عيد عماد يسوع في ضوء إنجيل متى

عيد عماد يسوع في ضوء إنجيل متى

الأب د. لويس حزبون
2017/01/07

تحتفل الكنيسة اليوم بعيد عماد الرب يسوع الذي دعي بعيد الظهور الإلهي او "الدنح". وعُرف أيضًا باسم "الغطاس" إشارة إلى عماد المسيح في نهر الأردن بالتغطيس، ويقدّم انجيل متى عماد الرب يسوع في بدء رسالته العلنية كي يكشف عن هويته أنه المسيح، ابن الله الحي المرسل الى العالم ليخلصه؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أولا وقائع النص الانجيلي (متى 3: 13-17)

13 في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِداً يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه"

تشير عبارة "في ذلِكَ الوَقْت" الى بدء رسالة يسوع العلنية حوالي سنة 27، وكـــان عمره تقــــريبا 30 سنة (لوقا 3: 23)، وقد قضى حياته السابقة في الناصرة (متى 2: 23)؛ اما عبارة " ظَهَرَ" فتشير إلى ظهور يسوع في الساحة العلنية كما بشّر به يوحنا المعمدان. لذا لا يركز إنجيل متـــى الاهتمام بمعموديـــــة يسوع بقدر ما يركّز على الوحي السماوي الذي تبعها (متى 3: 16-17)؛ اما عبارة "الأُردُنّ" فهو اسم عبري הַיַּרְדֵּן ومعناه "المنحدر" لان مجرى الماء يجري في انخفاض ليصب في البحر الميت الذي يُعرف أنه أخفض نقطة على سطح الكرة الأرضية، حيث بلغ عمقه حوالي 400 متر تحت مستوى سطح البحر. ويبلغ طول نهر الأردن نحو 251 كم وطول سهله نحو 360كم. ويصب فيه ثلاثة روافد من الشمال، وهي بانياس من سوريا ودان وحاصباني من لبنان وبحيرة طبرية، ومن الشرق نهر اليرموك ونهر الزرقاء ووادي كفرنجة وعين جالوت، ويفصل نهر الاردن بين فلسطين التاريخية والأردن؛ أما عبارة "لِيَعتَمِدَ" فتشير الى الفعل اليوناني (βαπτίζω) ومعناه غطَّس وغسل. وبالتالي تعمّد يسوع بالتغطيس، ويمثل التغطيس موت المسيح ودفنه، والخروج من الماء يرمز الى الخروج من القبر وبالتالي الى القيامة، واما رمزية الماء فهو علامة تطهير او حياة. فمعمودية يوحنا المعمدان تختلف عن الحمام الطقسي اليهودي اليومي ً حيث يُغطس الشخص نفسه في الماء للتعبير عن الجهد في سبيل حياة طاهرة كما كانت تفعل جماعة الاسّينيين في قمران، اما معمودية يوحنا فهي معروضة على الشعب اليهودي بأسره، لا على الخطأة والمهتدين وحدهم، أنه عماد من أجل التوبة وغفران الخطايا (مرقس 1: 4)؛ وهو عماد ماء ويُعدُّ للعماد الموعود بالمسيح في الروح والنار كما اعلن يوحنا المعمدان "أَنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار"(متى 3: 11). وتعمّد يسوع أذ وقف يسوع على شاطئ نهر الأردن مع الخطأة تضامنا معهم وصار خطيئة أي ذبيحة عن الخطيئة كما جاء في تعليم بولس الرسول "ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله" (2 قورنتس 5: 21)، وصار لعنة لأجلنا كما ورد في الكتاب المقدس " إِنَّ المسيحَ افتَدانا مِن لَعنَةِ الشَّريعة إِذ صارَ لَعنَةً لأَجْلِنا،"(غلاطية 3: 13). دخل يسوع في مسيرة التوبة التي سار فيها شعبه. ولكن يبقى السؤال مطروحا: أترى يسوع خاطئاً؟ (يوحنا 8: 46) لهذا جاءت الكلمة النبوية: هذا الآتي ليعتمد هو ابن الله الذي نال رضى الآب (متى 3: 17).

14 فجَعلَ يُوحنَّا يُمانِعُه فيَقول: أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَ أَنتَ تَأتي إِليَّ؟"

تشير عبارة " يُمانِعُه " الى رفض يوحنا المعمدان ودهشته وتردده بل مفاجأته بيسوع الذي يقف امامه ليعتمد على يده، خاصة ان يوحنا المعمدان كان قد أعلن انَّ معمــودية الــرب يسوع ستكون أعظم مـــن معموديته "أَنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار"(متى 3: 11). كل ذلك يدلُ على سمو معمودية يسوع وتفوقها؛ اما عبارة " أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَ أَنتَ تَأتي إِليَّ؟" فتشير إلى تفوق يسوع وتواضع يوحنا المعمدان كما في كرازة يوحنا "إِنِّي لَستُ المَسيح، بل مُرسَلٌ قُدَّامَه" (يوحنا 3: 28). لقد بحت يوحنّا ويسوع عن إرادة الله، وكانا طيّعين حتى في الظروف التي بدت فيها غريبة وغير مقنعة، منقلبة رأساً على عقب: " أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَ أَنتَ تَأتي إِليَّ؟"

15 فأَجابَه يسوع: دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ. فَتَركَه وما أَراد"

تشير عبارة "دَعْني الآنَ وما أُريد" الى الحاح يسوع في العماد للدلالة على بداية خدمته العلنية كالمسيح الآتي؛ أما عبارة "بِرّ" فتشير في انجيل متى الى الأمانة الجديدة والجذرية في السلوك والعمل بمشيئة الله وشريعته مما يتوافق مع إرادة الله كما جاء في تعليم السيد المسيح "كونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل" (متى 5: 48) ؛ ولا يصل الانسان الى الكمال الاّ بالمسيح كما جاء في تعليم بولس الرسول " بِه نُبَشِّرُ فنَعِظُ كُلَّ إِنسان ونُعلِّمُ كُلَّ إِنسانٍ بكُلِّ حِكمَة لِنَجعَلَ كُلَّ إِنسانٍ كامِلاً في المسيح" (قولسي 1: 28)؛ وعليه فان يسوع تعمَّد ليتمّ كلَّ برٍ أي ليتمم مشيئة الله، "طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون"(متى 5: 6). وبناء عليه يخضع كل من يوحنا المعمدان ويسوع معاّ لمخطط الله، سواء في تضامن يسوع مع الخاطئين ليخلّصهم، وفي رفضه العلني للحلـــــم اليهودي بمسيح ظـــــافرٍ سياسي كما تبيّن من تجاربه مع الشيطان وقهــــره لــــه (متى 4: 1-11)، واعماله التي حققت نبوءات اشعيا "ِذهبوا، العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون"(متى11: 5)؛ فالمعمودية أكَّد ت بشكل علني مجيء يسوع وبداية رسالته لخلاص البشر كما جاء في تصريح يوحنا المعمدان "وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل" (يوحنا 1: 31).

16 واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه".

تشير عبارة "اعتَمَدَ يسوع" الى انـــه غطس في الماء. هذا ما يدل على موته وعلى تقدمة ذاته، ومن أجل الطاعة قام يوحنا بعماد المسيح. واستحقَّ أن يـــــــرى الروح القدس بهيئة حمامـــة وأن يسمع صوت الآب قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الّذي عنه رضيت» (متى 3، 16-17). هكذا تمتَّع يوحنا بالثالوث القدّوس روحاً وحسَّاً، بل إنَّ الله أرشده إلى السيد المسيح قبل العماد، وفي هذا يقول القديس يوحنا المعمدان: «رأيتُ الروح ينزل من السماء كأنَّه حمامة فيستقرُّ عليه، وأنا لم أكن أعرفه، ولكن الّذي أرسلني أعمِّد في الماء هو قال لي: إنَّ الّذي ترى الروح ينزل فيستقرُّ عليه هو ذاك الّذي يعمِّد في الروح القدس. وأنا رأيتُ وشهدتُ أنّه هو ابن الله» (يوحنا 1: 32-34)؛ اما عبارة " خَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء" فتشير الى فعل يوناني ἀναβαίνω أي صعد، إذاً هو كان نازلاً في الماء فنستنتج ان معمودية يسوع كانت بالتغطيس؛ فالماء الذي يرمز الى الموت، صار بقوة الروح يرمز الى الحياة (تكوين 1: 3) والى الخليقة الجديدة؛ صعدَ الرّب يسوع من المياه، ويعلق القدّيس غريغوريوس النزيانزيّ “صعدَ الرّب يسوع من المياه، جاذِبًا معه العالم كلّه"؛ اما عبارة “انفتَحَت" فتشير الى السماوات التي كانت مغلقة، فانفتحت وانشقت كقطعة قماش كما جاء في نبوءة أشعيا "لَيتَكَ تَشُقَّ السَّمواتِ وتَنزِل" (اشعيا 63: 19)، أما عبارة "رأَى" فتشير الى رؤية نزول الروح القدس على يسوع مما يدل على انه المرسل المخلص الموعود كما ننبأ اشعيا "يَحِلُّ علَيه روحُ الرَّبّ "(اشعيا 11: 2) وقد حلّ الروح القدس على يسوع، لا لينقّيه من الخطيئة فهو بلا خطيئة، بل ليقوّيه في عمله ( قضاة 3: 10)؛ ٌ اما عبارة "حَمامةٌ" فتشير الى الصورة التي ظهر بها الروح وهي تدل هنا على خلق العالم الجديد الذي تمّ في معمودية يسوع، وذلك يذكرنا ما ورد في سفر التكوين "وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِية وعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه " (تكوين 1: 2)، الحمامة هي بمثابة الروح الذي حلّ على المياه في بدء الخليقة الأولى، وهو يحلّ الآن على ماء الاردنّ لتخرج الخليقة الثانية، وهم ابناء الله، وتدل الحمامة أيضا على الحمامة الموجودة في سفينة نوح التي تحمل غصن السلام وتدل على الحياة (التكوين 8: 8-12)؛ وهناك من اعتبر الحمامة تمثِّل شعب الله، او تشير الــى محبــة الله كما جاء في النشيد الأناشيد " يا حَمَامَتـي، أَسمِعيني صَوتَكِ فإِنَّ صَوتَكِ لَطيفٌ ومُحيَاكِ جَميل" (نشيد الأناشيد 2: 14 )، وأخيرا تشير الحمامة الى الرب الذي يَشبه طيراً يغمر فراخه كي يحميها "كالعُقابِ الَّذي يُثيرُ عُشَّه وعلى فِراخِه يُرَفرِف" (تثنية الاشتراع 32: 11). وبكلمة وجيزة، الحمامة رمز السلام والطهارة والوداعة والبراءة والبساطة وهذه ثمار يعطيها الروح لمن يحلُّ عليه.

17 وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت"

تشير عبارة "صوت الآب" الى قول نبوي مقتبس من نص سفر صموئيل (2 صموئيل 7: 14)، وتدل على أنّ يسوع الذي يضع نفسه في عداد الخاطئين هو ابن الله في الواقع؛ أما عبارة " هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ" فتشير الى موضع عزة الله الخاص كما جـــــاء فــــي سفــــر المزامير " أَنتَ اْبني وأَنا اليَومَ وَلَدتُك" (مزمور 2: 7)؛ أما عبارة "رَضِيت" فهي مقتبسة من النشيد الأول للعبد المتألم في سفر اشعيا "هُوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي قد جَعَلتُ روحي علَيه فهو يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم" (اشعيا 42: 1)، وتشير العبارة أيضا الى الرضى الاختياري للقيام برسالة وكَّلها الله ليسوع. فالعبارتان “انت ابني" وعبارة "الحبيب الذي عنه رضيت " صورتان نبويتان "صورة ابن الملك داود وصورة العبد. فقد قدّم متى الإنجيلي يسوع في صورة الملك الذي على مثال داود وصورة عبد الله المتألم كما تحدث عنه النبي أشعيا. قد ورد هنا أقانيم الثالوث الاقدس في هذه اللحظات المقدسة إما منظورة للعيون او مسموعة للآذان البشرية: الله الاب يتكلم، الله الابن يُعمَّد في الماء، الله الروح القدس بشكل حمامة يحلُّ على الابن على انه المخلص الموعود به كما جاء في نبوءة اشعيا "يَحِلُّ علَيه روحُ الرَّبّ "(اشعيا 11: 2)، كان يسوع مع الروح القدس منذ الازل، إنمـــــــا جاء الـــــــروح الآن ليجهّزه لخدمتـــــه العلنية. منذ بــــــداية حياته العلنية، أعلن الآب ان يسوع هو ابنه وحبيبه وموضوع مسرّته (مرقس 1: 11). وهذا الإعلان لا يعني ان يسوع قد أدرك لأول مرة علاقته الفردية بالآب، فقد كان مدركا بهذه العلاقة منذ الطفولة كما جاء في جوابه الى مريم ويوسف "أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟") (لوقا 2: 49). ونفس الإعلان نطق به الآب وقت التجلي " وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم، وإِذا صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يقول: ((هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا" (متى 17: 5). ويعلق العلاّمة أوغسطينوس “هنا أمامنا الثالوث متمايزًا، الواحد عن الآخر: الآب في الصوت، الابن في الإنسان، والروح القدس في شكل حمامة. إنهم الله الواحد، ومع ذلك فإن الابن غير الآب، والآب غير الإبن، والروح القدس ليس بالآب ولا بالابن ". الله واحد، ولكنه في نفس الوقت ثلاثة أقانيم. ويذكر الكتاب المقدس الأقانيم الثلاثة معا عدة مرات، قبل صعوده الى السماء قال يسوع لتلاميذه "اذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس" (متى 28: 19) وقال أيضا الى تلاميذه "مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّـــذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 15: 27).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 3: 13-17)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 3: 13-17)، نستنتج انه يتمحور حول كشف هوية يسوع أثناء عماد ه على يد يوحنا المعمدان؛ ومن هذا الإطار يمكننا ان نطرح سؤالين: ما هي ميزة عماد يسوع على يد يوحنا المعمدان؟ ولماذا تعمَّد يسوع؟

1) ما هي ميزة معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان؟

تميّز عماد يسوع عن عماد كل الناس، اذ اظهرمعموديته ان يسوع كانت لــــه علاقة فريدة مع الله، إذ تكلل العماد بانفتاح السماوات، وبحلول الروح القدس وإعلان الاب السماوي لبنوة يسوع الإلهية.

ا) الميزة الأولى: انفتاح السماوات

السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت" (متى 3: 16 أ)، وهي رؤية مأخوذة من النبي حزقيال " وكانَ مَنظر هذا الضِّياءَ مِن حَوله مِثلَ مَنظَرِ قوسِ الغَمام في يَوم مَطَر. هذا مَنظر يُشبِهُ مَجدَ الرَّبَّ. فَنَظَرتُ وسَقَطتُ على وَجْهي وسَمِعتُ صَوتَ مُتَكَلِّم" (حزقيال 1: 28). "انفتحت" فإنه يعني بذلك ان هنالك علامة علـــــى انه بالإمكان رؤية الأمور السماوية كما صرّح يوما يسوع لليهود" فإِذا كُنتُم لا تُؤمِنونَ عِندَما أُكَلِّمُكم في أُمورِ الأَرْض فكَيفَ تُؤمِنونَ إِذا كلَّمتُكُم في أُمورِ السَّماء؟" (يوحنا 3: 12-) 13)، ويعلق القدّيس غريغوريوس النزيانزيّ "أنفتحت السماوات التي سبق أن أقفَلَها آدم على نفسِه وعلى خاصَّتِه، هذا الفردوس الذي بدا وكأنّه مُقفَل "بشُعلَةِ سَيْفٍ متقلِّبٍ" (التكوين 3: 24).

"انفتَحَت" السماوات للكشف عن وحي سماوي وهو تدخّل الله لتحقيق مواعده بإرسال الروح القدس ونزول ابنه يسوع على الأرض. في يسوع اقتربت السماء من الأرض كما شهد اسطفانس "ها إِنِّي أَرى السَّمواتِ مُتَفَتِّحَة، وابنَ الإِنسانِ قائِمًا عن يَمين الله" (اعمال الرسل 7: 56)، وبيسوع وصل صوت الله الى البشر كما جاء في نبوءة أشعيا " لَيتَكَ تَشُقَّ السَّمواتِ وتَنزِل فتَسيلُ الجِبالُ مِن وَجهِكَ" (اشعيا 63: 19)؛

انفتحت السماوات عند عماد السيد المسيح، إنما تحقق ذلك لأجلنا، فصارت أبوابها مفتوحة أمامنا، مفتاحها في يدّي يسوع المسيح عريسنا ورأسنا، بل صارت حياتنا الداخلية ذاتها سماوات مفتوحة يسكنها رب السماء! وكما يقول القديس كيرلس أسقف الاسكندرية: "انفتحت السماوات فاقتربَ الإنسان من الملائكة المقدسين".

ب) المميزة الثانية حلول الروح القدس

"رأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه" (متى 3: 16 ب)، فالحمامة كانت ظاهرة للعيان وليست مجرد تشبيه شعري وهذا ما يؤكده لوقا الانجيلي بإضافة عبارة "في صورةِ جِسْمٍ " (لوقا 3: 22). وهذا الصورة تذكّر بما جاء في سفر التكوين "ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ (كطائر) على وَجهِ المِياه" (1: 2). ها هو يرف على مياه الأردن ليقيم منا نحن الأموات جسدًا حيًا مقدسًا للرأس القدوس النازل في مياه الأردن. إنه الروح الإلهي الذي يُشكل الشعب الجديد خلال الخروج الجديد! إن المسيح قَبِلَ الروح، وذلك كإنسان كـــي يمنح الخلاص للبشري كما جاء في عظة بطرس الرسول " كَيفَ أَنَّ اللهَ مَسَحَه بِالرُّوحِ القُدُسِ والقُدرَة، فمَضى مِن مَكانٍ إِلى آخَر يَعمَلُ الخيرَ ويُبرِئُ جَميعَ الَّذينَ استَولى علَيهم إِبليس" (اعمال الرسل 10: 38)؛ ومن حيث إنه إنسان أخذ يسوع في ذاته الطبيعة الانسانية كلها ليصلحها كلها ويُعيدها الى كمالها. ولهذا يهب الآب روحه مجدّدا للابن، لنحصل نحن به على الروح القدس.

وعليه فــــــــإن حلـــــول الــــــروح القدس علــــى المسيح كان لتكريسه وإعــــداد جسده لتقديمه ذبيحة، ويقول القديس كيرلس: "حلّ أولاً على المسيح الذي قَبِلَ الروح القدس لا من أجل نفسه، بل من أجلنا نحن البشر، لأننا به وفيه ننال "نعمة على نعمة" (يوحنا 1: 16). فحلول الروح القدس على يسوع هو علامة تنصيب يسوع تتميماً لما جاء في نبوء ة اشعيا " يَحِلُّ علَيه روحُ الرَّبّ روحُ الحِكمَةِ والفَهْم روح المَشورَةِ والقُوَّة روحُ المعرفةِ وتَقوى الرَّبّ " (اشعيا 11: 2)، وهو في الوقت نفسه إعلان بالعنصرة، التي تدشّن تأسيس العماد بالروح امام الكنيسة كما جاء في اعمال الرسل "ِأَنَّ يوحَنَّا قد عَمَّدَ بِالماء، وأَمَّا أَنتُم ففي الرُّوحِ القُدُسِ تُعَمَّدونَ بَعدَ أَيَّامٍ غَيرِ كثيرة" (اعمال الرسل 1: 5) ولكل الذين يدخلون فيها (أفسس 5: 25-32).

وحلول الروح القدس على يسوع هو شهادة على انه ابن الله، ويعلق القدّيس غريغوريوس النزيانزيّ "لقد شَهِدَ الروح على ألوهيّة المسيح"؛ وهنا نجد أقانيم الثالوث الاقدس في هذه اللحظات المقدسة، والثالوث معناه ان الله ثلاثة أقانيم، ولكنه واحد في الجوهر. فالله واحــــــد فـــــــي طبيعتــــــــــــه، ولكنــــــــه فــــــــــي نــــــفس الـــــــــوقت ثلاثــــــــة أقانيـم: فالله الاب تكلم، والله الابن اعتمد، ونزل الله الروح القدس على يسوع.

وقد ظهر الثالوث الاقدس في عماد السيد المسيح ظهورا متمايزًا، لكنه غير منفصل: الابن المتجسد خارجا من المياه لكي يهبنا الخروج من خطايانا لندخل به وفيه إلى شركة مجده، والروح القدس نازلاً على شكل حمامة ليقيم كنيسة المسيح، وصوت الآب صادرًا من السماء مُعلنا بنوتنا له في ابنه، ويقيم منا حجارة روحية لبناء الكنيسة الأبدية. لكن يجب تأكيد ما قاله القديس أوغسطينوس: "هذا ما نتمسك به بحق وبغيرة شديدة، وهو أن الآب والابن والروح القدس ثالوث غير قابل للانفصال، إله واحد لا ثلاثة."

وأخيرا، حل الروح القدس على يسوع لتقديسنا؛ المسيح لم يكن محتاجاً للمعمودية، لكن المعمودية هي التي كانت محتاجة للمسيح لكي يقدَّس الماء لنعتمد نحن بالماء والروح. ففي المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه فنصبح مستعدين لحلول الروح القدس فينا. وكان قبول المسيح للمعمودية هو قبول للموت. ونحن نموت معه في المعمودية ليدخلنا معه بقيامته للأمجاد السماوية.

ج) المميزة الثالثة: اعلان الآب السماوي لبنوَّة يسوع الإلهية

سُمع صوت الآب يشهد لابنه. "إِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متى 3: 17)؛ منذ بداية الحياة العلنية، أعلن ألآب ان يسوع هو ابنه الحبيب وموضوع مسرته: "أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت". تذكّر كلمة الحبيب بذبيحة إسحاق " خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ " (التكوين 22: 2).

في العهد القديم سمع الصوت الإلهي خلال النبوة " هُوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي قد جَعَلتُ روحي علَيه فهو يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم." (اشعيا 42: 1). والآن جاء الصوت عينه من السماء ليؤكد أن يسوع هو كلمة الله، الابن الوحيد الذي صار خادماً لتحقيق رسالة الخلاص كما جاء في تعليم بولس الرسول "فلَمَّا ظَهَرَ لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنا ومَحَبَّتُه لِلبَشَر، لم يَنظُرْ إِلى أَعمالِ بِرٍّ عمِلْناها نَحنُ، بل على قَدْرِ رَحَمَتِه خَلَّصَنا بِغُسْلِ الميلادِ الثَّاني والتَّجديدِ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أَفاضَه علَينا وافِرًا بِيَسوعَ المسيحِ مُخَلِّصِنا" (طيطس 3: 4-6).

جاء هذا الصوت من أجلنا نحن حتى ندرك أننا فيه ننعم بسرور الآب السماوي ونُحسب أبناء له بالتبني من خلال مياه المعمودية وعمل روحه القدوس ونصبح خليقة جديدة. في هذا يقول القديس كيرلس: "المسيح هو حقًا ابن الله الوحيد، وإذ صار شبيهاً لنا أُعلنت بنوته لا من أجل نفسه، لأنه كان ولا يزال وسيبقى الابن، لكن هذه البنوة أُعلنت من أجلنا نحن البشر الذين صرنا أبناء الله، لأن المسيح بكرنا وسندنا. إذ ورد: "فإِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد. قد زالتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أشياءُ جَديدة" (2 قورنتس 5: 17).

وقد سُمع صوت ألاب ايضا يوم التجلي "ظَهَرَ غَمامٌ قد ظَلَّلَهم، وانطَلَقَ صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يَقول: هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيب، فلَهُ اسمَعوا" (مرقس 9: 7)، وسُمــــع ايضا صوت الآب يشهد امـــــــام اليونانيين الذين جــاءوا يروا يسوع "فانطَلَقَ صَوتٌ مِنَ السَّماءِ يَقول: قَد مَجَّدتُه وسَأُمَجِّدُه أَيضًا" (يوحنا 12: 28). وهذه الكلمات تذكرنا بما جاء في المزمور"أَنتَ اْبني وأَنا اليَومَ وَلَدتُكَ" (مزمور 2: 7).

بالرغم من أننا نجد هنا اعلانا صريحا للثالوث الاقدس الا ان التركيز النهائي على الابن، فمع ان الله ثالوث فإن اول لقاء للإنسان معه يجب دائما في المسيح كما صرّح هو نفسه " لأَنَّكُم، بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً"(يوحنا 1يوحنا 15:5). لا توجد "حياة" روحية ممكنة خارج المسيح: خُلق الانسان ليعيش في "المسيح" ابن الله الحي، كما شهد القديس بولس الرسول بقوله "الحَياةُ عِندي هي المسيح" (فيلبي 1: 21). فإعلان يسوع ابن الله، يجعلنا ان نشترك في بنوته نتيجة لهبات الروح القدس كما جاء في تعليم بولس الرسول "والدَّليلُ على كَونِكُم أَبناء أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوحَ الَّذي يُنادي: ((أَبَّا))، ((يا أَبتِ))" (غلاطية 4: 6). فالمؤمن الذي يقبل العماد باسم الثالوث الاقدس يصير هيكلا للروح القدس كما جاء في تعليم بولس الرسول "أوَما تَعلَمونَ أَنَّ أَجسادَكُم هي هَيكَلُ الرُّوحِ القُدُس، وهو فيكُم قد نِلتُمُوه مِنَ الله، وأَنَّكُم لَستُم لأَنفُسِكُم؟"(1 قورنتس 6: 19) ويصبح المعمَّد ابناً بالتبني للاب، " الدَّليلُ على كَونِكُم أَبناء أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوحَ الَّذي يُنادي: أَبَّا، يا أَبتِ" (غلاطية 4: 6) واخا وارث مع المسيح فيشاطره مجده ِ " فلَستَ بَعدُ عَبْدًا بلِ ابنٌ ، وإِذا كُنتَ ابنًا فأَنتَ وارِثٌ بِفَضْلِ اللّه."( غلاطية 4: 7) .

2) لماذا تعمَّد يسوع على يد يوحنا؟

يتساءل القديس كيرلس أسقف الاسكندرية: "هل كان المسيح في حاجة إلى العماد المقدس؟ وأية فائدة تعود عليه من ممارسة هذه الفريضة؟ فالمسيح كلمة الله، قدوس كما يصفه النبي أشعيا في مختلف التسابيح "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس، رَبُّ القُوَّات، الأَرضُ كُلُّها مَمْلوءَةٌ مِن مَجدِه" (أشعيا 6: 3). لم يكن يسوع خاطئاً كي يعتمد؛ فقد ورد: "إنَّه لم يَرتكِبْ خَطيئَةً ولَم يُوجَدْ في فَمِه غِشّ" (1 بطرس 2: 22)، "قُدُّوسٌ بَريءٌ نَقِيٌّ ومُنفَصلٌ عنِ الخاطئين، جُعِلَ أَعْلى مِنَ السَّمَوات" (عبرانيين 7: 26). والكنيسة الاولى بقيت راسخة غير متزعزعة في إيمانها بعصمته المطلقة عن الخطيئة؛ انما تعمّد يسوع لثلاث غايات:

(أ) اعتمد "كي نُتِمَّ كُلَّ بِر:" (متى 3: 15):

أعتمد يسوع ليتمَّ كل بِرٍّ تتميماً لما تنبَّأ به اشعيا الني " أَنا الرَّبَّ دَعَوتُكَ في البِرّ وأَخَذتُ بِيَدِكَ وجَبَلتُكَ وجَعَلتُكَ عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم لِكَي تَفتَحَ العُيونَ العَمْياء وتُخرِجَ الأَسيرَ مِنَ السِّجْن والجالِسينَ في الظُّلمَةِ مِن بَيتِ الحَبْس" (اشعيا 42: 6-7). واما بولس الرسول عبَّر عن هذا بقوله " ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله " (2 قورنتس 5: 21).

والبِرُّ في أسلوب يسوع معناه القداسة والتقوى القائمة في ممارسة الشريعة، وبالتالي طاعة روحية وأمانة لوصايا الله وإرادته الإلهية بعيدا عن المفهوم الحرفي الضيّق للوصايا. والمسيح اتمَّ الديانة المبنية على الشريعة، واتم بأمانة إرادة الله. والبِرُّ بمفهوم متى الانجيلي يدل على الامانة الشخصية في العمل بمشيئة الله. ومشيئة الله في يسوع هي التضامن مع الخاطئين ليخلصهم، لا ليدينهم بل ليبشرهم بالسلام والخير ويُبرئ جميع الذين استولى عليهم ابليس ويجعلهم خليقة جديدة. فكانت معمودية يسوع خطوة لا بد من أخذها حتى يتمم مشيئة الله.

وسلك يسوع بمعموديته على يد يوحنا طريق التواضع، وهو كمال كلِّ برٍ. وان مبادرة تواضع يسوع في اعتماده على يد يوحنا مكَّنته من الحصول على تنصيبه مسيحا. ويعلق القديس أوغسطينوس "جاء يسوع واعتمد على يد يوحنا، الرب بواسطة العبد، مثالًا للتواضع. أظهر لنا في تواضع أن المحبّة قد كملت".

وهذ المعمودية رمز الى المعمودية العظمى التي كان على المسيح ان يجتازها على الجلجلة حيث كان مزمعا ان يتمم إرادة الله ومخططه في ارساله الى العالم كي يأخذ مكان الخاطئ ويُحيه ويكون عهداً للشعب ونوراً للأمم. وهذه المعمودية العظمى يدعوها انجيل متى "الموت والقيامة" إذ قال يسوع ليوحنا ويعقوب ابني زبدى"إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تسأَلان: أَتستطيعانِ أَن تَشرَبا الكأَسَ الَّتي سَأَشرَبُها؟ " (متى 20: 22).

وبقبوله معمودية يوحنا أعلن يسوع أنه يقبل مهمته أي موته، وأنه يطيع حتى الموت موت الصليب. فالمعمودية هي مثال لسر موته وقيامته. وعُمَّاده في نهر الاردن كان بمثابة اعلان التزامه في تقديم رسالة الخلاص لكل الناس. وقد اوصى يسوع تلاميذه بان يتذكروا رسالة الخلاص الذي قدّمها على الصليب في كل قداس يقيمونه في العالم بقوله لهم " هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري " (1 قورنتس 11: 25).

وقد أسَّس المسيح سر المعمودية الذي به يُكمل كل بر للإنسان، فصار هناك وسيلة يتبرر بها الإنسان الذي كان قد حُكِمَ عليه بالموت بسبب الخطيئة. فبموتنا مع المسيح وقيامتنا مع المسيح نتبرر. والتبرير يشتمل على غفران الخطيئة، وذلك يتمُّ من خلال موتنا مع المسيح من ناحية، واتحادنا مع المسيح من ناحية أخرى.

(ب) اعتمد يسوع كي يتضامن مع الخطأ

مع ان يسوع لم يحتاج الى توبة ولم تكن لديه خطايا ليعترف بها، لأنه لم يخطئ قط، فقد أخذ يسوع بخضوعه للمعمودية مكان الخاطئ، اعترف بخطيئة الشعب مثلما فعل وموسى ودانيال ونحميا وعزرا. وبناء على ذلك تعمّد يسوع ليتضامن مع الخاطئين، فوحّد نفسه مع عامة الشعب كما تنبأ عنه اشعيا "أُحصِيَ مع العُصاة وهو حَمَلَ خَطايا الكثيرين وشَفَعَ في مَعاصيهم" (اشعيا 53: 12). فقد جعل نفسه واحداً معنا في بشريتنا وحمل على نفسه خطايانا. واعتمد يسوع ليرى العالم فيه المسيح المرسل الذي يتضامن مع الخاطئين وعامة الشعب. فالمسيح أسس سر المعمودية، فكل معمد بعد ذلك حين نزوله للماء وصعوده منه يموت مع المسيح ويقوم معه.

وشهد صوت الآب ان يسوع الذي يضع نفسه في عداد الخاطئين هو ابن الله في الواقع. "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متى 3: 17). يجمع متى الانجيلي في يسوع ابن الله وابن الانسان الذي اختاره الله للقيام برسالة الخلاص. وقد تمّ هذه الاعلان ايضا وقت التجلي (متى 17: 5). عماد يسوع هو مثال لعمادنا. أُعلن أنه ابن الله في عماده. ونحن، في قبولنا العماد نصبح حقا أبناء الله وخليقة جديدة. فلا يمكن لأي إنسان ان يعُمّد ذاته، كما أن لا أحد يلد ذاته للوجود، بل يجب قبوله بالدخول في المعمودية.

تعمّد يسوع ليقدّس ينابيع المياه ولكي تكون المعمودية التي أمر بها المدخل الى ملكوته والشرط للالتحاق بكنيسته إذ قال: "ما مِن أَحَدٍ يُمكِنَه أَن يَدخُلَ مَلَكوتَ الله إِلاَّ إِذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح (يوحنا 3: 5). يقول القديس كيرلس أسقف الاسكندرية: "لم يُعَّمد يسوع ليُطهر، وإنما ليطهِّر الماء، فإذ نزل إليها المسيح الذي لم يعرف أية خطيئة صار له سلطان على التطهير، وبذلك فإن كل من يدفن في جرن المسيح يترك فيه خطاياه". وعليه يصرح القديس بروقلوس، أسقف القسطنطينية: "مياه المعمودية، بقوة يسوع من تعمّد فيها، تُعيد الحياة الى الموتى". كقول الرسول بولس: فدُفِنَّا مَعَه في مَوتِه بِالمَعمُودِيَّةِ لِنَحْيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة" (رومة 6: 4). وفي هذا الصدد جاء قول العلامة ترتليانوس: "يا لقدرة نعمة المياه في نظر الله ومسيحه لتثبيت المعمودية! لن تجد المسيح بدون المياه!".

تعمَّد يسوع ليُقدِّم لنا مثالا لنتبعه، كما يشهد بولس الرسول: "فقد ظهرت نعمةُ الله، ينبوعُ الخلاص لجميع الناس، وهي تعلمنا " (طيطس 2:11). والآن أخذنا المسيح مثلنا الأعلى، فلنقترب إلى نعمة العماد الأقدس. فيفتح لنا الله الأب أبواب السماوات ويرسل لنا الروح القدس، الذي يقبلنا كأبناء له، "أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت" (مرقس 1: 11).

ج) اعتمد يسوع تكريسا لخدمته العلنية

كان يسوع على أهبة خدمته العلنية فكرّس نفسه بمعموديته لكي يتلقى قوة الروح القدس لتنفيذ مهمته المسيحانية. فنزول الروح القدس على يسوع اكّد تكريسه للخدمة العلنية كما جاء في انجيل متى "رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه "(متى 3: 17).

إنَّ المسيحَ قَبِلَ الروحَ، وذلك كإنسان. ولم يقبَلِ الابنُ الوحيدُ الروحَ القدسَ لنفسِه بل في نفسه من أجلنا. فهو روحُه، ويقيمُ فيه، وبه يُوهَبُ. ومن حيث إنه إنسان أخذ يسوع في ذاته الطبيعة الانسانية كلها ليصلحها كلها ويُعيدها الى كمالها. ويعلق القديس كيرلس "حلّ أولاً على المسيح الذي قبل الروح القدس لا من أجل نفسه بل من أجلنا نحن البشر، لأننا به وفيه ننال "نعمة على نعمة" (يوحنا 1: 16).

وفي الواقع جميع الخيرات تأتينا عن طريق يسوع المسيح. جاء الروح ليمسح يسوع في خدمته العلنية. وعليه فإنه بالمعمودية بدأ يسوع رسميا خدمته العلنية (يوحنا 1: 31-34). وغرض هذه الخدمة هي مقاومة قوة الشيطان في الآخرين وكسر شوكته ليخلص الانسان من الخطيئة والموت وليعيد إليه نعمة الخلاص والحياة الابدية. وقبل الآب تكريس الابن نفسه "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متى 3: 17)، ولهذا يهب الآن الآب روحه مجدّدا للابن، لنحصل نحن به على الروح. الروح الإلهي يُشكل الشعب الجديد خلال الخروج الجديد! ونحن نستطيع أن ندرك مدى أهمية المعموديّة من كلمات القديس ايرونيموس "لم يكرز المخلّص نفسه بملكوت السماوات إلاّ بعد تقديسه الأردن بتغطيسه في العماد". والكنيسة تهتم بالمعمودية لأنه حتى المسيح لم يبدأ خدمته إلا بعد أن اعتمد.

الخلاصة

ركز متى الإنجيلي ليس على تواضع يسوع واعتماده في نهر الاردن بقدر تركيزه على صوت الآب الذي سُمع من السماء "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" كي يشهد انه ابن الله كما أكد يوحنا المعمدان "وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله (يوحنا 1: 34). فالرّب يسوع المسيح هو ابن بالطبيعة، ابنٌ حقيقيّ، وليس ابنًا بالتبنّي اما نحن المعمَّدين أصبحنا أبناء الله بالتبنّي، وفقًا للنعمة، كما كُتِبَ: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يوحنا 1: 12). ونحن قد وُلِدنا بالماء والروح (يوحنا 3: 5)، غير أنّ الرّب يسوع المسيح لم يولد من الآب بالطريقة نفسها. لأنّه في وقت اعتماده، رفعَ الله الصوت وقالَ: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ". ويعلق القديس كيرلس الاورشليمي " هو لم يقلْ هذا أصبح الآن ابني"، بل هذا هُوَ ابنِيَ، ليُظهرَ أنّه حتّى قبل عماده كان ابنا".

وقد حلّ الروح القدس على يسوع لدى اعتماده على يد يوحنا كي يرى العالم فيه المسيح المرسل الذي يحمل بُشرى الخلاص الى معشر الناس، كما أعلن سمعان الشيخ " قَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُوراً يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجداً لِشَعْبِكَ إِسرائيل" (لوقا 2: 30)، وذك تتميما "لنبوءة اشعيا "هاءَنَذا جَعَلتُه لِلشُّعوبِ شاهِداً، لِلشُّعوبِ قائِداً وآمِراً" (اشعيا 55: 4). ظهر الرب في عماده انسانا والها، فلِنَسِرْ في نورِ الرَّبّ" (اشعيا 2: 5) ولنعكس حياته بأعمالنا وحياتنا كما اوصانا الرب لْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات ” (متى 5: 16) ووثيقة العماد لا تجدينا نفعا إن لم نجعل من حياتنا بالعماد انجيلا حيّا وشهادة لنخلص نفوسنا ونقود الآخرين ليسوع ليقبلوه ربا والها ومخلصا. لذا لنجتهد ان نكون أبناء الله حقيقيين وتلاميذاً مخلصين في سماع صوت المسيح ربنا والهنا. آمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء