تعليم يسوع عن السلطة: خدمة وفدية

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

تعليم يسوع عن السلطة: خدمة وفدية

الأب د. لويس حزبون
2018/10/20

يصف مرقس الإنجيلي طلب الرسولين الاخوين يعقوب ويوحنا ابني زبدى من يسوع مناصب في السلطة (مرقس 10: 35-45)؛ علما أنَّ أخطر صعوبة تواجه خدَّام الرب هي التخلي عن حب الرئاسات ومراكز الشرف، فكان جواب السيد المسيح انقلاب ثوري بقوله ان السلطة خدمة وفدية. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل مرقس (مرقس 10: 35-45)

35 دَنا إِلَيه يَعقوبُ ويوحَنَّا ابنا زَبَدى، فقالا له: ((يا مُعَلِّم، نُريدُ أَن تَصنَعَ لَنا ما نَسأَلُكَ)).

تشير عبارة "يَعقوبُ" الى يعقوب الكبير أحد الاثني عشر والاخ الأكبر ليوحنا الرسول (متى 4: 21)، وكانت سالومَة امه، وهي شقيقة مريم أم المسيح (مرقس15: 40). وبالتالي يعقوب هو ابن خالة يسوع. أمَّا عبارة "يوحَنَّا" فتشير الى يوحنا الرسول من بيت صيدا وكان غنياً، لأن َّاباه كان يملك عدداً من الخدم المأجورين (مرقس 1:20). ترك يعقوب ويوحنا أباهما واجراء والشباك، تركا كل شيء وتبعا يسوع (لوقا 5: 11). وسمَّاه يسوع " التلميذ الحبيب". وعند الصلب اوصاه يسوع بأمه مريم. وكان اول من آمن بقيامة المسيح (يوحنا 20: 1-10). وكان يوحنا أحد أعمدة اورشليم (اعمال الرسل 15:6). ورافق يوحنّا ويعقوب المعلّم إلى منزل يائيرس (مر 5: 37)، وفي مشهد التجلّي (مرقس 9: 2)، وليكونا معه عندما كان يصلّي في "جتسماني" (مرقس 14: 33)؛ وكانا سريعي الانفعال والغضب فلقَّبهما يسوع "بوانرجس" اسم آرامي בְּנֵי־רְגוֹשׂ معناه أبناء الرعد (مرقس 3: 17). ويرّجح أن ذلك تلميحاً لما ظهر من طبعهما بموجب كلامهم مع يسوع "يا ربّ، أَتُريدُ أَن نَأمُرَ النَّارَ فتَنزِلَ مِنَ السَّماءِ وتَأكُلَهم؟" (لوقا 9: 54). وهذا ما فعله إيليا (2 ملوك 1: 10-12). قد ظن البعض أن ذلك رمز إلى القوة التي كانا يُظهرانها في تبشيرهما باسم المسيح. وفي إنجيل متى تقدمت ام يعقوب ويوحنا بهذا المطلب "دَنَت إِليهِ أُمُّ ابنَي زَبَدى ومعَها ابناها" (متى 20: 20)؛ لا شك ان مرقس هو الذي أهمل ذكر الأم، لتبسيط الرواية ولإبراز جواب يسوع. وعلى كل حال ليس في ذلك أي تناقض، فقد كانت الام وابناها على اتفاق في تقديم طلب الحصول على مراكز الشرف في ملكوت المسيح. اما عبارة " نُريدُ " فتشير الى حياة وفكر وشعور يختلف عن حياة وفكر وشعور يسوع. حيث ان يسوع من يفعل مشيئة الآب اما يعقوب ويوحنّا لديهما إرادة شخصيّة، وهي ليست نفس إرادة ربّهما. وبالإضافة الى ذلك ان يعقوب ويوحنا يستثنيا الآخرين ويخططان كما لو أن التلاميذ الآخرين غير موجودين. أمَّا عبارة " يا مُعَلِّم، نُريدُ أَن تَصنَعَ لَنا ما نَسأَلُكَ " فتشير الى التفسير الذي قاله القديس يوحنا الذهبي الفم "إذ سمع التلاميذ المسيح يتكلم عن ملكوته كثيرًا ظنوا أن ملكوته يقوم قبل موته، والآن إذ هو يتحدث عن موته معلنًا لهم عنه مقدمًا. جاءه التلميذان ليتمتعا بكرامات الملكوت ".

36 قالَ لَهما: ((ماذا تُريدانِ أَن أَصنَعَ لكما؟

تشير عبارة " ماذا تُريدانِ أَن أَصنَعَ لكما؟ الى جواب يسوع الى طلب التلميذين يعقوب ويوحنا أخيه بشكل سؤال، ليس لأنه لا يعرف بل ليُحرِّك مشاعرهما فيخجلا مما يطلبانه. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " سؤال يسوع ليس عن جهل منه للأمر، وإنما ليلزمهما بالإجابة، فيفتح الجرح ويقدم له الدواء".

37 قالا لهُ: ((اِمنَحْنا أَن يَجلِسَ أَحَدُنا عن يَمينِك، والآخَرُ عَن شِمالِكَ في مَجدِكَ)).

تشير "اِمنَحْنا أَن يَجلِسَ أَحَدُنا عن يَمينِك، والآخَرُ عَن شِمالِكَ في مَجدِكَ " الى طلب الأخوين يعقوب ويوحنّا، رغبة في الحصول على المراكز الأولى، وعلى المسؤوليّات العليا وعلى المجد الأعظم، أن تكون لديهما سلطة على الآخرين. طلبا مركزين، ليسا لمجرد شرف، بل من اجل مركز الصدارة كوزيرين حول الملك، واحد عن شماله وآخر عن يمينه، ويشاركا يسوع في سلطته الذي يحكم بها (متى 19: 28). ما كاد يسوع يعلن كيف سيُرفَض ويتألّم (مرقس 10: 32-34) حتى أتيا يطلبان أن يعطيهما السلطة، كما لو أنّهما لم يسمعا أو يفهما شيئًا ممّا قاله المعلّم. ان هذا الطلب يُظهر ان أفكار الرسولين ما زالت في الملُك الأرضي، وهي فكرة خاطئة عن ملكوت المسيح؛ ولم يفهما الأنباءات المتكررة الواضحة عن آلام المسيح وموته كما جاء في تصريح يسوع لهم "أَما تَفهَمونَ هذا المَثَل؟ فكَيفَ تَفهَمونَ سائرَ الأَمثال؟" (مرقس4: 13)، حيث انهما ظنا ان يسوع يريد ان يؤسس ملكوتا ارضيا ويُحرِّر إسرائيل من ظلم روما، ولذا اراد يعقوب ويوحنا ان يفوزا بمراكز عالية فيه، بالرغم من الانباء الواضح عن الآم المسيح وموته الذي أعلنه الرب للمرة الثالثة في نفس ذلك الوقت. لا زال التلاميذ يتعلقون بمسيح ممجّد، وقدير هو الذي سوف يلبي طموحاتهم. لكن ملكوت يسوع ليس من هذا العالم بل في قلوب أتباعه وحياتهم، والتلاميذ لم يفهموا ذلك الا بعد قيامته من الاموات. لكن موت المسيح حطَّم منطق البشر الذين يتزاحمون على المراكز الأولى التي تعطيهم القوة والسلطة والتسلط على الآخرين. تلميذ يسوع الحقيقي هو المدعو إلى السير وراء يسوع، وليس أمامه، او بجانبه شمالا او يمينا. الم يقل يسوع "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَكْفُرْ بِنَفْسِهِ ويَحْمِلْ صَلِيْبَهُ ويَتْبَعْنِي" (متى 16: 24). لقد نسيا أنّهما تلميذين وليسا وزيرين. اما عبارة "أَحَدُنا عن يَمينِك، والآخَرُ عَن شِمالِكَ " فتشير الى مكان المجد على الصليب مكان اللصين على جبل الجلجلة "أَحَدُهُما عن يَميِنِ يسوع والآخَرُ عن شِمَالِه " (مرقس 15: 27). ولم ترد هذه العبارة " يَميِنِه والآخَرُ عن شِمَالِه" في إنجيل مرقس الا في هاتين المناسبتين فقط. أمَّا عبارة " مَجدِكَ" فتشير الى ميزة خاصة يتمتع بها يسوع الملك. ويقوم على سلطانه، على بهاء ملكه (1 اخبار الأيام الأول 29: 28). وإنجيل يوحنا يكشف لنا بوضوح المجد في حياة يسوع وموته، فيسوع هو الكلمة المتجسد. في جسده يسكن ويسطع مجد ابن الله الوحيد (يوحنا 1: 14 و18). وكانت تربية يسوع لتلاميذه تكمن في ان ينقلهم من فكرة مجد المسيح الى فكرة الطريق التي تقود اليه، طريق الألم والموت كي يكتشفوا الشروط للبلوغ الى المجد. فقد طلب التلميذان المجد مع المسيح، ولكنهما لم يفهما ان المجد لا يأتي الاَّ بالصليب لان المسيح سيتمجد بالصليب. ان التلميذين يتكلمان عن المجد دون الدخول الى الطريق المؤدية اليه ويريدان الهدف دون الالتزام بالمسيرة. الرب يتحدث عن هبة ذاته حبًا، وتلاميذه يفكرون بحب السلطة والجلوس على العرش. تلميذ المسيح هو من يكون مستعداً للخدمة حتى التضحية، حتى الصليب.

38 فقالَ لَهما يسوع: ((إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألان. أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها، أَو تَقبَلا المَعمودِيَّةَ الَّتي سَأَقبَلُها؟)).

تشير عبارة " إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألان" الى عدم علمهما ما يسألان بعكس يسوع "كانَ يَعَلمُ بِأَن قد أَتَت ساعَةُ انتِقالِه عن هذا العالَمِ إِلى أَبيه " (يوحنا 13، 1)، “وكانَ يسوعُ يَعلَمُ أَنَّ الآبَ جَعَلَ في يَدَيهِ كُلَّ شَيء، وأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الله، وإِلى اللهِ يَمْضي" (يوحنّا13، 3). يسوع يعلم من هو، ويعلم من أين أتى، ويعلم إلى أين هو ذاهب. اما يعقوب ويوحنا فهما لا يعلمان فكر يسوع بأنّ المجد هو في الصليب، والعظمة الحقيقية في الخدمة التي يبذلان فيها حياتهما، مثل يسوع. إنما هما لا يزالان يعيشان عقلية عصرهما بطلب اعلى المناصب، متمسكين في أوهام شعبهم بان المسيح هو الظافر والمنتصر الذي سيحقق لهما جميع طموحاتهما في ملكوت ارضي وزمني. لانهما ظنّا ان يسوع أتى مَلكا زمنيا ليقيم مملكته على الأرض، وبالتالي ويكونا معاونيه في الحكم. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "كأن يسوع يقول لهما أنكما تتحدثان عن الكرامات بينما أتكلم أنا عن الصراعات والمتاعب. إنه ليس وقت المكافأة الآن بل هو وقت الدم والمعارك الروحية والمخاطر". يوقع يعقوب ويوحنا ان يُلبّي كلّ احتياجاتهما وكل أحلامهما. وفي الواقع ليس الأمر كذلك. يسوع لا يفعل هذا، لأنه يحبنا، يريد حملنا إلى الآب لخلاصنا، ولا يعطينا أي شيء لا يخدم هذا الهدف، أو يكون عائقاً من أجل خلاصنا. أمَّا عبارة " أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها " فتشير الى سؤال يسوع للتلميذين بحيث "سحبهما يسوع من طريق سؤالهما إلى الالتزام بالشركة معه لتزداد غيرتهما" كما أوضح القديس يوحنا الذهبي الفم. أمَّا عبارة "الكأَسَ" فتشير الى المعنى المجازي اي محتويات الكأس، سواء أكان ذلك ساراً أم محزناً أي نصيب الإنسان من المسرات والبلايا. وكثيرا ما تُذكر كأس المرارة في العهد القديم لوصف المحن والأخيرة (اشعيا 51: 17، وارميا 25: 15، وحزقيال 23: 31-32). وتدل هنا على الكأس التي أعطاها الآب للمسيح أي الآلام المُعدَّة له. والكاس هو الشرط الأول لبلوغ مجد المسيح. ويستعمل يسوع عبارة الكاس للدلالة على الالام، وهي تذكر خصوصا بصلاة يسوع في النزاع في بستان الزيتون في الجتسمانية "يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!" (متى 26: 36). فيدل هنا الكأس على الألم العذاب وبالتالي الى آلام يسوع وصلبه (متى 26:39). نحن هل نقبل أن نشرب الكأس التي يعطيها لنا الآب؟ من يقبل سيكون له نصيب في المجد. أمَّا عبارة "المعمودية" باليونانية βάπτισμα (معناها تغطيس أو غسل او صبغة) فتشير هنا الى الغطس في الماء والموت والاخطار التي تحفُ به العذابات التي تغمر الإنسان عندما يعاني من المحنة عامةً، والصبغة أي أنه سيتغطى بالدم والاستشهاد خاصةً. وباختصار، استعمل مرقس الإنجيلي التعابير الشعرية عن الكأس والمعمودية الواردة في العهد القديم (مزمور 11: 6 وأشعيا 51: 17) ليصف آلام وحزن وموت سيدنا يسوع المسيح، حيث انه تدل على الغطس في الماء والموت. أمَّا عبارة "تَقبَلا المَعمودِيَّةَ الَّتي سَأَقبَلُها؟" فتشير الى سؤال المسيح لتلاميذه: هل تستطيعون ان تقاسموني موتي؟ حاول يسوع ان يُفهمهم وجهة نظره من خلال رمزين: الكأس والمعمودية، كاس من الالم ومعمودية من الدم كشرط للسعادة وللقيامة. هل يعني أن نكون تلاميذ يسوع الجلوس على عرشٍ أم يعني شرب كأس الألم؟

39 فقالا له: ((نَستَطيع)). فقالَ لَهما يسوع: ((إِن الكأَسَ الَّتي أَشرَبُها سَوفَ تَشرَبانِها، والمَعمودِيَّةَ الَّتي أَقبَلُها سَوفَ تَقبَلانِها.

تشير عبارة " نَستَطيع" الى جواب التلميذين الفوري بدون أيّة مشكلة! في حين أنّ يسوع نفسه صلى الى أبيه عندما طلب منه شرب كأس الآلام: "يا أَبتِ، إِن شِئْتَ فَاصرِفْ عَنِّي هذِه الكَأس… ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!" (لو 22: 42). ان جوابهما يدل على أنهما مخلصان للسيد ويودان لو تألما معه. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "لقد تسرعا في الإجابة إذ ظنا أنهما ينالان كرامة الملكوت فورًا". وقد يأتي تسرُّعهم بالإجابة بسبب محبتهم للمسيح وجهلهم بما يعنيه المسيح وبسبب تفكيرهم المحصور في مجد أرضى. ويعلق الأب ثيؤفلاكتيوس "قد أجاباه بغير إدراك قائلين له: "نستطيع"، إذ حسباه يتحدث عن كأس منظورة وعن المعمودية التي كان اليهود يمارسونها التي هي الغسل قبل الأكل". أمَّا عبارة "سَوفَ تَشرَبانِها" فتشير الى نبوءة يسوع الذي تحققت عندما مات يعقوب شهيداً على يد هيرودس أغريبا الأول الذي امر بقطع راسه حوالي سنة 44 م في أورشليم (اعمال الرسل 12: 2)؛ وكان اول الرسل الذين ختموا حياتهم بدم شهادتهم. أمَّا يوحنا فهو الوحيد بين الرسل الّذي سوف يرافق الربّ يسوع على درب الصليب ويراه يشرب كأس آلامه ويجتاز معموديّة آلام صليبه. وهو أخير قد نُفي في حكم دوميتيانوس الحاكم الروماني الى بطمس واضطُهد كما جاء في شهادته "أَنا، أَخاكم يوحَنَّا الَّذي يُشارِكُكم في الشِّدَّةِ والمَلَكوتِ والثَّباتِ في يَسوع، كُنتُ في جَزيرَةِ بَطمُس لأَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ وشَهادَةِ يَسوع" (رؤيا 1: 9). جعل يسوع تلاميذه يستشفون آلامه وموته كتتويج لرسالته.

40 وأَمَّا الجُلوسُ عن يَميني أَو شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، وإِنَّما هُوَ لِلَّذينَ أُعِدَّ لهم)).

تشير عبارة" فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه" الى مبادرة الله الآب حيث انه هو ينبوع كل صلاح. أن المسيح في مجيئه الأول أتى لخلاص الناس ودعوتهم للإيمان والتوبة. أمَّا في مجيئه الثاني فهو سيأتي ليدين (متى 31:25-34) لذلك فالمسيح في مجيئه الأول لم يُحدِّد من يجلس عن يمينه ومن يجلس عن يساره في الملكوت، بل أراد ان يبقى في خدمة أبيه وخدمة الناس (متى 24: 36). وظل يسعى فيما هو لأبيه (لوقا 2:49) كإبنٍ طائعٍ لمشيئته ابيه السماوي (متى 26: 42). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " مع أنه هو الذي يدين، لكنه يظهر بهذه العبارة بنوته الأصلية". اما الله الآب فهو الذي يمنح ما يطمح اليه التلميذين يعقوب ويوحنا عن طريق الاستحقاق، وليس عن طريق محاباة شخصية. ان توزيع الأماكن هو عمل الآب وليس عمل يسوع، يوزِّعها الله بحسب الاستحقاق وليس لاعتبارات الناس. ويقول القدّيس أمبروسيوس" يمكننا أن نفهم عبارة " فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه" بمعنى آخر وهو أنّني قد جئتُ لكي أعلِّم التواضع..، ما جئتُ لأُظهِر العدل بل لأقدّم حنوًا، أي أنه ليس وقت لتقديم الإكليل". أمَّا عبارة" أُعِدَّ لهم" باليونانية δοῦναι (أُعطي) فتشير الى هؤلاء هم الذين قبلوا حمل الصليب مع المسيح. وفعل "أُعِدَّ" هي صيغة الفعل للمجهول التي تُعبّر عن عمل الله، أي اعدّه الله لهم كما جاء واضحا في إنجيل متى "أَمَّا كَأَسي فسَوفَ تَشرَبانِها، وأَمَّا الجُلوسُ عن يَميني وعن شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، بل هو لِلَّذِينَ أَعدَّه لَهم أَبي"(متى20: 23). وتهدف صيغة المجهول للفعل الى تحاشي التلفظ باسم الله إكراما وإجلالا (متى 20: 23). الله وحده يقرِّر المراكز الأولى في الملكوت. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " وكأنه يقول لهما ستنعمان بالآلام معي والاستشهاد أيضًا، لكن أمر تمتعكما بأمجاد الملكوت فهو أمر إلهي يوهب لكما لا حسب فكركما المادي إنما حسب خطة الله الخلاصي". المكافآت لا تُعطى جُزافا، ولكنها تعطى لمن ظلوا أمناء للمسيح رغم المحن والتجارب. قد نشعر بحرية ان نطلب من الله أي شيء، ولكنه لا يستجيب لنا بعض الطلبات لخيرنا، فإنه يريد ان يعطينا ما هو أفضل لنا.

41 فلمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ذلكَ الكَلامَ اسْتاؤُوا مِن يَعقوبَ ويوحَنَّا

تشير عبارة "اسْتاؤُوا" الى حسد الرسل العشرة كحسد العمال الاولين في مثل العملة واجرتهم (متى 20: 5-10). لأنهم يتطلعون هم أيضا الى مراكز الصدارة وحب الرئاسات والمراتب والكرامة الزمنية حيث" كانوا في الطَّريقِ يَتَجادَلونَ فيمَن هُو الأَكبَر "(مرقس 9: 34). والحسد هو المرض الذي يوجهه عدو الخير بين خدَّام الرب. لقد نسوا الصليب وارادوا الوصول الى المجد دون المرور في الألم والموت، ونسوا يسوع الذي يريد ان يؤسس ملكوتا روحيا لا أرضيا. أليس الصراع على السلطة في غالب الأحيان هو أساس التوترات في عالمنا ومجتمعنا، وسبب كثير من النزاعات المسلّحة وغلبة فريق على آخر؟ ما من خطأ أن يتنافس التلاميذ على العظمة، ما من مشكلة إذا تسابق التلاميذ على من سيكون فيهم الأول، فهذا شيء إنساني وشيء طبيعي. لولا التنافس لما كان تقدم او تطور. المشكلة ليست بالتنافس، بل بالتنافس السلبي وبمعاييره وبمقاييسه: الواسطة، أو المعرفة، أو القرابة او الدعاية او التملق او القوة كوسيلة للوصول إلى السلطة بل بالعمل لخدمة الجميع والمصلحة العامة. لا بد من التنافس لا على المناصب بل على الخدمة.

42 دَعاهم يسوعُ وقالَ لَهم: ((تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها

تشير عبارة "تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها" الى تذكير يسوع الطريقة التي بها يمارس العظماء سلطتهم في هذا العالم. ليست غاية يسوع من هذه الكلام ان يذمَّ السلطة السياسية في حد ذاتها، بل ان يبيّن انها ليست مثالا للتلاميذ ولا يجوز اتخاذ السلطة السياسية مثالا لهم. في العالم يميل الناس الى التسلط والرئاسة، ويستعملون كل نفوذ شخصي للحصول على رفعة ذاتية. أمَّا مثال التلاميذ فهو يسوع، لا حكام هذا العالم.

43 فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِك. بل مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً

تشير عبارة " مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً " الى تعارض سُلم قيم العالم مع سُلم قيم الانجيل. ففي العالم التسلط والسيادة، وفي الانجيل الخدمة والفِدية. يعتبر هذا القول ليس قانونا بل دستورا لتعاليم يسوع في الحياة الأخوية. فالدستور هو التشريع الذي يُحدد الحقوق والواجبات العامة، أمَّا القانون فهو الذي ينظم العمل والحياة في مجال معين كقانون للعمل، وقانون للعقوبات... العظيم في ملكوت السماوات هو من ينسى نفسه ويخدم الآخرين ويتضع باذلًا نفسه كما فعل المسيح نفسه. الخدمة ليست عبودية. أمَّا عبارة " فَلْيَكُنْ " فلا تشير فقط الى نصيحة، بل الى أمرٍ للتمسك في سُلَّم قيم الانجيل. أمَّا عبارة "خادِما" باليونانية διάκονος (معناها تابع شخصي أو معين) فتشير على خادم الانجيل مثل طيموتاوس (1 تسالونيقي 3: 2)، وبولس وابولس (1 قورنتس 3: 5) وابفراس (قولسي 1: 7). وجاء يسوع الى العالم كالخادم، كعبد الله المتألم (اشعيا 52: 13). وهذا النمط الحياتي هو أساس لمقدرة التلاميذ على الاقتداء بالرب وإلزامهم بهذا الاقتداء (يوحنا 13: 34-34). فتلاميذ المسيح قاموا على خدمته وكانوا شهود عيان له (لوقا 1: 2 واعمال 26: 16). فالوسيلة للوصول الى العظمة هي الخدمة على مثال المسيح. ويسوع كان دائما يعمل بما يعلّم. فقد غسل أقدام تلاميذه في العشاء الأخير (يوحنا 13: 4-15). ويعبّر غسل لأقدام تعبيرا رمزياً عمَّا كان جوهر حياة يسوع وآلامه، وهو المحبة التي تقوم بأوضع الخدمات لخلاص البشر. في الانجيل يكون الأول حين يكون خادم الجميع وعبداً لهم ويبذل نفسه في سبيلهم. أوضح لهم يسوع الفرق الأساسي بين العظمة الأرضية والعظمة الروحية. العظمة الحقة تنبع من الخدمة المتواضعة المتطوعة. لا بد لنا ان نتخلى عن مبدا المناصب ونلتزم بقاعدة واحدة للجميع: الخدمة. الأكبر هو الذي يجعل من نفسه خادم الآخرين، كما فعل يسوع فحقّق ذاته في سرّ الافخارستيا، حيث " أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَه تلاميذه وقال هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري " (لوقا 2: 19). لقد وعلم يسوع ان العظمة تأتي من خدمة الآخرين كما جاء أيضا في توصيات بطرس الرسول " اِرعَوا قَطيعَ اللهِ الَّذي وُكِلَ إِلَيكم واحرِسوه طَوْعًا لا كَرَهاً، لِوَجهِ الله، لا رَغبَةً في مَكسَبٍ خَسيس، بل لِما فيكم مِن حَمِيَّة. ولا تَتَسلَّطوا على الَّذينَ هم في رَعِيَّتكم، بل كونوا قُدْوةً للِقَطيع" (1بطرس 5: 2- 3). ليست درب الصليب والالام بمفهوم يسوع هو العذاب والالم فحسبـ، إنما أيضا الخدمة. ولو كرّس كل واحد منا نفسه لخدمة الجميع، لأحدثنا ثورة اجتماعية حقيقية في العالم.

44 ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً.

تشير عبارة "الأَوَّلَ" الى الآمر والناهي. أمَّا عبارة "عَبْداً" باليونانية δοῦλος (خادم بلا حرية) فتشير الى انسان يكون تحت ملك إنسان آخر حيث يكون صاحب الحق فيه، جسماً وروحاً وتصرفات وإرادة. وقد ارتضى يسوع أن يتخذ هو نفسه صورة عبد " تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد " (فيلبي 2: 7)، "ولَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة." (العبرانيين 4: 15) كما تنبأ عنه اشعيا النبي "فإِذا قَرَّبَت نَفسُه ذَبيحَةَ إِثمٍ " (اشعيا 53: 10). يسوع اتّخذ المكان الأخير، مكان المصلوبين، مكان العبيد، المكان الأخير. فالصليب هو المقياس الحقيقي للعظمة. فيسوع هو "العبد المتألم" المطيع والمنفِّذ المستعد ان يفدي نفسه في سبيل الآخرين. وهكذا يقتدي التلميذ بمعلمه كما طلب يسوع من تلاميذه "فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضاً أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض" (يوحنا 13: 14). يُشبه عمل يسوع تلك الاعمال الرمزية التي قام بها بعض الأنبياء. كان "غسل قدمي" أحد يُعد عملا مُذلاً، لا يُفرض حتى على بعد يهودي، لكنه قد يصبح أسمى وجه للتعبير عن البر بأبٍ او معلّم. أمَّا في انجيل لوقا نجد الآية بعبارة موازية "أَمَّا أَنتُم فلَيسَ الأًمْرُ فيكُم كذَلِكَ، بل لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكم كأَنَّه الأَصغَر، والمُتَرَئِّسُ كأَنَّه الخادم"(لوقا 22: 26)، لانَّ في العالم الفلسطيني، " الأصغر" هو الأخير في تسلسل الرُتب، وهكذا في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 5: 6). في الانجيل، الأول يكون الأول حين يكون خادم الجميع وعبدا لهم. لم يعد تلميذ المسيح خادما بل عبد الجميع من دون استثناء. ونحن لا نختار من نخدم، فكلهم لهم حق في خدمتنا.

45 لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس.

تشير عبارة "ابنَ الإِنسانِ" الى السيد المسيح الذي قلّده الآب سلطته ومجده وقدرته. وقد ورد هذا اللقب 84 مرة في الاناجيل. أمَّا عبارة "لِيُخدَم" فتشير الى قبول الانسان خدمة تؤدَّى له. فان المسيح قبل ذلك على سبيل المثال خدمة مريم ومرتا له (لوقا 10: 38-42)، ولكن لم يكن ذلك غرض حياته. اما عبارة " لِيَخدُمَ " فتشير إلى خضوع الانسان لله من خلال خدمته لأخيه الانسان. هذا القول من أوائل التصريحات الواضحة عن غرض المسيح في مجيئه ويضح عمل يسوع بشقَّيه: ليخدم وليفدي.. أمَّا عبارة "يَفدِيَ بِنَفْسِه " فتشير الى الإنقاذ عن طريق دفع الثمن لافتداء الاسرى. والثمن في مفهوم يسوع يكمن في ضرورة موته من أجل الشعب، كعبد الرب المـتألم الذي يفدي الناس من الشر (اشعيا 53: 11-12)؛ كان العبد يُفدى بالمال. أمَّا يسوع فأفتدانا بآلامه وموته واكد ذلك بولس الرسول " فقَدِ اشتُريتم وأُدِّيَ الثَّمَن. " (1 قورنتس 7: 23). كان الثمن يكمن في وضع حياته، فصارت حياته ثمن فدائنا. أمَّا عبارة "جَماعةَ النَّاس" باليونانية ολλῶν (معناها كثير من الناس) فلا تشير الى التخصص بل الشمول أي مجمل الشعب، بل البشرية كلها: بموت الواحد يتم فداء الجماعة (2 قورنتس 5: 13- 14). ومن هذا المنطلق، لا تشير العبارة هنا الى تحديد مجال عمل المسيح التكفيري، كأنه عن جماعة فقط بل للكل لفداء جماعة يحصلون على بركة بالذبيحة الواحدة لذلك الواحد كما وضَّح ذلك بولس الرسول "فكما أَنَّه بِمَعصِيَةِ إِنسانٍ واحِدٍ جُعِلَت جَماعةُ النَّاسِ خاطِئَة، فكَذلِكَ بِطاعةِ واحِدٍ تُجعَلُ جَماعةُ النَّاسِ بارَّة " (رومة 5: 19). ووفي الواقع بذل يسوع دمه على الصليب، وحقَّق العهد الذي قُطعه قديما في جبل سيناء بدم الضحايا (خروج 24: 4-8)، وأخبر ضمنا بتحقيق العهد الجديد الذي تنبأ به الأنبياء (ارميا 31: 31-34)، وذلك ما لذبيحته من قيمة شاملة من اجل جماعة الناس (اشعيا 53: 12). أمَّا عبارة "يَفدِيَ" باليونانية λύτρον ἀντὶ (معناها فدية) فتشير الى الثمن الذي يدفع لعتق عبد وتحريره من العبودية. وقد دفع يسوع فدية عنا لعدل الله في حقوقه على الانسان، حيث لم يكن في طاقتنا ان ندفعها. وبيّن يسوع انه ينبغي ان يموت ليفدي جميع الناس من عبودية الخطيئة والموت. بموته قد أعتقنا جميعا من عبودية الخطيئة، وهذا هو سبب موت المسيح. وفي هذا الصدد قال بولس الرسول " قَد عَلِمتُم أَنَّكم لم تُفتَدَوا بِالفاني مِنَ الفِضَّةِ أَو الذَّهَب مِن سيرَتِكمُ الباطِلَةِ الَّتي وَرِثتُموها عن آبائِكم، بل بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَلِ الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح" (1 بطرس 1: 18-19). كان العبد يُفدى بالمال، أمَّا يسوع فافتدانا بدمه وآلامه وموته، نيابة عن الانسان ومكانه كما أكّد ذلك بولس الرسول اشترينا ودُفع الثمن (1قورنتس 6: 20). مات يسوع من اجل وبدل جماعة الناس، كالعبد المتألم من أجل كافة الشعب " يُبَرِّرُ عَبْديَ البارُّ الكَثيرين وهو يَحتَمِلُ آثامَهم. فلِذلك أَجعَلُ لَه نَصيباً بَينَ العُظَماء وغَنيمةً مع الأَعِزَّاء لِأَنَّه أَسلَمَ نَفْسَه لِلمَوت وأُحصِيَ مع العُصاة وهو حَمَلَ خَطايا الكَثيرين وشَفَعَ في مَعاصيهم"(اشعيا 53: 11-12). وهذا القول هو من أهم الأقوال التي وردت في الاناجيل، وهو بلا جدال مفتاح الانجيل. ليتنا نتبع المسيح الخادم الذي يخدم فيضحي بحياته من أجل الجماعة. ويُعلق البطريرك لويس روفائيل ستاكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك عن خدمة الكاهن كتلميذ المسيح "الكاهن هو خادم بالدرجة الاولى وليس شيخا ولا اميرا ولا موظفا من درجة رفيعة، فلا داع لينفخ روحه ويكبر حجمه ويغدو شخصا مغرورا يتكلم عن نفسه وانجازاته، بل هو الخادم المتواضع الذي يعمل بروح المسؤولية والقيادة. والتواضع لا يعني مسح مواهبنا وقدراتنا، بل ان نستثمرها من اجل الكنيسة والجماعة ويكون شعورنا بانها نعم من الله نحمده عليها".

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 10: 35-45)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس 10: 35-45) نستنتج ان النص يتمحور حول السلطة وموقف يسوع منها. ومن هنا نتساءل: ما هو مطلب التلاميذ من السلطة؟ ثم ما هو موقف يسوع منها.

ما هو مطلب التلاميذ من السلطة؟

فيما كان يسوع وتلاميذه سائرين في الطريق الى اورشليم أعلن لهم مرة ثالثة عن موته وقيامته. جعل يسوع تلاميذه يستشفون آلامه وموته كتتويج لرسالته، ومع ذلك فما زالوا يتعلقون بمسيح ممجد وقدير يلبي طموحاتهم، فدنا اليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى يطلبان ان يتخذا المكانة الأولى في ملكوت المسيح "يجلس أحدهما عن يمنه والآخر عن شماله في مجده" (مرقس 10:36). لا يزال هذان الرسولان وباقي الرسل يعيشون عقلية عصرهم. فهم يسعون الى اعلى المناصب في السلطة ولا يعلمون انَّ ملكوت المسيح ملكوت روحي والدخول فيه يتطلب كأسا من الموت ومعمودية الدم. فحاول يسوع ان يدلهما على الطريق التي توصلهما الى المجد في ملكوته ليس فقط عن طريق العذاب والموت بل أيضا الخدمة. في العالم يميل الناس الى التسلط والرئاسة، ويستغلون كل نفوذ شخصي ليحصلوا على رفعة ذاتية. أمَّا في الملكوت فالعظمة تنبع من الخدمة المتواضعة والبذل في سبيل الآخرين.

ما هو موقف يسوع من السلطة؟

تقلّد يسوع سلطته من الله. ووصف السلطة من وجهة نظر جديدة: بدلا من استغلال الناس من خلال السلطة، علينا ان نخدمهم. بينما يستغل رؤساء هذا العالم ما لهم من سلطة للسيطرة على الآخرين، فالمسيح يقف بين خاصته موقف من يخدم وكان له قلب خادم، كما قال "فأَنا بينَكم كالَّذي يَخدُم" (لوقا 22: 25-27). هو ربّ ومعلم (يوحنا 13: 13)، ولكنه أتى من اجل الخدمة وبذل الذات (مرقس 10: 42-44). فكان يسوع يمارس ما يُعلم به. وهكذا اتخذ صورة العبد، ولكن في النهاية تجثو له كلّ ركبة كما جاء في تعليم بولس الرسول "تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء. كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ وفي الأَرْضِ وتَحتَ الأَرض" (فيلبي 2: 5-11). لذلك فإنه بعد قيامته، سوف يستطيع أن يقول لخاصته، إنه "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ (ἐξουσία) في السَّماءِ والأَرض" (متى 28: 18).

أمَّا أمام السلطة السياسية، فيتميز موقفه بمرونة أكبر. فهو يعترف باختصاص قيصر "أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله "(متى 22: 21)، ولكن ذلك لا يجعله يتغاضى عن الظلم الواقع من قِبل ممثلي السلطة "تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها " (مرقس 10: 42). فعندما يَمْثُل أمام الحاكم بيلاطس البنطي، لا يشكّك في سُلطته التي يعرف أصلها الإلهي، وإنما يفضح ظلمها الذي يذهب هو ضحيته كما صرّح يسوع له " لو لم تُعطَ السُّلطانَ مِن عَلُ، لَما كانَ لَكَ علَيَّ مِن سُلْطان، ولِذلِكَ فالَّذي أَسلَمَني إِلَيكَ علَيه خَطيئَةٌ كبيرة " (يوحنا 19: 11)، ويقرّ لنفسه بمملكة ليست من هذا العالم "لَيسَت مَملَكَتي مِن هذا العالَم."(يوحنا 18: 36).

وأشار يسوع بمبدأ أساسي للسلطة ألا وهو "أَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس)). (مرقس 10: 45). وهذا القول مفتاح الانجيل، وهو من أوائل التصريحات الواضحة عن هدف المسيح في مجيئه الى الأرض، كما يوضِّح عمل المسيح بشقيّه: ليخدم وليفدي. والواقع يقسم مرقس انجيله الى قسمين: من الفصل الأول حتى العاشر يختص بخدمة الابن، وبقية الانجيل تختص بذبيحة الابن أي فدائه (مرقس 10: 45).

السلطة خدمة
يتفق لفظ "خدمة" بالعبرية עבד باليونانية δουλεύω للدلالة على حالتين: خدمة العبد على مستوى العبودية، وخدمة الخادم على مستوى الانسان الخاضع لله. والمسيح طالب بسلطته ليغفر الخطايا، ليعلم، ليطرد الباعة من الهيكل. ولكن السلطة ليست التسلط بل هي خدمة. لقد جاء المسيح ليخدم لا ليُخدم. لم يأت ليأمر وإنما ليُطيع؛ لم يأتِ لكي تُغسل قدماه بل لكي يغسل هو أقدام تلاميذه. فالسلطة لا تعارض الخدمة بل هي مسؤولية يعطيها الله للخدمة. وعندما شجب يسوع شهوة السلطة، فهوي يعارض النموذج السياسي أيا كانت ويعلق القديس ايرونيموس "لنتبع المسيح ربنا، فإن من يقول إنه يؤمن به يلزم أن يسلك كما سلك ذاك (1 يوحنا 2: 6).

وعليه فعندما أراد يعقوب ويوحنا الحصول على ارفع مراكز السلطة في ملكوت يسوع، اراهم يسوع ان العظمة تأتي من خدمة الآخرين وبذل الذات فدية عنهم. العظمة الحقيقية هي في الصليب وفي الخدمة والبذل. وعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان يسوع " إن كنتم تطمحون إلى المركز الأوّل وإلى المجد العظيم، يجب أن تبحثوا عن المركز الأخير وأن تجتهدوا لتصبحوا الأكثر بساطة، والأكثر تواضعًا والأكثر صغرًا بين الجميع. كونوا بعد الآخرين. هذه هي الفضيلة التي ستمنحكم الشرف الذي تطمحون إليه. هكذا، يمكنكم أن تحصلوا على المجد والشهرة"(عظة ضدّ الهراطقة). أمامكم مثال ساطع، إذ "إنّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (مرقس 10: 45).

وعندما أوفد يسوع تلاميذه للرسالة، فوّض لهم سلطانه الخاصّ " مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ" (لوقا 10: 16)، وعهد إليهم بسلطاته "فأَقامَ مِنهُمُ اثنَي عَشَرَ لِكَي يَصحَبوه، فيُرسِلُهم يُبَشِّرون، ولَهم سُلْطانٌ يَطرُدونَ بِه الشَّياطين" (مرقس 3: 14 -15). ولكنه علّمهم أن هذا التفويض هو في الحقيقة خدمة "لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكم كأَنَّه الأَصغَر، والمُتَرَئِّسُ كأَنَّه الخادم" (لوقا 22: 26). وفعلاً نرى الرسل فيما بعد يمارسون سلطانهم لكنهم يحرصون قبل كلّ شيء على خدمة المسيح والناس كما يشهد بولس الرسول "أَيُّها الإِخوَة، جَهْدَنا وكَدَّنا فقَد بَلَّغْناكم بِشارةَ الله َونحنُ نَعمَلُ في اللَّيلِ والنَّهار لِئَلاَّ نُثَقِّلَ على أَحَدٍ مِنكم "(1 تسالونيقي 2: 9). يوضح بطرس هذه الفكرة بقوله للكهنة " اِرعَوا قَطيعَ اللهِ الَّذي وُكِلَ إِلَيكم ...ولا تَتَسلَّطوا على الَّذينَ هم في رَعِيَّتكم، بل كونوا قُدْوةً للِقَطيع (1بطرس 5: 1-4). ومع كون هذه السلطة تمارس بطريقة منظورة، إلا أنها تظلّ مع ذلك روحية في طبيعتها؛ فهي تقتصر على إدارة شئون الكنيسة.

السلطة فدية
السلطة ليست فقط خدمة الاخرين، بل إنها أيضا بذل الذات لأجل الآخرين وفديتهم كما جاء في قول المسيح لتلاميذه "لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (مرقس 10: 45). "كلمة فدية تتكرر تسع مرات في العهد الجديد. لفظة فدية في اليوناني هي δίδωμι؛ والمقصود بها هو الثمن المدفوع لإخلاء سبيل سجين او لافتداء أسير. وبعبارة أخرى الإنقاذ عن طريق دفع الثمن. نفس الانسان قد تفقد او تخسر “وماذا يُعطي الإِنسانُ بدلاً لِنَفسِه؟ وتعني هذه الآية انه جاء يسوع ليضع حياته كثمن الفدية حتى يسترد الخاسرون حياتهم من جديد. ومن هنا جاء لفظ آخر في اليونانية لكلمة فديةλύτρον تسبقها حرف جر ἀντὶ للدلالة على طبيعة عمل يسوع النيابي. ويمكن إيضاح معنى حرف الجر بتوقيع أحدهم بإمضائه نيابة عن آخر لا يعرف القراءة والكتابة. فهو يعمل ما لا يستطيع الآخر ان يعمله نيابة عنه ومكانه. أمَّا في العهد القديم فتدل كلمة "فدية" على التحرير الذي وهبه الله لشعبه: من عبودية مصر (تثنية الاشتراع 7/8) ومن الجلاء الى بابل (اشعيا 41: 14)، ومن الخطيئة على وجه عام (مزمور 130: 8).

وأمَّا في مفهوم العهد الجديد فإن" الفدية" تدل على "التحرير" الذي تمّ في يسوع المسيح. (1 قورنتس 1: 30). إنه مغفرة الخطايا (قولسي 1: 14) وغايته إنشاء شعب جديد خاص الله (أفسس 1: 14)، بعد ان كان الشعب عبداً الخطيئة والموت (رومة 6: 6). ويقول لنا بولس الرسول "ن الفداء هو عطية مجانية من الله "فكانَ لَنا فيه الفِداءُ بدَمِه أَيِ الصَّفْحُ عنِ الزَّلاَّت على مِقدارِ نِعمَتِه الوافِرة" (أفسس 1: 7). وكثيرا ما يقول بولس الرسول ان المسيحي "اشتري" او "افتدي" "فقَدِ اشتُريتم وأُدِّيَ الثَّمَن"(1 قورنتس 6: 20). وتشير هذه العبارة قبل كل شيء الى ان المسيحي هو "خاصة الله"، ومحرر من عبودية الخطيئة والموت. فبالمسيح الذي مات وقام، ينال المؤمن منذ الآن هذا الفداء. وهذا الفداء لن يكون تاما ونهائيا إلاَّ في آخر الأزمنة (أفسس 1: 14). ويشمل جسد الانسان (رومة 8: 24) والخليقة كلها (رومة 8: 22).

أمَّا ثمن الفداء فهو "دم " يسوع، أي حياته المبذولة عن محبة "فكانَ لَنا فيه الفِداءُ بدَمِه" (أفسس 1/ 7). فان الله لكثرة محبته لنا، لم يتردَّد في تسليم ابنه "أَمَّا اللهُ فقَد دَلَّ على مَحبتِّهِ لَنا بِأَنَّ المسيحَ قد ماتَ مِن أَجْلِنا إِذ كُنَّا خاطِئين. فما أَحرانا اليَوم، وقَد بُرِّرنا بِدَمِه، أَن نَنجُوَ بِه مِنَ الغَضَب! "(رومة 5: 8).

كيف يُجري الله فداءنا في المسيح؟
يُعبر بولس الرسول عن طريقة الفداء من خلال مفردات خاصة بالقانون والذبائح والمشاركة. أمَّا المفردات الخاصة بالقانون فيكتب بولس الرسول "حَقَّقَ اللهُ (الفداء او التحرر بالروح) بإِرسالِ ابِنه في "جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدنا الخاطِئ، كَفَّارةً لِلخَطِيئَة. فَحَكَمَ على الخَطيئَةِ في الجَسَد" (رومة 8: 3). كما استخدم الفاظاً خاصة بالذبائح، وهي ذبيحة عن الخطيئة كتكفير "لكِنَّهم بُرِّروا مَجَّانًا بِنِعمَتِه، بِحُكمِ الفِداءِ الَّذي تَمَّ في المَسيحِ يَسوع، ذاكَ الَّذي جَعلَه اللهُ كَفَّارةً في دَمِه" (رومة 3: 24-25). الكفارة تدل على مكان الرش في عيد التكفير السنوي في هيكل اورشليم. وفي أثناء هذا الاحتفال، كانت خطايا إسرائيل تًغفر (احبار 16). ويرى بولس الرسول في هذه الرتبة صورة لذبيحة المسيح. فالمسيح يبذل "دمه" أي انه يقرِّب نفسه ذبيحة، فيهب لنا غفران الله. وبالإيمان وهو وحده يمكننا من الاستفادة من هذا الغفران وهذا الخلاص؛ كما جاء في تعليم بولس الرسول "ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله.” (2 قورنتس5: 21)

وأمَّا مفردات المشاركة للتعبير عن طريقة الفداء فجاء توضيحا لها في تعليم بولس الرسول" فإِذا اتَّحَدْنا بِه فصِرْنا على مِثالِه في المَوت، فسنَكونُ على مِثالِه في القِيامةِ أَيضًا... فإِذا كُنَّا قَد مُتْنا مع المسيح، فإِنَّنا نُؤمِنُ بِأًنَّنا سنَحْيا معَه" (رومة 6: 5-7). فالمسيح يتضامن بذبيحته مع البشرية الخاطئة ويصبح رأس البشرية الجديدة التي تشترك في حياته، مقرّباً نفسه لله وجاعلا نفسه عن محبة في خدمة الشر. "سِيروا في المَحَبَّةِ سيرةَ المسيحِ الَّذي أَحبَّنا وجادَ بِنَفسِه لأَجْلِنا قُربانًا وذَبيحةً للهِ طَيِّبةَ الرَّائِحة" (أفسس 5: 2).

كانت الفدية هي الثمن الذي يُدفع لعتق العبد. وقد دفع يسوع الثمن فدية عنا، حيث لم يكن في طاقتنا ان ندفعها؛ فموته قد أعتقنا جميعا من عبودية الخطيئة. وها هو سبب موت المسيح. لقد ظن التلاميذ ان حياة يسوع وقوته ستخلصانهم من سلطة روما، ولكن يسوع قال إن موته هو الذي يخلصهم من الخطيئة، وهي عبودية أقسى من عبودية روما، كما أكد ذلك بطرس الرسول "وقَد عَلِمتُم أَنَّكم لم تُفتَدَوا بِالفاني مِنَ الفِضَّةِ أَو الذَّهَب مِن سيرَتِكمُ الباطِلَةِ الَّتي وَرِثتُموها عن آبائِكم، بل بِدَمٍ كريم، دَمِ الحَمَلِ الَّذي لا عَيبَ فيه ولا دَنَس، دَمِ المسيح" (1 بطرس 1: 18:19).

الخلاصة

بينما كان يسوع يقترب من أورشليم، ويُنبئ للمرة الثالثة بآلامه وموته (مرقس 10: 32- 34)، يبدو أن التلاميذ، على العكس، كانوا يبتعدون عنه ويطلبون المراتب الأولى ومراكز الشرف والسلطة في الملكوت الارضي..

لكن يسوع أسس ملكوتا روحيا، ومن رغب اقتناء المكانة الأولى في ملكوته، عليه أن يصير عند الجميع خادما، وان يَعُدَّ نفسه آخر القوم، وان يتلاشى في سبيل الآخرين خدمة وبذلا وعطاء وتفانياً على مثال ابن الانسان، يسوع المسيح. وهذه هي القاعدة الذهبية التي سنّها يسوع لتلاميذه: إذ يتوجب على كل واحد منا ان يصبح خادما وعبدا يتضامن مع الجميع لكي يقتدي بيسوع ويسير على خطاه للوصول الى المجد. هذا هو النهجُ الجديد لممارسة السلطة.

ولو كرّس كل واحد نفسه لخدمة الآخرين لأحدثنا ثورة اجتماعية حقيقية في هذا العالم المتخبط بالعنف والظلم والقتل. لا يوجد موضع في كنيسة الله للتسلط العالمي بل "ن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً" (مرقس 10: 44) و" بِفَضلِ مَحَبَّةِ (المسيح) اخدِموا بَعضُكم بَعضًا "(غلاطية 5: 13.) فإن العظمة الحقيقية ليست في المراكز العالمية بل بالتشبه بالمسيح في الخدمة والتضحية وبذل الذات.

وقد خضَع يسوع للتجربة في اختيار بين مجد العالم الزائل والمجد الذي أعطاه إيّاه الآب، إذ قالَ له ابليس: "أُوليكَ هذا السُّلطانَ كُلَّه ومَجدَ هذهِ الـمَمالِك،...فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ ذلكَ كُلُّه" فعلمنا أنداك أن نطلب المجد الحقيقي من الآب، "فَأَجابَه يسوع: مَكتوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وإِيَّاه وَحدَه تَعبُد" (مرقس 4: 6). فالمجد الذي يطلبه يسوع من الآب لا يتعلّق بالسلطة وتوابعها، بل بالمجد على الصليب ليمُجد الآب ويهب الحياة الابدية "يا أَبتِ، قد أَتَتِ السَّاعة: مَجِّدِ ابنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ 2 بِما أَولَيتَهُ مِن سُلطانٍ على جَميعِ البَشَر لِيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِجَميعِ الَّذينَ وهبتَهم له"( يوحنا 17: 1).

دعاء

أيها ألآب السماوي، نسألك باسم يسوع ابنك الحبيب، الذي جعل الجلوس معه في الملكوت مرهونا بروح الخدمة وتحمل الألم، أمنحنا أن نشرب كأس الآلام للتي شربها، ونتعمد بالمعمودية التي اعتمدها، معمودية الحب، أعطنا أن نخدم إخوتنا حتى الرمق الأخير من حياتنا. آمين

قصة وعبرة: الحياة خدمة وعطاء

"تشن" طفل صيني في السابعة من عمره، أُصيب مع والدته في الوقت نفسه بسرطان في المخ، وفقد بصره وهي بفشل كلوي مزمن. طيلة فترة العلاج كان كل منهما يزور الآخر ويهوّن عليه وكانت حالة "تشن" تزداد سوءًا أكثر وقد شارف على مفارقة الحياة. طلب "تشن" من الأطباء نقل كليته لأمه ولكنها رفضت ومع إصرار الطاقم الطبي وإلحاح تشن قائلا: "استمري في الحياة بقطعةٍ مني".

وافقت الام أمام هذا الموقف العصيب. وبعد عملية زرع الكلى مات "تشن" بعد ساعات قليلة، واكتشفت الأم انه طلب من الأطباء دون إعلامها أن يتبرع بكبده لمريض أحبه كان معه في الغرفة وكليته الاخرى لفتاة بالغرفة المجاورة له! توفي “تشن” وأعطى الحياة لثلاث أشخاص بعده. متى تعلّم "تشنّ" هذا الكم الهائل من التضحية؟ تخرّج ""تشن" عظيماً من مدرسة يسوع، مدرسة الحب.

لم يفهم تلاميذ يسوع في حينها أن العظمة تكون في الخدمة حتى التضحية بالنفس على مذبح الحب كما فعل هو ليعطي الحياة للذين هم في الارض. لم يتبرع يسوع بكليتيه فقط أو بكبده أو بقرنية عينيه أو أحد أعضاء جسده بل بجسده ودمه كاملين، ولا زال حتى اليوم يقدم نفسه مأكلاً ومشرباً للذين يتقدمون منه. رغم ذلك لا زلنا حتى اليوم نسأل يسوع كيعقوب ويوحنا أن يعطينا نوعاً من السلطة كي نتسلط على الآخرين ونتحكم بأعناقهم وأرزاقهم!

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء