ردنا على الظلامية التكفيرية المزيد من الحوار وقبول التعددية

ردنا على الظلامية التكفيرية المزيد من الحوار وقبول التعددية

شفاعمرو – زياد شليوط
2016/12/28

شارك عدد كبير من أبناء الجليل، نهاية الأسبوع الماضي، بمؤتمر "اللاهوت والكنيسة المحلية في الأرض المقدسة"، والذي جاء تحت عنوان: " التربية على التعددية في المجتمع الفلسطيني "، والذي نظمه "مركز اللقاء للدراسات الدينية والتراثية في الأرض المقدسة" في مدينة بيت لحم.

جاء مؤتمر هذا العام، أو الدورة الحالية للمؤتمر وهي الرابعة والعشرين، مختلفا ومتميزا عما كان من مؤتمرات قبله، ومن أهم ما ميز مؤتمر هذا العام ما بين الأول والثالث من ديسمبر 2016، أنه وقبل كل شيء ولد بعد مخاض شديد وقاس نتيجة الغياب المفاجيء لمؤسس مركز "اللقاء" وأول مدير له على مدار 33 عاما، ألا وهو المفكر الدكتور جريس سعد خوري، ابن قرية فسوطة في أعالي الجليل الفلسطيني، اثر اصابته بنوبة قلبية حادة وضعت حدا لحياته في الثالث من شباط الماضي في العاصمة الايطالية روما، وهو يهم لدخول الفاتيكان لمقابلة قداسة البابا فرنسيس مع وفد اسلامي – مسيحي فلسطيني يمثل مركز "اللقاء".

تلك الوفاة المفاجئة شكلت صدمة كبيرة لأعضاء مركز "اللقاء" وأصدقائه، ولأن الدكتور جريس كان يحمل هموم المركز ومسؤولياته اليومية وحيدا تقريبا، جعل العمل يتوقف الى فترة تخللها مراجعة واعادة تقويم وبذل جهود جبارة، لتجاوز الخسارة الأليمة واعادة الحياة الى نشاطات مركز "اللقاء"، وفعلا بعد أشهر من العمل المضني والتي أشرف عليها رئيس مجلس أمناء "مركز اللقاء"، غبطة البطريرك ميشيل صباح ومعه أعضاء المجلس، وتوكيل الدكتور يوسف زكنون بادارة المركز، استأنف المركز نشاطه رويدا رويدا، الى أن وصل الى عقد مؤتمر اللاهوت بعد تأخر لبعض الوقت، كما سيعقد مؤتمر التراث بعد أربعة أشهر تقريبا.

الأمر الثاني الذي ميز مؤتمر هذا العام هو الموضوع الذي اختير له وهو "التربية على التعددية في المجتمع الفلسطيني"، وهو ما يحتاجه مجتمعنا في هذه الآونة، خاصة في ظل ما يمر عليه من أزمات هي انعكاس لما يجري في الوطن العربي، من انتكاسات وتحطيم ليس للحجر انما للبشر وللقيم الانسانية والأسس الاجتماعية التي قام عليها مجتمعنا، وأهمها العيش المشترك وضرب الوحدة الوطنية المستندة للنهج القومي الجامع لكل مركبات شعوبنا ومجتمعاتنا العربية. وأكبر خطر يعصف بأمتنا حاليا هو خطر التكفير والارهاب وفرض الرأي الواحد المستند الى فرضيات غيبية تتم باسم الدين للأسف، دون أن تكون هناك موجة تصدي جدية توقف هذا الاسفاف عند حده، فجاء هذه المؤتمر ليغرد خارج السرب وبشكل نقطة ضوء أمام ما يكتسح بلداننا من سلوكيات تهدد ما تبقى من أخلاقيات مجتمعنا.

وقام المحاضرون في المؤتمر بتفكيك هذه الحالة وتوصيف الوضع على ما هو بكل شفافية وجرأة، وصلت عند البعض حد الصراحة المطلقة واتهام الذات كما فعل أستاذ الفكر الاسلامي، الدكتور بركات القصراوي من جامعة بيت لحم الذي انتقد ممارسات وأفكار البعض من المتشددين المسلمين. وكذلك المطران منيب يونان الذي وجه نقدا ذاتيا للكنائس المحلية في تعاملها مع بعضها البعض. هذه الجرأة في التوصيف والعرض شكلت الركن الأول في معالجة مشاكلنا، لأنه بدون معرفتنا للداء لا يمكننا التوصل للدواء المناسب.

والأمر الثالث الذي ميز المؤتمر هو ذلك الحضور الكمي والنوعي من الجليل والساحل والكرمل والمثلث، اضافة الى جمهور اللقاء في منطقة بيت لحم والقدس. حيث حضر المؤتمر عدد كبير من المسلمين والدروز الى جانب المسيحيين، وأذكر ذلك لأنوه إلى أن المؤتمر هو مؤتمر لاهوت، أي مخصص وفق سياسة المركز للمسيحيين، لمعالجة ومناقشة قضايا كنسية ولاهوتية، لكن أصدقاء "اللقاء" من المسلمين والدروز أصروا على الحضور والمشاركة الفعالة في النقاشات باعتبار أن أي موضوع يطرح يخص ويمس الجميع، وقد أصابوا في ذلك فموضوع التربية على التعددية لا يقتصر على فئة دون غيرها، بل من الأجدى مناقشته بين كل الأطراف وهذا ما تم في هذا المؤتمر الذي يمكن اعتباره استثنائي.

وهذا الحضور بحد ذاته هو تأكيد وبرهان على رفض قطاعات كبيرة من شعبنا وخاصة المسلمين، لما يروجه "الداعشيون" من أفكار سامة ودعايات مغرضة وسلوكيات مستهجنة لا يقبل بها انسان عاقل، وتثير حفيظة كل مؤمن صادق. وبالتالي فان هذا الحضور الكمي والنوعي يعزز الثقة عندنا بأن عنصر الخير والأمل الصامت داخل مجتمعنا، ما زال قادرا على التحرك اذا اجتمعت ارادته بعوامل تفعيله واعادة الهيبة للفكر التنويري القومي والانساني.

وقد أكد البيان الختامي للمؤتمر على أهمية التربية في المدرسة، حيث تبدأ تتبلور شخصية الانسان، وما يمكن فعله من خلالها " لمدارسنا حيث يتواجد الطلاب المسيحيون والمسلمون دور رئيسي فعال في هذا المجال. لا يكفي أن يعيش الطلاب معا. يجب أن يُعَلَّموا غنى القبول المتبادل والاحترام المتبادل". فهل تأخذ مدارسنا زمام المبادرة للتربية على التعددية، بما فيها المدارس التي يوجد فيها طلاب من أتباع ديانة واحدة فقط، فالعالم ليس محصورا داخل المدرسة.
وكان قد تنبه الى أهمية ذلك المدير السابق لمركز "اللقاء" ومؤسسه الدكتور جريس سعد خوري، في احدى دراساته حيث دعا " جامعاتنا ومدارسنا الاهتمام بالثقافة الدينية، إضافة الى التربية الدينية إذ أن في الثقافة مساحة أوسع للآخرين ومعرفة الآخر ضرورة لا غنى عنها للعيش بكرامة وباستقرار". وهو ما بدأت جامعة بيت لحم تطبقه وبعض المدارس في القدس ورام الله، ونأمل أن يصل ذلك الى مدارس سائر المناطق، وبذلك نساهم في بناء الوحدة الوطنية لشعبنا ومجتمعنا.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء