تأمل بمناسبة ختام سنة الرحمة

تأمل بمناسبة ختام سنة الرحمة

المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
2016/11/19

"مثل السامري الصالح" (لوقا ١٠: ٢٥-٣٧)

الرّبّ يسوع المسيح هو السامري الصالح

الرجل الذي كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا يمثّل آدم، وأورشليم ترمز إلى الفردوس، وأريحا ترمز إلى العالم. أمّا اللصوص، فهم يمثّلون القوى المعادية للإنسان، والكاهن يمثّل الشريعة، واللاوي يمثّل الأنبياء، والسامري (كلمة سامري تعني: الحارس) يمثّل، بل هو نفسه: "الرّب يسوع المسيح".

من ناحية أخرى، فإنّ الجراح ترمز إلى التمرّد، والدابة ترمز إلى جسد الربّ الحامل أوجاعنا... والدينارين رمز للعهد القديم والجديد ووعد السامري بالعودة مجدّدًا يرمز إلى مجيء الربّ الثاني ليدين الأحياء والأموات.

إنّ هذا السامري كما جاء على لسان النبي أشعيا: "هو الذي أخذَ أسقامَنا وحَمَلَ أمراضَنا" (متى ٨: ١٧)، وتألم من أجلنا. لقد حملَ المُحتَضِر المؤلّم والمعذّب وذهب به إلى الفندق، والفندق يرمز إلى الكنيسة المقدّسة. هذه الأخيرة مفتوحة للجميع، لا ترفض مساعدة أحد، والجميع مدعوّون إليها من قبل الرّبّ يسوع الذي يفتح يديه ويستقبلنا قائلاً: "تَعالَوا إليَّ جَميعًا أيّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأنا أريحكم" (متى ١١: ٢٨).

بعد مرافقة السامري للجريح إلى الفندق، لم يغادره في الحال ولا لحظةً واحده، بل بقي بالقربِ منه يومًا كاملاً. اعتنى بجراحه، ليس في النهار فقط، بل في الليل أيضًا، محيطًا إيّاه بمحبّة وعناية فائقة. بالفعل، إنّ حارس النفوس هذا، أظهر أنهُ أكثر قُرباً إلى البشر من معلّمي الشريعة، وذلك من خلال أعمال الرحمة التي قام بها تجاه الذي "وقَعَ بِأَيدي اللصوص" وبيّنَ له أنّه قريبه بالأفعال والأعمال، روحياً ومعنوياً، أكثر من الكلام.

"اِقتَدوا بي كما أقتَدي أنا بالمسيح" (قورنتس الأولى ١١: ١)، من خلال هذه الآية التي كتبها وعلّمَها القديس بولس نستطيع جيداً أن نقتدي بالرّب يسوع المسيح وأن نشفق على الذين "يقعون بأيدي اللصوص"، وأن نقترب منهم، وأن نسكب زيتًا وخمرًا على جراحهم وأن نضمّدها، وأن نحملهم على دابتنا الخاصّة ونحمل أثقالهم وهمومهم ومشاكلهم. حتى تتمجّد قدرة رحمة الله.

لقد اراد ابن الله "يسوع الرحيم" أن يحثّنا على القيام بأعمال الرحمّة والمحبّة، فقال موجّهًا كلمته إلينا جميعًا، أكثر منه إلى علماء الشريعة: "اِذْهَبْ فاعمَلْ أنتَ أيضاً مِثلَ ذلك".

لممارسة أعمال الرحمّة في حياتنا اليومية لنتحد مع القديّسة فوستينا ونُصلّي هذه الصلاة التي كتبتها قائلين: "أيُّها الثالوث الأقدّس، أُريد عبادة رحمة قلبك بكُلِّ نسمةٍ من كياني، بكُلِّ دقَّةٍ من دقّاتِ قلبي، بكُلِّ نبضةٍ من نبضاتي. سَيِّدي، أرغبُ أن أتحوّلَ كلّيّاً أداةً لرحمتِكَ، فأكون بذلك انعكاساً حياً لك. لتنسَكِبَ من خلالِ قلبي وروحي رحمتكَ اللّامحدودة على النفوس التي من حولي:

- ساعدني يا إلهي كي تكون عيناي رحومتين، حتى لا أظُنّ بأحد ولا أحكُمَ على أحد من خلال المظاهر الخارجية، ولكن حتى أُميِّز جمال كلّ نفس، وأكون عوناً لها.

- ساعدني يا إلهي كي تكون أُذناي رحومتين، حتى أميل إلى مساعدة قريبي، وكي لا أكون لامُبالياً (لا مُباليةً) لآلامه وشكواه.

- ساعدني يا إلهي كي يكون لساني رحيماً، حتى لا أتوه بالسوءِ على أحد ولكي يكون عندي لكل واحدٍ عزاءٍ وغفران.

- ساعدني يا إلهي كي تكون يداي رحومتين ومملؤَتين بالأعمال الحسنة، حتى أتمكّنَ من صنع الخير مع القريب وأقوم بكُلِّ الأعمال المتعبة والشَّاقة.

- ساعدني يا إلهي كي تكون قدماي رحومتين حتى أُسارع لخدمةِ القريب متغلِّباً (مُتغلّبة) على تعبي الذاتيٌ فإن راحتي الحقيقيّة هي في خدمةِ قريبي.

- ساعدني يا إلهي كي يكونَ قلبي رحيماً حتى أشعر بمُعاناةِ قريبي. لن أبخَلَ بقلبي على أحد، سأكون طيباً (طيّبة) حتى مع الذين أعرِفُ أَنَّهُم سيستغلّون طيبة قلبي. وأنا بدوري سألتجئ إلى قلب يسوع الرحيم فأنسى مُعاناتي.

يا إلهي لتستقر فيَّ رحمتكَ. قد أمرتني يا ربّ أن أُمارسَ الدرجات الثلاث للرحمة: الأُولى: فعل المحبّة (الرحمة) مهما كان. الثانية: الكلمة المُعزيّة، فإذا لم أستطع المساعدة بالفعل أساعد بكلمة تعزية. الثالثة: الصلاة، إذا لم يكن بإستطاعتي أن أُظهِرَ رحمةً بالفعلِ أو بالكلمةِ، بإستطاعتي تقديمها بالصلاة. ها أنا أُرسلُ صلاتي إلى حيثُ لا أستطيع أن أكونَ بالجسدِ. يا يسوع إجعلني شبيهاً (شبيهةً) بِكَ فإنّكٓ قادِرٌ على كلّ شيء. آمين".

المطران كريكور اوغسطينوس كوسا
اسقف الاسكندرية واورشليم والاردن للأرمن الكاثوليك

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء