شفاء خادم قائد المِائة بفضل إيمان القائد وتواضعه

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

شفاء خادم قائد المِائة بفضل إيمان القائد وتواضعه

الأ‌ب د. لويس حزبون
2019/03/09

بعد العظة الكبرى للتلاميذ عاد يسوع الى كفرناحوم. وهناك استغاثَ به قائد مائة من اجل خادمه الذي كان مشرفا على الموت فنال الشفاء. وفي هذه الرواية لا يركَّز لوقا الإنجيلي على معجزة الشفاء بقدر ما يركز على إيمان قائد المِائة الذي نال الشفاء الروحي وتواضعه. فالإيمان والتواضع هما الطريق الصحيح الى يسوع المسيح الذي جاء لخلاص لجميع الأمم، لان حبُّه يحطِّم كل الحواجز التي يبنيها الناس بينهم، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 7: 1-10)

1 ولَمَّا أَتَمَّ جَميعَ كَلامِه بِمَسمَعٍ مِنَ الشَّعْب، دَخَلَ كَفَرناحوم.

تشير عبارة " بِمَسمَعٍ مِنَ الشَّعْب" الى كلام يسوع الموجَّه في الأصل الى تلاميذه (لوقا 6: 20) وتشير أيضا الى المعجزة التي تمَّت ضمن تعليم يسوع، حيث ان المعجزة تُثبت تعاليمه وتعزز كلامه. أمَّا عبارة " كَفَرناحوم" اسم عبري כְּפַר־נַחוּם (معناه قرية ناحوم) فتشير الى قرية واقعة على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية (متى 4: 13- 16)، وكانت مركزاً للجباية (مرقس 2: 1). ويظهر أنه كان فيها مركز عسكري روماني (لوقا 7: 1 10). انتقل يسوع إليها من مدينة الناصرة في وقت مبكر من خدمته جاعلاً منها مركزاً له حتى أنها دعيت "مدينته" (متى 9: 1)؛ وفيها شفى غلام قائد المِائة (لوقا 7: 1-10)، وحماة بطرس المحمومة (متى 8: 14- 17)، ورجل فيه روح نجس (لوقا 4: 31- 37)، والمُقعد (مرقس 2: 1- 13) وابن خادم الملك (يوحنا 4: 46- 54) وغيرهم كثيرين من مرضى بأمراض مختلفة (لوقا 4: 23). وفيها تمَّ خطاب يسوع حول خبز الحياة (يوحنا 6: 24- 71) والذي نطق به يسوع بعد إشباع الخمسة آلاف، وكثير من أقوال يسوع، جرت كلها في كفرناحوم (مرقس 9: 33- 50). وفيها أيضاً دعا يسوع متى (أو لاوي) إلى الخدمة، وكان هذا جالساً هناك عند مكان الجباية (متى 9: 9- 13). ومع كل خدمة يسوع هذه وتعاليمه ومعجزاته فيها لم يؤمن سكانها ولهذا تنبأ يسوع بخرابها الكامل (لوقا 10: 15). وقد تم خراب جميع هذه المدينة كما انبأ به ربنا يسوع المسيح (متى 11: 21- 23 ). ويرّجح أن كفرناحوم هي حاليا تل حوم يبعد نحو 4 كم إلى الجنوب الغربي من مصب الأردن ونحو 3.2 كم جنوب كورزين. وقد وجدت في تل حوم آثار مجمع اليهود يرجع إلى القرن الثالث بعد المسيح ويظن أن هذا المجمع يقع في مكان المجمع الذي وعظ فيه المسيح.

2 وكانَ لِقائِدِ مِائةٍ خادِمٌ مَريضٌ قد أَشرَفَ على المَوت، وكانَ عَزيزاً علَيه.

تشير عبارة "قائِدِ المِائة" في الأصل اليوناني Ἑκατοντάρχου (معناها قائد مائة) الى ضابط على رأس فصيلة مؤلفة من مائة جندي. وكانت درجة قائد المِائة بين رتبة ضابط وضابط صف أي بمعنى "باشا جويش" او معاون، وله مسؤولية كبرى (لوقا 7: 9)، وهو يمثِّل هنا جماعة الأمم. وقد تحمل الرواية على الاعتقاد بانه قائد المائة هو وثني، لا روماني حتماً حيث كان هيرودس انتيباس يختار جيوشه في جميع المناطق المجاورة (يوحنا 4: 46). اما عبارة "مائةٍ" فترمز لقطيع المسيح الصغير الذي لو ضلَّ منهم واحد يفتش عليه حتى يُعيده. والمسيح هو قائد هذا القطيع الـ 100 ورأسه. أمَّا عبارة "خادِمٌ مَريضٌ قد أَشرَفَ على المَوت" فتشير الى خادم مشرف على الموت وليس " خادِم مُلقىً على الفِراشِ مُقعَداً يُعاني أَشَدَّ الآلام " كما ورد في إنجيل متى (8: 6). أمَّا عبارة " خادِمٌ " في الأصل اليوناني δοῦλος (معناها عبد) فتشير الى إنسان مُلك قائد المِائة بحيث يكون صاحب الحق فيه، جسماً وروحاً وتصرفات وإرادة. أمَّا عمله فكان قاسياً مثل فلح الأرض وطحن الحنطة وإشغال البيت وغسل أرجل أسياده. اما بولس الرسول فجعل العبد على المستوى الاجتماعي ابن الله بالتبني حيث تحدّث عن الله الذي أخذ صورة العبد (فيلبي 2 :7) فخلّص المؤمنين من عبوديّة الخطيئة (رومة 6 :6) ليمنحهم نعمة التبنّي (غلاطية 4 :5). أمَّا عبارة "كانَ عَزيزاً علَيه" فتشير الى صفة إنسانية حميدة لدى قائد المِائة. والواقع ان جميع قادة المِائة الذين ورد ذكرهم في العهد الجديد سُجلت لهم بعض السجايا الحميدة مثل قائد المِائة الذي رافق يسوع للصلب "وأَمَّا قائدُ المِائة والرِّجالُ الَّذينَ كانوا معَهُ يَحرِسونَ يسوع، فإِنَّهم لَمَّا رَأَوا الزِلزالَ وما حَدَث، خافوا خَوفاً شديداً وقالوا: ((كان هذا ابنَ اللهِ حقّاً (متى 27: 54)، كذلك قرنيليوس " كانَ في قَيصَرِيَّةَ رَجُلٌ اسمُه قُرنيلِيوس، قائدُ المِائة مِنَ الكَتيبَةِ الَّتي تُدعى الكَتيبَةَ الإِيطالِيَّة. 2 وكانَ تَقِيًّا يَخافُ الله هو وجَميعُ أَهلِ بَيتِه ، ويَتَصَدَّقُ على الشَّعْبِ صَدَقاتٍ كثيرة، وُيواظِبُ على ذِكْرِ الله " (أعمال الرسل 10: 1-2).

3 فلمَّا سَمِعَ بِيَسوع، أَوفَدَ إِلَيه بعضَ أَعيانِ اليَهود يَسأَلُه أَن يَأَتِيَ فيُنقِذَ خادِمَه.

تشير عبارة " فلمَّا سَمِعَ بِيَسوع " الى تذكيرنا بواجب كل منا أن نخبر عن يسوع إن لم يكن بالكلام فبالأفعال. أمَّا عبارة "أَعيانِ اليَهود" فتشير الى شيوخ اليهود كما ورد في النص اليوناني πρεσβύτερος ، فيبدو أن علاقة هؤلاء مع المسيح كانت لا تزال حسنة، بخلاف الأمر مع زملائهم في اليهودية. أمَّا عبارة "أَوفَدَ إِلَيه بعضَ أَعيانِ اليَهود" فتشير الى العلاقة الطيّبة القائمة بين قائد المِائة الوثني وشيوخ اليهود. وبفضل هذه العلاقة مع شيوخ اليهود لم يطلب الشفاء بنفسه لخادمه كما ورد في انجيل متى (متى 5-13) إنما عن طريق وفد من شيوخ اليهود (لوقا 7: 2-5). وذلك أن قائد في الجيش كان يوفد يوميا أفرادا وجماعات في مهام مختلفة. ويعلِّل القديس يوحنا الذهبي الفم "ذلك بأن قائد المِائة في إيمانه بالسيِّد المسيح أراد الانطلاق إليه يسأله شفاء عبده، لكن شيوخ اليهود بدافع الحسد لئلاَّ يُعلن قائد المِائة إيمانه أمام الجماهير، ذهبوا هم إليه ليأتوا به إلى بيت القائد تحت مظهر عمل الرحمة، قائلين: لِأَنَّه يُحِبُّ أُمَّتَنا، وهوَ الَّذي بَنى لَنا المَجمَع". وإذ يكتب لوقا الإنجيلي للأمم يوضح لهم فضل اليهود في خلاص الأمم، فالمسيح أتى منهم، وها هم يتوسطون لشفاء الأمم، وهذا ليقبل الأمم اليهود بمحبة. ويُظهر لوقا تعاطف اليهود مع الأمم. ويُظهر أيضا أن باليهود صار شفاء الأمم. ومن خلال هذه العلاقات الحسنة بين اليهود والوثنيين أراد لوقا الإنجيلي ان يوجه هذه النداء الى الكنيسة في نهاية القرن الأول. أمَّا عبارة "يَسأَلُه أَن يَأَتِيَ فيُنقِذَ خادِمَه " فتشير الى انفتاح قائد المِائة على يسوع وشفاء خادمه (δοῦλος معناها عبد) بالرغم انه كان هناك كثير من العقبات تحول بينه وبين يسوع: الكبرياء، الشك، المال، اللغةـ المسافة، الوقت، الاكتفاء الذاتي، القوة، والعِرق...

4 ولَمَّا وصَلوا إِلى يسوع، سأَلوه بِإِلحاحٍ قالوا: "إِنَّهُ يَستَحِقُّ أَن تَمنَحَه ذلك".

تشير عبارة "إِنَّهُ يَستَحِقُّ أَن تَمنَحَه ذلك" الى استحقاق الثقة بقائد المائة، والثقة هي الإيمان القوي والراسخ بمصداقيته وحقيقة شخصيته وامتلاكه القوة والقدرة؛ لكن هذه العبارة تكشف هنا أيضا عن علاقة "تجارة" (اعطي تُعطى). بما ان قائد المِائة صنع مع اليهود حسنا، فطلبوا من يسوع ان يصنع معه حسناً. وهذا الامر يكشف صورة شيوخ اليهود الذين هدفهم ليس شفقةً او محبةّ للعبد او محبه حقيقيه للقائد الروماني، ولكن بحثا للمصلحة الشخصية وذلك بكسب هذا الرجل الروماني ذو السلطة عليهم.

5 لِأَنَّه يُحِبُّ أُمَّتَنا، وهوَ الَّذي بَنى لَنا المَجمَع.

تشير عبارة " يُحِبُّ أُمَّتَنا" الى ميل قائد المِائة الى اليهود كما كان قرنيليوس، قائد المِائة، في قيصرية الذي كان يَتَصَدَّقُ على الشَّعْبِ اليهودي صَدَقاتٍ كثيرة" (اعمال الرسل 10: 2). اما عبارة " أُمَّتَنا " فتشير الى اليهود بتاريخهم ولغتهم، وثقافتهم ودينهم. أمَّا عبارة " هوَ الَّذي بَنى لَنا المَجمَع " فتشير الى تبرع قائد المائة من ماله لبناء المجمع في كفرناحوم لأنه أدرك ان لدى اليهود رسالة من الله للبشرية. إن افترضنا حتى في أعيان حسن النيّة، فإنَّ شفاعتهم عن القائد تكشف عن اهتمامهم بالذات "يحب أُمَّتنا"، وتركيزهم على الأمور المنظورة "بَنى لَنا المَجمَع". اما عبارة " المَجمَع " في اليونانية συναγωγή (معناها العربي بيت كنست) و"كنش" في السريانيّة (معناها مجمع) فتشير الى الكنيس او المجمع هو مؤسّسة دينيّة مركزيّة في العالم اليهودي، وهو موضع معدّ للصلاة العلنيّة وسائر النشاطات الدينيّة والجماعيّة.

6 فمَضى يسوعُ معَهم. وما إِن صارَ غَيرَ بَعيدٍ مِنَ البَيت، حتَّى أَرسلَ إِلَيه قائدُ المِائة بَعضَ أَصدِقائِه يَقولُ له: يا ربّ، لا تُزعِجْ نَفسَكَ، فَإِنِّي لَستُ أَهلاً لِأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقْفي؟

تشير عبارة "مَضى يسوعُ معَهم" الى ذهاب يسوع مع اعيان اليهود الى بيت قائد المئة الوثني بالرغم من صعوبته كرجل يهودي في دخول بيت وثني كما يوكّده بطرس الرسول لدى دخوله بيت قرنيليوس في قيصرية " تَعلَمونَ أَنَّه حَرامٌ على اليَهودِيِّ أَن يُعاشِرَ أَجنَبِيًّا أَو يَدخُلَ مَنزِلَه" (اعمال الرسل 10: 28)؛ لكن يسوع تمكَّن ان يلغي شرائع النجاسة بين اليهود والوثنيين. بهذا الامر أعلن السيد المسيح أنه أتى ليشفي الأمم كما يشفى اليهود، وأن المسيح لا يستنكف من دخول بيوت الخطأة ولا الأمم فهو يقدس ولا يتنجس، بل هو يدخل ليشفي ويحطم الوثنية ويعطى الشفاء الروحي للنفوس؛ ويُعلق القديس أمبروسيوس " كان انطلاقه يسوع نحو بيت قائد المائة ليس عن عجزِه عن شفاء العبد من بعيد، وإنما ليُعطيكم مثالًا في التواضع نمتثل به، ويعلِّمكم احترام المساكين كالعظماء". أمَّا عبارة "أَرسلَ إِلَيه قائدُ المِائَةِ بَعضَ أَصدِقائِه" فتشير الى ارسال قائد المائة وفد ثان مكوَّن من أصدقائه لينوبوا عنه كي يعبِّروا عن عدم استحقاقه لاستقبال يسوع او حتى الاقتراب منه، واقتناعه بان كلمة منه تكفي من ناحية، وليلاقوا المسيح ويظهروا له احترامات زميلهم القائد لقلبية وإيمانه بمقدرته، من ناحية أخرى. أمَّا عبارة " لا تُزعِجْ نَفسَكَ " فتشير الى طلب القائد من يسوع الا يُكلف نفسه مشقة المجيء الى بيته لاعتبارات كثيرة منها عدم إحراج يسوع في دخول منزل وثني، فاليهودي لا يحق له ان يدخل بيت وثني ويأكل معه لكيلا يتنجّس من ناحية، أمَّا عبارة "إِنِّي لَستُ أَهلاً لِأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقْفي" فتشير الى تواضع قائد المِائة وقبوله بوضعه كوثني أمام من هو يسوع قدوس الله. أمَّا عبارة " سَقْفي " فتشير الى بيت قائد المائة لان اليهود لا يدخلون تحت سقف الأمم لكي لايتنجَّسوا.

7 ولِذلِكَ لم أَرَني أَهلاً لِأَن أَجيءَ إِلَيك، ولكِن قُلْ كَلِمَةً يُشْفَ خادِمي

تشير عبارة "لم أَرَني أَهلاً لِأَن أَجيءَ إِلَيك" الى الشعور بعدم الاستحقاق الذاتي هو المقدمة الضرورية لكل من يطلب معونة المسيح وخلاصه. يعرف قائد المائة حدوده ويحترمها: هو وثني، لا يحق له ان يلمس يسوع اليهوديّ أو يستقبله. لذلك لم يرد عدم احراج يسوع ان يأتي الى بيته، كما تشير أيضا الى تواضع قائد المائة امام السيد المسيح. أمَّا عبارة " قُلْ كَلِمَةً " فتشير إلى إيمان قائد المائة بكلمة واحدة من يسوع وحتى عن بُعد، إذ لها سلطة على المرض والموت. يعترف قائد المائة بإيمانه بقدرة يسوع ووثقته بأنَّ المسيح يستطيع ان يشفي بكلمة منه. وهذا يكشف حقيقة عمق ايمانه بالمسيح امام الكل. وهنا نتذكر أن الله خلق بكلمة الكون كله. ويسوع سيخلق هذا المريض المشرف على الموت من جديد. آمن القائد بيسوع قبل ان يجري له يسوع المعجزة. ويعلق القديس كيرلس الكبير "ترون شيوخ اليهود وهم يتوسَّلون إلى يسوع بأن يزور قائد المائة في منزله طبقًا لمشيئة، اعتقادًا منهم أنه لا يمكن شفاء المريض إلا بهذه الوسيلة. فبينما ترون من جهة أخرى رجلًا يجاهر على ملأ من الناس بأن المسيح يمكنه شفاء المريض من على بعد! فقط يقول كلمة فيبرأ الغلام، لم يطلب قائد المائة إلا أن ينطلق المسيح بكلمة، في حين اعتاد يسوع لدى شفائه الامراض المختلفة، القيام ببعض الحركات الجسدية مثل اللمس كإبراء الابرص (متى 8: 3) وشفاء حماة بطرس (متى 15: 8) ومثل وضع الايدي (مرقس 6: 5). أمَّا عبارة "يُشْفَ خادِمي" فتشير الى معجزة الشفاء خادمه هي آية من آيات ملكوت السيد المسيح لنيل الخلاص بالسيد يسوع المسيح (اشعيا 35: 5-6). اكتفى القائد بالإيمان، ودعا لعبده بالشفاء، فكان له ما أراد. آمن بكلمة يسوع وتق به دون ان يشاهد بأم عينه. اكتفى بكلام يسوع فقط. لقد آمن ثم رأى. اما عبارة " خادِمي " في الأصل اليوناني παῖς (معناها غلام) فتشير الى صيغة تحبب للخادم تُستعمل في اليونانية عن الابن أيضاً، لأن في ذلك الزمان كان العبد محتقراً مُهاناً إلى أقصى درجة عند أغلب الأسياد. في حين المرات السابقة أطلق عليه اسم (δοῦλος) عبد.

8 فأَنا مَرؤوسٌ ولي جُندٌ بِإِمرَتي، أَقولُ لهذا: اِذهَبْ! فَيَذهَب، وَلِلآخَر: تَعالَ! فيَأتي، ولِخادِمي: اِفعَلْ هذا! فَيَفعَلُه

تشير عبارة "أَنا مَرؤوسٌ ولي جُندٌ بِإِمرَتي" الى مقابلة نفسه كقائد مع السيد المسيح، فهو مرؤوس يطيع رئيسه الإمبراطور، وكذلك يسوع يخضع لأبيه، وكلمته هي كلمة الله. وأمَّا عبارة "ولي جُندٌ بِإِمرَتي" فتشير الى قائد المائة كرئيس تحت يده جنود، كذلك يسوع تخضع له الامراض فلا تعصي أمرا. فآمن أنَّ يسوع كان له سلطة الله مساندة له، وان كلمته تُطاع فوراً حتى في دائرة المرض والموت. وكهذا خضع القائد لسلطة يسوع مؤمناً انَّ حضور يسوع المسيح يستطيع ان يشفي خادمه بكلمة منه. اما عبارة " أَقولُ لهذا: اِذهَبْ! فَيَذهَب، وَلِلآخَر: تَعالَ! فيَأتي، ولِخادِمي: اِفعَلْ هذا! فَيَفعَلُه" فتشير الى قوة كلمة الانسان الذي يتمتع لسلطات كبيرة فخبرته في السلطة كقائد عسكري أدت به الى اعتبار سلطان يسوع مشابها لسلطانه. فقائد المائة الذي يشبِّه سلطته مع سلطة يسوع، إنه مثله، أنسان "تحت سلطان".

9 فلَمَّا سَمِعَ يسوعُ ذلك، أُعجِبَ بِه والتَفَتَ إِلى الجَمعِ الَّذي يَتبَعُه فقال: أَقولُ لَكم: لم أَجِدْ مِثلَ هذا الإيمانِ حتَّى في إسرائيل

تشير عبارة "أُعجِبَ بِه" الى ميزة بشرية التي يتمتع بها يسوع حيث انه أعجب بإيمان قائد المائة الذي جعل نفسه بين يديه، وخضع له كما يخضع الجندي لرئيسه وتركه يقول ويفعل، مما جعل إيمان هذا الوثني يتفوق كل إيمان وجده بين اليهود. تعجب يسوع هنا من إيمان هذا القائد الأممي وتعجب من عدم إيمان اليهود بنى جنسه في الناصرة بالرغم انهم يملكون الكتب المقدسة والهيكل (مرقس 6: 6). اما عبارة " لم أَجِدْ مِثلَ هذا الإيمانِ حتَّى في إسرائيل" فتشير الى مقابلةً بين إيمان قائد المائة الوثني القويّ وإيمان اليهود الضعيف. فاليهود كانوا يرون معجزات يسوع الكثيرة، ويسمعون أقواله وتعاليمه السامية، ومع ذلك لم يكن لديهم إيمانٌ على قدْر إيمان هذا القائد. لذلك مدح السيِّد المسيح قائد المائة لا من أجل محبته لليهود او من بناء لهم المجمع، بل من أجل ما حمله قلبُه من إيمان خفيٍ مملوء بالتواضع. وهذا الامر يكشف عن إمكانيّة الحياة في شركة مع الرب، أيًا كان عمل المؤمن أو مركزه. أما عبارة "هذا الإيمانِ" فتشير الى ايمان قائد المائة الذي لا يقتصر على مقدرة يسوع ان يشفي من بعيد، ولا على سلطته خاصا على المرض، بل بالأحرى على استمداد سلطانه من شخص آخر، فكما أن كلمة قائد المِائة تصدر عن كلمة القيصر، كذلك كلمة يسوع تصدر عن الله نفسه الذي ارسله. كما جاء في المزمور " أَرسَلَ كَلِمَتَه فشَفاهم" (مزمور107: 20). فإيمان قائد المِائة يقوم على تقبُّل سلطان يسوع بدون تحفظ. ومن هنا نلاحظ عليه أن لوقا الإنجيلي يشدّد على إيمان هذا القائد، أكثر مما يشدد على معجزة الشفاء. اما عبارة " إسرائيل" من العبرية יִשְׂרָאֵל (معناه يجاهد مع الله أو الله يصارع) فتشير الى شعب الله المختار، بني اسرائيل (خروج 12: 3)، الذين هم أول من بلغهم إعلان حدث الخلاص. القبول عند اللّه لا يتوقف على الأصل، لقد أعلن يسوع "سَوفَ يَأتي أُناسٌ كَثيرونَ مِنَ المَشرِقِ والمَغرِب، فَيُجالِسونَ إِبراهيمَ وَإِسحقَ ويَعقوب على المائِدةِ في مَلَكوتِ السَّمَوات ". (متى 8:11).

10 ورَجَعَ المُرسَلون إِلى البَيت، فوَجَدوا الخادِمَ قد رُدَّت إِليهِ العافِيَة

عبارة وَجَدوا الخادِمَ قد رُدَّت إِليهِ العافِيَة تشير الى تواضع يسوع الذي لم يستنكف من افتقاد عبد ( δοῦλος) صغير لقائد المائة معبِّرًا عن أعمال رحمته الإلهيّة وعن مشاعر تحنُّنه. صنع يسوع لقائد المائة ما طلب من شفاء، لأنه آمن قبل ان يرى. ويُعلق القديس أمبروسيوس "نال العبد الشفاء خلال إيمان القائد، الذي شفع في العبد لا بالإيمان فقط، وإنما خلال الجهاد أيضًا ببعث إرساليّة للسيِّد وذهابه بنفسه". ان معجزة يسوع لم تكن خيال او وهم، فمع ان خادم القائد كان على بعد، فقد شُفي بمجرد ان نطق يسوع بالكلمة. فلم تكن المسافات تشكل مشكلة، لان المسيح له سيادة وسلطان على المكان والمسافات، فلن تباعد المسافة بينه وبين يسوع بحيث لا يقدر على معونته. فما دُمنا على هذه الأرض فرحمة الله قريبة منا فتشفينا روحا وجسداً، ولكن بعد الموت تتوقف الرحمة ويبدأ عدل الله كما قال ابونا إبراهيم "بَيننا وبَينَكم أُقيمَت هُوَّةٌ عَميقة، لِكَيلا يَستَطيعَ الَّذينَ يُريدونَ الاجتِيازَ مِن هُنا إِلَيكُم أَن يَفعَلوا ولِكَيلا يُعبَرَ مِن هُناك إِلَينا" (لوقا 16: 26). هل نشعر بعدم استحقاقنا للحصول على شفاء الجسد والنفس والروح؟ وباختصار، إن هذا الحدث هو بداية دخول الوثنيين في الكنيسة. فكم يسرُّنا اليوم، ونحن نعيش في عالم تمزٌّقه الخلافات العرقية والدينية، أن ندرك اتساع آفاق يسوع وانفتاحه على الجميع بعكس مواقف عصره التي كانت تميل الى الانغلاق.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (لوقا 7: 1-10)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 7: 1-10) نستنتج انه يتمحور حول شخصية قائد المائة الإنسانية والروحية. ومن هنا نبحث في نقطتين: شخصية قائد المائة على الصعيد البشري والروحي.

1) على الصعيد البشري: قائد المئة قائد وانسان (لوقا 7: 1-5)

ا) قائد:

يتمتع القائد بصفات معينة؛ لابد أن تتوفر فيه حتى يمكننا إطلاق كلمة قائد عليه، ومن أهم هذه الصفات: الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية ذلك، إضافة إلى تميزه بالرؤية البعيدة والأفق الواسع ورحابة الصدر، وهذه كلها صفات تمتع بها قائد المائة فساعدت على الاقتراب من يسوع والايمان به ومن شيوخ اليهود ويحيطه الأصدقاء ويكون قريب خادمه المريض.
وكقائد يمتلك مهارة كسب الآخرين؛ اهتم قائد المِائة بخادمه المريض، وبشيوخ اليهود وبيسوع المسيح. الكل يحبه مثلما هو يحبهم، ويحب الخير للجميع: طلب الشفاء لخادمه، وبنى مجمعا لليهود، وطلب ان لا يكلّف يسوع نفسه مشقة المجيء اليه، ويقدِّر الجميع ويحترمهم. ويثق في قدراته ويُدرك تماماً قيمة العمل الجماعي أو العمل بروح الفريق الواحد فطلب أولا مساعدة شيوخ اليهود للتوسط مع يسوع كما اوفد ثانيا أصدقائه عند يسوع.

ب) إنسان

لم يكن قائد المائة يتمتع بصفات القائد بل أيضا بالإنسانية. لقد كان انساناً، يتمتع بشعور انساني رقيق. فأظهر هذا الشعور تجاه السيد المسيح وخادمه وشيوخ اليهود وأصدقائه والسيد المسيح. أمَّا في اتجاه يسوع فلم يدعُه الى بيته تجنباً لإحراجه وخوفاً من ان يُسبب له نجاسة طقسية. فقائد المِائة يعرف جيدا الشريعة السائدة في ذلك الوقت التي تُحرم على كل يهودي دخول بيوت الوثنية تحت طائل اقتراف نجاسة طقسية (اعمال 11: 3).

فيما يتعلق بخادمه، فقد "كانَ عَزيزاً علَيه". يعرف ان يقدِّر خادمه ويحترمه، فأهتم بأحواله وأشفق عليه. فأحبه وخدمه، لو لم يخجل من طلب مساعدة لأجل خادمه. لم ينظر الى حقارة الخادم، بل إلى عظمة الألم في الانسان المريض. وهذا الامر مخالف لطبيعة الرؤساء الرومان القاسية جدا الذين يتعاملون مع العبيد بقسوة شديده على انهم أقرب للحيوانات. أمَّا قائد المِائة فلم يأت الى يسوع ليجيب على طلب لنفسه، ولكن من أجل غيره. هو وسيط وشفيع. فأرسل وفد من الشيوخ اليهود كي يطلب الشفاء له من السيد المسيح. وهذا الأمر يوضِّح طبيعة قلب هذا الانسان الذي أصبح نموذجٌ حيّ لجميع الأسياد وأصحاب السلطة في كيفية معاملة خدَّامهم بشرٌ على مثالهم، لهم حقوقهم وكرامتهم ومقامهم في المجتمع.

أمَّا فما يتعلق بشيوخ اليهود فقد تمكن قائد المِائة بفضل مواقفه الانسانية المنفتحة ان يحوّله اعداءه الى أصدقاء بمحبته وسخائه وذلك عن طريق تبرعه لبناء لهم مجمعاً للصلاة في كفرناحوم، كما صرّح شيوخ اليهود "يُحِبُّ أُمَّتَنا، وهوَ الَّذي بَنى لَنا المَجمَع" (لوقا 7: 5).

2) على الصعيد الروحي: قائد المِائة مؤمن ومتواضع (لوقا 7: 5-10)

أ) مؤمن

ذهب قائد المائة الى يسوع بإنسانيته وقلبه الواسع واستقامته، ولجأ ليسوع ليس باعتباره تعويذة سحرية، ولكن لأنه يعرف قدراته وقدرات الآخرين وتعرَّف إلى قوة سلطة المسيح من خلال سلطته، تعرف إلى الذي يتفوق عليه، فآمن بسلطة يسوع انطلاقًا من اختباره لسلطته الخاصّة آمن بان يسوع المسيح مرسلٌ من الله وآمن بكلمته، واعترف به مخلصا وشافياً، وتقبل سلطانه دون تحفظ. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول " بِغَيرِ الإِيمانِ يَستَحيلُ نَيلُ رضا الله، لأَنَّه يَجِبُ على الَّذي يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ أَن يُؤمِنَ بِأَنَّه مَوجود وأَنَّه يُجازي الَّذينَ يَبتَغونَه" (عبرانيين 11: 6). الإيمان هو الشرط الأساسي لعمل يسوع في حياته.

ويقوم إيمان قائد المِائة على تقبل سلطان يسوع بدون تحفظ؛ لا يكفي الايمان المقتصر على المطالبة بالمعجزات، بل الايمان بدون تحفظ بيسوع وبكلامه يؤدي الى الحياة. ولا يقتصر إيمان قائد المائة على إيمانه بان يسوع يستطيع ان يشفي من بعيد، ولا ان على سلطان يسوع على المرض (متى 8: 2) بل بالأحرى على قلبه الذي يحدثه بان يسوع يستمد سلطانه من شخص آخر. فكما ان كلمة قائد المائة تصدر عن كلمة قيصر، كذلك يسوع تصدر كلمته عن الله نفسه. والايمان هو قبول يسوع "كلمة الله بالذات".

وقد عبّر قائد المائة عن سرٍّ الإيمان، بسر كلمة المسيح الخلاَّقة والمجدّدة بقوله " قُلْ كَلِمَةً يُشْفَ خادِمي" كما يؤكّده صاحب المزامير " إِنَّه قالَ فكان وأَمَرَ فوجِد" (مزمور 33: 9). وان قبول كلمة الله معناه هجر الاصنام والاتجاه نحو الله الحي الحقيقي (تسالونيقي 1: 8-10). الأصنام الوثنية ليست بشيء (اشعيا44: 9-20)، لأنه وجد في المسيح، مجد الله (2 قورنتس 4: 6) الذي كان غريباً عنه (رومة 3: 23).

ولما وجد قائد المائة يسوع، وجد فيه الانسان القادر على كل شيء والعالم بكل شيء والكلي الخير والصلاح، فوجّه طاعة الايمان نحو يسوع الذي أتى ليأخذ صورة الانسان (رومة 1: 5-13)، وآمن بالذي ارسله الله (يوحنا 6: 29)، وأعلن ان المسيح يسوع الانسان (1 طيموتاوس 2: 5) وسيط بين الله والناس. وبكلمة أخرى، لم يقرّ بإيمانه بقدرة المسيح فقط، بل وبعظمة شخصه أيضًا، فطلب إليه أن يقول كلمة واحدة، متأكداً أنها تكفي لشفاء خادمه. أقر بإيمانه بأن الرب ذو سلطان مطلق وقادر أن يصدر أوامره فيطيعه كل شيء." فآمَنَ بِالرَّبّ، فحَسَبَ لَه ذلك بِرّاً" (تكوين 15: 6).

وكان هناك كثير من العقبات تحوِّل بين قائد المائة ويسوع: الكبرياء، الشك، المال، اللغة، المسافة، الوقت، الاكتفاء الذاتي، القوة، وغيرها من المحاذير العرقية والدينية... لكنه لم يسمح لشيء من هذه الحواجز ان تمنعه من الايمان بيسوع وطلب الشفاء لخادمه المُشرف على الموت. ومن هذا المنطلق نرى أن الإيمان عرض وجواب. فقائد المِائة أوفد إلى يسوع، وعرض عليه مرض خادمه، دون قيد أو شرط. وقد أجاب يسوع على عرض قائد المِائة، وأسرع فشفى خادمه.

آمن قائد المِائة بيسوع قبل ان يُجري له يسوع المعجزة. آمن ان يسوع هو صاحب كلمة، ولا يفرق بين يسوع وكلمته شيء لا وقت، ولا بُعد، ولا مستحيل. فكلمته الذي يقولها عن بُعد والتي يؤمن بها القائد كفيلة ان تُحطِّم القيود وان تصنع المعجزات. ومن هذا المنطلق، فإنَّ المعجزة هي علامة خلاص يعرضه الله على يد ابنه يسوع المسيح. بالإيمان خلَّص قائد المِائة خادمه، وخلَّص بخادمه أمَّة الوثنيين، وعلم الجميع طريق الايمان الصحيح بيسوع المسيح. فكانت هذه المعجزة علامة لكل الناس، وليست مجرد معجزة ومعروف وخدمة لقائد المائة. فالمعجزات ليس وقف على الشعب اليهودي من دون الوثنيين. وبالواقع، يرى لوقا الإنجيلي في إيمان قائد المِائة تمهيداً لدخول الوثنيين في الكنيسة، وأعلن يسوع ان إيمان قائد المائة الوثني فاق كثيرا كل إيمان وجده بين اليهود؛ إذ وجد يسوع ذاك الذي كان غريبا عن الدعوة، ذاك الذي لم يكن ينتمي إلى شعب العهد، ذاك الذي لم يشارك في معجزات موسى، ذاك الذي لم يتعرف إلى شرائعه، ذاك الذي لم يسمع بالنبوءات، سبق الآخرين بإيمانه.

وامتدح يسوع بكلمات حرص لوقا الإنجيلي على تسجيلها في انجيله الذي كتبه الى المسيحيين من أصل وثني "لم أَجِدْ مِثلَ هذا الإيمانِ حتَّى في إسرائيل" (لوقا 7: 9). وبيّن يسوع اهتمامه بان من يطلب منه الشفاء يتوجب عليه ان يكون مؤمناً. ولا يكفي الايمان المقتصر على المطالبة بالمعجزات، بل الايمان بدون تحفظ بيسوع وبكلامه؛ وهذا الايمان يؤدي الى الحياة. وبالعكس يسوع يوبّخ الايمان الذي يؤسس فقط على الآيات والعجائب " إِذا لم تَرَوا الآياتِ والأَعاجيبَ لا تُؤمِنون؟" (يوحنا 4: 48). وعليه تعجب يسوع من ايمان قائد المائة الوثني في كفرناحوم من ناحية، كما انه تعجب ايضا من عدم ايمان اليهود بنى جنسه في الناصرة من ناحية أخرى (مرقس 6: 6).

وقد فهم قائد المائة ان عمل الشفاء لا يتوقف على اليهود بل يصل الى العالم الوثني. الإيمان برسالة يسوع وتقبّل لندائه يتيح لكل إنسان الشفاء والخلاص والحياة الحقيقية في المسيح، أمَّا أخذُ الانسان من يسوع موقفا مغايرا، فيستبعد الانسان نفسه. ولذلك فإن هذا القائد الوثني أصبح رمزاً ا لدخول الوثنيين الى الحياة، عكس اليهود الذين لم يؤمنوا (يوحنا 1: 19).

ويُعد قائد المائة من الوثنيين المتعاطفين مع الديانة اليهودية والذي يدعوهم لوقا في اعمال الرسل "خائفي الله" (اعمال الرسل 18: 7) مما يُشكّل إعلاناً عن دخول الأمم للإيمان (متى 10:22-11). وقد سبق وتنبأ اشعيا النبي عن انضمام الاوثان غير اليهود الى الرب وقبولهم في هيكله على قدم المساواة مع بني إسرائيل كما جاء في نبوءة اشعيا النبي " بَنو الغَريبِ المُنضَمُّونَ إِلى الرَّبِّ لِيَخدُموه وُيحِبُّوا آسمَ الرَّبِّ ويَكونوا لَه عَبيداً ... آتي بِهم إِلى جَبَلِ قُدْسي وأُفَرِّحُهم في بَيتِ صَلاتي وتَكونُ مُحرَقاتُهم وذَبائِحُهم مَرضِيَّةً على مَذبَحي" (اشعيا 56: 6-7). وبفضل الايمان المسيحي سرعان ما تزول الفوارق بين اليهود والوثنيين: فالجميع اخوة في المسيح الذي يجمع المؤمنين في جسد واحد هو رأسه "فهُناكَ جَسَدٌ واحِدٌ ورُوحٌ واحِد، كما أَنَّكم دُعيتُم دَعوَةً رَجاؤُها واحِد"(أفسس 2: 4).

ب) متواضع

لم يكشف قائد المائة عن إيمانه فقط بل عن تواضعه أيضا، وذلك من خلال كلماته ليسوع "لم أَرَني أَهلاً لِأَن أَجيءَ إِلَيك، ولكِن قُلْ كَلِمَةً يُشْفَ خادِمي" (لوقا 7: 7)، حيث ان التواضع له مكانة كبيرة في عيني يسوع. لان التواضع هو أن يقرّ الإنسان بعجزه وضعفه وحاجته إلى طبيب يعالجه ويعالج مشاكله. فالتواضع مناقض للكبرياء، فهو موقف الانسان الضعيف امام القدير. اعترف قائد المِائة انه عبد ضعيف امام شخص المسيح وسلطته "لم أَرَني أَهلاً لِأَن أَجيءَ إِلَيك" (لوقا 7: 7). وراء هذه العبارة من المحاذير العرقية والدينية، أدرك قائد المِائة أنَّ ليسوع علاقة خاصة بالله، فرأى ذاته غير مستحق بان يقف في حضرة الالوهية فأرسل اصدقاءه عندما اقترب يسوع من البيت لعبِّروا عن عدم استحقاقه لاستقبال الرب او حتى الاقتراب منه، بكلمات تنمُّ عن تواضعه "لم أَرَني أَهلاً لِأَن أَجيءَ إِلَيك" (لوقا 7: 7). وهي تعبر عن تواضع عميق. التواضع هو الحقيقة والحقيقة هي التواضع.
واقتنع قائد المِائة بان كلمة من يسوع لها قوة خارقة للشفاء" قُلْ كَلِمَةً يُشْفَ خادِمي" (لوقا 7: 7). وانطلاقا من خبرته الشخصية بالسلطة باعتبار سلطان يسوع مشابها لسلطانه لم يأتِ قائد المِائة الى يسوع لأنه أدرك بانه كما ان تنفيذ أوامره كقائد لا يتطلب وجوده شخصياً، كذلك فان شفاء خادمه لا يتطلب وجود يسوع بنفسه بل يكفي كلمة منه. فاجترح يسوع معجزة عن بُعد بقوة كلمته مُلبياً طلب القائد الوثني المتواضع والمؤمن بالرغم من ان يسوع كان معتاداً لدى شفائه الامراض القيام ببعض الحركات الجسدية مثل اللمس (لوقا 22: 51) ووضع اليد (متى 9: 18).
وكلمة مختصرة، أعلن قائد المائة أمام الناس في كفرناحوم عن تواضعه وإيمانه بالمسيح بعبارة يرددها كل مسيحي قبل ان يتناول القربان المقدس: "فَإِنِّي لَستُ أَهلاً لِأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقْفي ولكِن قُلْ كَلِمَةً تشفى نفسي ". والكنيسة لم تجد أفضل من هذه العبارة كي تتحضر بها لقبول سر الافخارستيا، وهي أفضل تعبير عن تواضع عميق امام الحقيقة. انفتح قائد المِائة بتواضعه لقدرة نعمة المسيح كما جاء في تعليم بولس الرسول "بِنِعمَةِ اللهِ ما أَنا علَيه، ونِعمَتُه عَلَيَّ لم تَذهَبْ سُدً ى" (1 قورنتس 15: 10). ومثل هذه التواضع يُمجّده الله (1 صموئيل 2: 7)، لذلك نجد السيد المسيح امتدح ايمانه قائلا ": لم أَجِدْ مِثلَ هذا الإيمانِ حتَّى في إسرائيل" (لوقا 7: 9). وهذا ما يؤكده صاحب الحكمة يشوع بن سيراخ "إِزْدَد تَواضُعًا لما ازدَدتَ عَظَمَةً فتَنالَ حُظوَةً لَدى الرَّب" (يشوع بن سيراخ 3: 21).

الخلاصة

معجزة شـفاء عبد قائد المائة في نظر لوقا الإنجيلي هي دعوة موجّهة الى الانسان ليتقبّل بحرية الخلاص الذي يقدّمه الله على يد ابنه يسوع المسيح. فعن طريق المعجزة يعبّر يسوع عن قدرة الله وعن رغبته في خلاصنا. فالمعجزة هي عمل من اعمال الله بها يدعو الى الايمان بيسوع المخلص. وعليه فإن العلامة الأولى التي يجب ان ننتظرها من يسوع هي دعوته ايانا الى الايمان به، والايمان بيسوع يدعونا الى الخلاص بالله. لذلك معجزة الشفاء لم تكن الخلاص الحقيقي، بل علامة له. ولكي نكتشف هذه العلامة لا بدَّ من الايمان الذي يُمكّن الانسان من الاعتراف بعطية الله بالشفاء التي منحه إياها بواسطة يسوع. فإيمان قائد المِائة استطاع بفضل المسيح ان يشفي خادمه ولكن هو نفسه حصل على الشفاء الروحي والخلاص.

وعندما نصلي من اجل حاجة او مشكلة، يبدو يسوع بعيدا عن أعيننا، ولكن كلماته حاضرة لتخلصنا، هل نؤمن به وبكلامه الذي يحقِّق خلاصنا في الاسرار خاصة في سر القربان الاقدس؟ علينا ان نكون على ثقة بقدرة يسوع المسيح على عمل ما يقوله. فالإيمان هو الحاسة السادسة التي تُمككنا من استقبال الحقائق الإلهية السماوية، والتحرر من جاذبية الأمور المادية والدنيوية ودخول في دائرة الأبدية.

ومعجزة شـفاء عبد قائد المائة تُعلمنا أيضا كم هو هام اليوم، ونحن نعيش في عالم تمزّقه الخلافات والعرقية والدينية، ان نًدرك اتساع آفاق يسوع وانفتاحه، الذي هدم الحواجز التي تقسم البشر وقاوم مواقف عصره التي كانت تميل الى الانغلاق.

ومعجزة شـفاء عبد قائد المِائة تعلمنا أخيراً ان يسوع تعجب من إيمان قائد المِائة، فهل نتعجب من نجاح الآخر وايمانه؟ أم أحيانا يمنعنا الحسد من الفرح مع الفرحين ويُحرمنا "الأنا" من هذا الإحساس بالآخرين كما أحس قائد المِائة بخادمه المشرف على الموت.

يدعونا يسوع الى الايمان به ونفتح قلوبنا له ونتخذه مخلصاً وفادياً ونجدد ايماننا به بتواضع خاصة كلما تقدمنا لتناول جسد ودم الرب يسوع المسيح في سر القربان المقدس ونحن نردِّد كلمات قائد المِائة " يا رب، لستً مستحقا ان تدخل تحت سفقي، ولكن قل كلمة واحدة فتبرا نفسي"! ولنطلب اليه ان يقول "كلمة واحدة " من اجل مرضانا واللاجئين والمشردين والفقراء والمتألمين وأسرانا واصدقائنا وأهلنا ورعيتنا وكنيستنا وعالمنا فتجدّد فينا وفيهم الحياة، كما جدّدت الحياة في قائد المِائة وخادمه.

دعاء

أيها الآب السماوي، نطلب اليك باسم يسوع، ان تلتفت إلينا وتكون لنا راحما، فنعترف بتواضع وإيمان باننا بشر أمام ابنك المسيح الاله، خاطئين أمام القدوس، وضعفاء امام القوي، وان كلمته وحدها قادرة على شفائنا روحا وجسدا ونفسا "لقد آمَنَّا بكَ يا رب زدنا إيماناً، وعليكَ أتكلنا يا إلهنا فزدنا اتكالاً، وإننا نحِبُكَ يا رب فزد حبنا اضطراماً. مُردِّدين مع قائد المائة "يا رب، لست مستحقا ان تأتي اليَّ ولكن قل كلمة واحدة فتبرا نفسي". آمين"

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء