للذهن يسلبنا وقتنا بالكامل ويُبعدنا عن جسد الإخوة المتألم" (108).

القديس، ومخاطر الشبكة العنكبوتية والإعلام الكاثوليكي

في الفصل الرابع ، يقدم فرنسيس "بعض الميزات أو العبارات الروحية" الضرورية لنمط حياة القديس. تبدأ مع التحمّل، الصبر والوداعة. يكتب البابا في إشارة إلى المدونات والمواقع فيقول: "قد يشترك المسيحيون أيضًا في شبكات العنف الكلامي عبر الأنترنت أو مختلف مجالات نظام التبادل الرقمي. لدرجة أنه، حتى عبر وسائل الاعلام الكاثوليكية، يمكن تجاوز الحدود، ويُسمح بالتشهير والافتراء، كأنه ما من وجود للأخلاقية ولا لاحترام سمعة الآخرين".. "من المهمّ بالنسبة لهؤلاء، إذ يزعمون الدفاع عن وصايا أخرى، ألا يتجاهلوا إتمام الوصية الثامنة: لا تشهد بالزور، مدمرين دون رحمة صورة الآخرين" (115). ويذكّر فرنسيس بأن "القدّيس لا يهدر طاقاته متذمّرًا من عيوب الآخرين، إنما هو قادر أن يصمت إزاء أخطاء الإخوة، ويتجنّب العنف الكلاميّ الذي يدمّر ويسيء المعاملة" (116)، فـ"ليس من الجيّد بالنسبة لنا أن ننظر نظرة تعالٍ، وأن نلعب دور قضاة بلا رحمة، وأن نعتبر الآخرين حقراء، وندّعي دومًا تلقين الآخرين دروسًا. إن هذا هو نوعٌ ماكر من العنف" (117).

الإهانات الضرورية

يوضح البابا برغوليو أنه "بإمكان التواضع أن يتجذّر في القلب فقط عبر الإذلال. فمن دونه ما من تواضع وما من قداسة" (118). ويتابع قائلاً: "أنا لا أشير فقط إلى أوضاع الإستشهاد العنيفة، إنما للإهانات اليومية بحق أولئك الذين يحتملون من أجل خلاص أُسرهم الخاصة، أو يتجنّبون قول الخير عن أنفسهم ويفضّلون مدح الآخرين بدل الافتخار، ويختارون المهام الأقلّ أهمية، وحتى أنهم يفضّلون أحيانًا تكبّد أمورًا ظالمة كي يقدّموها للربّ" (119).

الفرح وروح الدعابة

يشدد البابا على أن "كلّ ما قد قيل لا يعني وجود روح محبطة أو حزينة أو بغيضة أو كئيبة أو بعيدة عن الأنظار وبلا قوّة. فالقدّيس يستطيع أن يعيش بالفرح وروح الدعابة" (122)، "فالنكد ليس بعلامة للقداسة" (126). وهنا يشير فرنسيس إلى "ذاك الفرح الذي يُعاش بشركة مع الآخرين، ونتشارك به" (128).

الجرأة والحَمِيّة

يلخص برغوليو هذه العناصر في الكلمة: إن "الجرأة، والحماس، والصراحة، والغيرة الرسولية، كلّ هذا نفهمه في كلمة الصراحة parresia" (129). "لننظر إلى يسوع: إن تعاطفه العميق لم يكن أمرًا يدفعه للتركيز على ذاته، لم يكن تعاطفًا معيقًا أو خجولًا أو مليئًا بالخزي كما يحدث معنا مرات عديدة، إنّما العكس بالتمام. كان تعاطفًا يدفعه للخروج من ذاته بقوّة كي يبشّر، وكي يُرسل التلاميذ، يُرسلهم كي يشفوا ويحرّروا" (131). لذا، يجب علينا التغلب على تجربة "الميل إلى الهروب لمكان آمن يمكنه أن يحمل عدة أسماء: الفرديّة، والروحانية، والانغلاق في عوالم صغيرة، والتبعية، والاستقرار في مكان ما، وتكرار خطط مسبقة، الدوغمائية، والكآبة، والتشاؤم، والاختباء وراء القوانين" (134).

الله هو جديد دائمًا

يكتب فرنسيس قائلا: "الله هو جديد دائمًا؛ جِدّة تدفعنا باستمرار للانطلاق من جديد وللانتقال إلى مكان آخر بهدف تخطيّ ما نعرفه، نحو الضواحي والحدود... يسعى الله دومًا إلى ما يتخطّى تصورتنا ولا يهاب الضواحي. لذا، فإن تجرأنا وذهبنا إلى الضواحي فسوف نجده هناك" (135). ويستشهد البابا بمثال الكثير من الكهنة، والراهبات والرهبان والعلمانيين، الذين "يكرّسون أنفسهم للبشارة والخدمة بأمانة كبيرة، مجازفين بحياتهم في كثير من الأحيان، وعلى حساب راحتهم بالتأكيد. إن شهادتهم تذكّرنا أن الكنيسة لا تحتاج إلى الكثير من البيروقراطيين والموظّفين، إنما إلى مُرسلين شغوفين، يلتهمهم الحماسُ للتبشير بالحياة الحقّة. القدّيسون يفاجئوننا، ويزعجوننا، لأن حياتهم تدعونا للخروج من ضعفنا المُريح والمُخدِّر" (138). ويذّكر فرنسيس أيضًا مدى صعوبة "أن نحارب الشهوة الخاصة ومكائد وتجارب الشيطان والعالم الأناني إن كنّا منعزلين" (140). لذلك من المهم أن "تكون الحياة الجماعية، في العائلة، في الرعية، والجماعات الرهبانية أو أية جماعة أخرى، تتكوّن من العديد من التفاصيل اليومية الصغيرة" (143): وهذا أيضًا ما كان يحدث في الحياة الجماعيّة التي قادها يسوع مع تلاميذه ومع الناس البسطاء من الشعب. "لنتذكّر كيف كان يسوع يدعو تلاميذه للانتباه إلى التفاصيل" (144).

الصلاة والعبادة

يقول فرنسيس: "لنتذكّر في النهاية، وعلى الرغم من أنّ الأمر يبدو واضحًا، أن القداسة هي انفتاح على التسامي، الذي نعبّر عنه في الصلاة والعبادة" (147). ويتسأل البابا: "هناك أوقات تقف فيها في حضرته بصمت، وتبقى معه دون استعجال، وتسمح له بأن ينظر إليك؟ هل تسمح لناره بأن تشعل قلبك؟" (151). ويشير بقوله "أرجو ألّا نفهم الصمت المصلّي كهروب يُنكر العالم الذي يحيط بنا" (152).

محاربة الشيطان

يحذر الفصل الخامس من أن الطريق إلى القداسة هي أيضًا "نضال مستمرّ ضدّ الشيطان، الذي هو أصل الشرّ" (159). إن عبارة "الشر" مذكورة في صلاة الأبانا، "سائلين الآب أن ينجّينا من الشرير. وهي تشير إلى كيان شخصيّ يعذّبنا" (160). بالتالي "علينا ألا نفكر أنه خرافة، أو تمثيل، أو رمز، أو صورة، أو فكرة. إن خداعًا كهذا يحملنا على التخفيض من يقظتنا، وإهمالنا لأنفسنا، وبقائنا عرضة له أكثر. فهو ليس بحاجة لأن يملكنا. إنما يُدخِل في قلبنا سمَّ الكراهية والحزن والحسد والرذائل" (161). كما يمكنه أن يقودنا نحو "الفساد الروحي"، الذي هو "أسوأ من سقوط الخاطىء، لأنّها مسألة عمى مريح ومكتف ذاتيًا، حيث يبدو كلّ شيء في النهاية جائزًا" (165).

الطريق نحو التمييز

يذكر فرنسيس قائلاً: "كيف نعرف إن كان أمرٌ ما هو من الروح القدس أو يأتي من روح العالم أو من روح الشرّير؟ الطريقة الوحيدة هي التمييز، الذي لا يتطلّب فقط قدرة جيّدة على التفكير وعلى الحسّ السليم. إنّه كذلك موهبة يجب أن نطلبها" (166). ويضيف: "لقد أصبح الاستعداد للتمييز في أيّامنا هذه أمرًا ضروريًا بصورة خاصة.. فالجميع معرّض، ولكن بالأخصّ الشبيبة، لخطر التنقّل المستمرّ. ومن دون حكمة التمييز، يمكننا أن نتحوّل بكلّ سهولة إلى دُمى ترضخ للميول الحاليّة" (167). "التمييز ضروريّ ليس فقط في الأوقات غير الاعتيادية، أو عندما نكون بحاجة لحلّ مشاكل كبيرة، أو حين يجب اتّخاذ قرار حاسم. إنه أداة نضال من أجل اتّباع الربّ بشكل أفضل. ويفيدنا على الدوام: كيما نستطيع أن ندرك أوقات الله ونعمته، كيما لا نهدر إلهام الربّ، وكيما لا نتخلّى عن دعوته لننمو. وغالبًا ما يظهر هذا في الأمور الصغيرة، في ما يبدو تافهًا، لأنّ الأناة تظهر في الأمور البسيطة واليوميّة"، لذلك يطلب البابا من جميع المسيحيين أن لا يحذفوا في حوارهم مع الرب "فحص ضميرٍ صادق" (169).

استمع إلى ما يخططه عقلك وتخلى عنه

يختتم البابا قائلا: "يجب التذكّر بأن التمييز المصلّي يتطلّب الانطلاق من الاستعداد للإصغاء: للربّ، وللآخرين، وللواقع نفسه الذي يسترعي دومًا انتباهنا بطرقٍ جديدة. وحده الشخص المستعدّ للإصغاء، لديه الحرّية في التخلّي عن وجهة نظره الجزئيّة وغير الكافية، وعن عاداته وعن مشاريعه. لذا فهو حقًّا مستعدّ لقبول دعوةٍ تهدّم ضماناته ولكنّها تقوده إلى حياة أفضل" (172). ويضيف: "فمثل هذا الإصغاء يعني بالطبع الطاعة للإنجيل باعتباره المعيار النهائي، لكن أيضًا لسلطة الكنيسة التعليميّة التي تحافظ عليه، بمحاولةٍ لإيجاد، في كنزِ الكنيسة، ما قد يكون أكثر خصبًا لانيِّة الخلاص. هي ليست مسألة تطبيق وصفات أو تكرار للماضي، لأن الحلولَ نفسها ليست صالحة في جميع الظروف، وما كان مفيدًا في إطارٍ ما قد لا يكون مفيدًا في إطارٍ آخر. تمييز الأرواح يحرّرنا من الجمود الذي لا مكان له إزاء الآنيّة السرمديّة للربّ القائم من بين الأموات" (173).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء