عرس في قانا الجليل

عرس في قانا الجليل

المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
2018/01/12

استهلَّ يسوعُ رسالته الخلاصية بحضور عرس في قانا الجليل، وأجرى أول معجزاته بتحويل الماء إلى خمر فائق الجودة وبزرع البهجة والفرح في قلوب الحاضرين.

هذه الأعجوبة أرادها يسوع علامةً تدلُّ أنّه قادر على تحويل باطن الإنسان العتيق إلى إنسانٍ جديد. وبهذا التحويل يزرع الفرح والسعادة في القلوب، كما زرعها في قلب عروسَي قانا والمدعوين. هذا يعني أنَّ يسوع المسيح هو فرحُ الانسان الدائمِ والثابت. وبهذه الآية استبق وهيّأَ تحويلَ الخمر إلى دمه في عرس الفداء. فكما آمنَ تلاميذُه بألوهيَّته عندما حوَّل الماء إلى خمر، كذلك سيؤمنون عندما سيحوِّل، في عشائه الأخير وهو وليمةُ عرس فداء البشر، الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه لحياة العالم وخلاصه.

أعجوبة تحويل الماء إلى خمر فائق الجودة، تدعو كلِّ واحدٍ منّا إلى التأمل بها لكي يقطف ثمار التعليم الذي تدلُّ إليه هذه المعجزة.

القديس يوحنا الإنجيليّ يجمع بين الماء والخمر، فيربط بين الماء والدم اللذَين سالا من جنب يسوع المعلَّق على الصليب، عندما طعنه أحد الجنود بحربة، "أمَّا يسوع فلمَّا وصلوا إليه ورأَوهُ قد مات، لم يَكسِروا ساقيه، لكن واحِداً مِنَ الجنود طَعَنَهُ بحَربةٍ في جنبِهِ، فخرَجَ لوقتِهِ دَمٌ وماء" (يوحنا ١٩: ٣٣-٣٤). فإذا بعناصر آية تحويل الماء إلى خمر فائق الجودة في العرس البشري، تصبح عناصر عرس الخلاص الإلهي: فالماء الذي جرى من جنب يسوع أصبح ماء المعمودية للولادة الثانية من الماء والروح (يوحنا ٣: ٥)، والخمر أصبح دم ذبيحة الفداء لغفران الخطايا والحياة الجديدة فينا بالروح القدس.

ولأن الخمر علامة الفرح، فإنه يرمز للروح القدس، المعروف بخمرة الروح التي تنعش حياةَ المؤمنين والمؤمنات وحياةَ الكنيسة، فيتكلَّمون كلام هذا الروح، أعني كلام الحقيقة والمحبة والغفران، كلامَ العدالة والحرية والسلام. في الواقع عندما حلَّ الروح القدس على التلاميذ، بدأوا يُكلّمون الشعوب المتواجدين في أورشليم لمناسبة عيد الخمسين، كان هؤلاء مندهشين إذ سمعوهم يتحدَّثون بعظائم الله بلغاتهم، وهم "من كلَّ الشعوب الذين تحت السماء"، قال بعضهم، ولو بهزء: "هؤلاء شربوا خمراً، فسكروا" (أعمال الرُسُل ٢: ١- ١٣). فقام بطرس وشرح أن ذلك ليس من شرب الخمر المادّي، بل من "شرب" خمرة الروح القدس، إذ قال: "يا رجال اليهوديّة، وأنتم أيُّها المُقيمونَ في أُورَشَليمَ جَميعاً، إعلموا هذا، وأصغوا إلى ما أقول: ليس هؤلاء بِسُكارى كما تزعمون، فالساعَةُ هي الساعةُ التاسِعَةُ مِنَ النهار. ولكن هذا هو ما قيل بِلسانِ النبي يوئيل: "سيكون في الايام الأخيرة، يقولُ الله، أنّي أُفيضُ من روحي على كلِّ بشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتُكم ويرى شُبَّانُكم رؤى، ويحلُمُ شُيوخُكم أحلاماً، وعلى عبيدي وإمائي أيضاً أُفيض من روحي في تلك الايام، فيتنبّأون" (أعمال الرُسُل ٢: ١٤-١٨).

"مهما قال لكم فافعَلوه" (يوحنا ٢: ٥)

دور مريم في هذه الآية هو، أنها تُعَلِّمنا معنى "الحضور" المنفتح على الآخر في حاجاته، والعمل على سدِّ هذه الحاجات، فقالت ليسوع: "ليس عندهم خمر". وطلبت إلى الخدم أن يستعدوا لأي عمل يقوم به يسوع: "إصنعوا ما يقول لكم". إنَّ حاجاتنا تفتح نفوسنا على الرجاء بتدخُّل الله وعنايته، الذي يُظهر دائماً مجده في عظائم التاريخ. مريم العذراء هي الوسيطة بين البشر والله، والمسيح الوسيط الاول والوحيد بين الله والناس، يُتمُّ ما يلتمسه المؤمنون والمؤمنات على يد أمه مريم العذراء الكلية القداسة.

معجزة الخمر في عرس قانا الجليل تُشيرُ إلى زمن التغيير وترميم العلاقات مع بعضنا البعض، وتدعو الجميع إلى التزام المحبّة الإجتماعية ولاسيما على مستوى الاوضاع الاقتصادية الآخذة بالتردّي والتدهور. تدعونا ايضاً إلى مساعدة إخوتنا وأخواتنا الفقراء والمحتاجين بدافع من المحبة ومن باب العدالة، لأننا نُعيد لهم ما هو في الاساس من حقّهم. هذه هي ثقافتنا الانجيلية وتعليم كنيستنا.

باسم المسيح، الذي بدأ رسالته الخلاصية بتحويل الماء إلى خمر، أدعوكم لكي نبدأ مسيرة سنتنا الجديدة بتغير قلوبِنا وأفكارنا وعاداتنا إلى الأفضل والأحسن، ولنكون على مثالهِ في خدمة الجميع وزرع الفرح والسعادة بينهم.

+ المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
أسقف الاسكندرية واورشليم والاردن للأرمن الكاثوليك

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء