بعد إلغاء المادة 308: إزالة جميع أشكال التمييز

بعد إلغاء المادة 308: إزالة جميع أشكال التمييز

د. مروان المعشر
2017/08/09

ما بعد إلغاء المادة 308 من قبل مجلس الأمة، وهو جهد لا بد أن تشكر عليه الحكومة كما مجلسي النواب والأعيان، يدور اليوم في وسائل الإعلام، وبالأخص على وسائل التواصل الاجتماعي، نقاش حاد بين مؤيدي الإلغاء ومؤيدي تعديل المادة لمعالجة القضايا العاطفية التي تتم بالتراضي مع قاصرات وتدعى اغتصابا بالقانون. وللأسف، فإن هذا النقاش يتم بين جانبين من المفترض أن كليهما يقف مع المرأة وحقوقها القانونية والإنسانية، حتى كاد مؤيدو تعديل المادة أن يحملوا مؤيدي إلغائها وزرا أخلاقيا عظيما، وكأنهم إما ارتكبوا فاحشة من الفواحش او سذجا لا يفهمون.

لا أودّ الاسترسال في هذا النقاش وقد حددت موقفي في عدة مقالات سابقة من أهمية إلغاء المادة لإزالة غبن عظيم حلّ بالمرأة، أما الأمور الأخرى التي ما تزال بحاجة لمعالجة قانونية فيمكن أن تتم عن طريق إضافة مواد قانونية أخرى، وليس عن طريق إبقاء مادة ستسمح للعديد أن يستخدمها كثغرة قانونية لإدامة الإجحاف ضد المرأة.

هناك أهمية أخرى في نظري لإلغاء المادة، وهي الرسالة التي يمكن أن يوصلها المجتمع المدني مستفيدا من هذه الخطوة، وبالتعاون مع الحكومة ومجلس الأمة لإزالة جميع أشكال الغبن ضد المرأة في تشريعاتنا، وعدم الاكتفاء بهذه الحالة فقط. ولا بد من الاعتراف أن وراء أغلب تشريعاتنا السابقة تفكيرا ذكوريّا، صريحا كان أم مبطنا، وأن هذا التفكير، بقصد أو بدون قصد، أدى إلى إجحاف بحق المرأة آن الوقت لمعالجته وتعديل التشريعات كافة بغرض إزالة أي تمييز قانوني بين الرجل والمرأة. أهمية إلغاء المادة 308 تكتسب بعدا إضافيا لأنها تشكل اختراقا مهما لهذا التفكير الذكوري المسيطر.

هناك جهد كبير على المجتمع المدني لتوعية الهيئات التنفيذية والتشريعية بطبيعة هذا التمييز. وكنت قد اقترحت مدخلا في مقالي السابق أتمسك به من ضرورة بت المحكمة الدستورية بجواز إبقاء القوانين التي تميز ضد المرأة وانسجام ذلك مع المادة السادسة من الدستور. وبالتوازي مع ذلك، فإن العديد من المواطنين والمواطنات، كما بعض أفراد السلطات الثلاث، قد لا يعي حجم المشكلة. هناك كم كبير من التشريعات تميّز ضد المرأة، حاولت حصرها وتعدادها أدناه، وقد لا أكون وفقت في تبيان جميع هذه التشريعات التي تميز صراحة ضد النساء، أو التي سكتت عن أحكام كان لا بد من النص عليها لضمان حقوقهن. ولكن على الأقل هي: (قانون الأحوال الشخصية، قانون الجنسية، قانون الإقامة، قانون الضمان الاجتماعي، قانون العقوبات، قانون التقاعد المدني، قانون جوازات السفر، قانون الأحوال المدنية، نظام الخدمة المدنية، قانون العمل، قانون الحماية من العنف الأسري، قانون منع الاتجار بالبشر).

تعطي هذا القوانين فكرة واضحة، حتى وإن لم تكن مكتملة، عن حجم المشكلة، وهو مدعاة للجميع للقيام بحملة مدنية على غرار الحملة لإلغاء المادة 308 لإنصاف المرأة تشريعيا للأبد ومعاملتها على قدر المساواة مع الرجل كما هو الحال بالنسبة لحقوق أخرى أعطيت لها بالتساوي كحق الترشح والانتخاب مثلا. وقد ثبت بالوجه القطعي أن المعاملة المتساوية للمرأة ليس واجبا وطنيا فقط، وإنما ضرورة اقتصادية أكيدة لتعظيم الإنتاجية والنمو، وزيادة حجم الاقتصاد الوطني.

إن كنّا نصبو لبناء أردن جديد قادر على مواجهة التحديات المستجدة، أردن يعترف بأبنائه كافة ويحتفي بهم، لا يمكن لنا الحديث عن مواطنة متساوية نشرك فيها الأردنيين من أصول شرق أردنية وفلسطينية وشركسية وأرمنية، من مسلمين ومسيحيين، ونستثني من ذلك الحقوق المتساوية للنساء تحت غطاءات مختلفة لم تعد تصلح للقرن الحادي والعشرين. إزالة التمييز ضد المرأة في جميع تشريعاتنا أولوية وطنية يجب أن نحمل لواءها دون تأخير.

(نقلا عن الغد الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء