رسالة يسوع بين السامريين في نابلس

رسالة يسوع بين السامريين في نابلس

الأب د. لويس حزبون
2017/03/18

يُسلط انجيل متى الاضواء على رسالة يسوع في السامرة ولقائه مع المرأة السامرية والسامريين عند بئر يعقوب. (يوحنا 4: 5-42)، ومحور رسالته هي خلاص الجميع، لكل انسان مهما كان جنسه او مركزه الاجتماعي او خطاياه السابقة. فسعى السيد المسيح وراء كل نفس مشتاقًا لرجوعها لله تعالى مبتدئا مع المرأة السامرية في بئر يعقوب. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.

أولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 4: 5-42)

4 وكانَ علَيه أَن يَمُرَّ بِالسَّامِرَة

تشير عبارة " علَيه أَن يَمُرَّ بِالسَّامِرَة" الى أهمية الحدث الذي قصده يسوع لإتمام رسالة الخلاص في السامرة. فالمسيح أتى وتجسد لهذا السبب. فالخلاص ليس فقط لليهود بل للجميع، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لم يمضِ إلى الجليل بلا هدف، وإنما لينجز أمورًا هامة معينة بين السامريين مظهرًا أنه قام بهذا العمل العرضي أثناء الرحلة. لم يذهب إلى الأمم فورًا وإنما أثناء عبوره"؛ فقد مرّ بالسامرة في طريقه متوجهاً من اليهودية إلى الجليل، وهذه الرحلة تحتاج إلى ثلاثة أيام سفر. فكانت السامرة احدى الطريقين للصعود من اليهودية الى الجليل: إما من وادي الاردن، وإمَّا من السامرة. وكان اليهود يفعلون أي شيء لتجنب المرور خلال السامرة، ومع ذلك اختار يسوع السامرة في مخططه ليجعل المرأة السامرية ممثلة عن السامريين في تقبلهم للمسيح، كما كان نيقوديمس يمثل اليهود (يوحنا 3: 1-9). فرسالة يسوع في السامرة تعتبر صورة مسبقة عن رسالة فيلبس (اعمال الرسل 8) ومقدمة للرسالة الى الوثنيين (يوحنا 12: 20-24). كان باستطاعة يسوع ان لا يمرّ بالسامرة، بل يسير في شرق الأردن (متى 19: 1) كما كان يفعل اليهود الذين كانوا يتجنبون الاتصال بالسامريين، لأنهم كانوا يكرهونهم بسبب فساد أصلهم واختلاف أفكارهم الدينية كما يؤكد ذلك يشوع بن سيراخ انه يمقت "الشَّعبُ الأَحمَقُ السَّاكِنُ في شَكيم. "(يشوع بن سيراخ 50: 25-26). والفريسيون، احتقارا ليسوع، حسبوه سامريا، واعتبروه ممسوسا من الشيطان (يوحنا 8: 48). أمَّا عبارة "السَّامِرَة" فتشير الى ان فلسطين كانت مقسّمة في أيام السيد المسيح إلى ثلاثة أقسام: اليهودية في الجنوب حيث توجد مدينة اورشليم والهيكل. والجليل أو جليل الأمم في الشمال، وهي تضم كثير من الأمم الذين قبلوا الإيمان اليهودي. ثم السامرة وهي في المنتصف، ويبلغ طولها 75 كم من الشمال إلى الجنوب و64 كم من الشرق إلى الغرب، وتحدها اليهودية في الجنوب، والأردن من الشرق، وسهل شارون من الغرب، وسهل يزرعيل (مرج بن عامر) في الجليل من الشمال، وقد استولت على أرض سبطي منسي وأفرايم. وهي أجمل أراضي المنطقة وأخصبها، وعاصمتها مدينة السامرة (عاصمة مملكة الشمال، مملكة إسرائيل). وتقلصت منطقة السامرة أيام المسيح لبعض مدن تحيط بشكيم. وعليه فان ارسالية يسوع شملت شعوب العالم غير اليهودية او شبه اممية.

5 فوَصَلَ إِلى مدينةٍ في السَّامِرَةِ يُقالُ لَها سيخارَة، بِالقُرْبِ مِنَ الأَرضِ الَّتي أَعْطاها يَعقوبُ لابنِه يُوسُف

تشير عبارة "سيخارَة" Συχάρ ومعناها "سكر"، لأن سكانها كانوا محبين للسكر، الى قرية " عسكر" بالقرب من شكيم، وهي نابلس اليوم حيث اشترى يعقوب ارضا (التكوين 33: 18-19) وأعطاها ليوسف (التكوين 48: 20-24)، وهي تقع على بعد 800م شمالي بئر يعقوب. وتبعد حوالي 64كم من القدس، و83كم من أريحا. اما القديس ايرونيموس فيقول "أنها شكيم وليست سوخار، وكانت تدعى في أيامه نيابوليس " واما اسم المدينة الحالي فهو نابلس؛ اما عبارة " الأَرضِ الَّتي أَعْطاها يَعقوبُ لابنِه يُوسُف" فتشير الى ما ورد في سفر التكوين "وَصَلَ يَعْقوبُ سالِمًا إِلى مَدينةِ شَكيمَ الَّتي بأَرضِ كَنْعان، حينَ عادَ مِن فدَّانَ أَرام، فخيَّمِ قُبالَةَ المَدينة. واَشْتَرى قِطعَةَ الحَقْلِ الَّتي نَصَبَ فيها خَيمَتَه مِن بَني حَمورَ أَبي شَكيم بِمِئَةِ قَسيطة (فضة)" (التكوين 33: 18-20)، وبنى مذبحًا ودعاه إيل إله إسرائيل. وقد ترك يعقوب هذا الحقل كميراثٍ خاصٍ بيوسف وأبنائه (التكوين 48: 21-22)، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يعتز السامريون بإبراهيم ويدعونه أباهم، إذ هم من الكلدانيين، ودعوا يعقوب أيضًا أباهم بكونه من نسله."

6 وفيها بِئرُ يَعقوب. وكانَ يسوعُ قد تَعِبَ مِنَ المَسير، فَجَلَسَ دونَ تَكَلُّفٍ على حافَةِ البِئر. وكانَتِ الساعةُ تُقارِبُ الظُّهر.

تشير عبارة "بِئرُ يَعقوب"πηγή الى عين ماء تنبع في قعر بئر عميق. وفي هذا إشارة للمسيح ينبوع الحياة كما ورد في رؤية يوحنا " إِنِّي سأُعْطي العَطْشانَ مِن يَنْبوعِ ماءِ الحَياةِ مَجَّانًا " (رؤيا 21: 6). ولم يذكر هذه البئر في الكتاب المقدس الاّ في هذا النص من انجيل يوحنا؛ وهذه البئرة هي اليوم واحدة من أكبر الشهادات على مرور المسيح. وهي جزء من الميراث، فقد كانت ملكاً ليعقوب. أنها تقع على مصب الوادي الشرقي-الغربي، حيث تقوم مدينة نابلس، بالقرب سيخارَة القديمة في سفح جبل جرزيم، وهذه البئر من أعمق آبار فسطين إذ يبلغ عمق البئر اثنين وثلاثين متراً، والواقع ان طول الحبل المستخدم في بئر يعقوب نحو 32 م. ويحد البئر جبال عيبال من الشمال وجبل جرزيم من الجنوب. ولم يُشر العهد القديم إلى هذه البئر، لكن بالتقليد توارث السامريون أن هذه البئر حفرها يعقوب أو استخدمها، فدُعيت بئر يعقوب. وقد صارت فيما بعد للاستعمال العام. أما عبارة "تَعِبَ مِنَ المَسير" فتشير الى ان يسوع كإنسان حقيقي خضع للضعف الجسدي، وكان شبيه بنا في كل شيء ما عدا الخطيئة كما جاء في الرسالة الى العبرانيين " لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة" (العبرانيين 4: 15)، ويعلق القديس أوغسطينوس "كان يسوع ضعيفًا في الجسد، لكيلا تصير أنت ضعيفًا، بل في ضعفه تصير قويًا، لأن "ضعف اللَّه أقوى من الناس". اما عبارة " فَجَلَسَ دونَ تَكَلُّفٍ على حافَةِ البِئر " فتشير في اللغة اليونانية οὕτως ἐπὶ τῇ πηγῇ أي جلس هكذا οὕτως ، على البئر. ماذا يعنى هكذا"؟ يعلق القديس يوحنا فم الذهبي " ليس على عرش ولا على وسادة، ولكن ببساطة على الأرض" على حجارة ملقاة بجوار البئر". لأنه ليس مؤكداً ان يكون للآبار حافة بل كانت فوهتها بمستوى الارض، ويُردّ عليها حجر كما ورد في سفر التكوين " وكانَ، إِذا جُمِعَتِ القُطْعان، يُدَحرَجُ الحَجَرُ عن فَمِ البِئر، فتُسْقى الغَنَم، ثُمَّ يُرَدُّ الحَجَرُ على فَمِ البِئرِ إِلى مَوضِعِه " (التكوين 29: 3)، وهذا هو الحال اليوم في فلسطين؛ اما عبارة " الساعةُ تُقارِبُ الظُّهر" في اللغة اليونانية ἕκτηومعناها السادسة أي نحو الظهر، فتشير الى وضح النهار وهي ساعة الحر التي فيها احتاج يسوع الى ماء ليشرب وسوف يحتاج الى ذلك الماء على الصليب، فيقول " أَنا عَطْشان" (يوحنا 19: 28). لكن هذه الساعة غير مناسبة للنساء والفتيات بل كن يستقين الماء من البئر في الصباح الباكر، حيث الشمس هادئة، والحاجة للماء في الاغتسال وإعداد الطعام.

7 فجاءَتِ امرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ تَستَقي. فقالَ لَها يسوع: اسْقيني.

تشير عبارة "7فجاءَتِ امرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ تَستَقي" الى عمل من شأن المرأة في الشرق. لكن ساعة مجيء المرأة غير مألوفة. وكانت النساء يخرجن للاستسقاء من الآبار وجبل المياه مرتين يوميا صباحا ومساء. وقد جاءت هذه المرأة الى البئر ظهراً ربما لتتجنب لقاء الناس، بسبب سمعتها السيئة، فجاءت في وسط الحرّ لتستقي ماء من البئر بمفردها مما يدل على انها كانت فقيرة وإلاّ أرسلت خدامها ليستقوا لها. ويذكر التقليد ان المرأة "فوتينا". نرى في هذه الآية يسوع وحده مع السامرية وهذا امر غير مُستحب في العالم اليهودي، بل الشرقي. أما عبارة "فقالَ لَها يسوع: ((اِسْقيني)) فتشير الى الاستغراب لان يهوديا يطلب جرعة ماء من سامرية. لكن يسوع أراد أن يعطي هذه المرأة رسالة خاصة عن الماء الحي الذي يُروي ظمأها الروحي الى الابد؛ ويُعلق القديس أوغسطينوس "ماذا تعني “أنا عطشان"؟ إني أتوق إلى إيمانك. ذاك الذي سأل أن يشرب كان في عطشٍ إلى إيمان المرأة نفسها ". فطعام المسيح وشرابه هو اجتذاب النفوس ليخلصها كما تبنا اشعيا "يُبَرِّرُ عَبْديَ البارُّ الكَثيرين وهو يَحتَمِلُ آثامَهم " (اشعيا 53: 11)؛ يطلب يسوع خلاص النفوس وهو يعطش لا الى الماء البئر بل الى إيمان البشر وخلاصهم. وفي الواقع لما طلب يسوع من السامرية ان يشرب قال لها: "لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ الله ومَن هوَ الَّذي يقولُ لَكِ: اسقيني، لَسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً " (يوحنا 4: 10). طلب يسوع ان يشرب ووعد ان يسقي. واهب الحياة يتحول لشحاذ محتاج ليعطي حياة. قد يطلب منا المسيح خدمة بسيطة ليمنحنا هو بركة كبيرة. ومن يُقدم خدمة للمسيح، يأخذ في مقابلها مئة ضعف كما وعد الرب " كُلُّ مَن ترَكَ بُيوتاً أَو إِخوةً أَو أَخواتٍ أَو أَباً أَو أُمّاً أَو بَنينَ أَو حُقولاً لأَجلِ اسْمي، يَنالُ مِائةَ ضِعْفٍ ويَرِثُ الحَياةَ الأَبَدِيَّة " (متى 19: 29).

8 وكانَ التَّلاميذُ قد مَضوا إِلى المَدينَةِ لِيَشتَروا طَعاماً.

تشير عبارة " المدينة " الى "سيخارَة"، وهي قرية " عسكر" في نابلس اليوم. وقد استغل السيد المسيح فرصة ذهاب التلاميذ إلى المدينة ليشتروا طعامًا ليدخل في حوارٍ مع المرأة السامرية، ليجذبها هي وأهل المدينة للخلاص.

9 فقالَت له المرأَةُ السَّامِريَّة: كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟ لِأَنَّ اليَهودَ لا يُخالِطونَ السامِرِيِّين.

تشير " كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟" الى جواب يعبر عن عدم التعامل بينهما بسبب العداوة المعروفة التي كانت بين اليهود والسامريين. أما السيد المسيح فلم ينشغل بالعداوة التي بين اليهود والسامريين، إنما ما كان يشغله هو جذبه للنفوس لتنال خلاصه، وقد عرفت السامرية يسوع أنه يهودي من ملبسه المختلف عن السامريين أو من لهجة حديثه كما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " لعلها ظنت ذلك من ملبسه ومن لهجة كلامه"؛ اما عبارة " لِأَنَّ اليَهودَ لا يُخالِطونَ السامِرِيِّين" فتشير الى عدم مخالطة بين اليهود والسامريين، فاليهود يعتبرون السامريين منشقِّين وغرباء وأنجاساً وقريبين من الوثنيين. ومقابل هذا يتحاشى السامريون اليهود. لهذا لا يطلب اليهودي منهم طعاماً (لوقا 10: 33) ولا شراباً. اما عبارة " السامِرِيِّين" فتشير الى الشعب المختلط بين الأشوريين الذين أستوطنوا في السامرة لدى احتلالها وبين اليهود الذين بقوا في السامرة. وهذا الشعب المختلط يعتبر غير نقي في راي اليهود الذين يعيشون في مملكة يهوذا. فحدث الانشقاق السامري لدى رجوع اليهود من السبي للجلاء عام 722 ق. م. وإقامة هيكل سامري منافس على جبل جرزيم. والسامريون ادَّعوا التسلسل من الاسباط العشرة، دينا نقيا مستمدا من شريعة موسى. وقد أدّى الى معارضة شديدة بين الفريقين. فكان على اليهودي المتديّن ان يتجنّب كل صلة بهم، وكم بالأحرى ان يتجنّب طلب طعام منهم واحتقروهم كما جاء في سفر سيراخ "والشَّعبُ الأَحمَقُ السَّاكِنُ في شَكيم" (يشوع بن سيراخ 50: 25-26)؛ ويتعالون عليهم. وكان اليهود إذا أرادوا أن يشتموا أحداً قالوا عنه أنه سامري وهكذا عملوا مع المسيح " أَلَسْنا على صوابٍ في قَولِنا إِنَّكَ سامِريّ، وإِنَّ بِكَ مَسّاً مِنَ الشَّيطان؟ " (يوحنا 48:8)، وبالمثل كان السامريون يكرهون اليهود. أمَّا عبارة "لا يُخالِطونَ" في الأصل اليوناني" συγχρῶνται معناها " لا يعاملون" فتشير الى ان المرأة السامرية كانت مؤدبة في استمال الالفاظ، كما يعلق يوحنا الذهبي الفم " لأنها لم تقل إن السامريين لا يختلطون باليهود، لكنها قالت "لأن اليهود لا يعاملون السامريين". اما من يقترب من المسيح، سيعرف المسيح، والمسيح سيعرفه شخصياً.

10 أَجابَها يسوع: لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ الله ومَن هوَ الَّذي يقولُ لَكِ: اسقيني، لَسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً.

تشير عبارة "لو كُنتِ تَعرِفينَ " الى ما تحتاج إليه المرأة السامرية وهو المعرفة الصادقة، معرفة عطية الله لها، ومعرفة المتحدث معها، لأنه هو العطية العظمى! هو كنز الحب الإلهي الفائق، المُروي للنفس الظمأ. اما عبارة " عَطاءَ الله " فتشير الى الحياة الابدية (يوحنا 4: 14)، وإلى الروح القدس (يوحنا 7: 38-39)، والمسيح الذي له المبادرة في عمل الخلاص كما جاء في حوار يسوع مع المرأة السامرية، ويعلق القديس اوغسطينوس "عطية اللَّه هو الروح القدس. لكن يسوع حتى ذلك الحين كان يتحدث مع المرأة بحرصٍ، ويدخل إلى قلبها تدريجيًا "؛ اما عبارة " َسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً" فتشير الى ان المعرفة الصادقة تدفع نحو الصلاة والطلب. فالله من جانبه مستعد أن يهب، لكنه ينتظر أن نعلن رغبتنا في الأخذ، نطلب فنأخذ عطية الماء الحي. جذب السيد المسيح هذه المرأة إلى طريق الخلاص، لا بالهجوم على العبادة في السامرة، بكونها منشقة، وشوهت الإيمان والعبادة، وإنما بجذب فكرها من الانشغال بالعداوة القائمة بين الفريقين إلى الدخول إلى أعماق نفسها لتعطش إلى الماء الحي، وتُدرك حاجتها إلى المخلص المسيح؛ اما عبارة " الماءً الحي " فتشير الى تعبير شائع لينابيع المياه او مياه الآبار الجارية، وهو يرمز إلى الروح القدس ، ويُعلق القديس أمبروسيوس انها " مياه نعمة الروح حيّة، التي تُطهر الأجزاء الداخلية للعقل وتغسل كل خطية للنفس، وتُطهر عصيان الأخطاء الخفيَّة". المسيح يعرض ذاته دائمًا لكي نتعرف عليه فنطلبه فيعطينا الماء الحي. الماء هو سر الحياة. والمسيح أتى ليعطينا الحياة.

11 قالَت لَه المَرأَة: يا ربّ، لا دَلْوَ عِندَكَ، والبِئرُ عَميقة، فَمِن أَينَ لَكَ الماءُ الحَيّ؟

تشير عبارة "يا ربّ" في اللغة اليونانية Κύριε ومعناها الحرفي يا سيد، الى احترام السامرية ليسوع وتوقيره، اما المسيحيون فيترجمونها "يا رب". اما عبارة " لا دَلْوَ عِندَكَ، والبِئرُ عَميقة " فتشير الى العراقيل لدى يسوع ليأتي بالماء. لكن في الواقع يشير سؤال السامرية الى سوء الفهم بين الماء الطبيعي الذي يحتاج الى دلو وبئر وحبل، وبين ماء الحياة الذي يعطيه يسوع؛ اما عبارة " فَمِن أَينَ لَكَ الماءُ الحَيّ؟" فتشير الى ان المرأة السامرية "حال ما علمت من هو يسوع استمعت إليه وأصغت، الأمر الذي لا يُقال عن اليهود، لأنهم إذ علموا ولم يسألوه شيئًا، ولا رغبوا في الانتفاع بأمرٍ ما منه، بل شتموه وطردوه" كما يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم. اما الماء الحي يرمز الى الخلاص “تستَقونَ المِياهَ مِن يَنابيعَ الخَلاصِ مُبتَهِجين" (اشعيا 12: 3) والى الحياة "يقول الرَّبّ. " فإِنَّ شَعْبي صَنَعَ شَرَّين: تَرَكوني أَنا يَنْبوعَ المِياهِ الحَيَّة" (ارميا 2/13) أو الى الحكمة " لقد تَرَكتَ يَنبوعَ الحِكمَة" (باروك 3: 12) او الشريعة او الروح (اشعيا 44: 3)؛ والينابيع وعيون المياه هي مكان اللقاء والعهد لله والانسان على السوءا " رُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه. (التكوين 1: 2). اما في إنجيل يوحنا فالماء هو عطية الروح الذي يهب الحياة الابدية "أَمَّا الَّذي يَشرَبُ مِنَ الماءِ الَّذي أُعطيهِ أَنا إِيَّاه فلَن يَعطَشَ أَبداً بلِ الماءُ الَّذي أُعطِيهِ إِيَّاهُ يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة (يوحنا 4: 14). رفع يسوع المرأة السامرية الى مستوى روحي، ساعة ارادت هي ان تبقى على مستوى الماء، والدلو والحبل.

12 هل أَنتَ أَعظَمُ مِن أَبينا يعقوبَ الَّذي أَعْطانا البِئْرَ، وشرِبَ مِنها هو وبَنوهُ وماشِيَتُه؟

تشير عبارة "هل أَنتَ أَعظَمُ مِن أَبينا يعقوبَ " الى ان السامريين كانوا يحسبون أنفسهم أبناء يعقوب، لأنهم أسباط إسرائيل العشرة التي انشقت أيام يربعام، لكنهم تزاوجوا من أمم مختلفة. فنجد السامرية تقارن يسوع مع يعقوب الذي اعطى نسله هذه البئر، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " "إن أبانا يعقوب قد أعطانا هذه البئر ولم يستعمل بئرًا غيرها، لأنه هو والمنسوبين إليه شربوا من هذه البئر، فما كانوا يشربون منها لو كانوا يمتلكون أفضل منها، فما تقدر أنت أن تعطينا أفضل من هذه البئر ومن هذا الماء "؛ اما عبارة " البِئْرَ “ في اللغة اليونانية φρέαρ فتشير الى البئر الذي ماؤه راكد وشحيح (ارميا 2: 13)، بعكس لفظة البئر πηγή التي وردت سابقا (يوحنا 4: 6) الذي يشير لينبوع طبيعي وماؤه جارٍ؛ فهناك لفظان في اليونانية للبئر: الأول πηγή يشير لينبوع طبيعي ماؤه جارٍ، ويستخدمه يوحنا إذا قالها المسيح. والفظة الأخرى اليونانية للبئر φρέαρ ويشير للبئر الذي ماؤه راكد وشحيح فيستخدمه يوحنا حين تقولها السامرية. وعليه فان يوحنا الإنجيلي يقارن بين ينبوع يعطيه الله وبئر شحيح يحفره إنسان.

13 أَجابَها يسوع: كُلُّ مَن يَشرَبُ مِن هذا الماء يَعطَشُ ثانِيَة. 14وأَمَّا الَّذي يَشرَبُ مِنَ الماءِ الَّذي أُعطيهِ أَنا إِيَّاه فلَن يَعطَشَ أَبداً بلِ الماءُ الَّذي أُعطِيهِ إِيَّاهُ يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة

تشير عبارة "كُلُّ مَن يَشرَبُ مِن هذا الماء يَعطَشُ ثانِيَة" الى ماء بئر يعقوب يستطيع ان يروي الظمأ فقط الى حين. اما " عَينَ ماءٍ " فتشير الى الحياة (اشعيا 12: 3) والى الحكمة (باروك 3: 12) والى الشريعة (اشعيا44: 3) والى الروح "سيَكونُ بَعدَ هذه أَنِّي أُفيضُ روحي على كُلِّ بَشَر"(يوئيل 3: 1) اما يوحنا الا نجيلي فيلمح هنا الى عطية الروح القدس الذي يهب الحياة الابدية (يوحنا 7: 38-39). يسوع يستطيع ان يمنح عطية الحياة الأبدية التي تنبع في النفس وتروي العطش الداخلي. يسوع المسيح، كلمة الله الحية، والكتاب المقدس الكلمة المكتوبة، قادران على اشباع جوع وعطش نفوسنا.

15 قالَت له المَرأَة: يا ربّ، أَعطِني هذا الماء، لِكَي لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا

تشير عبارة " أَعطِني هذا الماء " الى نداء ناقص، لأنه على مستوى الماء الطبيعي. واستغل يسوع الماء الطبيعي لكي يتكلم عن الماء الحياة أي الروح القدس ومواهبة وثماره المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف (غلاطية 5: 22-23). كثيرون لا يعرفون المسيح سوى للماديات، بغير تفكير في عطاياه الروحية. اما عبارة "لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا" فتشير الى فهم خاطي لرسالة المسيح، المسيح لا يزيل التحديات، بل يعيننا على معالجتها بمفهوم صحيح ومن منظور سليم.

16قالَ لَها: اِذهَبي فَادْعي زَوجَكِ، وارجِعي إِلى ههُنا

تشير " فَادْعي زَوجَكِ " الى ان يسوع أدرك ان كشف خطيئة المرأة السامرية هو الذي يوقظ احساسها ً بالذنب الشخصي. فالخطية هي العقبة في طريق نوالها للعطية السماوية، لذا يتحتم كشفها والاعتراف بها.

17 أَجابَتِ المَرأة: لَيسَ لي زَوج. فقالَ لَها يسوع: أَصَبتِ إذ قُلتِ: لَيسَ لي زَوج.

تشير عبارة " لَيسَ لي زَوج" الى إدانة السامرية نفسها على ارتباطها بزوج كهذا، إذ إنها تعيش مع من هو ليس برجلها بعد خمس زيجات، اما عبارة "أصَبتِ إذ قُلتِ: لَيسَ لي زَوج "فتشير الى قبول المسيح اعترافها الصادق وجابه خطيئتها، وكمّل ما لم تستطع البوح به من سلسلة خيانات وزنا؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " كم كانت حكمة هذه المرأة عظيمة، وكم كان خضوعها إذ قبلت التوبيخ. في هذا التوبيخ يذكر يسوع أمرين: يعدد جميع أزواجها السابقين، ويوبخها على ذاك الذي تعيش معه، وهي تحاول أن تخفي أمره. هنا ماذا صنعت المرأة؟ لم تبدِ ضيقًا ولا تركته هاربة، ولا حسبت كلامه إهانة، لكنها على العكس أبدت إعجابها به، وفاق تقديرها له، إذ قالت: " يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ ". ويضيف القديس الذهبي الفم قائلا " تأمل في الحكم العادل المستقيم لهذه المرأة، فقد اتخذت قرارها من واقع الحقائق، سواء فيما يخص أبينا يعقوب أو يسوع، أما اليهود فلم يكن رد فعلهم هكذا. إذ لما شاهدوه يطرد الشياطين منهم لم يقولوا إنه أعظم من أبينا يعقوب أب الأسباط، بل قالوا "به شيطان".

18 فَقَد كانَ لَكِ خَمسَةُ أَزْواج، والَّذي عِندَكِ الآنَ لَيسَ بِزَوجِكِ، لقَد صَدَقتِ في ذلكَ.

تشير عبارة "خَمسَةُ أَزْواج " الى خمسة اسفار الشريعة التي لا يقبل السامريون سواها في الكتاب المقدس، او تشير الى خمسة آلهة لدى السامريين وهم بَنوت، ونَرْجال، وأشيما، نِبْحازَ وترْتاق (2ملوك 17: 29-41). وربما تشير الى رقم (6) أي خمسة ازواج سابقا والزوج الحالي. والرقم (6) يدل على مستوى النقص الذي يُبقي المرأة على عطشها. اما السابع الذي هو يسوع فهو العريس الحقيقي لشعب السامرة الذي تُمثله هذه المرأة، وهو يحمل الكمال كما في عرس قانا الجليل سِتَّةُ أَجْرانٍ "كانَ هُناكَ سِتَّةُ أَجْرانٍ مِن حَجَر" (يوحنا 2: 6). كانت المرأة السامرية خاطئة، التقت بالمسيح في وضح النهار وكانت الصعوبة أمامها خطيتها. لذلك وجه المسيح كلامه إلى ضميرها لتتوب فيطهرها. كانت قوة المرأة في ضعفها بعكس نيقوديمس الذي كان ضعفه في قوته، أذ عطَّله التصاقه بالسنهدريم وخوفه على مركزه.

19 قاَلتِ المَرأَة: يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ.

تشير عبارة " نَبِيّ" الى رجل الله يعرف ما في قلب الانسان ويعلم الغيب ويرى ما لا يراه الآخرون، وان معرفته ليست مجرد معرفة بديهية بل معرفة خارقة الطبيعة. ان المرأة السامرية لاحظت ان يسوع عالم بخفايا حياتها (يوحنا 4: 16-19)، فحيّته تحيتها لرجل الله. " ولا يَحتاجُ إِلى مَن يَشهَدُ لَه في شَأنِ الإِنْسان، فقَد كانَ يَعلَمُ ما في الإِنسان"(يوحنا 2: 25)، يعرف القلوب معرفة عميقة، وهذا ما لاحظته المرأة السامرية. ولمّا أعلن المسيح فعلها المستور لم تستصعب ذلك ولا تركته وهربت، لكنها تعجبت بالأكثر لأنها قالت له: "يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ "، ودعته الى توضيح مشكلة جوهرية هي مشكلة العبادة الحقيقية.

20 تَعَبَّدَ آباؤُنا في هذا الجَبَل، وأَنتُم تَقولونَ إِنَّ المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم.

تشير عبارة " تَعَبَّدَ آباؤُنا في هذا الجَبَل " الى إبراهيم الذي بنى مذبحا للرب كما ورد في سفر التكوين " بَنى هُناكَ مَذبَحًا لِلرَّبِّ الَّذي تَجَلَّى لَه"(التكوين 12: 7) وفيه تقابل ابراهيم مع ملكي صادق حيث باركه، وتشير الى يعقوب الذي بنى هناك مذبحا للرب "أَقامَ هُناكَ مَذبَحًا ودَعاه بِاَسمِ إيل، إِلهِ إِسْرائيل " (التكوين 33: 20). وعلى هذا الجبل أوصى موسى النبي بمباركة الشعب لدى اجتيازهم نهر الأردن الى ارض الميعاد حيث وقف عليه شمعون ولاوي ويهوذا ويساكر ويوسف وبنيامين، بينما وقف رأوبين وجاد واشير وزبولون ودان ونفتالي على جبل عيبال للعنة (تثنية الاشتراع 27: 11-13). وبناء عليه أراد السامريون ان يكون جبل جرزيم منافساً ببركته لجبل صهيون في اورشليم (تثنية الاشتراع 11: 29)، فبنى سنبلط أحد قادة السامريين عام 332 ق. م. هيكل جبل جرزيم بمساعدة منسى رئيس الكهنة، وزوج ابنته بحسب ما ورد في كتابات يوسيفوس فلافيوس. وفي القرن الثاني قبل الميلاد نفى السامريون كل علاقة لهم باليهود فسلموا هيكلهم للحاكم أنطيوخس ابيفانوس السلوقي اليوناني، عام 170 طالبين منه أن يُكرسه للإله جوبتر أولمبياس، حتى لا يعانوا من الضيقات المرة التي صبّها انطيوخس عليهم. لكن يوحنا هركانوس، قائد المكابيين دمر هيكل السامريين في السنة 129 ق. م. ولم يبنى الهيكل ثانية. وبالرغم من ذلك يزال السامريون يذبحون حتى اليوم حمل الفصح فوق جبل جرزيم. اما عبارة " وأَنتُم تَقولونَ إِنَّ المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم " فتشير الى اليهود الذين حسبوا صهيون مسكن الله، وعليه أقيم الهيكل ومارس الكهنة واللاويون العبادة في اورشليم.

21 قالَ لَها يسوع: صَدِّقيني أَيَّتُها المَرأَة تَأتي ساعةٌ فيها تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجَبَل ولا في أُورَشَليم

تشير عبارة " المَرأَة " الى شخص فرد ولكن من خلال هذه المرأة نرى شعب السامريين الذين سيأتون الى يسوع ويدعونه "مخلص العالم" (يوحنا 4: 22)؛ اما عبارة " تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجَبَل ولا في أُورَشَليم" فتشير الى مفهوم عبادة غير محددة باي مكان واحد، ويُعلق العلامة أوريجانوس " الإنسان الكامل والمقَّدس يتعدى حتى هذا، إذ يعبد الرب بطريقة تأملية وإلهية بالأكثر. فكما أن الملائكة (كما يتفق حتى اليهود) لا يعبدون الآب في أورشليم، لأنهم يعبدونه بطريقة أفضل عمَّن يعبدون في أورشليم، هكذا الذين يستطيعون أن يكونوا مثل الملائكة (لوقا 2: 36) في ميولهم لا يعبدون الآب في أورشليم، بل بطريقة أفضل "، اما القديس يوحنا الذهبي الفم فقد أوضح ذلك بقوله " إنه لم يفضل مكانًا آخر، إنما أعطى الأفضلية للنية "

22 أَنتُم تَعبُدونَ ما لا تَعلَمون ونَحنُ نَعبُدُ ما نَعلَم لِأَنَّ الخَلاصَ يَأتي مِنَ اليَهود

تشير عبارة "أَنتُم تَعبُدونَ ما لا تَعلَمون " الى ما وليس لمن، أي العقائد والشرائع والنواميس. فالمسيح لا يتكلم عن شخص الله بل عن أصول العبادة. فالسامريون ينكرون أسفار الأنبياء التي تمهد طريق المعرفة للتعرف على شخص المسيح المخلص؛ والحقيقة أن المسيح (الخلاص) سيتجسد ويأتي من اليهود، وهذه الحقيقة أعلنها الأنبياء، ويعلق القديس يوحنا لذهبي الفم " إن سألت: كيف لم يعرف السامريون من هو الذي يسجدون له؟! أجبت: لأنهم اعتقدوا أن الله يحده مكان معين ويتحيز لهم، لهذا يسجدون له. ظنوا أنه يوجد إله محدود، ومن اجل استرضوه وعبدوه"؛ أما اليهود فكانوا بعيدين عن هذا الظن، فقد عرفوا الله أنه إله المسكونة كلها، وإن كان هذا الرأي لم يكن رأيهم كلهم"؛ واما عبارة “ونَحنُ نَعبُدُ ما نَعلَم " فتشير الى ان المسيح كلمها بلغة السامرية " أنتم ونحن". المسيح كابن إنسان ضمَّ نفسه في تواضع لجمهور العابدين من خلال الأسفار الإلهية الشريعة والمزامير والأنبياء. ويعلق القديس أمبروسيوس " يقول "نحن" إذ يضم نفسه مع البشر بحسب الجسد، ولكي يظهر أنه أجاب كمتجسدٍ، إذ يضيف "الخلاص من اليهود"؛ اما عبارة "ألان" فتشير الى وجود المسيح الآن، به عرفنا الآب، وبه الحق عرفنا الحق، وبه الروح أرسل لنا الروح يقودنا في العبادة. العبادة الحقيقية قائمة على عطية الروح القدس الذي يعرّفنا بالله كآبٍ فنعبده. وهذه العبادة بدأت منذ الآن مع المسيح وتجاوزت عبادة هيكل اورشليم ومعبد السامريين في جبل جرزيم (اعمال الرسل 7: 47-48)؛ اما عبارة "الخلاص يأتي من اليهود" فتشير الى ان الله هيّا الشعب اليهودي لكي يتبارك به كل الامم كما وعد الله أبينا أبراهيم "َيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض" (تكوين 12/3) ويكون هذه الشعب نورا للأمم العالم ويجذبوهم الى معرفة الله كما تنبا الأنبياء بمجيء المسيح ليخلص الامة والعالم كله. وكانت المرأة السامرية تعلم هذه الاقوال لأنها كانت تنتظر مجيء المسيح. وقد اكّد ذلك بولس الرسول إذ سلمت لهم التعاليم الإلهية "أَنَّهمُ ائتُمِنوا على كَلام الله" (رومة 3: 2)، وخدمة الله "أُولئِكَ الَّذينَ هم بَنو إِسرائيل ولَهُمُ التَّبَنِّي والمَجْدُ والعُهود والتَّشريعُ والعِبادَةُ والمَواعِدُ ” (رومة 9: 4)، ومنهم جاء المسيح "مِنهمُ المسيحُ مِن حَيثُ إِنَّه بَشَر" (رومة 9: 5)، ومنهم تبدأ الكرازة بالإنجيل للأمم. وبهذا المعنى ان الخلاص من اليهود، إذ ان يسوع يهودي وبه ينال العالم الخلاص.

23 ولكِن تَأتي ساعةٌ -وقد حَضَرتِ الآن -فيها العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ فمِثْلَ أُولِئكَ العِبادِ يُريدُ الآب

تشير عبارة "تَأتي ساعةٌ" الى الساعة التي جاء فيها ابن الإنسان ليرفع الإنسان من الحرف إلى الروح، اما عبارة " يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ " فتشير الى ان المسيح يحدد الطبيعة الحقيقية للعبادة، فالمكان ليس مهما بقدر العبادة الشخصية الروحية، التي تقدم الى الله بالروح. إن الروح القدس يصلي من أجلنا (رومة 8: 26)، ويُعلمنا اقوال المسيح "المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء (يوحنا 4: 25) ويعيننا ان نحس بالحب " مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا "(رومة 5: 5). اما شروط العبادة الحقيقية فهي حقيقة داخلية وإخلاص في القصد والغرض. والمؤمن يستطيع بفضل عطية الروح القدس ان يعرف الله ويعبده على أنه الآب. وهذه هي العبادة الحق التي تمتاز بها الأزمنة الأخيرة التي بدأت مع يسوع المسيح، ولذلك ستعتبر كل عبادة أخرى، ولا سيما العبادة التي تُقام في هيكل اورشليم منتهية بائدة كما جاء في اعمال الرسل " على أَنَّ العَلِيَّ لا يَسكُنُ في بُيوتٍ صَنَعَتها الأَيدي كما يَقولُ النَّبِيّ " (اعمال الرسل 7: 47-48). ويعلق القديس أوغسطينوس "أتريد أن تصلي في هيكلٍ؟ الجبل في داخلك، إن كنت أنت أولًا هيكل اللَّه، لأنه في هيكله يسمع من يصلي". ويقول بولس الرسول "لأَنَّ هَيكَلَ اللهِ مُقدَّس، وهذا الهَيكَلُ هو أَنتُم" (1 قورنتس 3: 17). فالمسيح لا يركز على مكان العبادة بقدر تركيزه على كيفية تقديم العبادة لله الذي هو روح. فالله الآب يطلب العبادة بالقلب، إذ قيل: " فإِنَّه مَن ذا الَّذي يَرهَنُ نَفْسَه بِدُنُوِّه إِلَيَّ يَقولُ الرَّبّ؟ " (ارميا 30: 21).

24 إِنَّ اللهَ رُوح فعَلَى العِبادِ أَن يَعبُدوهُ بِالرُّوحِ والحَقّ.

تشير عبارة " اللهَ رُوح" والاصل يوناني πνεῦμα ὁ θεός يضع كلمة "روح" قبل كلمة "الله"، أي روحُ هو الله. وبذلك يضع النبرة في الروح، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " قول المسيح للمرأة السامرية: "الله روح" لا يدل على معنى آخر إلا على أنه خالٍ من جسم، لذلك ينبغي أن تكون عبادة خالية من جسم أيضًا، أي أن تكون بروحنا وبنقاوة عقلنا"، ويوضّح القديس هيلاريوس أسقف بواتييه ان "الله روح" لا تغيّر الحقيقة أن الروح القدس له اسمه الخاص به، وأنه هو العطية المقدَّمة لنا “؛ اما عبارة " بِالرُّوحِ والحَقّ " فتشير الى العبادة الحقة التي تتماشى مع طبيعة الله. الله روح وعبادته تكون بالروح. فهو لا يرتبط بمكان وزمان، كما يقول بولس الرسول: " فاللهُ الَّذي أَعبُدُ في رُوحي" (رومة 1: 9). والعبادة تعني السجود لله وتقديم تسبيح وشكر لله بحب وانسحاق أمامه تعالى؛ فالله يسكن عند المنسحق والمتواضع القلب كما تنبأ اشعيا " أَسكُنُ في العَلاءِ وفي القُدْس ومع المُنسَحِقِ والمُتَواضِعِ الرُّوح"(اشعيا 15:57)؛ اما عبارة "الحق " فتشير الى الديانة التي هي "في الحق"، لأنها مبنية على وحي الآب عن ذاته وعن حبه في ابنه الذي هو الحق " كما صرّح يسوع " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي" (يوحنا 14: 6).

25 قالَت لَه المرأة: إِنِّي أَعلَمُ أَنَّ المَشيحَ آتٍ، وهو الَّذي يُقالُ لَه المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء.

تشير عبارة "المَشيحَ" بالعبرية מָשִׁיחַ واليونانية Μεσσίας أي مسيا كما ينطقها السامريون والذي يقال له المسيح Χριστός، كما علق يوحنا البشير. والمسيح هو النطق اليهودي. اما عبارة "المَشيحَ آتٍ " فتشير الى تحقيق الوعد الإلهي الخاص بمجيء المسيح الذي تتم فيه نبوة موسى "يُقيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِثْلي مِن وَسْطِكَ، مِن إِخوَتكَ، فلَه تَسْمَعون" (تثنية الاشتراع 18: 15)؛ ويعلق القديس أوغسطينوس " كان اسم "المسيح" ليس بجديدٍ على السامرية، كانت بالفعل تترقب مجيئه. لقد آمنت بالفعل أنه قادم. من أين كان لها أن تؤمن بهذا لو لم يغرسه موسى؟" واما اليهود فكانوا ينتظرون المسيح كما ورد في انجيل يوحنا "التَفَّ علَيه اليَهودُ وقالوا له: حَتَّامَ تُدخِلُ الحَيرَةَ في نُفوسِنا؟ إِن كُنتَ المَسيح، فقُلْه لَنا صَراحَةً" (يوحنا 10: 24)؛ اما عبارة "إِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء" فتشير الى ان السامرية تفضل ان تنتظر الاعلام الاكمل الذي سوف يأتي به المسيح المنتظر حول ملكوت الله الذي كله خيرات.

26 قالَ لَها يسوع: أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ.

تشير عبارة " أَنا هو " الى ان يسوع يطلق على نفسه اسم الله الشخصي كما اوحاه الله الى موسى النبي " أَنا هو مَن هو " אֶהְיֶה אֲשֶׁר אֶהְיֶה (خروج 3: 14-15). لم يتحدث السيد المسيح مع اليهود، ولا حتى مع تلاميذه بعبارات مباشرة بهذه الصورة، إنما أعلن أنه المسيح في عالم السامرة، لان لا خوف من النظرة السياسية التي ترتبط بهذا اللقب في اليهودية. ولم يقرْ يسوع يوماً لنفسه بلقب المسيح، ما عدا مرة واحدة وذلك في حديثه مع المرأة السامرية، فد صرّح علانيةً انه المسيح المنتظر، ملك؛ لان السامريون كانوا ينتظرون مسيحا بمثابة ملك نبوي مثل موسى، وبالتالي لم يكونوا يتنظرون مسيحا سياسيا بل قائدا روحيا، ولذا كشف يسوع عن هويته الملوكية المسيحانية للمرأة السامرية، يقيناً منه أنها ستفهم نوعا ما معنى مُلك يسوع المسيحاني.

27 ووَصَلَ عِندَئِذٍ تَلاميذُه، فعَجِبوا مِن أَنَّه يُكَلِّمُ امرَأَة، ولكِن لم يَقُلْ أَحَدٌ مِنهم: ((ماذا تُريد؟)) أَو ((لِماذا تُكَلِّمُها؟))

تشير عبارة " فعَجِبوا مِن أَنَّه يُكَلِّمُ امرَأَة " الى العادة التي كانت تمنع الرجل عن مخاطبة امرأة لا يعرفها، وخاصة ان يسوع المعلم الديني يتحدث مع امرأة، وأكثر من ذلك امرأة سامرية علناً. ولم يكن من عادة الرجال أن يتحدثوا مع نساء في الطريق، حتى وإن كانت زوجاتهم، وقد وجدت قوانين كثيرة سنَّها الحاخامات في هذا الشأن. فكان اليهود يحتقرون المرأة، ومن أقوالهم "أشكرك أنت الرب الذي لم تخلقني امرأة ولا أمميًا ولا عبدًا" (الخدمة اليومية في المجامع). لذا لم يفهم التلاميذ هذه النظرة وخاصة ان يسوع يعمل ما يطلبه الآب السماوي منه (يوحنا 4: 23) وجاء لينتزع عزلة الخطأة مثل المرأة السامرية (يوحنا 4: 27). اما النظرة المسيحية فتختلف كما جاء في تعليم بولس الرسول “لَيسَ هُناكَ يَهودِيٌّ ولا يونانِيّ، ولَيسَ هُناكَ عَبْدٌ أَو حُرّ، ولَيسَ هُناكَ ذَكَرٌ وأُنْثى، لأَنَّكم جَميعًا واحِدٌ في المسيحِ يسوع" (غلاطية 28:3).

28 فتَركَتِ المَرأَةُ جَرَّتَها، وذَهبَت إِلى المَدينة فقالَت لِلنَّاس

تشير عبارة " تَركَتِ المَرأَةُ جَرَّتَها " الى ان المرأة لم تعد بحاجة الى ماء البئر، بعد ان احست بماء آخر بدا يفيض فيها، فتركت جرّتها كما عمل الرسل لما دُعوا تركوا شباكهم، ليتبعوا يسوع (مرقس 1: 18). فمن ذاتها تركت جرتها وعملت عمل المبشرين. فترك الجرة علامة على حدث انقلاب كامل في حياتها، إنها تعلن عن ترك كل حياتها القديمة؛ ويعلق العلامة أوريجانوس "ربما تركت جرة الماء التي كانت في بئر تعتز بعمقها، أي بالتعاليم، إذ احتقرت الأفكار التي سبق أن قبلتها، وتقبلت جرة أفضل من جرة الماء، تحوي ماءً نبع حياة أبدية". وإذا ربطنا هذه الجرة بالجرار الست في عرس قانا الجليل، نرى اليهود والسامريين معا في وليمة يسوع مع تلاميذه. أمَّا عبارة " ذَهبَت إِلى المَدينة فقالَت لِلنَّاس " فتشير الى ان المرأة السامرية أصبحت اول مبشرة فجاءت بالناس الى يسوع الذي هو المسيح لدى السامريين قبل فيلبس أحد الشمامسة السبعة (اعمال الرسل 8). فاجتذبها يسوع إلى خلاصها، بل وجعلها مبشرة بالخلاص. من عرف المسيح يود ان يُخبر كل الناس عنه كما صرّح يوما بولس الرسول " إِذا بَشَّرتُ، فلَيسَ في ذلك لي مَفخَرَة، لأَنَّها فَريضةٌ لا بُدَّ لي مِنها، والوَيلُ لي إِن لم أبَشِّر!" (1 قورنتس 9: 16). اكتشفت السامرية النبع الحقيقي وارتوت منهُ، حصلت على الخلاص وشاركت به. وتغير توجه حياتها فبعد ان كانت هاربة من الناس أصبحت تبشر الناس. فإنّ القيام بالرسالة بعد الارتداد لن يكون إلاّ بعد اكتشاف حقيقيّ للربّ، واكتشاف تعاليمه، وبعد اقتناع شخصيّ.

29 هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟

تشير عبارة " فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ " الى ان السامرية لم تخجل من قولها إن يسوع قال لها كل مع فعلته. فكان تأثير يسوع في هذه المرأة السامرية الى حد انها لم تَعد كما كانت قبل لقائها بالرب، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "إنها لم تعد تنظر إلى ما هو أرضي، ولا تعود تلقي بالًا إلى مجد دنيوي أو عارٍ، لكنها أصبحت منتمية إلى شيءٍ واحدٍ فقط، وهي تلك الشعلة المقدسة المتقدة داخلها والممتلئة به"، اما القديس كيرلس الاورشليمي يقول": رئيس الكهنة لم يعرف يسوع، والسامرية أعلنت عنه قائلةً: "ا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟"؛ اما عبارة " أَتُراهُ المَسيح؟" فتشير الى ان الرجل الذي كشف قلبها ومسلكها لا بد ان يكون " المسيح"، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " كانت السامرية حكيمة في كرازتها، إذ لم تملي عليهم إيمانها به، بل بحكمة طلبت منهم أن يأتوا وينظروا ليتحققوا من شخصه: أَتُراهُ المَسيح؟ انظر حكمة المرأة إنها لم تجزم أنه هو المسيح بحكم واضح ولا صمتت، لأنها أرادت أن تجتذبهم إليه، ليس بحكمها هي، وإنما باستماعهم له". أعلن يسوع أنه المسيح للسامرية، ورى فيه السامريون مخلص العالم.

30 فخَرَجوا مِنَ المَدينةِ وساروا إِليه

تشير هذه الآية الى ان السامرية أصبحت العلة لخروج السامريين من المدينة ويأتون إلى يسوع؛ إذ ايقظت اهتمام اهل السامرة بصورة جعلتهم يخرجون من المدينة ويأتون لرؤية يسوع، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " آمنت المرأة السامرية على الفور، وبذلك اتضح أنها أكثر حكمة من نيقوديمس، بل وأكثر شجاعة وثباتًا. لأن نيقوديمس بعد أن سمع قدر ما سمعت المرأة آلاف المرات لم يذهب ويدعو آخرين لسماع هذه الكلمات، ولا تحدث بصراحة على الملأ. لكن هذه المرأة فعلت ما لم يفعله الرسل، إذ قامت بالكرازة للجميع تدعوهم إلى المسيح. بذلك قادت مدينة بأكملها إلى الإيمان بيسوع المسيح." امرأة سامرية لها ماضٍ مؤلم أصبحت أول مُبشِّرة بالأخبار المفرحة للسامرة، فتكسب المدينة كلها لحساب السيد المسيح.

31 وكانَ تَلاميذُه خِلالَ ذلكَ يقولونَ لَه مُلِحيِّن: راِّبي، كُلْ. 32 فقالَ لَهم: لي طَعامٌ آكُلُه أَنتُم لا تَعرِفونَه.

تشير عبارة "راِّبي، كُلْ." الى ان التلاميذ ينشغلون بتقديم طعام للسيد المسيح، لأنه كان جائعًا ومُتعباً بينما انطلقت المرأة السامرية للكرازة بكل قوة؛ اما عبارة " لي طَعامٌ آكُلُه أَنتُم لا تَعرِفونَه " فتشير الى طعام روحي الذي هو العمل بمشيئة الله، وهي هنا خلاص النفوس. واما التلاميذ فظلوا على مستوى الطعام المادي؛ ويعلق العلامة أوريجانوس " طعام المسيح، الذي لم يكن يعرفه التلاميذ عندئذ، لأنهم لم يكونوا يعرفوا ما كان يسوع يفعله حينما كان يفعل إرادة من أرسله ويتمم أعماله الكاملة. إنه يفعل إرادة الآب التي هي واحدة مع إرادته". ويؤكد ذلك القديس أوغسطينوس " أن طعام السيد المسيح هو أن يتمم إرادة الآب". وأي طعام أكثر بهجة من عمل مشيئة اللَّه؟ ويفسر القديس ايرونيموس إرادة الاب هنا بقوله " كان الرب جالسًا جائعًا وعطشانًا اقتات بإيمان المرأة السامرية ". وإذا كان الماء يرمز الى العماد، فالطعام يرمز الى الافخارستيا لاسيما ونحن في إطار الأزمنة الأخيرة في حصاد وفيرة (يوحنا 4: 35-36).

33 فأَخَذَ التَّلاميذُ يتساءلون: ((هل جاءَهُ أَحَدٌ بِما يُؤكَل؟)). 34قالَ لَهم يسوع: ((طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه.

تشير عبارة "هل جاءَهُ أَحَدٌ بِما يُؤكَل؟" الى ان التلاميذ يفسرون كلام يسوع حرفيا، في حين يتحدث بصورة روحية؛ اما عبارة " طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" فتشير الى انتعاش وقوت يسوع عن طريق اطاعته لمشيئة الله. ومشيئته هي خلاص النفوس، وهذه هي إرادة الآب التي أرسله لأجلها. وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول "فإِنَّه يُريدُ أَن يَخْلُصَ جَميعُ النَّاسِ ويَبلُغوا إِلى مَعرِفَةِ الحَقّ" (1 طيموتاوس 4:2). ليتنا نأكل خبز الحكمة، ونشبع بكلمة اللَّه. لأن حياة الإنسان التي خُلقت على صورة اللَّه لا تتحقق بِالخُبزِ وَحدَه بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله " (متى 4:4).

35 أَما تَقولونَ أَنتُم: هي أَربعةُ أَشهُرٍ ويأتي وَقْتُ الحَصاد؟ وإِنِّي أَقولُ لَكم: اِرفَعوا عُيونَكم وانظُروا إِلى الحُقُول، فقَدِ ابْيَضَّت لِلحَصاد.

تشير عبارة " أَربعةُ أَشهُرٍ " الى ان الحادثة وقعت نحو منتصف كانون الأول، إذ جاء السيد المسيح إلى اليهودية بعد أن احتفل في العيد في أورشليم (يوحنا 3: 22)، والآن يتركها بعد أربعة أشهر من الحصاد؛ أي مكث فيها حوالي ستة أشهر. اما عبارة " اِرفَعوا عُيونَكم" فتشير الى كلمة يسوع المسيح الذي يحثنا على رفع أفكارنا وبصيرتنا وانظارنا إلى فوق كما جاء في اشعيا:" إِرفَعوا عُيونَكم إِلى العَلاءِ وآنظُروا مَنِ الَّذي خَلَقَ هذه الَّذي يُخرِجُ قُوَّاتِها بِعَدَد ويَدْعوها جَميعاً بِأَسْمائِها لِعَظَمَةِ قُدرَته وشِدَّةِ قُوَّتِه فلا يَنقُصُ أَحَدٌ مِنها ((اشعيا 40: 26) . اما عبارة "ابْيَضَّت لِلحَصاد" فتشير الى مقدرة الانسان الى معرفة أوان الحصاد إذا نظر الى الحقول. لكن الحصاد في آخر الأزمنة قد ابتدأ ولا بد ان يمتد الى انحاء العالم كله (يوحنا 4: 42). والسامريون الذين يقتربون هم البواكير (متى 9: 37-38). لا يتكلم المسيح علن حصاد القمح بل حصاد المؤمنين الذي بدأت ثماره تظهر في إيمان السامريين، ويُعلق العلامة أوريجانوس" الحقول التي غُرست فيها البذور هي كتابات الناموس والأنبياء التي لم تكن قد ابيضت بالنسبة للذين لم يتقبلوا حضور الكلمة. لكنها صارت هكذا بالنسبة للذين صاروا تلاميذ ابن الله، وأطاعوه".

36 هُوَذا الحاصِدُ يَأخُذُ أُجرَتَه فيَجمَعُ الثَّمَرَ لِلحَياةِ الأَبدِيَّة فيَفرَحُ الزَّراعُ والحاصِدُ معاً 37وبِذلِكَ يَصدُقُ المَثَلُ القائل: الواحِدُ يَزرَعُ والآخَرُ يَحصُد. 38 إِنِّي أَرسَلتُكُم لِتَحصُدوا ما لم تَتعَبوا فيه. فغَيرُكُم تَعِبوا وأَنتُم دَخلْتُم ما تَعِبوا فيه.

تشير عبارة "الزَّراعُ ُ" الى الأنبياء الذين زرعوا ولم يحصدوا، اما عبارة " الحاصِدُ " فتشير الى الرسل. واما عبارة " فغَيرُكُم تَعِبوا " فتلمح الى انبياء العهد القديم (العبرانيين 35:11-40) او يوحنا المعمدان. فالعمل الشاق الذي يتطلب جهدًا هو غرس البذور ودخول النفس إلى معرفة الله. هذه هي رغبة الأنبياء وعمل يوحنا المعمدان أن يحضروا كل البشر للرب؛ اما عبارة " وأَنتُم دَخلْتُم ما تَعِبوا فيه" فتشير الى التلاميذ حصَّادي الأزمنة الأخيرة، فهم يحصدون ما كلّف الزارع اتعاباً وآلاما: وهو تلميح الى الأنبياء الذين علموا قبلهم ولا سيما يسوع الذي عاد هيأ هذا العمل بشكل خاص. فلم يبقَ للتلاميذ الا ان يجنوا أتعابه.

39 فآمَنَ بِه عَدَدٌ كَثيرٌ مِن سامِريِّي تِلكَ المَدينَة عن كَلامِ المَرأَةِ الَّتي كانَت تَشهَدُ فتَقول: ((إِنَّه قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ)).

تشير عبارة "آمَنَ بِه عَدَدٌ كَثيرٌ مِن سامِريِّي تِلكَ المَدينَة عن كَلامِ المَرأَةِ " الى ايمان السامريين بسبب شهادة المرأة. لكن بعد أن استمعوا للمسيح آمنوا به أكثر جدًا بسبب كلامه. والعجيب أن أهل السامرة لم يطلبوا آيات ولا معجزات بل اقتنعوا بتعليم واقوال المسيح.

40 فلَمَّا وصَلَ إِلَيه السَّامِريُّونَ سَأَلوهُ أَن يُقيمَ عِندَهم، فَأَقامَ هُناكَ يَومَيْن.

تشير عبارة " يُقيمَ عِندَهم " الى ان السامريين في نابلس يسألونه أن يمكث معهم، اما في إنجيل لوقا فنجد بعضا من السامريين رفضوا أن يَعبر يسوع مدينتهم " فأَرسلَ رُسُلاً يَتَقَدَّمونَه، فذَهبوا فدَخَلوا قَريَةً لِلسامِريِّين لِيُعِدُّوا العِدَّةَ لِقُدومِه فلَم يَقبَلوه لِأَنَّه كانَ مُتَّجِهاً إِلى أُورَشَليم"(لوقا 9: 53). ففي كل شعب نجد من يقبل الحق، ومن يرفضه. اما عبارة "َأَقامَ هُناكَ يَومَيْن" فتشير الى ان يسوع يقيم مع الذين يطلبونه، خاصة عندما يترك سائليه مدينتهم، ويأتون إليه، ويعلق العلامة أوريجانوس " بقي يسوع يومين مع الذين يسألونه، لأنهم لم يدركوا بعد يومه الثالث، إذ كانوا غير قادرين على إدراك أي معجزة مثل هؤلاء الذين أكلوا مع يسوع في اليوم الثالث في عرس قانا الجليل" (يوحنا 2: 1). واما القديس أوغسطينوس فيعلق "قضى يومين في السامرة فآمن به السامريون، وقضى أيامًا كثيرة في الجليل ومع ذلك لم يؤمن به اهل الجليل. لم ينتظر السامريون آية، بل آمنوا بمجرد كلمته وبحديثه".

41 فآمَنَ مِنهُم عَدَدٌ أَكبَرُ كَثيراً عن كلامِه،

تشير عبارة " آمَنَ " الى ان الايمان ليس اختباراً منقولا، بل انه ثقة حية تستند الى كلمة المسيح. لقاؤهم معه وهبهم نموًا في الإيمان وتزايدًا في عدد المؤمنين. وبالرغم من أن السامريين لم يروا معجزة ما، لكن ما اجتذبهم إلى السيد المسيح هو شخصه وحديثه الإلهي. تمتَّعوا بكلمته واهبة الحياة. فقد وركز السيد المسيح على شخصه لكي يقبله الأمم ويتمتعوا بعمله الخلاصي؛ ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " سيُدين هؤلاء السامريون اليهود بإيمانهم بالمسيح وقبولهم إياه، لأن أولئك اليهود بعد كل أعماله وعجائبه قاوموه، أما السامريون فبدون آيات أظهروا إيمانهم به".

42 وقالوا لِلمَرأَة: ((لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ، فقَد سَمِعناهُ نَحنُ وعَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً)).

تشير عبارة " لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ" الى إيمان خالص، والدليل على ذلك أولًا لأن إيمانهم كان خاليُا من عجائب شاهدوها. والرغم من أنهم سمعوا المرأة السامرية في ارتياب " أَتُراهُ المَسيح؟ لم يقولوا إننا نظن أنه المسيح، لكنهم قالوا: " عَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً "؛ اما عبارة " فقَد سَمِعناهُ نَحنُ " فتشير الى ان شهادة المرأة السامرية أمام السامريين أدَّت الى مرحلة من مراحل الايمان، والايمان يزدهر بالإصغاء الى كلام المسيح وخاصة ي لقائه الشخص. فلا بُد من الخبرة الشخصية لتعميق الايمان. وقد كان إيمان السامريين يقينًا بالحقيقة "المسيح مخلص العالم"، ولسان حالهم ما قالت ملكة سبأ لسليمان الملك: " صَدَقَ الكَلامُ الَّذي سَمِعتُه في أَرضَي عن أقْوالِكَ وعن حِكمَتِكَ، ولم أُصَدِّقْ ما قيلَ لي حَتَّى قَدِمتُ ورَأَيتُ بِعَينَيَّ، فإِذا بي لم أُخبَرْ بِالنِّصف، فقَد زِدتَ حِكمَةً وصَلاحًا على الخَبَرِ الَّذي سَمِعتُه" (1ملوك 10: 6-7). ويعلق العلامة أوريجانوس " ليس بالأمر المدهش في الحقيقة أن البعض يُقال عنهم أنهم يسلكون بالإيمان لا بالعيان، وآخرين يسلكون بالعيان (الداخلي) الذي هو أعظم من السلوك بالإيمان"؛ اما عبارة " مُخَلِّصُ العالَمِ" فتشير الى لقب يُطلق أحيانا على الرب في العهد القديم (اشعيا 19: 20)، وأطلقه كتُّاب العهد الجديد على يسوع بوجه عام (متى 1: 21) وينفرد يوحنا باستعمال عبارة " مخلص العالم" (1 يوحنا 4: 14) التي تشير الى شمولية الخلاص. فيسوع هو أكثر من معلم كما انتظره السامريون، انه المخلص ومخلص العالم. فخلاصه لا يتوقف عند اليهود (يوحنا 4: 22)، بل يصل الى السامريين والى العالم كله (يوحنا 3: 16).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 4: 5-42)، نستنتج انه يتمحور حول حوار عن هوية المسيح وموضوع العبادة لدى السامريين في نابلس. ومن هنا نبحث في حوار عن هوية المسيح مع السامرية والسامريين ثم موضوع العبادة

1) حوار عن هوية المسيح

في مقابلة نشرت في إذاعة الفاتيكان لعام 2016 قال البابا فرنسيس: "إن الحوار يسمح للأشخاص بالتعرف على بعضهم البعض وفهم حاجات بعضهم البعض. وهو أولاً علامة لاحترام كبير، لأنه يضع الأشخاص في موقف إصغاء. ثانيًا، هو تعبير عن المحبة لأنه، بغض النظر عن الاختلافات، يمكنه أن يساعد في البحث عن الخير العام ومقاسمته. واخيراً يدعونا الحوار لنضع أنفسنا أمام الآخر ونراه كعطية من الله الذي يسألنا ويطلب منا أن نعترف به".

نستنتج ان الحوار يُشكّل تعبيرًا عن الحاجّة القصوى لمحبة المسيح الله الذي يذهب للقاء الجميع. إن الحوار يهدم جدران الانقسامات ويخلق جسور التواصل ولا يسمح لأحد العزلة والانغلاق على ذاته في عالمه الصغير. لقد كان يسوع يعرف جيدًا ما كان في قلب السامرية الخاطئة؛ ومع ذلك لم يمنعها من التعبير عن ذاتها، بل تركها حتى أنهت حديثها، ودخل شيئًا فشيئًا في سر حياتها.

أ‌) الحوار مع السامرية (يوحنا 4: 6-25)

ينتقل يسوع من اليهودية الى الجليل مروراً بالسامرة حيث يلتقي امرأة سامريّة عند بئر يعقوب وقد قلب حياتها. تجاوز كل الحواجز الجغرافية والثقافية والدينية من اجل حوار الخلاص لأنه يهتم بالنفس البشرية. فالتقليد اليهودي كان يعتبر المرأة السامرية دنسة منذ ولادتها. والدليل على ذلك ان الكلام مع امرأة أدهش التلاميذ. أجتاز يسوع الحواجز الجغرافية حيث كان يجب ان يمر في السامرة، وهذه الضرورة ليست جغرافية بل خلاصيه. بادر يسوع بالحوار مع السامرية ودار الحوار على الماء والطعام.

ومن خلال الحوار كشف السيد المسيح للسامرية عن شخصه بشكل تدريجي في بداية حديثه معها حسبته يهوديًا (يوحنا 4: 9) لا يخالط السامريين (يوحنا 4: 9)، ودعته: "يا سيد" (يوحنا 4: 11)، وتوقعت أنه أعظم من يعقوب أب الاسباط (يوحنا 4: 12)، وآمنت أنه واهب المياه الحية (يوحنا 4: 15)، وأنه نبي (يوحنا 4: 19)، وتوقعت أخيرا أن يكون المسيا المنتظر (يوحنا 4: 25)، فقال لها: " أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ " (يوحنا 4: 26)، وقال" لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ الله ومَن هوَ الَّذي يقولُ لَكِ: اسقيني، لَسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً" (يوحنا 4: 10). فأصبح لسان حالها كلام ارميا النبي في مناجاته مع الله " قد استَغوَيتَني يا رَبُّ فآستُغْويت قَبَضتَ علَيَّ فغَلَبتَ" (ارميا 20: 7). لقد تطور الحوار بين المسيح والمرأة السامرية بصورة تدريجية فاكتشفت فيه هوية يسوع انه يهودي عطاء الله وربٌ ونبييٌ ومسيح؛ واما حواره مع السامريين كشفوا ان يسوع هو مخلص العالم.

يهودي (يوحنا 4: 9)
اكتشفت السامرية من خلال الحوار مع يسوع انه يهودي فقالت له ((كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟ " (يوحنا 4: 9). اليَهودَ لا يُخالِطونَ السامِرِيِّين، ولكن ليس يهوديا مثل الاخرين: انه يطلب من السامرية ان تسقيه! واليهود، في الواقع، كما يوضح يوحنا الإنجيلي، لا يخالطون السامريين، وقد صدر تنظيم سنة 76-66 يعتبر كل امرأة سامرية نجسة. ونتيجة لذلك حُرّم على اليهودي ان يستعمل إناء سامرية، وخاصة عذا كانت قد شربت منه.

اما يسوع فإنه تخلَّى عن تلك المنازعات، وهمّه خلاص النفوس فهو يعطش لا الى ماء البئر بل الى إيمان السامرية وخلاص. وقد امتدح أناسا من السامرة كالأبرص الذي عاد يشركه على الشفاء من دون البرص التسعة الاخرين (لوقا 10: 30-37)، والسامري الرحيم (لوقا 10: 33-38) وقبل صعوده الى السماء أوصّى الرسل الالتزام بالخدمة في السامرة: "تكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وكُلِّ اليهودِيَّةِ والسَّامِرَة، حتَّى أَقاصي الأَرض " (أعمال 1: 8).

عطاء الله: (يوحنا 4: 10)
ظل يتكلم يسوع مع المرأة السامرية بكلام ضمني وغامض حتى دخل شيئا فشيئا في قلبها، فأظهر لها نعمة الله " لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ الله ومَن هوَ الَّذي يقولُ لَكِ: اسقيني، لَسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً)). (يوحنا 4: 10). ان الأنبياء (عاموس 8: 11) وأشعيا (55: 1) وباروك (3: 12) وكتب الحكمة (الامثال 13: 14، ابن سيراخ 15: 1-3) كلهم رمزوا بنبع ماء الحي الى كلمة الله، والى الشريعة والى الحكمة. فالماء الحي الذي يعد به يسوع، يعني وحي الله الى البشر في كلمته وفي شخصه بالذات. هذا هو عطاء الله. فهذا الماء يصبح لمن يشربه، أي لمن يؤمن بالمسيح وبكلامه، نبع حياة لا ينضب، بفضل عمل الروح القدس الذي " سيتلقاه المؤمنون به "مَن آمنَ بي فَلْيَشَربْ كما ورَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ" وأَرادَ بِقَولِه الرُّوحَ الَّذي سيَنالُه المؤمِنونَ بِه" (يوحنا 7: 37-39). وهكذا انقلب الوضع: فالمرأة هي التي تسأل الآن، وتطلب من يسوع ليسقيها. اعترفت انه الرب القادر على إرواء عطش نفوسنا (يوحنا 4: 15). ويسوع لا يعطي ماء الحي الاّ لمن يهتدي ويؤمن به.

ومما تقدّم نستنتج ان عطية الله هي يسوع المسيح الذي بذله الله الآب " لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة (يوحنا 3: 16). فالمسيح هو والماء الذي يرمز الى الروح القدس هما حقيقة واحدة لا يمكن ان تكون منفصلة عن بعضها البعض لأن يسوع لا بد أن يموت عن خطايا الانسان حتى يمنح الروح القدس وبذلك نسترد سلطان البنوة ونسترد الشركة مع الله. استعمل موضوع الماء (يوحنا 4: 7-26) للانتقال من عطش على مستوى الجسد الى الحياة الابدية والعبادة في الماء والروح القدس.
فاكتشفت تدريجيا هوية يسوع:

أعظم من أبينا يعقوب (يوحنا 4: 12)
على إثر سؤال السامرية الساخر " هل أَنتَ أَعظَمُ مِن أَبينا يعقوبَ الَّذي أَعْطانا البِئْرَ، وشرِبَ مِنها هو وبَنوهُ وماشِيَتُه؟ (يوحنا 4: 12)، اغتنم يسوع هذا التحدي وكشف لها انه أعظم من يعقوب. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " لم يجبها يسوع: "نعم، أنا أعظم من يعقوب"، لكنه بلغ هذا الهدف في إيضاح طبيعة الأمور، ومدى الفرق الشاسع والاختلاف الكامل بين شخصي المعطيين"؛ كشف يسوع عن مفاعيل الماء الذي يعطيه: انه ليس كالماء الذي ينبجس من عمق بئر يعقوب، اذ ان هذا الماء لا يروي الظمأ الا موقتاً، اما الماء الذي يَعد به يسوع، فيروي الظمأ الى الابد. ويصبح عين ماء يتفجر حياة ابدية في من يشرب منه.

وبعد أن أوضحت تقديرها ليعقوب، شاهدت من هو أعظم منه وذلك بقولها ليسوع " يا ربّ، أَعطِني هذا الماء، لِكَي لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا (يوحنا 4: 15). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "هنا تفضله عن يعقوب. لأن لسان حالها يقول: "لن أحتاج إلى هذه البئر ما دمت أنال منك هذا الماء...”، وبهذا لم تعقبها أفكارها السابقة ولا كانت مجادلة متمردة"

ولقد أوضح لها يسوع أنه لا وجه للمقارنة بين ماء يروي الجسد إلى حين، وماء يسند النفس ويرويها أبديًا، الماء الذي يقدمه الرب لها هو عطية إلهية "أنا أعطية"، لذا يهب فرحًا إلهيًا كما يتنبأ اشعيا " وتستَقونَ المِياهَ مِن يَنابيعَ الخَلاصِ مُبتَهِجين" (اشعيا 12: 3)، ويهب حياة أبدية بلا احتياج كما يصرّح المسيح " مَن يُقبِلْ إِليَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أبَداً" (يوحنا 6: 35)، وهو ماء داخلي في النفس يحوّل الأعماق إلى ينبوع فياض على الغير، " ومَن آمنَ بي فَلْيَشَربْ كما ورَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ " (يوحنا 7: 38). وقد أشتهى الأنبياء هذه المياه الحية، كم صرّح أشعيا " أَيُّها العِطاشُ جَميعاً هَلُمُّوا إِلى المِياه" (اشعيا 55: 1). وقد قيل في سفر الرؤيا: " لَن يَجوعوا ولَن يَعطَشوا ولَن تَلفَحَهمُ الشَّمسُ ولا الحَرّ، لأَنَّ الحَمَلَ الَّذي في وَسَطِ العَرشِ سيَرْعاهم وسيَهْديهم إِلى يَنابيع ِماءِ الحَياة " (رؤيا 7: 16).

نبي (يوحنا 4: 19)
كشف يسوع عن حياة المرأة السامرية الشخصية بانها اتخذت خمسة أزواج والذي يصحبها اليوم ليس بزوجها (يوحنا 4: 16-18)، فأيقظ فيها احساسا بالذنب الشخصي، فاستسلمت الى الاعتراف بيسوع وانحنت امام رجل الله وقاَلتِ: ((يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ. (يوحنا 4: 19) اعترفت به انه نبي يعرف ما في القلب وما فيه من عطش الى حب حقيقي والى ماء الحياة.

المسيح (يوحنا 4: 25)
يصف صاحب المزامير عطش الانسان لله مثل العطش الى الماء "كما يشْتاقُ الأيَلُ إِلى مَجاري المِياه كذلِكَ تَشْتاقُ نَفْسي إِلَيكَ يا أَلله" (مزمور 42: 2) وقد دُعي الله " يَنْبوعَ الحَياةِ" (مزمور 36: 9) او "يَنْبوعَ المِياهِ الحَيَّة"(ارميا 17: 13) وبقوله إنه معطي الماء الحي التي يروي الى الابد عطش الانسان لله، أعلن يسوع انه المسيح، فليس سواه يقدر ان يعطي العطية المجانية التي تشبع حاجة النفس.

في حوار المرأة السامرية مع يسوع نزل عليها هذا الكشف انه المسيح فصرّحت: " إِنِّي أَعلَمُ أَنَّ المَشيحَ آتٍ، وهو الَّذي يُقالُ لَه المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء" (يوحنا 4: 25). اتى كلامها في حينه كأنه ثمرة يانعة. تتكلم السامرية عن المسيح فيكشف يسوع ذاته قائلا "أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ" (يوحنا 4: 26). وبهذا الكلام بلغت قمة الإعلان الإلهي بفم المخلص نفسه، وعلى إثر ذلك "تَركَتِ المَرأَةُ جَرَّتَها، التي لم تعد بحاجة اليها وذَهبَت إِلى المَدينة (يوحنا 4: 28)، وقد تحوّلت من امرأة خاطئة الى رسولة ومبشّرة بالمسيح "هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟"(يوحنا 4: 29). كشفت سر يسوع (يوحنا 4: 27-30) فأكد يسوع ذلك "أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ" (يوحنا 4: 26).

أعلن يسوع أنه المسيح في عالم السامرة، لان لا خوف من النظرة السياسية التي ترتبط بهذا اللقب في اليهودية. لم يقرْ يسوع يوماً لنفسه بلقب المسيح، ما عدا مرة واحدة وذلك في حديثه مع المرأة السامرية حيث صرّح علانياً أنه المسيح المنتظر، ملك؛ لان السامريون كانوا ينتظرون مسيحا بمثابة ملك نبوي مثل موسى، وبالتالي لم يكونوا يتنظرون مسيحا سياسيا بل قائدا روحيا، ولذا كشف يسوع عن هويته الملوكية المسيحانية للمرأة السامرية، يقيناً منه أنها ستفهم نوعا ما معنى مُلك يسوع المسيحاني.

ب) الحوار مع السامريين: يسوع مخلص العالم: (يوحنا 4: 26-42)

لما تكلم يسوع مع المرأة السامرية أتم رسالته التي من اجلها ارسله الآب الى العالم، واعطى يسوع أخيرا جوابا كاملا أنه مخلص العالم المخلص. وهذا الامر دفع المرأة للتبشير بيسوع وجذب الناس اليه والاعتراف بيسوع هو مخلص العالم.

ورؤية السامريين للسيد المسيح وسماعهم له ثبَّت إيمانهم الذي تسلموه من المرأة، وانجذب كثيرون معهم في ذات الإيمان، كما تعرفوا عليه أنه ليس مخلص اليهود وحدهم ولا معهم السامريون فحسب، بل هو بالحقيقة مخلص العالم الذي قال عنه اشعيا النبي: " كَشَفَ الرَّبُّ عن ذراعِ قُدسِه على عُيونِ جَميعِ اَلأُمَم فتَرى كُلُّ أَطْرافِ الأَرضِ خَلاصَ إِلهِنا" (اشعيا 52: 10). ويعلق يوحنا الذهبي الفم " إنه المخلص الحقيقي الذي يهب الخلاص الحقيقي الأبدي وليس الزمني".

واخيراً في رؤية نبوية رأى يسوع تلاميذه يخضون هذه الحقول الشاسعة التي سبقهم في العمل فيها الأنبياء وخاصة المسيح نفسه كي يدركوا وحدة العمل الإلهي وتعب الذين سبقوهم، وبِذلِكَ يَصدُقُ المَثَلُ القائل: الواحِدُ يَزرَعُ والآخَرُ يَحصُد." إِنِّي أَرسَلتُكُم لِتَحصُدوا ما لم تَتعَبوا فيه. فغَيرُكُم تَعِبوا وأَنتُم دَخلْتُم ما تَعِبوا فيه)). (يوحنا 4: 37-38). قبل يسوع الضيافة لمدة يومين، فكسب قلوب السامريين، ولما اخذوا بكلامه، استخلصوا النتيجة من الحدث، وبدأوا يعلنونها جماعيا "وقالوا لِلمَرأَة: ((لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ، فقَد سَمِعناهُ نَحنُ وعَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً)). (يوحنا 4: 42).

ايمان السامريين بالمسيح (39-42). تصل الرواية الى ذروتها ليس فقط عن طريق شهادة المرأة السامرية (يوحنا 4: 39)، إنما أيضاً عن طريق لقاء السامريين مع شخص يسوع وكلمته. فالإيمان لا يأتي عن اختبار الاخرين، فحسب بل انه ثقة تسند الى كلمة يسوع. فاعترف السامريون انه "مخلص العالم" (42). كان لقب "المخلص" يُطلق على الرب في العهد القديم (اشعيا 19/20) وأطلقه الكتّاب العهد الجديد على يسوع بوجه عام (متى 1: 21، ولوقا 1: 47، ,اعمال الرسل 5: 31، 1 وفيلبي 3: 20) . واما يوحنا فإنه ينفرد باستعمال عبارة "مخلص العالم" التي تشير الى شمولية الخلاص.

2) العبادة الجديد

قدم يسوع للسامرية ماءً حيًا يفيض في داخلها فاعترفت بخطيتها ولم تنكر الواقع أمام المسيح، وإنفتحت عيناها على الله وعبادته فتطرق يسوع في حواره مع السامرية حول موضوع العبادة ومكان العبادة.

ا) العبادة الحقيقية بالروح والحق:

العبادة لله وحده (تكوين 23: 7) ويحظّر بشدة أي وضع من أوضاع العبادة لأي كائن يمكن اعتباره منافسا لله كالأصنام (تثنية الاشتراع 4: 19). او الآلهة الغريبة (خروج 34: 14). وقد أكد يسوع على ذلك بإجابته للمُجرب " لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد " (متى 4: 10).

وتعبّر العبادة عن ردود الفعل المتعددة للإنسان لقربه من الله، وهي مزيج من وعيه بضعفه وخطيئته، من ناحية ومن احترام مشبع بالرهبة (مزمور 5: 8)، وبعرفان الجميل (التكوين 24: 48) وبالتسييح يشكل كل كيانه من ناحية أخرى. (مزمور 95: 1-6). وبمان ان رد فعل الانسان يغمر كيان الانسان كله، فلا بد من اشتراك الجسم في التعبير عن إيمانه بسلطان الله على خليقته وولائه. ولكن الانسان الخاطئ يحاول ان يقتصر على المظاهر الخارجية، لذلك فان العبادة الوحيدة التي ترضى الله هي التي تصدر من القلب.

فالجديد الذي جاء به السيد المسيح في العبادة في حواره مع السامرية، هي العبادة بالروح والحق. بما ان في "الله روح"، انه يحوّل العبادة ويسمو بها الى كمالها. فيستطيع كل مولود من الروح (يوحنا 3: 8) ان يعبد بالروح والحق" (يوحنا 4: 24). والعابدة بالروح لا تعني الاقتصار على عبادة داخلية دون علامات خارجية، انما تنطلق من تكريس الكيان كله من روح ونفس وجسد كما صرّح بولس الرسول "قَدَّسَكم إِلهُ السَّلامِ نَفْسُه تَقديسًا تامًّا وحَفِظَكم سالِمينَ رُوحًا ونَفْسًا وجَسَدًا" (1 تسالونيقي 5: 23). وهكذا العبادة في المسيحية لا ترتبط بمكان ولا زمان ولا أجناس، بل الكل يسجدون للآب، إذ آمنوا بابنه المسيح. وحل فيهم الروح القدس ليقودهم في العبادة الروحية.

العبادة بالروح والحق (يوحنا 4:19-26): وصل الحوار الى ذروته بالتكلم عن العبادة. فالعبادة غير مرتبطة بمكان وزمان. وإذ نادى يسوع بسمو الايمان اليهودي (22) بمقارنته بالإيمان السامري الا ان العبادة الحقيقية شخصية وروحية تقدم الى الله عن طريق الروح القدس. هذا الروح يُعرّفنا بالله كأب فنعبده. إن الروح القدس يصلي فينا ومن أجلنا (روم 8/26) ويعلمنا أقوال المسيح (يو14/26).

وتتم العبادة الحقيقية بالروح في داخل الانسان حيث يسكن الله " أَوَ ما تَعلَمونَ أَنَّ أَجسادَكُم هي هَيكَلُ الرُّوحِ القُدُس، وهو فيكُم قد نِلتُمُوه مِنَ الله، وأَنَّكُم لَستُم لأَنفُسِكُم؟ (1 قورنتس 6: 19)، وهي العبادة الوحيدة التي ترضي الآب (متى 3: 17) وفيها العابدون الحقيقيون يرفعون أصواتهم " أبا أيها الآب " (غلاطية 4: 4-9). واما في السماء لن يكون هناك هيكل وانما يكون الله والحمل (رؤيا 21: 22) وتستمر العبادة ليلا نهارا (رؤية 4: 8) لتقديم الكرامة والمجد لذاك الذي يحيا الى الابد (الرؤية 4: 10).

والعبادة الجديدة التي يعلنها يسوع ليست عبادة باطنية بحثه وفردية بدون طقوس وبدون هيكل وبدون ابعاد اجتماعية، انما نعني روحية أي إنها من صنع روح الله، وليس من صنع الخليقة الجسدية. فمن قلب الانسان المتجدد بالماء والروح (يوحنا 3: 5) تصعد الصلاة البنوية " يا ابتاه (رومة 8: 15) التي ترضي الله وحدها. لان بها وحدها يعرف الله روحه. فهذه الديانة هي "في الحق" لأنها مبنية على وحي الآب عن ذاته وعن حبه في ابنه الذي هو الحق " (يوحنا 14: 6).

ب) مكان العبادة:

لما رأت المرأة السامرية في يسوع انه نبي، رجل الله، سألته ان يحل المشكلة القائمة بين اليهود والسامريين:
20تَعَبَّدَ آباؤُنا في هذا الجَبَل، وأَنتُم تَقولونَ إِنَّ المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم)). (يوحنا 4: 20). فالسامريون يعتبرون جبل جرزيم المكان الذي قدّم فيه إبراهيم محرقته (التكوين 22: 2) “في ارض مورة بالقرب من شكيم كما جاء في تكوين 12: 6)، ليس في ارض مورية (التكوين 22: 2) وفيه التقى إبراهيم بالكاهن الأعظم ملكيصادق. وكان يعقوب قد اقام فيه مذبحا (التكوين 33: 20)، وفي تمت اول تقدمة عبرانية في الأرض المقدسة بحسب اعتقاد السامريين وليس على جبل عيبال (تثنية الاشتراع ع 27: 4)، وكان يعتبر جبل البركات (تثنية الاشتراع 27: 11-14) الم يكن هذا المكان المقدس هو المكان الذي اختاره الرب ليُعبد فيه؟ (تثنية الاشتراع 12: 5-12).

فطلب يسوع من السامرية الايمان " قالَ لَها يسوع: ((صَدِّقيني أَيَّتُها المَرأَة تَأتي ساعةٌ فيها تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجَبَل ولا في أُورَشَليم (يوحنا 4: 21). ولّى زمن العابدة على الجبل مهما كان مقدساً، وبطل الخلاف المعابد: اورشليم او جرزيم. ان يسوع هو فوق هذا الصراع، وقد جمع اليهود والسامريين بدون تمييز، إذ أعلن "تَأتي ساعةٌ -وقد حَضَرتِ الآن -فيها العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ فمِثْلَ أُولِئكَ العِبادِ يُريدُ الآب. (يوحنا 4: 23). لقد أتت ساعة البشارة بالعهد الجديد، فبصلب المسيح لم يعد هناك داعٍ للذبائح. وبالتالي أصبح واجبًا إلغاء الهيكل اليهودي والسامري. وصارت العبادة والسجود لأب الجميع. وعوض التنافر بين اليهود والسامريين ستصبح هناك عبادة واحدة، لواحد فقط هو الآب. وما يهم الله، ليس المكان، إنما طبيعة العبادة " إِنَّ اللهَ رُوح فعَلَى العِبادِ أَن يَعبُدوهُ بِالرُّوحِ والحَقّ"(يوحنا 4: 24). الله يعبد في كل مكان تنبأ عنه الأنبياء " لِأَنَّه مِن مَشرِقِ الشَّمسِ إِلى مَغرِبِها آسْمي عَظيمٌ في الأُمَم، وفي كُلِّ مَكانٍ تُحرَقُ وتُقَرَّبُ لِآسْمي تَقدِمَةٌ طاهرَة، لِأَنَّ آسْمي عَظيمٌ في الأُمَم، قالَ رَبُّ القُوَّات" (ملاخي 11:1).

ولم يأت يسوع الى السامرة ليبيّن للناس ضلالهم الديني، بل جاء بدافع الحب يبحث عن الانسان لجذبه الى العبادة الحقة. موضوع العبادة له قيمته الكبيرة في الحوار بين الأديان. والحوار جرى حول مكان العبادة. فاليهود يجب ان يقدموا الذبائح في هيكل اورشليم، اما السامريون فمكان تقديم الذبائح والعبادة هو جبل جرزيم. اما يسوع فيكشف ان العبادة الحقة لا تتعلق بمكان خاص، ويؤكد يسوع " العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ "(يوحنا 4: 23) فيفتح آفاق العبادة والخلاص أمام كل البشر وفي كل مكان، لا تتعلق العبادة بشعب معيّن ولا بمكان معيّن. اظهر يسوع عمليا شمولية العبادة "في الروح والحق" التي جاء يؤسسها ولأجل ذلك أعلنها عند السامريين خارج حدود الديانة اليهودية.

الخلاصة
تقبلت السامرة الكلمة بالإيمان لا بالمعجزات خلال المرأة السامرية التي يروي لنا الإنجيلي قصة لقائها مع السيد المسيح، ينبوع الحياة. يلتقي بها المسيح، وهي شبه أممية، ويحاورها ليخرج بها من خصوصياتها المشينة إلى العمل التبشيري، فتجتذب مدينة بأسرها في لحظات قليلة وتقودهم إلى مخلص العالم. قصة المرأة السامرية هي رجال بحثوا بإخلاص عن الربّ مثل بولس الرسول وأوغسطينوس وشارل دي فوكو واكتشفوا السيّد المسيح من خلال شكوك واعتراضات فوجده انسانا أعظم من يعقوب ونبياً ومسيحا وخلصا لهم للعالم.

دعاء
أيها الآب السماوي، كما أرسلت ابنك يسوع المسيح الى العالم ليلتقي بالناس خاصة الخطأة، أشعل فينا نار الحب الإلهي من خلال كلمتك، فنسير على خطى السامرية النادمة لننال غفران الخطايا ونغيّر حياتنا وتصرفاتنا وننال نعمة الروح القدس لكي نصلي بالروح والحق ونصبح مبشرين باسمك القدوس على مثالها فيؤمن بك العالم معلما ونبيا ومسيحا ومخلصا.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء