صفات السيد المسيح الملك

صفات السيد المسيح الملك

الأب رائد أبو ساحلية
2013/11/23

في نهاية السنة الليتورجية، نحتفل بحسب الطقس اللاتيني، بعيد المسيح الملك، ملك الكون وسيد التاريخ، ملك الحياة والموت، ملك يوم الدين. نريد أن نتأمل بصفات هذا الملك التي تعطي المعاني الحقيقية للملك والحكم، وهي الأمور التي يحتاج إليها عالمنا بشكل خصوصي في هذه الأيام، ونحن نرى حكامنا يقودون العالم إلى حافة الهاوية في سياسات مبنية على المصالح التي لا تعرف القيم الأخلاقية ولا الدينية.

من الواضح بأن المسيح كان يجب أن يكون من سلالة داؤد الملكية وهذا واضح من القراءة الاولى ومن أنجيل البشارة حيث قال الملاك للعذراء: "فستحملين وتلدين ابناً فسميه يسوع. سيكون عظيماً وابن العلي يدعى، ويوليه الرب الإله عرش أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب أبد الدهور، ولن يكون لملكه نهاية"(لوقا 1/31-33) وبالفعل فكان كل الشعب اليهودي ينتظر مولد المسيح في بيت لحم مدينة داود، وهذا ما أجابه عظماء الكهنة وكتبة الشعب لهيرودس عندما استخبرهم أين يولد المسيح فقالوا له: "في بيت لحم اليهودية، فقد أوحي إلى النبي فكتب: وانت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست أصغر ولايات يهوذا فمنك يخرج الوالي الذي يرعة شعبي اسرائيل" (متى 2/5-6) وبالفعل هذا ما اعتقده ايضا الشعب عندما دخل الى اورشليم، فكانوا يهتفون: "هوشعنا لأبن داود! تبارك الآتي باسم الرب! هوشعنا في الاعالي!" (متى 21/9).

وحتى السيد المسيح أمام بيلاطس لم ينفي بأنه ملك عندما سأله: "أأنت ملك اليهود؟" فقال يسوع "أنتَ قلت" (متى 27/11) ولكن يسوع أضاف: "ليست مملكتي من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني حرسي لكي لا أسلم الى اليهود. ولكن ممكتي ليست من ههنا". وعندما اعاد بيلاطس السؤال: فأنت ملكٌ إذن!" أجابه يسوع مؤكداً: "هو ما تقول، فإني ملك وأنا ما ولدت وأتيت العالم إلا لأشهد للحق. فكل من كان من الحق يصغي الى صوتي". (يوحنا 18/33-38). وعلى هذا الاساس "ضفر الجنود إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه، وألبسوه رداءً أرجوانياً، وأخذوا يدنون منه فيقولون: "سلام عليك يا ملك اليهود" (يوحنا 19/1-3). ولهذا أيضاً وضع بيلاطس رقعة وجعلها على الصليب وكان مكتوباً عليها: "يسوع الناصري ملك اليهود" فاعترض عظماء كهنة اليهود وقالوا لبيلاطس: "لا تكتب: ملك اليهود، بل اكتب: قال هذا الرجل: إني ملك اليهود". فأجاب بيلاطس "ما كُتِبَ قد كُتِب" (يوحنا 19/19-22).

هذا ما ورد في الاناجيل عن هذا الموضوع ويدل على انه من أصل ملكي، وأن اليهود كانوا ينتظرون ملكاً، وقد اتهموه بهذه التهمة، ورفضوا أن يكون ملك اليهود لأنه خيَّب آمالهم كما قال تلميذي عماوس: "كنا نحن نرجو أنه سيفتدي اسرائيل" (لوقا 24/21). وقد أكد على أنه ملك ولكنه ملك مختلف وليس كملوك هذه الارض، فما هي صفاته؟

1) أنه ملك راعي

ففي سفر حزقيال النبي، نجد المسيح راعياً منشغلاً بخرافه يضمد جراحها إذا جرحت، ويداويها إذا مرضت، ويسعى وراءها إذا ضاعت: "هاءنذا أنشد غنمي وأفتقدها أنا، كما يفتقد الراعي قطيعه، يوم يكون في وسط غنمه المنتشرة.. وأنقذها من جميع المواضع التي شتتت فيها يوم الغمام والضباب. أنا أرعى غنمي وأنا أربضها، يقول السيد الرب، فأتطلب المفقودة، وأرد الشاردة وأجبر المكسورة وأقوي الضعيفة، وأحفظ السمينة والقوية، وأرعاها بعدل". إنه لنص جميع رائع، ويا ليت رعاتنا وحكامنا ورؤساءنا وملوكنا يقرأونه ليروا أن واجبهم الأول هو الرعاية والخدمة والعناية وليس التسلط والتحكم والظلم.

كما أن السيد المسيح ما انفك من استعمال هذه اللغة البسيطة التي تنبع من حياة الفلاحين والرعاة والصيادين، فهو يقول عن نفسه: "أنا الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف... أعرف خرافي وخرافي تعرفني وتصغي إلى صوتي وتتبعني" فالراعي الصالح هو "من يدخل من الباب، فهو راعي الخراف، له يفتح البواب، والخراف تصغي إلى صوته، يدعو خرافه كل واحد منها باسمه، ويخرجها، فإذا أخرج خرافه جميعاً سار قدامها وهي تتبعه لأنها تعرف صوته، أما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه لأنها لا تعرف صوت الغرباء". وهذا دليل آخر على ضرورة ارتباط الراعي بالرعية، ومعرفته لها وعيشه بينها، وقيادته لها بحيث يكون في الطليعة، وليس في قصره الفاخر أو برجه العاجي.

2) انه ملك خادم

نرى في هذه الأيام بأن قادة العالم يحكمون ويرسمون ويتحكمون ويستعملون المنصب للجاهة والوجاهة ويحتفظون بالكرسي لمصالحهم الخاصة ويتسلطون على العباد. وهذا هو الفرق الشاسع مع المباديء الإنجيلية حيث يرى السيد المسيح "بأن كبير القوم خادمهم"، إذ أنه أجاب أم التلميذين يعقوب ويوحنا التي طلبت أن يجلس ابناها واحد عن يمينه وواحد عن يساره عندما يأتي في ملكوته: "تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونها، وأن عظماءها يتسلطون عليها، فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد أن يكون عظيماً فيكم فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون الأول فليكن لجميعكم عبداً".

ولم يعلم السيد المسيح فحسب بل عمل أيضاً واعطى من نفسه قدوة حسنة عندما غسل أقدام تلاميذه في العشاء الأخير: "أتفهمون ما صنعت لكم؟ أنتم تدعونني "المعلم والرب" واصبتم في ذلك، فهكذا أنا. فاذا كنت أنا المعلم والرب قد غسلت اقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فقد جعلت لكم من نفسي قدوة لتصنعوا انتم أيضا ما صنعت اليكم. الحق الحق أقول لكم: ما كان الخادم اعظم من سيده ولا كان الرسول أعظم من مرسله. أما وقد علمتم هذا، فطوبى لكم إذا عملتم به". (يوحنا 13/13-17).

3) إنه ملك ديان

ومع أنه راعي وخادم فإن المسيح هو ملك يوم الدين، له من السلطان ما يرهب الجميع، كما له من الحب والرقة والحنو ما يحتوي الجميع. لكن سلطانه ليس ظالماً وحبه ليس ضعيفاً. إنه بقوته وحبه واهب الحياة التي لا تزول ومدمر الموت إلى غير رجعة. ولسوف يعود، عندما يأمر بنهاية الوجود عند نهاية الأزمنة، دياناً للعالمين، وعندها ستحتشد لدى عرشه المجيد كل الأمم، ولسوف يدين الناس أجمعين على الحب والرحمة والغفران في حساب دقيق.

ومن الرائع أن نعرف بأن الدستور الذي سيدان عليه الناس يوم الحشر هو دستور المحبة، ولا شيء غير المحبة: "الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئاً من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه". فيقول لأهل اليمين "تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم"، أما أهل الشمال فيقول لهم: "إليكم عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته". فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي والأبرار إلى الحياة الأبدية (متى 25/31-46).

يا لها من دينونة طريفة ومحاكمة ظريفة كلها بساطة: إن السيد المسيح الديان العادل، لا يحاسبنا إلا على المحبة بعضنا لبعض ولكن الأساس هو العدل. فبالقدر الذي نجد حكمه حنوناً على الأبرار نجده قاسياً على الأشرار، لأنه رحيم من جهة ولكنه عادل من جهة أخرى. أما أحكامنا نحن البشر، فهي معقدة منحازة أحياناً وظالمة عشوائية أحياناً أخرى، لأننا لا نعرف الرحمة ولا نحكم بالعدل والإنصاف. وللبرهنة على ذلك، يكفي النظر حولنا، لنرى كم من المظالم تحدث كل يوم، فقد أصبح الحق أسير القوة والباطل شعار المتجبر وقتل الأبرياء دفاعاً عن الذات وقهر الشعوب محاربة للإرهاب وإخضاع الضعيف وظلم الفقير من أبجديات هذا العصر الذي يتبجح بحقوق الإنسان والمساواة بين البشر في زمن الحضارة والمدنية والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي أصبح يخضع الإنسان للآلة ويجعل منه أداة إنتاج ووسيلة استهلاك.

أما عن حكامنا الأجلاء فحدِّث ولا حرج، فإن دستورهم مصالحهم الشخصة وهمهم الشاغل مناصبهم، ومنهجهم قهر الشعوب وكتم الأنفاس، وطرقهم التفافية تقوم على اللف والدوران والمنعطفات الحادة الصاعدة المتعرجة الوصولية التي تهدف إلى الوصول إلى قمة الهرم وهي كرسي الحكم في القلعة الحصينة والقصور الفاخرة والمكاتب الفارهة حيت الأبراج العاجية التي تغوص بالخدم والحشم وما لذ وطاب من مأكل ومشرب. لا يحبون إلا تحية "أهلاً سيدي" ويعشقون كلمة "أمرك سيدي" ورديفها "سمعاً وطاعة" وإلا "فالعصا لمن عصى" لأنهم هناك "ليُخدَموا لا ليَخدِموا" وليس مثل السيد المسيح الذي قال عن نفسه: "إن إبن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم ويفتدي بنفسه جماعة الناس".

خلاصة: عندما قال السيد المسيح لبيلاطس: "ليست مملكتي من هذا العالم" فإنه كان يؤسس لملكوت جديد من نوع آخر، فمنذ بداية رسالته أعلن :"توبوا فقد اقترب ملكوت السموات" وقال أيضاً: "إن ملكوت الله فيما بينكم" ثم قال: "إن ملكوت الله في داخلكم" وعلمنا أن نصلي "ليأتِ ملكوتك"، وهنا الملكوت يعني ليس فقط الحياة الأخرى حيث الفرح الدائم لرؤية وجه الله ودار النعيم وجنة الخلد، ولكن الملكوت هو حضور الله في العالم عندما يملك على القلوب وبين البشر، فيصبح كلاً في الكل. عندما يكون له مكان الصدارة وحصة الأسد في حياتنا، بهذا نبدأ السماء من الآن وتصبح الارض سماءً.

الأب رائـد أبـو ساحلية
كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء