حضور المسيح في الكنيسة من خلال الروح القدس

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

حضور المسيح في الكنيسة من خلال الروح القدس

الأب د. لويس حزبون
2019/06/15

وعد سيدنا يسوع المسيح تلاميذه في خطاب الوداع بعد العشاء الأخير (يوحنا 14: 15-26) ان ظلَّ حاضراً معهم بالرغم من رحيله عنهم، عن طريق إرسال الروح القدس إليهم في يوم العنصرة. والعنصرة تشكّل جوهر الحياة المسيحيّة ومنطلقاً أساسياً لولادة الكنيسة بحلول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين بعد قيامة يسوع من الموت؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 14: 15-16، 23-26)

15 إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي

تشير عبارة " تُحِبُّوني " الى صدى سفر الحكمة " المَحبَةُ هي حِفظُ شَرائِعِ الله" (الحكمة 6: 18). وليست المحبّة مجرّد عواطف، بل إنها تتجسّد في الحياة اليوميّة. تتجسّد في حياة خدمةً للآخرين، خاصةً لمن هم بالقرب منّا. ويؤكّد شارل دي فوكو قائلاً: "عندما نحبّ إنسانًا، نتحّد به حقًا بواسطة المحبّة، ولا نعود نعيش لذاتنا، بل "نتخلّى" عنها، فنعيش "خارج" ذاتنا". أمَّا عبارة "حَفِظتُم" فتشير الى العمل بالوصايا وطاعتها. ومحبتنا تختبر في حفظ الوصايا أي إطاعتها حيث أن المحبة لا تكون بالكلام والعواطف، بل بحفظ وصايا يسوع كما يؤكد يوحنا الرسول “لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ" (1 يوحنا 3: 18). ولهذا السبب يضيف "مَن قالَ: إِني أَعرِفُه ولَم يَحفَظْ وَصاياه كان كاذِبًا ولَم يَكُنِ الحَقُّ فيه" (1 يوحنا 2: 4). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "الله يطلب الحب الذي يظهر بالأعمال". وصايا الله هي إثبات لحبِّه لنا، وإطاعة وصاياه هي تعبيرٌ لحبِّنا له. أمَّا عبارة "وَصاياي" في اليونانية ἐντολὰς فلا تشير هنا الى تعليمات قانونية، انما تتضمن فكرة شريعة الوحي الإلهي، وبالتالي فالوصايا هي أساس الحياة الدينية والاجتماعية. وقد اختار الرب يسوع نفس الكلمة "وصية" التي تصف شريعة العهد القديم، مما يعنى أن لوصيته نفس السلطان الذي للشريعة. فيسوع المسيح أعطى تلاميذه طريقا او درباً ونظاما للحياة، ونسقاً في العمل اساسه الحب. كيف نعيش حفظ الوصية اليوم؟

16 وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد

تشير عبارة "سأَسأَلُ الآب" الى شفاعة المسيح أمام الآب، حيث أن المسيح أرسل لنا روحه القدوس عندما افتدانا بدمه على خشبة الصليب. والروح القدس هو الذي يساعدنا على حفظ الوصايا. ومن يحب يطيع الوصايا والروح القدس هو الذي يعطينا المحبة كي نحفظ الوصايا. لذا فإنَّ إرسال الروح من قبل الآب هو تلبية لطلب يسوع ويرتبط برسالته ارتباطا وثيقا (يوحنا 14: 13-14). وعليه، فإن حضور الروح القدس فينا مرتبط بصلاة المسيح. وفي نفس الوقت، الروح هو العطية المثلى التي يعطيها الآب لسائليه (لوقا 11: 13). أمَّا عبارة "مُؤَيِّداً" في الأصل اليوناني παράκλητος وفي الآرامية מנחמנא (معناها من يُدعى الى جانب الشخص) فتشير الى لفظ مقتبس من لغة القانون ويدل على من يسُتدعى لدى المتَّهم للدفاع عنه ليساعده في التحقيق امام المحكمة. فالمعنى الأول هو المحامي والمساعد والمدافع والشفيع (1 يوحنا 2: 1). وبناءً على هذا المعنى، ظهرت معان أخرى كالمُعزِّي والمشجّع. فالمسيح عزّى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يُرسل لهم روحه القدوس معزيًا آخر. وهذه اللفظة تدل تارة على الروح القدس الذي يتابع عمل يسوع، ويعاون التلاميذ في اتهام العالم لهم. ووظيفته هي ان يبكت (يوحنا 16: 8) وان يشهد (يوحنا 15: 26) وان يعلّم (يوحنا 14: 26)، وهو يرشدنا للمسيح الحق كما صرَّح يسوع “لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" (يوحنا 16: 14)، فهو يعزِّي ليس فقط بالمواساة بل أيضا بإعلان طبيعة يسوع وعمله. هذا الروح يبقى معنا. لا يحل محل يسوع الذي هو معنا إِلى نِهايةِ العالَم (متى 28: 20)، ويعمل عمل التقديس في الكنيسة، دون ان يكون حدود له في الزمان والمكان (يوحنا 15: 26 و16: 7). ويدل الروح القدس تارة على المسيح (1 يوحنا 2: 1). اما عبارة "يَكونُ معَكم لِلأَبَد" فتشير الى موهبة الروح الذي تُعطى بلا سقف زمني، وهي تضمن للأبد الاتحاد بالمسيح الذي يهب الروح (يوحنا 18: 20).

23 أَجابَه يسوع: إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً

تشير عبارة " أَجابَه يسوع " الى توجيه كلامه الى يهوذا، إثر دهشته أن يسوع يُظهر ذاته لتلاميذه دون العالم. ويهوذا هو أخ يعقوب (لوقا 6: 16)، وأحد أقرباء يسوع المسيح حسب الجسد (متى 13: 55)، وهو كاتب رسالة يهوذا. ومن خلاله يوجّه يسوع خطابه لا إلى تلاميذه وحدهم، بل إلى كل المؤمنين الذين يحبونه؛ أمَّا عبارة "إذا " فتشير الى الارتباط بجملة شرطية حيث انه لن تكون لنا إمكانية شركة الحياة مع الله إلا إذا سكنّا في المحبة وقبلنا حبّ الله لنا. أمَّا عبارة "إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي" فتشير إلى جملة شرطية تفيد إمكانية التحقق حيث ان المحبة هي الشرط الذي تنبع منه الطاعة الكاملة لكلمة الله ووصاياه، والشركة الروحية مع الله ايضا. وترتبط الطاعة للوصايا بالمحبة (يوحنا 15: 21). ولذلك تكمن الشهادة الحقيقية لحبنا للسيد المسيح في الطاعة لوصيته. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لا يكفي أن نقتني الوصايا فقط، لكننا نحتاج إلى حفظها". وحفظ كلامي لا يعني خزْن المعلومات وتذكرها فقط، ولا يعني ايضا استيعابها وفهمها وتحليلها والاقتناع بها فقط، انما يعني هنا العمل بها وتطبيقها وتحويل المعرفة الى حياة. فالكلام يختلف عن الأفعال كما قال جبران خليل جبران في قصيدته "المواكب" أعطني الناي وغنِّ، فالغنا سرُّ الخلود وأنين الناي يبقى. بعد أن يفنى الوجود أعطني الناي وغنِّ وانسَ ما قلتُ وقلتَ انما النطقُ هباءٌ فأفدني ما فعلتَ". والمقصود أن الكلام قد يذهب أدراج الرياح أم الأفعال فتبقى. إذن نكون أحباءَ الرب عندما نعمل بوصاياه ونترجم كلمات الرب الى عمل؛ حيث ان المحبَّة ليس مجرد شعور، بل حياة الطاعة. لقد كان يسوع أول من اختبر هذه الطاعة للآب ساعيًا لتحقيق إرادته كما تؤكده صلاته في الجسمانية " يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" (متى 26: 39)؛ من يحب يبقى أمين لكلمة المسيح. أمَّا عبارة " فأحَبَّه أَبي " فتشير الى محبة الآب للابن، وهو يُحب مُحبِّوبيه. أمَّا عبارة "نأتي إِلَيه" فتشير إلى يسوع وإلى الآب، وهذه إشارة لوحدانيته مع الآب. فيسوع المسيح والآب واحد. وهذا ما نادى به أيضًا الرسول الى أهل قورنتس "لْتَكُنْ نِعمةُ رَبِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ معَكُم جَميعًا" (2 قورنتس 13: 13). ومعنى كلام الرب إن أردتني أن أظهر لك فأعمل ما يُحبُّه الآب. أمَّا عبارة "مُقام" فتشير إلى حضور وسكنى الآب والابن في المؤمنين (رؤيا 3: 20)، إذ يجعل الله الاب والابن والروح القدس من قلب المؤمن مسكنًا أو هيكلا إلهيًا، ومن هنا أصبح كلُّ إنسانٍ مدعواً ليكون سُكنى الله، ولذلك بعد اليوم لا يكون هيكل اورشليم موضع حضور الله، بل قلب المُحبّين الذين يحفظون وصايا يسوع المسيح. وهذا ما جاء في تعليم بولس الرسول "نَحنُ هَيكَلُ اللَّهِ الحَيّ، كما قالَ اللّه: سأَسكُنُ بَينَهُم وأَسيرُ بَينَهُم وأَكونُ إِلهَهُم وَيَكونونَ شَعْبي" (2 قورنتس 6: 16). ويؤكد ذلك بطرس الرسول: "أَنتم أَيضًا، شأنَ الحِجارَةِ الحَيَّة، تُبنَونَ بَيتاً رُوحِياً فَتكونونَ جَماعَةً كَهَنوتيَّة مُقدَّسة، كَيْما تُقَرِّبوا ذَبائِحَ رُوحِيَّةً يَقبَلُها اللهُ عن يَدِ يَسوعَ المسيح" (1 بطرس 5:2). ويُعلق القديس اوغسطينوس " هذه السكنى هي سكنى روحية تتحقق داخليًا في الذهن وتجلب بركة أبدية للذين يقبلونها". وهنا يُجيب يسوع بصورة غير مباشرة انه هو وأبوه يقيمان بوجه نهائي عند الذين يحفظون وصاياه بمحبة. وهكذا يتحقق طموح المؤمنين الذين عاشوا في العهد القديم "فإنه هل يَسكُنُ اللهُ حَقًّا على الأَرضَ؟" (1 ملوك 8: 27). وهكذا يجيب يسوع أيضا على سؤال تلاميذ يوحنا " أَينَ تُقيم؟ " (يوحنا 1: 38) فنجد الجواب النهائي على سؤال مكان إقامة الله. وهذا الامر يؤكده بولس الرسول "فنَحنُ هَيكَلُ اللَّهِ الحَيّ، كما قالَ اللّه: أَسكُنُ بَينَهُم وأَسيرُ بَينَهُم وأَكونُ إِلهَهُم وَيَكونونَ شَعْبي" (2 قورنتس 6: 16). وهكذا أقام الله عهدا مع الانسان، قوامه امانة الله تجاه الانسان بمحبته وعنايته، وأمانة الانسان لله بسماع كلامه وحفظ وصاياه، لكي يعيش سعيداً ويُسعد عائلته ومجتمعه ووطنه. فمن يستضيف الله على الأرض يستضيفه الله في السماء. وفي هذه الآية نجد إجابة يسوع على سؤال يهوذا تداوس، هو أخو يعقوب كاتب الرسالة (يوحنا 14: 22) وهي أنَّ يسوع المسيح سيظهر لتلاميذه وسيرونه ولكن ليس بالجسد كما يفهم يهوذا، ولن يراه سوى من يحبه ويحفظ وصاياه. لان يهوذا لم يفهم أن الظهور الذي كان يقصده الرب هو ظهور روحي، إنما كان يتوقع أن يملك المسيح على أورشليم ملكًا سياسيا ارضيا. فجواب يسوع يبيّن الطبيعة الحقيقية لملكوته ويُحدِّد شروط ظهوره: الحبّ وحفظ الوصايا. فالإيمان الذي يطلبه يسوع ليس مبنيّاً على الخوف، او على الدهشة، إنما على الحبّ. وحفظ الكلام هو التطبيق العملي للحبّ الإلهيّ.

24 ومَن لا يُحِبُّني لا يَحفَظُ كَلامي. والكَلِمَةُ الَّتي تَسمَعونَها لَيسَت كَلِمَتي بل كَلِمَةُ الآبِ الَّذي أَرسَلَني

تشير عبارة "مَن لا يُحِبُّني" الى الذي يرفضني، والذي يرفضني يرفض كلامي، وذلك لأنه ينجرف في تيار محبة العالم ويتنكر لله وكلماته كما جاء في تعليم يعقوب الرسول: "أَلا تَعلَمونَ أَنَّ صداقَةَ العالَمِ عَداوةُ الله؟ فمَن أَرادَ أَن يَكونَ صَديقَ العالَم أَقامَ نَفْسَه عَدُوَّ الله" (يعقوب 4:4)؛ أمَّا عبارة "لا يَحفَظُ كَلامي" فتشير الى عدم الطاعة. فلا طاعة بدون محبة، وهي إجابة على سؤال يهوذا" يا ربّ، ما الأَمرُ حتَّى إِنَّكَ تُظِهرُ نَفْسَكَ لَنا ولا تُظهِرُها لِلعالَم؟"، فالعالم لا يحب المسيح. أمَّا عبارة "الكَلِمَةُ الَّتي تَسمَعونَها لَيسَت كَلِمَتي بل كَلِمَةُ الآبِ الَّذي أَرسَلَني" فتشير الى رفع مستوى الكلام الذي يتكلم به يسوع إلى مستوى الرسالة الإلهية. فمن لا يحفظ أقوال المسيح، وهي نفسها أقوال الآب، فهو لا يحب الله الآب.

25 قُلتُ لَكُم هذه الأَشياءَ وأَنا مُقيمٌ عِندكم

تشير عبارة "قُلتُ لَكُم هذه الأَشياءَ" إلى تعاليم يسوع لتلاميذه؛ أمَّا عبارة "أَنا مُقيمٌ عِندكم" فتشير الى وجود المسيح بالجسد، وهو يعلم ويتكلم بشخصه، ويودع كلامه أمانة عند تلاميذه إلى أن يرسل لهم الروح القدس فيُعلمهم كل شيء ويُذكّرهم بكلامه وتعاليمه.

26 ولكِنَّ المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم.

عبارة " المُؤَيِّد" في الأصل اليوناني الباراقليط παράκλητος (معناها المحامي وفي الآرامية מנחמנא) تشير الى الروح القدس، والتي تردّدت هذه اللفظة أربع مرات في انجيل يوحنا (يوحنا 14: 16، 26 و16: 15 و16: 7) ومرة واحدة في رسالة يوحنا (1يوحنا 3: 24). والمعنى الحرفي للفظة الباراقليط هو ذاك الذي يقف قرب المتهم ويدافع عنه في المحاكم أمام القضاء، لذلك دُعي المحامي، لأنه يتدخل أمام عدالة الآب لحساب الخطأة، ودُعي أيضا "الشفيع "(1 يوحنا 2: 1) إذ أن "الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف" (رومة 8: 26)؛ وهذا الروح نفسه يُدعى المُعزِّي، لأنه إذ يعد رجاءً في الغفران للذين يحزنون على خطاياهم. وهو يقوّي، ليس فقط بالمؤاساة بل أيضا بإعلان طبيعة يسوع وعمله؛ ان هذه الآية تثبت الاقنومية (الشخصية) الواضحة للروح القدس. وهذا ما يوكّده بولس الرسول "ولْتَكُنْ نِعمةُ رَبِّنا يسوعَ المسيح ومَحبَّةُ اللهِ وشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ معَكُم جَميعًا" (2 قورنتس 13: 13). وإن وظيفة الروح هي ان يُبكت "يُخْزي العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة"(يوحنا 16: 8) وان يشهد (يوحنا 15: 26) وان يُعلّمنا ماذا نقول في الصلاة (رومة 8: 26-27) ويُعلمنا كل شيء يخصُّ المسيح: مجده وعظمته ومحبته وطبيعته فيكون لنا رؤية صحيحة عن المسيح فنحبَّه (يوحنا 16: 14). ويتابع الروح القدس عمل يسوع، ويعاون التلاميذ لدى اتهام العالم لهم. هذا الروح يبقى معنا، ولا يحل محل يسوع الذي هو معنا حتى انقضاء الدهر (متى 28: 20) ويعمل عمل التقديس في الكنيسة، دون ان يكون لعمله حدود في الزمان والمكان. ويُعلق البابا فرنسيس "مع اقتراب لحظة الصليب، يُطمئن يسوع الرسل بأنهم لن يبقوا وحدهم: سيكون معهم دائما الروح القدس، الباراقليط، الذي سيعضدهم في رسالة حمل الإنجيل إلى العالم كله". أمَّا عبارة "يُرسِلُه الآبُ بِاسمي" فتشير الى وعد يسوع بإرسال الروح القدس لتلاميذه " ومَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 26:15)، مما يؤكد صلاحية وصدق العهد الجديد بأسفاره " فلَنا كَشَفَه اللهُ بِالرُّوح، لأَنَّ الرُّوحَ يَفحَصُ عن كُلِّ شَيء حتَّى عن أَعماقِ الله "(1 قورنتس 2: 14)؛ سيرسل الآب الروح القدس الذي سينقل إلينا حياة الله في المسيح. ولذلك كل رسالة قائمة في المسيح يسوع لا يمكن سوى أن تُثمر ثمار السلام والتقديس، ثمار شفاء النفس والجسد، ثمار المصالحة والمحبّة، ثمار الاستنارة والحياة الحق. أمَّا عبارة "اسمي" فتشير الى وساطة الابن وحضوره وطبيعته وقوته وعمله ومشيئته؛ ولذلك فإن ارسال الروح القدس من قبل الآب هو تلبية لطلب يسوع وقوته وقدرة عمله الفدائي في خلاص العالم (يوحنا 14: 13-14). ويُعلق القديس اوغسطينوس " لا يسكن الروح في إنسانٍ بدون الآب والابن، ولا الابن أيضًا بدون الآب والروح القدس، ولا الآب بدونهما. سكناهم غير منفصل"؛ أمَّا عبارة "هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء" فتشير الى وعد يسوع لتلاميذه بأن الروح القدس يجعلهم يتفهّمون حقيقة شخصية يسوع تفهّما تدريجياً، ويُدركون معنى الأشياء في صلتها به إدراكا تدريجيا لجميع أمور الخلاص. فالروح الذي يفحص عن كل شيء قادر أن يكشف لنا حتى أعماق الله (1 قورنتس 10:2). ويعلم أنَّ الروح القدس هو ما يكوّن فينا حياة الأبناء أي حياة الطاعة. ويعلق البابا فرنسيس " إن الرب يدعونا اليوم لكي نفتح القلب على عطية الروح القدس كي يقودنا في دروب التاريخ. فهو يومًا بعد يوم يعلّمنا منطق الإنجيل، منطق المحبة المضيافة"؛ أمَّا عبارة "يُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم" فتشير الى وعد يسوع التلاميذ بأن الروح القدس سيُعين تلاميذه على ان يتذكَّروا كل ما كان يُعلمهم إياه، يسوع في حياته في الأرض (يوحنا 15: 17) وسيساعدهم روح المسيح القائم من الموت على إدراك معنى أعماله العميق (يوحنا 2: 22 و12: 16) كي يبقوا مطيعين للآب. ويعلق البابا فرنسيس "أن مهمة الروح القدس هي أن يذكّر، أي أن يُفهم تماما ويقود إلى تطبيق تعاليم يسوع بشكل ملموس"؛ وهذا الوعد يؤكد صلاحية وصدق العهد الجديد. إن عمل الروح القدس هو ليس ان يأتي بإنجيل جديد، بل يذكر المؤمنين إنجيل المسيح. إن الرّوح القدس هو ضمانة استمرار الرّب في حياة الكنيسة، وهو ضمانة صحّة تعليمها اليوم. ويعلق البابا غريغوريوس على ذلك بقوله "يَهبكم المعرفة بكونه يعرف ما هو خفي"؛ والروح القدس هو أكثر من التذكير بنفس كلمات ابن الله، انه صورة حيّة لكل ما نطق به امام تلاميذه سابقا. فالروح ليس له من شيء خاص يعلمّنا إياه، ولا رسالة شخصية، أنه شرح للإنجيل. ويُعلق القديس أوغسطينوس على هذه الآية بقوله: "إنَّ الثالوث القدوس كله يتكلم ويعلم (يوحنا 6: 45) لكنهم غير منفصلين". ما الذي يمنع الروح القدس من أن يعمل في حياتنا؟

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-16، 23-26)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-16، 23-26)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول وعد يسوع بحضوره من خلال الروح القدس وحفظ وصاياه.

1) استمرارية حضور يسوع لتلاميذه من خلال الروح القدس

يُشدّد يوحنا البشير على تحقيق الوعد بإرسال الروح القدس، إذ يعلن يسوع لتلاميذه انهم سيرونه عما قريب “بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون" (يوحنا 14: 19). ويقصد يسوع قيامته وترائيه لتلاميذه (يوحنا 16: 16-22). ولكن هذه الحضور لن يكون حسي محض، إنَّما يرافقه اكتشاف روحي. انهم يكتشفون علاقة يسوع بأبيه" إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم" ويتضح لهم حضوره فيهم، والتلاميذ يحيون حياة جديدة بيسوع حاضرا فيهم ويعرفون علاقة يسوع بابيه.

وسيخلف الروح القدس يسوع المسيح ويؤمّن حضوره مع التلاميذ بفضل صلاته " وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد" (يوحنا 14: 16)، فيكون الروح القدس فيهم ويقودهم إلى الحقّ كلّه، فيتمّم كل ما بدأ به يسوع بواسطة الرسل الذين سيؤلفون نواة الكنيسة الأولى. وتتحوّل الكنيسة بفعل حلول هذا الروح إلى كنيسة شاهدة للمسيح ولبشارته حيث يشرك الله القدّوس جميع الشعوب بحياته ويدعوهم إلى فهم لغته الوحيدة، لغة المحبة والغفران والسلام.

ومن هذا المنطلق يؤمِّن الروح القدس حضور المسيح كما جاء في صلاة يسوع "أَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد" (يوحنا 14: 16). كان حضور الله الموقت في المسيح على الأرض شيئًا حتميًا، لأن المسيح من حيث انه انسان، ما كان يستطيع أن يبقَ على الارض إلى الأبد مع المؤمنين. لكن بالرغم من صعود يسوع بالجسد إلى أبيه، بقي حضور الله مستمرًا بطريقة جديدة عن طريق الروح القدس.

إن المؤيد، روح الله ذاته، يجيء بعد صعود يسوع ليهتمَّ بتلاميذه ويرعاهم ويُرشدهم. وقد حدث هذا في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2: 1-4). وإن "العنصرة" هي صيغة عربيّة لكلمة آرامية سريانية تعني "التجمّع" او محفل. والعبارة اليونانية πεντηκοστή أي "اليوم الخمسون" التالي للعيد العبري "שָּׁבֻעוֹת" مختصر عبارة "שִׁבְעַת הַשָּׁבֻעוֹת" أي "سبعة اسابيع" (والمجموع تسعة وأربعون). وكان عيد الحصاد، (الخروج 23: 16) ثمّ أُدخِل إليه في القرن الثّاني قبل الميلاد معنى "نزول التّوراة على موسى".

وفي العنصرة قطع الله عهداً جديداً معنا يختمه بسكنى روحه القدوس فينا. وعن يوم العنصرة يذكر القديس يوحنّا فم الذّهب قائلًا"اليوم استحالت الأرض لنا سماءً. لا لأنّ النّجوم انحدرت من السّماء على الأرض، بل لأنّ الرّوح القدس أفاض اليوم، نعمه الوافرة على الأرض، وأحالها إلى فردوس" وهذا ما اكّده بولس الرسول " أمَّا تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ " (1 قورنتس 3: 16)، فحضور الروح في حياتنا هو تتميم لمخطط الله الخلاصي لنا. قال القديس اثناسيوس الاسكندري: "لقد أصبح الله انسانًا ليجعلنا أهلاً لقبول الروح القدس".

وكشف لنا الروح عن ذاته من خلال الصور: "حمامة" في عماد يسوع في الاردن، "ريح وألسنة نار" يوم العنصرة. لقد شبّه الانبياء الروح بالذي "يمسح" مختاريه، إنّ الانسان الذي يحصل على هذه المسحة يُصبح "ممسوحًا" أو "مسيحًا". وتكتمل هذه الصورة فينا عندما نحصل على سر الميرون المقدس أو التثبيت، يتكلّم القديس بولس عن الروح القدس ويشبهه بختم في علاقتنا مع الله. يصبح المعمّد خاصة الرب عندما يختمنا الرب بروحه. فالروح القدس هو، بحسب القديس باسيليوس الكبير، "عربون الميراث الآتي وباكورة الخيرات الابدية" (الليتورجيا الالهية). ويدعوه الرسول بولس "الضمانة" للحصول على الحياة الابدية: إنه "هو عُربونُ مِيراثِنا إِلى أَن يَتِمَّ فِداءُ خاصَّتِه لِلتَّسْبيحِ بِمَجدِه" (أفسس 1: 14).

ولن يتركنا الروح القدس بل يبقى معنا الى الابد، ويقودنا الى الحق كله "رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه"(يوحنا 14: 17)، وهو يحيا معنا وفينا لأنه في وسطنا وسيكون في داخلنا "تَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم" (يوحنا 14: 17)، ان هذا الروح هو هبة الآب والابن المشتركة، إنه المؤيّد والمدافع والمحامي والمعزّي والشفيع، إنه علامة حلول الأزمنة الجديدة ويقود كل شيء نحو كماله.

2) مهمة الروح القدس في استمرارية حضور يسوع مع تلاميذه

يُكمل الروح القدس استمرارية حضور يسوع في تلاميذه عن طريق تعليم والتذكير. وهو يُعلمنا كل شيء" المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء"(يوحنا 14: 26)، ويذكّرنا بكل اقوال يسوع المسيح " يُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم "(يوحنا 14: 26). ويؤكد ذلك بولس الرسول لتلميذه طيموتاوس " إِحفَظِ الوَديعةَ الكَريمةَ بِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُقيمُ فينا" (2 طيموتاوس 2: 14). إن مهمة الروح القدس هو تامين استمرارية وجود يسوع مع التلاميذ كما وعد يسوع رسله " وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد" (يوحنا 14: 16). لان بقاءه معنا هو طريقة حبه لنا. فالعلاقة بين المعلم والتلاميذ هي علامة مهنية تنتهي بنهاية العمل، في حين علاقة يسوع وتلاميذه هي علاقة روحية وجدانية فلا تنتهي بنهاية التعليم إنما تستمر من خلال الروح. الروح سيبقى مع تلاميذ يسوع باستمرار لأن ما يهمه هو إقامة علاقة صداقة معهم بشرط حفظ وصايا يسوع "إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23).

وبجانب تامين استمرارية وجود يسوع مع التلاميذ فان مهمة الروح القدس تقوم أيضا بتعليمهم" هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء " (يوحنا 14: 26) كما جاء في تعليم بولس الرسول "لَيس مَلَكوتُ اللهِ أَكْلاً وشُرْبًا، بل بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس"(رومة 14: 17). يعلم الروح القدس الأشياء المتعلقة بخلاصنا. وقد شك التلاميذ في تعليم يسوع او لم يفهموها مراراً ولم يكونوا قادرين على البشارة بالمسيح القائم من الموت رغم أنهم قد رأوه وأصغوا إليه وأكلوا معه أيضا. ولكن مع حلول الروح القدس تلاشت مخاوف التلاميذ، ولم يعودوا يخشون الموت، وبعد أن كانوا في دار أُغلقت أبوابها أصبحوا يبشرون جميع الأمم، وبعد أن كانوا ينتظرون حتى صعود يسوع أن يعيد الله الـمـُلك إلى إسرائيل (اعمال الرسل 1، 6) أصبحوا متلهفين للتبشير في ملكوت السماوات وبشارة الإنجيل الى كل مكان ولكل إنسان كما يؤكد ذلك بولس الرسول "ولا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَقول: ((يَسوعُ رَبٌّ)) إِلاَّ بِإِلهامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس" (1 قورنتس 12: 3).

اخذت الجماعة المسيحية الأولى تعظ بالمسيح من خلال الروح القدس " فنَزَلَ الرُّوحُ القُدُسُ علَيهِم وأَخَذوا يَتكلَّمون بِلُغاتٍ غَيرِ لُغَتِهم ويَتَنبَّأُون " (اعمال الرسل 19: 6). والروح القدس يدافع عنهم في الشدة والاضطهاد " فَإِذا ساقوكُم لِيُسلِموكم، فلا تَهتَمُّوا مِن قَبلُ بِماذا تَتَكَلَّمون، بل تَكَلَّموا بِما يُلقى إِلَيكُم في تلك السَّاعة، لأَنَّكم لَستُم أَنتُمُ المُتَكَلِّمين، بلِ الرُّوحُ القُدُس" (مرقس 13: 11).

يحمل الروح القدس حياة التناغم داخل الإنسان فشعر انه بحاجة إلى التغيير. يقوم الروح القدس بتحويل تعليم يسوع الى خبرة يومية. ويُعلق المطران بيير باتيستا " لا يكفي معرفة أن يسوع قد مات، بل عليّ أن أؤمن أنه قد مات من أجلي. ولا يكفي معرفة أن الله محبة، بل عليّ أن أؤمن أنه يحبني تماماً كما أنا" حسب ما يؤكد القديس بولس " لم تَتلَقَّوا روحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إِلى الخَوف، بل روحَ تَبَنٍّ بِه نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ!" (رومة 8: 15). لم يظل يسوع شخصية من الماضي، بالروح القدس يصبح شخص حيا اليوم، وتعليمه كلمة حياة، والمسيحية حياة. فلا يكفي لتلاميذ ان يروا المسيح قائم من الأموات ان لم يستقبلوه في قلوبهم، ولا يكفي ان يعرفوا ان المسيح قام من الأموات وهو حي إن لم يحيوا معه، والروح القدس هو من يجعل يسوع يحيا ويحيا مجددا فينا، هو من يقيمنا في داخلنا. هو الذي يرسِّخ تعليم يسوع داخلنا وتصبح جزءا منا وحياة لنا.
ويحمل الروح القدس التناغم ليس فقط داخل الانسان بل أيضا في الخارج، بين الأشخاص، فهو من يجعلنا كنيسة واحدة بالرغم من تنوع المواهب والخدمات والأعمال كما جاء في تعليم بولس الرسول " الرُّسُلُ أَوَّلا والأَنبِياءُ ثانِيًا والمُعلِّمون ثالِثًا، ثُمَّ هُناكَ المُعجِزات، ثُمَّ مَواهِبُ الشِّفاءَ والإِسعافِ وحُسْنِ الإِدارةِ والتَّكَلُّمِ بِلُغات" (1 قورنتس 12: 28). فالروح القدس يبني الوحدة في هذا التنوع؛ وروح الوحدة يجعل الكنيسة والعالم أبناء وأخوة. ويعلق البابا فرنسيس "مَن يعيش حسب الروح القدس يحمل السلام حيثما هناك خلاف، والتوافق حيثما هناك صراع، يقابل الشر بالخير ويُجيب على الكبرياء بالوداعة، وعلى الضجيج بالصمت، وعلى الثرثرة بالصلاة وعلى الانهزامية بالابتسامة"

ونستنتج مما سبق ان الروح القدس كان عاملا بين الناس منذ بداية الزمان، لكنه بعد العنصرة سكن في المؤمنين (اعمال الرسل 2: 1-13). إن الروح القدس هو الله داخلنا وداخل كل المؤمنين يعمل معنا ولأجلنا وهو يعيننا ان نحيا كأبناء الله؛ كتب بولس الرسول إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ الله يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا. لم تَتلَقَّوا روحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إِلى الخَوف، بل روحَ تَبَنٍّ بِه نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ! وهذا الرُّوحُ نَفْسُه يَشْهَدُ مع أَرواحِنا بِأَنَّنا أَبناءُ الله" (رومة 8: 14-16). بالروح القدس نصبح أبناء للآب وأخوة بعضنا لبعض وللناس كلّهم.

لا يقوم الروح القدس على استمرارية تعليم يسوع لنا، إنما أيضا على تذكيرنا ما تعلمنا سابقا من السيد المسيح وانجيله المقدس: يذكرنا معنى الحياة وهدفها ورجاء دعوتنا في حين الخطيئة تجعلنا ننساها ونصغي إلى معلمين آخرين يؤدون بنا إلى الموت. الروح وحده هو الذي يعطي حياتنا معنى وهدفا وكمالا. ويُعلق البابا فرنسيس "ان الروح القدس هو السلام عند الاضطراب، والثقة عند الإحباط، والفرح عند الحزن، الشبابية في الشيخوخة، الشجاعة في المحن. الروح القدس هو من يثبِّت مرساة الرجاء وسط تيارات الحياة العاصفة".

والروح يشهد للحق الذي هو المسيح كما صرّح يسوع "فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 26:15)، وهو مصدر كل الحق، لأنه هو "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب" (يوحنا 15: 26)، ويقنعنا بخطيئتنا وبدينونة الله " وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة "(يوحنا 16: 8) ويعطينا بصيرة الى أحداث المستقبل " فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث" (يوحنا 16: 13)، ويُبيِّن مجد المسيح " سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه "(يوحنا 16: 14).

ونختبر حضور الروح القدس فينا بالصلاة " فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب، ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف. والَّذي يَختَبِرُ القُلوب يَعلَمُ ما هو نُزوعُ الرُّوح فإِنَّهُ يَشفَعُ لِلقِدِّيسينَ بما يُوافِقُ مَشيئَةَ الله" (روما 8، 26-27). ويُعلق العلامة أوريجانوس" حينما نُصلّي نكون دائماً إثنين: نحن والروح القدس. بواسطة الروح القدس، نحن ندخل في حوار أبديّ مع الآب والابن، ولا يتمّ الاستماع إلى الصلاة بحسب صوتنا، بل بحسب صوت الروح القدس الّذي يُصلّي لنا، وهو الوسيط الدائم لدى الآب والّذي يطلب دائماً ما هو الأفضل لنا". فلا عجب من توصية يهوذا الرسول " فابْنوا أَنفُسَكم على إِيمانِكمُ المُقَدَّس وصَلُّوا بِالرُّوحِ القُدُس" (يهوذا 1: 20).

ومن هنا نتساءل: ما هو دور الروح القدس اليوم في حياة كل واحد منا؟ ماذا عملنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا يوم عمادنا؟ هل نسمح له أن يعمل في حياتنا؟ هل له أي دور في حياتنا؟ دعونا نطلب من الروح القدس، الروح المُعزي، أن يأتي ويسكن في قلوبنا فنشعر بحضور المسيح فينا ونتذكر تعاليمه وصلاته ونعمل على حفظ وصاياه؟ فهل نُصغي حقًّا إلى الرُّوح الَّذي فينا؟ هل نسير بحسب توجّهات وثمار الرُّوح القُدُس "المحبّة والفرح والأمانة وطول الأناة والسَّلام والعفاف والّلطف والوداعة ودماثة الأخلاق"؟ لنضع نظرة الروح القدس قبل نظرتنا فتتغير الأمور.

3) حضور الروح القدس في تلاميذه من خلال حفظهم وصايا يسوع

يحث يسوع تلاميذه على المحبة التي تشكّل جوهر الحياة الدينية والأدبية. "إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي" (يوحنا 14: 15)؛ في عيش الوصية هذه أراد يسوع أن يشقّ طريقاً جديداً لتلاميذه حيث أعطاهم نظاماً جديداً وأوكل إليهم عملاً أساسه الحب. ان حفظ الوصية هي الميزة الخاصة في كتابات القديس يوحنا لأن الوصية تتطلّب الأمانة والالتزام والتضحية وترتبط بالحب الأخوي وبعيش الحياة اليومية. ان حفظ الوصية من دون عمل المحبة تتحوّل مع يسوع من علاقة شخصية وجدانية إلى علاقة قانونية: " أَنَّ مَحبَّةَ اللهِ أَن نَحفَظَ وصاياه ولَيسَت وَصاياه ثَقيلَةَ الحَمْل"(1يوحنا 5: 3).

ان حب يسوع لا يصبح واقعاً ملموساً إلاّ عندما نحفظ وصاياه لننال بها عطية الروح القدس. "أعطيكم وصيةً جديدة أحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أحبوا أنتم بعضكم بعضاً"(يوحنا13: 34)، هذه الوصية هي خلاصة الشريعة والأنبياء. وبعطية الروح القدس يتحوّل المسيحيون من "محبّة الشّريعة" إلى "شريعة المحبة". كما يؤكد ذلك بولس الرسول " لأَنَّ مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا" (رومة 5: 5). لذلك فالوصية الجديدة تتعلق بالحقائق المميَّزة للأزمنة الأخيرة. إنها علاقة الميثاق الجديد والنهائي الذي ختمه يسوع بدمه كما ورد في تعليم بولس الرسول "فيه أَنتُم أَيضاً سَمِعتُم كَلِمَةَ الحَقّ أَي بِشارةَ خَلاصِكم وفِيه آمنُتُم فخُتِمتُم بِالرُّوحِ المَوعود، الرُّوحِ القُدُس" (أفسس 1: 13).

يدعونا القدّيس يوحنّا، في بشارته، إلى استقبال كلام المسيح من كل قلبنا. وباستقبالنا له، نحن في الحقيقة نجعل المسيح نفسه حاضراً في حياتنا. "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" (يوحنا 14: 21). ينشأ رباط وثيق بين يسوع والتلميذ الأمين لوصاياه، إذ يقوم حوار حميم بينه وبين يسوع، فيسوع يُظهر نفسه كما هو. وحيث ان يسوع لا ينفصل عن الآب، فوجود الواحد لا يُعقل دون وجود الآخر "أَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ" (يوحنا 14: 10). وعليه ينتهي الوعد بمجيء الآب والابن الى التلميذ "إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23). فالمسيحي يكون مضيفا وهيكلا للأقانيم الثلاثة.

ويؤكد يسوع المسيح لتلاميذه أنَّه الضمانة بحضور الآب والابن والروح القدس. وحضوره يختلف عن ذاك الذي كان التلاميذ يحلمون به (يوحنا 14: 8-22) كما كان الحال في العهد القديم من خلال علامات حسية مبهرة والتي تُثير حماسهم كما كان يظهر الى موسى النبي "غَطَّى الغَمامُ الجَبَل. وحَلَّ مَجدُ الَرَّبِّ على جَبَلِ سيناء" (خروج 24: 15-16)، لكن يسوع ادخل تلاميذه في عالم الايمان.

ونستنتج مما سبق انه يجب ان نؤمن أوّلاً بالربّ ثمّ أن نستسلم بدون تحفّظ لوصاياه. ونعتمد الايمان عنوانا لمحبتنا. الإيمان يأتي أولاً ثم الحب. كما قالت القديسة تريزا دي كالكوتا " ثمرة الايمان الحب" فمن يؤمن يرى المسيح. ومن يرى المسيح يُحبُّه. ومن يحب المسيح يطيع الوصايا، والروح القدس هو الذي يعطينا الحب الذي يجعلنا نحفظ الوصايا كما جاء في تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية " أن المحبة التي هي ثمرة الروح وكمال الناموس تحفظ وصايا الله ومسيحه " (رقم 1824). فالوصية تأتي دائماً من الخارج، تُعطى لنا من قبل آخر. بينما الحبّ، على العكس يأتي من أعماقنا. والإيمان هو عمل حبّ لا عمل معرفة عقليّة، والحبّ يدخلنا في المعرفة الإلهيّة وبالتالي الى المعرفة العقليّة. وحفظ الوصايا هو التطبيق العملي للحبّ الإلهيّ. وللوصول الى أن يتجلّى الله في حياتنا، لا بدّ من عيش وصاياه، من عيش الحبّ الإلهيّ في حياتنا اليوميّة.
ان المحبة أكثر من كونها كلمة لطيفة فيها التزام وسلوك. المحبة هي التزام بالآخر وليست نزوة؛ المحبة مسؤولية تجاه النفس والآخرين وليست أنانية؛ المحبّة دائمًا تتأنّى وتترفّق، تصبركما جاء في تعليم بولس الرسول: "وهي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء" (1 قورنتس 13: 7)، وتصحّح وتغفر، تلتزم بالحقّ وتدافع عن العدل، تنتبه إلى الفقير وتشفق على الضعيف، لا تبحث عن الغنى والجاه والتقدير، بل في كلّ شيء تبتغي خدمة الله وتمجيده وإعلان اسمه القدّوس.

فمن تبع يسوع يُظهر محبته له بطاعة وصاياه. والوصايا هي ليست مجموعة من الأنظمة والقوانين، والأوامر والنواهي مفروضة من الخارج، بل هي برنامج حياة؛ فالوصايا هي ان يدخل الانسان مع المسيح في شركة حب وحياة، وذلك ان يكون تلميذا وشاهداً ورسولا فإن أردنا أن يجعل الربَ له مقاماً عندنا، فيجب علينا أن نحفظ وصاياه، فحفظ وصايا الرب هي الدليل على محبتنا له ورغبتنا باستقباله في حياتنا. فمن يحبّ الله يمكنه أن يعاين الله، لأنّ الله محبّة ومن يحيا المحبّة يشترك بالنعمة، لا بالطبيعة، في جوهر الله نفسه. والعلامة الحسيّة لهذه المحبّة هي في عيش الوصايا.

إنَّ وعد المسيح للتلميذ الذي يحب بحضور الآب والابن والروح القدس في حياته. ولكن هذا الحضور يتطلب منا الطاعة والمحبة اللتين كان الله يطلبهما في العهد القديم (تثنية الاشتراع 6: 4-9) كما يصرّح السيد المسيح " إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23)؛ لكنى ما قيمة الحب إذا لم يقترن بأعمال ومبادرات فعلية؟ ما قيمة الحب إن لم أحترم كلام الآخر؟ فحفظ التلميذ للكلمة وأمانته لها، يضمنان له حياة صداقة وعلاقة حميمة مع الله الذي كشف عن ذاته في عمق حياته الثالوثية (ثلاثة أقانيم في إله واحد). وعندئذٍ تتحقق نبوءة حزقيال "أَقطَعُ لَهم عَهدَ سَلام. عَهدٌ أَبَدِيّ يَكونُ معَهما، وأَجعَلُ مَقدِسي في وَسطِهم لِلأبد" (حزقيال 37: 26). فالمحبة هي العلامة الاساسية لحضور الروح فينا وهي تضفي على كل عمل مسيحي صفته الشرعية، ويجعل بالتالي فقدان المحبة ذلك العمل ناقصًا.

الخلاصة:

نستنتج ان رحيل يسوع الجسدي لم يكن النهاية، بل هو بداية حضوره وبقاءه النهائي والمستمر للإله الثالوث في قلب وحياة المؤمن. والمؤمن الحقيقي هو الذي يعيش ويطبق بمحبة كلام يسوع وتعليمه "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي"(يوحنا 14: 21).

وحلّ الروح القدس على التلاميذ، يوم العنصرة قبل ألفي عام، في "الغرفة العليا" حيث كانوا مجتمعين وحلول الروح القدس هو استمرار لحضور المسيح في حياتنا وفي عالمنا. وحضوره قلَبَ كل الموازين. لا يكفي احترام الوصايا وتطبيقها، لكن الأهم هو أن يقبل كل واحد أن يعيش من محبة الله، الآب والابن والروح القدس. وإذا قبلنا أن نعيش من هذا الحب، فهذا سيُغيِّر كل حياتنا. يصبح المسيح في قلب حياتنا اليومية ونكون شهوداً له في عالم اليوم. ففي عيد العنصرة الذي من خلاله تعيش الكنيسة مجددًّا حلول الروح القدس على مريم والتلاميذ المجتمعين في العليّة بالصلاة ليملأ الرّوح القدس حياتنا كي نختبر حضور المسيح في حياتنا لنعلن موت يسوع وقيامته ونصبح شهوداً له ولإنجيله في المعمورة كلها.

دعاء

أيها الاب السماوي، اننا نضع ثقتنا في ابنك يسوع الذي قال "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي." ضع فينا روحك فنحبك ونحفظ وصاياك فنحافظ على حضور الروح القدس فينا ليجدِّد وجه ارضنا ويبدّد كل ظلمة من نفوسنا ويخلق فينا قلباً جديداً ويلهم عقولنا لكل خير ويصلّي فينا بأنّات لا توصف ويحرّرنا من روح البلبلة والتشتّت لكيلا نعود نتكلّم سوى لغة حبّك وغفرانك. فيا أيها الملك السماوي المعزي روح الحق. هلم واسكن فينا. أمين.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء