في رونق حضارة المسيح يتألق الإنسان

في رونق حضارة المسيح يتألق الإنسان

الشماس مجدي هاشول - الجليل، الجش
2017/02/16

مقدّمة

في ملء الأزمنة، وبعد أن تخبّطت الشّعوب بآلهة كثيرة تتصارع وتتغيّر وتضمحل، ورزحت تحت أحكامٍ متعسّفةٍ ومظالمٍ سوداء وفراغٍ ممقتٍ، وثوراتٍ ومحنٍ وحروبٍ، جاءنا الّذي يحمل السّلام رايةً والمحبّة نهجًا والحقّ دربًا والإنسان كرامةً.. جاءنا ذاك الّذي تناولته أسفار الأنبياء وأحلام البشر، الّذي ينتظره الإنسان من الله ومن "ضمير الكون" الغامض، جاء المخلّص الطّيّب الذِّكر الّذي أراد أن يأتي، متجسّدًا لأبعد الحدود، بصلب واقع الإنسان، ليأخذنا من ههنا، إلى ملكوت العشق الحقّ، ملكوت الفرح والبهاء والسّلام، فنُطعِّم بمكوثنا فيه، هذا العالم البالي، ونخترق بشعاع مجده سلاطين الظّلام الحالك، ونبني بقوّة روحه حضارة الإنسان الحيّ، ونُجسّد بما فينا من قوّة وضعف، تلك المحبّة الإلهيّة الّتي تودّ أن ترفع الإنسان إلى ملء قامته ورِفعته، مُزوّدين بنعمة منبع الحياة..

حضارة الرّوح والجَدّة والمحبّة

إنّ دخول المسيح إلى العالم بالجسد، أدخل العالم برمّته في حضارة روح جديدة، في مسلك جديد وعنفوان جديد، حتّى كما قال بولس رسول الأمم وداعية الشّعوب لخلاص الرّب: "إِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد. قد زالتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أشياءُ جَديدة" (2 كور 5، 17) وكما قال السّيّد بذاته "هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!".. لقد جاء المسيح جامعا في شخصه قوّة الحقّ ووداعة المحبّة، روعة الإله وعشق الإنسان، مجد الرّوح الباطن وجمال الجسد المصلوب الممجّد، جاء أسدا يزأر دفاعا عن المظلوم والمرجوم، عن المهمّش والمحكوم، جاء صوتا للحقّ يدوّي في حنايا الخليقة، جاء كابوسا للّذين يتربّعون على الكراسي ليتربّعوا، للّذين يقودون المواشي إلى حيث لا يدرون أو إلى ظلام اياه يعرفون، جاء للّذين ينتظرون الخلاص مخلّصا، وللّذين يجلبون الهلاك، نورا ويقظة.. وفي العمق جاء حَملاً وديعًا لطيفًا مؤازرًا رحومًا، يَسع كلّ انسان، بحنانٍ واهتمامٍ ورقّةٍ وسماحة..

حضارة الحياة والإنسان

في شخص زكّا أبصر السّارقون نور الحياة، وفي شخص المجدليّة أبصر السّاقطون جمال القيامة، وفي شخص أعمى أريحا أبصر العميان وبان معنى البصيرة، وفي شخص الكنعانيّة والسّامريّة والقائد الرّومانيّ ومع المجوس أبصرت الشّعوب أنّ الرّب فوق كلّ عرقٍ وجنسٍ ودينٍ وطائفةٍ، وأنّه إله الجميع. وثمّ في شهادات الرّسل والتّلاميذ والآباء الرّسوليّين سطعَ حقّ المسيح، من ناصرة فلسطين وجليله، بيت لحم، وقدسِها، إلى مصر، اليونان فالأندلس وإلى لبنان فسوريا فبلاد الفرس والهند.. ذاعت بُشرى السّلام في دنيا الحروب، وبُشرى المحبّة أمام كراهيّة المغرضين، وأنشودة الإله في ظلال وثنيّة "الآلهة". كانت حضارة المسيح جارفة قويّة كينبوع ماء حيّ يتدفّق من دنيا السّماء، زخِمًا عبر أوهان البشر، تحوّل الضّعف به إلى آنية مجد، واللّقاء إلى عرس حب، والشّك القاتل إلى إيمان يُحيي الرّوح.. فكانت به نَعم حضارة الحياة والإنسان..

حضارة الحاضر الحيّ

مع المسيح صار التّاريخ حاضرًا، لأنّه حقائق الأيّام الّتي ستنجلي في آخر الزّمان، ومعه صار الزّمن مساحةً لعيش الأبديّة، صار فرصةً لإكرام الإنسان، لعيش الرّقاء في المحبّة، وللسّلوك في الحقّ بانفتاحٍ سخيٍّ على الرّحمة.. صار الزّمان ذات قيمة لأنّ أمام الرّب ليس من أمر عابر، بل للّحظة وزنها وللموقف مكانته وللنّظرة جماليّتها ولصراخ القلب صداه.. صار العالم مع ابن العذراء أجمل وأطيب، فقد زال به غموض الأمس المظلم، وبانت على ملامحه مشارفُ السّماء.. وفي صوته تدشّنت الخلائق البريئة، باسم الرّب الإله.. ويا ما أروع خُطاه..

حضارة التّجسّد والبُشرى

عندما تجسّد الكلمة الإلهيّ، أراد أن يتجسّد إلى المنتهى، ولم يكن دربه محصورًا في زاوية (أع 26: 26) بل على الملء في العلانيّة، حتّى شقّ على أبناء الظّلمة أن يبصروا ما أسطع ذلك النّور (يوحنا 3: 19 - 20) وتَمّت النّبوءة أنّ "الْحَجَرُ الَّذِي رَذَلَه الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (متى 21: 42; مرقس 12: 10 ; لوقا 20: 17 ; أع 4: 11 ; أفسس 2: 20 ; 1  بطرس 2: 6) فكان المسيح يبشّر في كلّ مدينة وقرية (لوقا 8: 1) باندفاع الرّوح المٌبهج، يصحبه الإثني عشر رسول (مرقس 16: 20) حتّى واصلوا رسالته كشهود عيان بعد القيامة، ومعهم التّلاميذ الإثنين وسبعين وتلاهم الرّسول المصطفى بولس الطّرسوسيّ مع برنابا الحبيب وقد أخذوا من أعمدة الكنيسة، يعقوب وبطرس ويوحنّا، يمين الشّركة لتبشير الأمم (غلاطية 2: 9) وأتباع آخرين كثيرين يكرزون في كلّ مكان بقوّة الرّوح القدس ويتكلّمون بالمجاهرة ولو تحت تهديدات الموت (أع 4: 31 ; أع 21: 28 أع 8: 40 ; 1 كور 1: 2 ، 4: 17).

حضارة الجماعة الشّاهدة

ترعرعت المسيحيّة بهذه المتانة والقوّة أمام شهود كثيرين جدّا (أع 2: 32; 5: 32; 10: 39; 13: 31; تيم 6، 12) فقيل "لذلِكَ فنَحنُ الَّذينَ يُحيطُ بِهِم هذا الجَمُّ الغَفيرُ مِنَ الشُّهود، فلْنُلْقِ عَنَّا كُل عِبْءٍ وما يُساوِرُنا مِن خَطيئَة ولْنَخُضْ بِثَباتٍ ذلِك الصِّراعَ المَعْروضَ علَينا، مُحَدِّقينَ إِلى مُبدِئِ إِيمانِنا ومُتَمِّمِه، يسوعَ الَّذي تَحَمَّلَ الصَّليبَ مُستَخِفًّا بِالعار، ثُمَّ جَلَسَ عن يَمينِ عَرْشِ الله" (عب 12: 1و2)، شهود عاينوا المسيح عن قرب وعشقوا شخصه وقلبه وفكره وتعاليمه وروحه، شهود قالوا بلسان يوحنّا "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة, لأَنَّ الحَياةَ ظَهَرَت فرَأَينا ونَشهَد ونُبَشِّرُكمِ بِتلكَ الحَياةِ الأَبدِيَّةِ الَّتي كانَت لَدى الآب فتَجلَّت لَنا" (1يو 1، 1-2). انّ اتّباع المسيح كان مليئا بشغف عميق بهذا الّذي ظهر فيه ملء الحياة، ولم يكن الإتّباع سهلا أبدا بل مكلفًا جدّا أمام اضطهادات المُغرضين والأباطرة، والّذين يودّون أن يدوسوا الشّعب ويطمسوا فكره وقلبه وانسانيّته ليتربّعوا فوق كراسي وشرائع المجد البالية..

حضارة المعرفة والممارسة

قال الرّب "تعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31) والمعرفة في الكتاب المقدّس هي معرفة الاعتناق لا مجرّد المعرفة النظريّة، وما أتعس الّذين "ينظرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يفهمون" (متّى 13، 13).. فتقتضي الاستقصاء والتبيّن (لوقا 1، 3) وتمييز الحقائق والأرواح، وهي معرفة الجوهر بعمق لا مجرّد جرد معلومات سطحيّ أو ممارسة عقيمة، حتّى يعلن المسيح ألمًا "الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ و الفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة" و"محبّة الله" (متّى 23، 23، لوقا 11، 42). لقد دعا المسيح الإنسان ليعرف، ليفهم، ليحاسب ذاته قبل أيّ آخر، وقال "أَيُّها المُرائي، أَخْرِجِ الخَشَبَةَ مِن عَينِكَ أَوَّلاً، وعِندَئِذٍ تُبصِرُ فتُخرِجُ القَذى مِن عَينِ أَخيك" (متّى 5، 7)، وقال "مَن كانَ مِنكُم بلا خَطيئة، فليَرمها بِأوّل حَجَر" (يو 8، 7)، ودعا المؤمنين أن يسلكوا في النّور بعد أن كانوا في الظّلمة، وبل أن يكونوا النّور على مثال الله الّذي هو نور ولا ظلمة فيه (1يو 1، 5; أفسس 5، 8;  متّى 5، 16).

وعلى غرار المعلّم، قال رسوله بولس "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (1 تس 5، 21) وأوصى تلميذه الحبيب تيموثاوس قائلاً "الخُرَافَاتُ التَّافِهَة، حِكَايَاتُ العَجَائِز، فَأَعْرِضْ عَنْهَا. وَرَوِّضْ نَفْسَكَ عَلى التَّقْوَى" (1 تيم 4، 7) وإلى أهل أفسس قال "تَجدَّدوا بِتَجَدُّدِ أَذهانِكمُ الرُّوحِيّ فَتَلبَسوا الإِنسانَ الجَديدَ الَّذي خُلِقَ على صُورةِ اللهِ في البِرِّ وقَداسةِ الحَقّ" (أفسس 4: 23 - 24) وكذا الرسول يوحنّا الحبيب قال "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو 4: 1).

المسيح بين التّاريخ وحضرنته

لقد تكسّدت صفحات العهد الجديد بأسماء الأشخاص والأمكنة والسّلطات والتيّارات الدينيّة من حقبة المسيح وما تلاها من عقود قليلة، حاملة لنا لهيب الرّوح في صلب الواقع، صورةً لما دعانا المسيح أن نكونه، أن نحيا في صلب العالم، لكن ليس بروح الظّلم الموجود في العالم (يو 17)، فلا يظنّ ضعيف الإيمان أو ناقصه بأنّنا أتباع وهم غريب أو حلم لطيف أو خيال بديع، نحياه في "الإغتراب" عن العالم وفي الهروب من مسؤوليّات الحياة ومتطلّبات المجتمع البشريّ، بل إنّ الإيمان مع ما به من حقّ وجمال، تطلّب من أتباع المسيح أن يُقتلوا بأبشع الطّرق دونما استسلام..

الثّبات في أحداث الإضطهادات الأولى!

بعد أن صلب المسيح عام 33 م، رُجم الشّمّاس اسطفانس عام 35م حتّى الموت "فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي» ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ" (أعمال 7، 59 - 60) و"َحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ" (أع 8: 1) وثمّ قُتل الرّسول يعقوب بن زبدي بحد السّيف عام 44م بأمر من الملك هيرودس أغريبا (10ق.م – 44م) بن أريستوبولوس، حفيد هيرودس الكبير، وثمّ قتل الرّسول يعقوب البار بن حلفى أسقف أورشليم رجما زمن رئيس الكهنة حنّان بن حنّان، عام 62م، وثمّ صُلب بطرس على غرار الرّب لكن بالمقلوب، وقطع رأس بولس الرّسول والإثنين في روما زمن الامبراطور نيرون عام 67م، وقتلوا رسل وتلاميذ كثيرين (يوسيفوس فلافيوس أقدميّات 20، 9; التاريخ الكنسي أوسابيوس كتب 2 – 4، أيريناوس اللّيوني ضد البدع 3) واضطُهدوا المسيحيّين شرّ اضطهاد في بافوس وفي أنطاكيّة بيسيدية وفي إيقونية ولسترة وتسالونيكي (أع 13: 6، 14، 50; 1 نيم 3، 11; 1تس 1: 4) وقبلوا الآلام محبّة بالرّب وإيمانًا بالقيامة.

قوّة الحياة وانتصار القيامة!

لم تكن الرّسالة السّامية سهلة، ولكنّ روح المسيح قوّى الأحبّة ليسلكوا فيها بقوّة وصبر، وكان المسيح قد زوّد أتباعه بالفهم والحكمة والإيمان والرّوح القدس، وقال بصريح العبارة "إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ" (متى 13: 21; مرقس 4: 17; مرقس 10: 30; يوحنا 15: 20( وبل قال " طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (متّى 5، 11-12) ومن هنا تبع بولس الرّسول معلّمه وربّه قائلا لجماعة المؤمنين في كورنتس "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (كور 12: 10) ولجماعة المؤمنين في روما قال " مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟.. فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا" (روما 8: 35 – 37) ولجماعة المؤمنين في تسالونيكي قال "حَتَّى إِنَّنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُونَهَا"(2 تس 1: 4)

في كلّ شيء أحبب وبارك وصلّ وافعل الخير!

يضيق بي المقال أن أذكر ما تلا هذه الحقبة من إضطهادات مُرّة لاحقة لم تهدأ إلاّ بعد مرسوم ميلانو الّذي أذِن للمسيحيّين بتأدية عبادتهم بأمان، عام 313م، ورغم هذه كلّها حافظ المسيحيّون طوال حقبة الظّلم هذه بقوّة على إيمانهم بإنجيل الرّحمة والمحبّة والحياة، كيف لا وقد أوصاهم المسيح " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ" (لوقا 6: 28 + 35; متى 5: 44)، وأعاد بولس تعليم معلّمه يسوع قائلا: "انْظُرُوا أَنْ لاَ يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ، بَلْ كُلَّ حِينٍ اتَّبِعُوا الْخَيْرَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ" (تس 5: 15) وللمؤمنين في غلاطية قال "فَإِذًا حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ" (غل 6: 10).

قم وأقم أختك وأخيك!

لقد نشر المسيح الرّب عبق المحبّة في الخليقة، وعلّمنا أنّ في محبّتنا للإنسان إنّما نكرم الخالق ذاته، وفي محبّتنا للطّبيعة إنّما نكرم مبدعها، علّمنا أنّ الانتصار هو للمحبّة وأنّ الإنسان ليس رقمًا مجرّدًا إنّما مخلوقٌ على صورة الله، له كرامةٌ من الله، قيمةٌ ودورٌ ورسالةٌ، ومن حقّه وواجبه أن يكون الملح الّذي يملّح المجتمع بنكهة خاصّة والنّور الّذي ينير الظّلمات بقوّة إيمانه وباستنفاذه لمواهبه، وأنّ خلاصه ودينونته مرتبطة بعمق في مسلكه الإنسانيّ، فنصّ الدّينونة الأخيرة لا يقبل من يرى عطشانًا ولا يسقيه، جائعًا ولا يطعمه، عريانًا ولا يكسيه، مريضًا ولا يزوره، مسجونًا ولا يُقبل إليه (متّى 25، 31 - 46) وبل يرذل الكاهن واللاّوي المتديّن الّذي لا ينظر للمحتاج برحمةٍ، ويقبل السّامريّ الرّحيم الّذي هو من جماعة أخرى ودين آخر وفي قلبه ضميرٌ ورحمةٌ (لوقا 10، 30 – 37).

حبّذا لو نستردّ جميعنا، دورنا الإنسانيّ في مجتمعنا العربيّ الواحد وفي المجتمع المدنيّ ككل، فنقيم الإنسان بشموليّته، روحًا وجسدًا وعقلاً، متصالحين بالمحبّة، متعاضدين بالرّحمة، متشاركين بالفكر والحكمة، فتقوم فينا ومعنا الحضارة وتزدهر، ويتألّق جمال الله في دنيا البشر، ومع جميعكم سلام الله ومنه البركة والتّوفيق. 

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء