المسيح المنتظر وموقف يوحنا المعمدان

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

المسيح المنتظر وموقف يوحنا المعمدان

الأب د. لويس حزبون
2019/12/14

الاحد الثالث من المجيء:
المسيح المنتظر وموقف يوحنا المعمدان (متى 11: 2-11)

يصف انجيل الاحد الثالث من المجيء (متى 11: 2-11) المسيح المنتظر بمفهوم يوحنا المعمدان وبمفهوم يسوع. والمسيح المنتظر هو ما وعد به الله لإرساله للعالم لخلاص الانسان كما جاء في التوراة "أَجعَلُ عَداوةً بَينَكِ وبَينَ المَرأَة وبَينَ نَسْلِكِ ونَسْلِها فهُوَ(المسيح) يَسحَق رأسَكِ (الحية التي ترمز للشيطان) وأَنتِ تُصيبينَ عَقِبَه" (التكوين 3: 15)؛ فجاء المسيح ليحقِّق الخلاص الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم ويُعيد الإنسان مرة أخرى إلى الفردوس بعد سقوط الإنسان الأول في الخطيئة؛ ومن هنا تكمُن اهمية البحث في وقائع نص الإنجيل وتطبيقاته.

أولا: تحليل وقائع نص الإنجيلي (متى 11: 2-11)

2 وسَمِعَ يُوحَنَّا وهو في السِّجنِ بِأَعمالِ المسيح، فأَرسَلَ تَلاميذَه يَسأَلُه بِلِسانِهم

تشير عبارة "سَمِعَ" الى أعمال يسوع التي تمَّ الإنباءُ بها من قبل تلاميذه كما يوضِّح انجيل لوقا "أَخَبَرَ يوحنَّا تَلاميذُه بِهذِه الأمورِ كُلِّها، فَدَعا اثنَيْنِ مِن تَلاميذِه " (لوقا 7: 18). امَّا عبارة " يُوحَنَّا " فتشير الى الصيغة العربية من الأصل اليوناني Ἰωάννης المشتق من الاسم العبري יוֹחָנָן، وهو ابن زكريا الشيخ وزوجته أليصابات (لوقا 1: 5). وكلاهما من نسل هارون ومن عشيرة كهنوتية. وكانت ولادته قبل ولادة المسيح بستة أشهر (لوقا 1: 26وكان أبواه يسكنان اليهودية، ولربما يطَّا الحاضرة بقرب حبرون، مدينة الكهنة. وكانا طاعنان في السن ولم يكن لهما نسل. ولكن الملاك جبرائيل ظهر لزكريا ووعده بطفل وأعطاه اسم يوحنا، وأعلن انه سيكون عظيماً، ليس في أعين الناس فقط، بل أمام الله. وأن مصدر عظمته الشخصية هو امتلاؤه من الروح القدس ويهيئ طريق المسيح (متى 11: 14). ولد يوحنا سنة 5 ق.م. وتقول التقاليد أنه ولد في قرية عين كارم المتصلة بأورشليم من الجنوب (لوقا 1: 39). ولم يظن يوحنا عن نفسه انه شيء إنما هو "صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة (متى 3: 3). وبدأ كرازته في سنة 26 ب. م. وقد شهد في كرازته أن يسوع هو المسيح (يوحنا 1: 15)، وأنه حمل الله (يوحنا 1: 29 و36). وكان يُعمِّد التائبين بعد أن يعترفوا بخطاياهم في نهر الأردن (لوقا 3: 2 -14). فأصرَّ يوحنا على ضرورة تعميد الجميع بصرف النظر عن جنسهم وطبقتهم (متى 3: 9) مناشداً الجميع أن يتوبوا ليهربوا من الغضب الآتي (متى 3: 7)، لان معمودية المسيح الآتي ستحمل معها دينونة (متى 3: 12)، وقد طلب يسوع منه أن يعمِّده، لا لأنه كان محتاجاً إلى التوبة، بل ليقدِّم بذلك الدليل على اندماجه في الجنس البشري وصيرورته اخاً للجميع. وبعد توبيخه لهيرودس الملك زجّه في السجن، وبعد ثلاثة أشهر قدّم هيرودس رأس يوحنا على طبق الى سالومة ابنتة هيروديا. وجاء تلاميذه ودفنوا جثمانه. يقول ايرونيموس "أنهم حملوه إلى سبسيطيا عاصمة السامرة ودفنوه هناك بجانب ضريح النبيين اليشاع وعوبديا". وشهد المسيح شهد فيه أعظم شهادة إذ قال: "لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان" (متى 11: 11). امَّا عبارة "السِّجنِ " فتشير الى الحبس في قلعة مكاور، المطلَّة على البحر الميت شرقا بحسب ما كتب يوسيفوس فلافيوس المؤرخ اليهودي. ولا تزال آثار تلك القلعة باقية حتى الآن. ويعود بناء هذه القلعة الى القرن الأول ق. م. إذ بناها ألكسندر ينِّيوس. وقام الملك هيرودس بتوسيعها وبناء قصر داخلها. وتمَّ تدميرها على يد القائد الروماني جابنيوس في عهد الإمبراطور طيطس عام 70 م. وبُنيت كنيسة خلال الفترة البيزنطية على قمة القلعة خلال القرن السادس. وأُجريت فيها تنقيبات أثرية واعمال صيانة وترميم في عام 1995. وكان يوحنا المعمدان سجينا في هذه القلعة في نهاية سنة 27 بسبب توبيخه أَميرَ الرُّبعِ هيرودُسَ انتيباس على فجوره إذ اتخذ هِيروديّا امرَأَةِ أَخيهِ فِيلبُّس زوجة له مخالفاً للشريعة (متى 14: 3). وحنقت هيروديا الخائنة على يوحنا وتحيَّنت الفرصة للإيقاع به، لأنه وبَّخ هيرودس بأنه لا يحق له أن يتزوجها (لوقا 3: 19 -20). وهكذا لا نجد بعد ليوحنا صوتا في البرية، حيث كان يدعو الجميع إلى التوبة وإلى انتظار ذاك الّذي لا بد وأن يأتي، بل نجده سجينا مُرغما على الصمت من قِبل هيرودس أنتيباس (متّى 14، 3-4). أمَّا عبارة " فأَرسَلَ تَلاميذَه يَسأَلُه بِلِسانِهم " الى بعث تلاميذه للاستعلام من يسوع إن كان هو المسيح. لانَّ الأنباء الّتي وصلته عن المسيح لا تتوافق مع صورة التي قد أعلنها عن مجيء المسيح الذي كان سيقوم بعملية تطهير وتنقية "أَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار. بيَدِه المِذْرى يُنقِّي بَيْدَرَه فيَجمَعُ قَمحَه في الأَهراء، وأَمَّا التِّبنُ فيُحرِقُه بنارٍ لا تُطْفأ " (متى 3: 11-12)، وهو مسيح ديّان الّذي سيضع كل الأمور في نصابها الصحيح. وقد اضطرب يوحنا ونفذ صبره وهو في السجن بسبب بطء المسيح في عمله ولأنه كان يترقب حدوث احداث جسام واراد أن يرى قبل موته تحقيق أحلام حياته. وربما أرسل يوحنا تلاميذه للسيد المسيح ليلمسوا بأنفسهم من هو المسيح. أمَّا عبارة "أعمالِ المسيح "فتشير الى تبشير ومعجزات يسوع التي صنعها ليبيِّن انه المسيح " العُمْيانُ يُبصِرونَ، العُرْجُ يَمشُونَ مَشيْاً سَوِيّاً، البُرصُ يَبَرأُونَ والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومونَ، الفُقَراءُ يُبَشَّرون" (لوقا 7: 22)؛ عبارة "فأَرسَلَ تَلاميذَه" في اللغة اليونانية πέμψας διὰ τῶν μαθητῶν αὐτοῦ فتشير الى ارسال اثنين (διὰ ) او تترجم أيضا بواسطة تلاميذه. ونلاحظ ان تلاميذ يوحنا المعمدان ظلوا على اتصال به بالرغم من وجوده في السجن، وتابعوا رسالته، وحدثَّوه عن اعمال المسيح ومعجزاته. فكانوا ينقلون إلى يوحنا المعمدان أخبارا عن يسوع الناصري، عن بعض ما علّم وما عمل. ولم ينفك اتباع يوحنا المعدان ان يعتبروه معلماً لهم وابوا ان يعتبروا المسيح أعظم منه على رغم شهادة يوحنا ليسوع (متى 3: 11). وظن بعد المفسِّرين ان يوحنا أرسل تلميذين ليزيل شكوك كل تلاميذه وذلك بمواجهتهم المسيح وسمع كلامه ومشاهدته آياته (لوقا 7: 18-21).

3 أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟

تشير عبارة "أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟ " الى الشك العظيم الذي يساور يوحنا المعمدان حول هوية المسيح المنتظر. اما عبارة " الآتي " فتشير الى المسيح المنتظر منذ قرون حسب نبوءات العهد القديم (التكوين 9: 10، وأشعيا 9: 1-6)، وقد تنبأ يوحنا المعمدان أيضا بمجيئه ‘إذ أشار "أَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار. بيَدِه المِذْرى يُنقِّي بَيْدَرَه فيَجمَعُ قَمحَه في الأَهراء، وأَمَّا التِّبنُ فيُحرِقُه بنارٍ لا تُطْفأ " (متى 3: 11-12)؛ اما عبارة "أَم آخَرَ نَنتَظِر؟" فتشير الى توقعه إتيان غيره اذ لاحظ يوحنا المعمدان ان يسوع الرحيم بعيد كل البعد عن المسيح الديَّان الذي ينقّي إسرائيل، كما وصفه "ها هيَ ذي الفَأسُ على أصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار" (متى 3: 10). فإذا هو غير الذي توقعه، لهذا تشكك يوحنا. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " إنّ المسيح يُظهر رحمةً تجاه الخاطئ الّذي يستحقّ تأنيبًا في الواقع. إنّ الذين يغضبونه يستحقّون أن يُدانوا، غير أنّه يتوجّه إلى الناس المذنبين بأعذب الكلام قائلاً: "تَعالَوا إِليَّ جَميعًا، أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم" (متى 11: 28) (عِظة بمناسبة تذكار قدّيس). والواقع ان الأزمة التي وقع فيها يوحنا المعمدان انه اقتبس الآية الّذي يتحدث فيها أشعيا عن " لِأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرّبّ وَيومَ آنتِقام لِإِلهِنا " (أشعيا 62: 2) ولم يفطن الى الجزء الأول من نفس نص لأية التي تتحدث عن الفقراء والحرية للسجناء كما جاء في نص أشعيا " روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنى وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَراء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين " (أشعيا 61: 1). أفضل طريقة إزالة الشكوك في الدين هي ان نعرضها على المسيح بالصلاة.

4 فأَجابَهم يسوع: اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون

تشير عبارة " فَأَخبِروا يُوحنَّا " الى إجابه يسوع مصوّرا عمله في إطار الرجاء المسيحاني كما صوّره الأنبياء خاصة أشعيا "حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح وحينَئذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم (أشعيا 35: 5-6)، فأعاد يسوع المسيح يوحنا وتلاميذه الى الاعمال التي يعرفونها ويجب ان يفسّروها اتماما للنبوءات التي نسبها يسوع لنفسه. فيعرفوا ان يسوع هو المسيح من خلال المعجزات التي تدّل على رسالة المخلص (أشعيا 26: 19). وهذا أفضل الجواب لأنه لا شيء يُقنع مثل العمل، ولا شيء يتكلم بصوت اعلى من سيرة الانسان وتصرفاته. أمَّا عبارة " اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون " فتشير الى تقديم يسوع لتلاميذ يوحنا صورة حيّة خلال السمع والرؤية، فقد سمعوا كلمات محبّته الإلهيّة الفائقة نحو البشريّة وروا أعماله. فالخبر مرتبط بالسمع والرؤية، فينبغي على تلاميذ يوحنا ان يخبروا بان النبوءات التي كانت إسرائيل تسمعها منذ قرون قد تتحقق الآن في المسيح يسوع؛ فإن ما تراه العيون الآن هو ذات ما كانت الآذان تسمعه قديما أيضاً. إنّ نبوءات الرب تتحقّق الآن. إن الاستماع والرؤية يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. فكلمة الله تفسّر احداث هذا العالم والاَّ ما نستطيع ان نفهم معنى ما يحدث.

5 العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون،

تشير عبارة "العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً " إلى إجابة يسوع غير مباشرة على سؤال يوحنا المعمدان حاثا إياه على أن يقرأ علامات الأزمنة والاستنتاج وعلى أخذ القرار الشخصي مشيرا الى النبوءات المسيحانية المختلفة الواردة في نبوءة أشعيا (أشعيا 35: 5)، وهي نفس النبوءة التي سبق ان استخدمها أشعيا النبي عن عصر المسيح المنتظر "روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنى وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَرء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين" (أشعيا 61: 1)؛ وزاد لوقا الإنجيلي على ذلك قوله " في تِلكَ السَّاعَة شَفى أُناساً كَثيرينَ مِنَ الأَمراضِ والعِلَلِ والأَرواحِ الخَبيثَة، ووَهَبَ البَصَرَ لِكَثيرٍ مِنَ العُمْيان" (لوقا 7: 21) . وبهذا الامر يَعلن يسوع الزمن المسيحاني كزمن خلاص وفرح، زمن انتصار على الشر. امَّا عبارة " الصُّمُّ يَسمَعون" فتشير الى نبوءة أشعيا القائلة "في ذلك اليَومِ يَسمعُ الصُّمُّ أقْوالَ الكِتاب وتُبصِرُ عُيونُ العُمْيانِ بَعدَ الدَّيجورِ والظَّلام " (أشعيا 35: 5-6)؛ اما عبارة "المَوتى يَقومون" فتشير الى نبوءة أشعيا "ستَحْيا مَوتاكَ وتَقومُ جُثَثُهم. إِستَيقِظوا وهَلِّلوا يا سُكَّانَ التُّراب. فإِنَّ نَداكَ نَدى النُّور وستَلِدُ الأَرضُ الأَشْباح" (أشعيا 26: 19)، ولعلّ إحياء ابن ارملة ياءين في منطقة الجليل كانت من جملة المعجزات التي شاهدها تلاميذ المعمدان (لوقا 7: 11-17). امَّا عبارة " الفُقراءُ" فلا تشير الى الفقراء والضعفاء فقط بل أيضا الى المساكين بالروح أي المتواضعين. ويمتاز تعليم المسيح انه لا يفرِّق بين الأغنياء والفقراء، بين الشرفاء وعامة الناس، لان كل بركاته بدون مقابل، بلا فضة وبلا ثمن فيمكن للفقير ان يحصل عليها كالغني فهو يعزِّي الفقراء بالروح الذين يشعرون بجوع النفس وعطشها الى البر أكثر من غيرهم (متى 5: 3-5). وامَّا عبارة "الفُقراءُ يُبَشَّرون" فتشير الى نبوءة أشعيا القائلة "روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مسحني وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَراء ". ويعلن إنجيل لوقا ان تبشير فقراء هو أهم ما في رسالة يسوع " رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء "(لوقا 4: 18)، وتُشكل هذه الآية جوهر رسالة يسوع في خط أشعيا (أشعيا 61: 1). ويعبّر يسوع عن معجزاته وتبشيره بالألفاظ التي أنبا فيه أشعيا بزمن الخلاص، فهي علامات رسالته الخلاصية. وإتمام يسوع هذه النبوءات، دليل على أنَّ خلاص الله أُعْطي منذ الآن للبشر (لوقا 4: 18-19). فنجد في جواب يسوع لتلاميذ يوحنا مجموعة من نبوءات أشعيا يُبيّن فيها كيف يسوع يُتمّ نبوءة أشعيا: إن خلاص الله قد مُنح لجميع الناس "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ"(لوقا 4: 18-19). إن يسوع يستشهد بستة أعمال (معجزات) كدلالة على أيام الخلق الستة. ولا نجد ولا واحداً منها فيه إدانة أو تدمير. هي كلُّها أعمال خلاص وشفاء للإنسان. هي روعة الحياة وروعة الله معاً، هي إعادة الخلق الجديد. انَّ المسيح يعرض ما يقول وما يفعل، ويترك باب القرار مفتوحاً أمام الانسان! إن المعجزات هي ختم الله لصدق تعاليم المسيح. ويُعلق القدّيس غريغوريوس الكبير " أمام هذا العدد الهائل من الإثباتات والعجائب، لم يكن من سببٍ لأحد أن يشك، بل بالأحرى كان كل ذلك يدعو لكي يزيد إعجابهم أكثر بالرّب يسوع المسيح" (عظات حول الإنجيل، العظة 6).

6 وطوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة

عبارة "طوبى" في اليونانية μακάριος مشتقة من أصل عبري אַשְׁרֵי (معناها هنيئا) تشير الى تبشير فئة من الناس بالسعادة والغبطة من الله. ويستخدم يسوع اسلوبا مألوفا في الكتاب المقدس، يُستعمل لتهنئة أحدٍ نال هبة (متى 13: 16) او للتبشير بالسعادة (متى 11: 6). فيكشف يسوع عن هوية الذين هم في اوفق حال لنيل ملكوت الله؛ امَّا عبارة "طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة " فتشير الى تهنئة يسوع المسيح لمن لا يشك فيه، ولا يكون له عائقا او فخا أي سبب عثار فيسقط ويفقد ايمانه به (لوقا 7: 23). هذا الكلام مناسب الى يوحنا المعمدان إذا مرّ بالشك، ويناسب تلاميذه ان كان سؤاله لمجرد تبديد شكهم. وهي ودعوة الى الإيمان، انطلاقا من الآيات التي يأتي بها يسوع، إذ لا يُخفى على يسوع أنه يتعذّر على معاصره، حتى على يوحنا، الاعتراف به مسيحاً. وكاد يوحنا يفقد إيمانه بيسوع بعدما رأى منه ما رأى من رحمة وحنان، ولم يشاهد دينونة قاسية يجب ان تتم حالا كما وصفه "كُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار" (متى 3: 10). فمطلوب منا ليس إقرار بخطايانا الشخصية، بقدر ما هو تغيير الصورة الّتي لدينا عن الرب، وتقبله ليس ما نحن نتوقعه بل كما ورد في الكتاب المقدس على حقيقته. ويُعلق القديس غريغوريوس الكبير " ماذا يعني بقوله: " طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة؟"... إنه كمن يقول: حقًا إنّني أصنع عجائب لكنّني لن اَستنكف من احتمال الإهانات. فإنّني إذ أسير في طريق الموت ليْتَ الذين يكرمونني بسبب العجائب لا يحتقرونني في الموت!". امَّا عبارة " لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة " في أصل اليوناني σκανδαλισθῇ (معناها يشكُّ) فتشير الى عائق او فخ (مزمور 124: 7) وحجرة عثرة يسبِّب السقوط (أشعيا 8: 14-15) وبالتالي عندما يشكُّ الانسان في المسيح بسبب فقر يسوع وضعته وتصرفاته خلاف ما يتوقعه منه، يقع في هاوية الإثم والضلال. فالمسيح صار عثرة لكثيرين كما جاء في رسائل بولس الرسول " هاءَنَذا واضِعٌ في صِهيُونَ حَجَرًا لِلصَّدمِ وصَخْرَةً لِلعِثار، فمَن آمَنَ بِه لا يُخْزى " (رومة 9: 33)، " فإِنَّنا نُبَشِّرُ بِمَسيحٍ مَصْلوب، عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين" (1 قورنتس 1: 23). وأكثر من عَثرَ به، هم اليهود، لأنه لم يأتِ وفق انتظارهم من نجاتهم الزمنية والمجد العالمي.

7 فلَمَّا انصرَفوا، أَخذَ يسوعُ يقولُ لِلجُموعِ في شَأنِ يُوحنَّا: ((ماذا خَرَجتُم إِلى البَرِّيَّةِ تَنظُرون؟ أَقَصَبةً تَهُزُّها الرِّيح؟

تشير عبارة " ماذا خَرَجتُم إِلى البَرِّيَّةِ تَنظُرون؟ " الى تذكير الشعب لدى خروجهم الى البرية عند بحر لوط (بحر الميت) حيث ذهبوا ليروا ويسمعوا ذلك النبي الشهير يوحنا المعمدان الذي كان حينئذ في سجن مكاور ليجدِّدوا اعتبارهم له. امَّا عبارة " َقَصَبةً " فتشير إلى القصب الفارسي الذي يكون ارتفاعه 4.5 الى 6 م، وساقه يلوح في الهواء ويتمايل. وتوجد احجام كثيفة منه حول وادي الأردن وعلى ضفاف السواقي والجداول. ومن المعاني المجازية للقصب كان يرمز به إلى الضعف (2 ملوك 18: 21) وإلى قلة الثبات والتردّد (1 ملوك 14: 15). امَّا عبارة "أَقَصَبةً تَهُزُّها الريح " فتشير الى المثل بالقصبة التي تحركها الريح، وقصبة سريعة العطب (1ملوك 14: 15)، والريح يستطيع تحرّيكها دون ان كسْرها. ولم يكن يوحنا بالقصبة التي تحرّكها الريح، أي السريع التأثر والكثير التقلب، إنّما كان إنسانًا لا يتأثّر بالظروف لينحرف عن طريقه، بل كان ثابتاً وشديد التمسك بما يعتقد. ويُعلق القديس أوغسطينوس "بالتأكيد لم يكن يوحنا قصبة تحرّكها الريح، لأنه لم يكن محمولًا بكل ريح تعليم". يوحنا هو كقصبة تهزها الريح فتلويها ولكنها لا تكسرها. إنه لم يتراجع حتى لما وُضع في السجن. وقد سُجن بسبب تمسكه بالبرّ (لوقا 3: 19-20). ويُعلق القدّيس غريغوريوس الكبير "أمَّا يوحنا فلم يكن بالقصبة التي تحرّكها الريح، فلا يتملقه المديح، ولا يغضبه الذمّ؛ لا يرفعه النجاح ولا تطرحه المحنة". ان شهادة يوحنا لم تتغير فيوحنا شهد للمسيح وهو في السجن كما شهد له وهو في البرِّية.

8 بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَرَجُلاً يَلبَسُ الثِّيابَ النَّاعِمَة؟ ها إِنَّ الَّذينَ يلبَسونَ الثِّيابَ النَّاعِمَةَ هُم في قُصورِ المُلوك.

تشير عبارة "أَرَجُلاً يَلبَسُ الثِّيابَ النَّاعِمَة؟" الى كلام يسوع عن يوحنا المعمدان امام الجموع إنه رجل متقشف، لا متملّق (لوقا 1: 15 و80)، انسان مُتنسّك وبعيدٌ كل البعد عن الترف والملذات الجسدية؛ امَّا عبارة “الثِّيابَ النَّاعِمَةَ" فتشير الى عيشة حياة مترفة والخلاعة كما قال يسوع عن لباس هيرودس انتيباس "ها إِنَّ الَّذينَ يلبَسونَ الثِّيابَ النَّاعِمَةَ هُم في قُصورِ المُلوك" (متى 11: 8). ويُعلق القديس هيلاري أسقف بواتييه "الثياب تعني سرّيًا الجسد الذي تلبسه النفس، فيكون ناعمًا خلال الترف والخلاعة"؛ أمَّا عبارة " هُم في قُصورِ المُلوك " فتشير الى عيشة الترف والتنعم باللذّات كما هي الحال مع الملك هيرودس انتيباس. ويوحنا لم يكن من حاشية الملك، ولا من اهل التملق الذين يشهدون بما يسر الذين هم بينهم بغية منفعة أنفسهم.

9 بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟ أَنَبِيّاً؟ أَقولُ لَكم: نَعَم، بل أَفضَلُ مِن نَبِيّ.

تشير عبارة "بل ماذا خَرَجتُم تَرَون؟" الى السؤال الثالث للمسيح دلالة على تقدير الجموع الذين أجابوا على السؤالين السابقين سلبا. فاذا لم يكن يوحنا قصبة، ولا كأحد اهل القصور فماذا يكون؟ امَّا عبارة "أَنَبِيّاً؟ " فتشير الى يوحنا انه نبيّ، بل نبي عظيم هيَّأ طريق الرب، فكان سابق الرب والمنادي أمامه. أمَّا أتباعه لا شك انهم أخطأوا تجاهه فما عرفوه على حقيقته، فظنّوا انه المسيح. إن يوحنا هو نبي عظيم ولكنه ظلّ على عتبة الملكوت. يوحنا ظل في العهد القديم وعلى مستوى الأنبياء. أمَّا يسوع فهو الذي دشّن الملكوت، بل هو الملكوت؛ أمَّا عبارة " أَفضَلُ مِن نَبِيّ" فتشير الى ان مجيء يوحنا المعمدان هو الوحيد الذي تنبَّأ أنبياء العهد القديم به (ملاخي 1:3، أشعيا 3:40). تنبأ ملاخي بولادته (لوقا 13:1) وامتلأ بالروح من بطن أمِّه (لوقا 15:1). وهو أفضل من نبي، لانَّ كل الأنبياء تنبأوا عن مجيء المسيح، واشتهوا أن يروه، فلم يستطيعوا، أمّا يوحنا فنال ما طلبوه وأعدَّ له الطريق مباشرة. وكان هو الواسطة لتعريف اليهود بان يسوع هو المسيح بشخصه مشيرا بإصبعه، قائلًا: "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يوحنا 1: 29). وبالمقابل مدح يسوع يوحنا لأنه فهم بعد أن تأمل فيما كان يجري على أيدي يسوع. عرف أن يشفِّر علامات الزمن، وأدرك أن يسوع هو المسيح المنتظر.

10 فهذا الَّذي كُتِبَ في شَأنِه: ((هاءَنَذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ)).

تشير عبارة " فهذا الَّذي كُتِبَ في شَأنِه " الى يوحنا الذي كان موضوع بعض نبوءات العهد القديم (ملاخي 3: 14، وأشعيا 40: 3). اما عبارة " لِيُعِدَّ الطَّريقَ أَمامَكَ " فتشير الى دور يوحنا في تهيئة الطريق ليسوع (ملاخي 3: 1)، كما صرّح يوحنا المعمدان انه "لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور" (يوحنا 1: 8). إن يوحنا بتواضعه، مثالٌ مُشرِق لما يجب أن تكون عليه حياة كل منا: صوت الكلمة، شاهد للنور، وصديق العريس. ولكي نكون صوت الكلمة، يجب أن نتمرّن على الإصغاء إلى كلامه؛ ولكي نكون شهودا للنور يجب أن نملأ عيوننا بالتأمُّل بنبع النور، ولكي نكون أصدقاء العريس يجب أن نحب بلا حساب. اما عبارة " رَسولي " في الأصل اليوناني ἄγγελος (معناها ملاك) فتشير الى يوحنا الذي لم يأتِ من تلقاء نفسه بل مرسل من الله للكرازة. ويبدو ان ملاخي النبي يذكر ملاكين أحدهما ملاك العهد، سيد هيكله والآخر سابقه، وهما المسيح ويوحنا كما جاء في نبوءة ملاخي النبي " هاءَنَذا مُرسِلٌ رَسولي فيُعِدُّ الطَّريقَ أَمامي، ويَأتي فَجأَةً إِلى هَيكَلِه السَّيِّدُ الَّذي تَلتَمِسونَه، ومَلاكُ العَهدِ الَّذي تَرتَضونَ بِه. ها إِنَّه آتٍ، قالَ رَبُّ القُوَّات" (ملاخي 3: 1). امَّا عبارة " لِيُعِدَّ " فتشير الى تنبيه الناس بمجيء المسيح واعدادهم لقبول تعليمه بواسطة التوبة والانتظار.

11 الحَقَّ أَقولُ لَكم: لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان، ولكنَّ الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه.

تشير عبارة "الحَقَّ أَقولُ لَكم" الى تأكيد لما سيأتي من قول او عمل. امَّا عبارة "أَولادِ النِّساءِ" الى الجنس البشري كما هو شائع في الكتاب المقدس (أيوب 14: 1، 15: 14، 25: 1). امَّا عبارة " لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان " فتشير الى نظرة يسوع بإعجاب الى يوحنا بوصفه آخر الأنبياء وأعظمهم. ان كل الأنبياء تنبأوا عن المسيح ولكنهم لم يروه، أمّا يوحنا فانفرد بشرف اختيار الله له ان ينال ما طلبه الانبياء. لقد رأى الرب وأشار إليه بإصبعه، قائلًا: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم" (يوحنا 1: 29)، وعمّده وشهد له، وهو وحده أدرك سر الثالوث الاقدس يوم عماد الرب يسوع، بهذا قدّم يوحنا شهادة صادقة عن المسيح؛ ولم تكن افضلية يوحنا على رؤساء الآباء والكهنة والملوك في سجاياه، ولكنه في كونه سابق المسيح في الوظيفة وأقرب إليه من كل الأنبياء. عظمة الانسان تزيد بقربه من المسيح. ويُعلق القديس ايرونيموس "المعنى الذي قصده هو أن يوحنا أعظم من كل البشر، إن أردت أن تعرف فهو ملاك (متى 11: 10)" أمَّا عبارة "الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه" فتشير الى سمو العهد الجديد على العهد القديم الذي يمثله يوحنا المعمدان؛ وأمَّا عبارة " الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه" فتشير الى افتتاح عصرٍ جديدٍ، العهد الجديد، ومن هنا يُمكن تفسير هذه العبارة بطرق عديدة: ان أضعف مؤمنٍ الذي له نور معرفة مجد الله في وجه يسوع، هو في مركز أكثر امتيازا مما كان يوحنا المعمدان، او انَّ المولود من الله بالمعمودية، ويحيا حياة التوبة، هو أعظم من المعمدان. فيوحنا كان له كل برّ الناموس، ولكن أولاد الله بالمعمودية خصوصاً المتواضعين الذين تبررَّوا بدم المسيح هم أعظم من أي شخص؛ يوحنّا المعمدان "بشّر بقرب الملكوت"، بمعمودية ماء فقط للتّوبة، في حين أنّ أقلّ المسيحيين شأناً وعمراً وقدراً يُولد ولادة ثانية من عل " إذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح " (يوحنّا 3: 5) فيدخل الملكوت؛ في المعمودية يسكن الله قلوبنا، وقد جعلنا بالتبنّي أبناءه ، وفي مسحة الزيت المقدّس يمسحنا ملوكاً وأنبياء وكهنة، وفي القربان الأقدس يقدّس جسد المسيح أجسادنا، ويسمو بنفوسنا ويقيم فينا وبيننا (عن يوحنا 1 : 14) . ويُمكن تفسير الآية ايضا ان يوحنا قد يكون أعظم الكل في هذه الحياة، لأنه استحق أن يُعمِّد المسيح وشهد للحق حتى الموت. ويُعلق القديس ايرونيموس " من كان الأصغر في ملكوت السماوات، أي ملاكًا، فهو أعظم ممن هو أعظم من كل البشر على الأرض". ولكن " الأَصغَرَ في مَلَكوتِ السَّمَواتِ أَكبرُ مِنه" ويوضِّح القديس كيرلس الكبير هذا الامر بقوله "ان يوحنا مثله مثل الآخرين الذين سبقوه، تنسب ولادته إلى امرأة، أمّا أولئك الذين قبلوا الإيمان بالمسيح فليسوا أبناء نساء، بل أبناء الله، كما جاء في تعليم يوحنا الإنجيلي " أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يوحنا 1: 12). ليس هناك مقارنة بمجد الحياة الآتي. ولكن بعد أن فتح السيد المسيح الفردوس للبشر، ودخل أباء وأبرار العهد القديم ودخل معهم أبرار العهد الجديد كان هناك كلامًا آخر، فالكنيسة المقدسة تضع ترتيب السماويين هكذا مريم العذراء أولًا ثم الملائكة ثم يوحنا المعمدان ثم الشهداء ثم القديسين والأبرار. أي أن يوحنا المعمدان تضعه الكنيسة على رأس كل المؤمنين في السماء من البشر ما عدا القديسة العذراء مريم التي حملت يسوع المسيح في بطنها.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 3: 1-12)

بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي وتحليله (متى 3: 1-12) نستنتج انه يتمحور حول المسيح المنتظر ومن هنا نطرح سؤالين: ما هو مفهوم المسيح المنتظر؟ وما هي رؤية يوحنا المعمدان ورؤية يسوع في مفهوم المسيح المنتظر؟

1. ما هو مفهوم المسيح المنتظر؟

إن لفظة مسيح منقولة عن اللغتين العبرية والآرامية، הַמָּשִׁיחַ، واما اللفظة اليونانية فهي "خريستوس"، Χριστός . ، واللفظتان تعنيان "مسيح "، أي الممسوح بالزيت. وقد أصبحت هذه التسمية في زمن الرسل اسم العلم ليسوع. غير أن استخدام لفظة المسيح في العهد القديم وفي اليهودية، لا تحمل غنى المعنى الذي تضمنه العهد الجديد.

في العهد القديم ارتبط اسم المسيح مع الملك الديّان (1 ملوك 1: 39) وأخذ الناس يفهمونه بصورة متطرفة تُبرز خاصة الجانب السياسي من دوره. لذا دهش الناس بقداسة يسوع وسلطته وقدرته، وأخذوا يتساءلون قائلين: "أَتُراهُ المَسيح؟" (يوحنا 4: 29)، أو ما يفيد المعنى نفسه "أَتُرى هذا آبنَ داود؟ " (متى 12: 23). وألحوا طالبين في أن يُعلن هو بصراحة عن نفسه "حَتَّامَ تُدخِلُ الحَيرَةَ في نُفوسِنا؟ إِن كُنتَ المَسيح، فقُلْه لَنا صَراحَةً "(يوحنا 10: 24).

فمن جهة، اتَّفقت السلطات اليهودية على أن تطرد من المجمع كل من يعترف أن يسوع هو المسيح كما جاء في انجيل يوحنا البشير "اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح" (يوحنا 9: 22)، ومن جهة أخرى، يعترف الذين يلجؤون إلى سلطته الإعجازية برسالته، ويبتهلون إليه معلنين أنه ابن داود كما حدث مع أَعمَيين وهما يَصيحان " رُحْماكَ يا ابْنَ داود! " (متى 9: 27).

واعترف الكثيرون صراحة أن يسوع هو المسيح، أوّلهم تلاميذه " وَجَدْنا المَشيح" باليونانية Μεσσίας وبالعبرية הַמָּשִׁיחַ ومَعناهُ المسيح (يوحنا 1: 41)، ثم مرتا اخت لعازر في الوقت الذي أعلن يسوع أنه القيامة والحياة فقالت " نَعَم، يا ربّ، إِنِّي أَومِنُ بِأَنَّكَ المسيحُ ابنُ اللهِ الآتي إِلى العالَم"(يوحنا 11: 27). وأضفى إعلان بطرس الرسول على فعل إيمانه طابعاً رسمياً خاصاً عند سؤال المسيح وجوابه له: "ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟ فأَجابَ بُطرس: أَنتَ المسيح" (مرقس 8: 29). إلاَّ أن هذا الإيمان الأصيل، ما يزالُ ناقصاً، لأن هذا اللقب "المسيح" مُعرّض أن يُفهم في إطار ملك زمني، كما حدث في معجزة الخبز والسمكتين "عَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل"(يوحنا 6: 15).

أمَّا مفهوم الانتظار فهو أن مجيء الله وتجسُّدهُ، كان ثمرة انتظار طويل، ابتدأ مع إبراهيم وانتهت في مريم العذراء. وفي زمن مجيء يسوع المسيح، كان الناس في شدّة الانتظار وهم يُصلّون. لكنه لمّا جاء في ملء الزمن، لم يعرفه أحد، ما عدا بعض الرعاة الفقراء، لانَّ الناس كانوا يتوقعون شيئاً آخر.

2. من هو المسيح المنتظر في رؤية يوحنا المعمدان؟

كان يوحنا يعلم انه " صوت صارخ" على ما ورد في نبوءة أشعيا، فنادى " بالرب الآتي بقوة " (أشعيا 40: 10)، وبالديان "الآتي كالنار" ليطهّر كل شيء (ملاخي 3: 1-3). وإن ما بلغ يوحنا في سجنه عن يسوع يختلف كل الاختلاف. انتظر يوحنا من يسوع ذاك الدَّيان ومُنقِّي إسرائيل، الذي يقطع كل شجرة لا تثمر، وان يحرق القش، ويدمّر الخطأة، وكان يبشر بمسيح صارمٍ، حازمٍ، يضع حداً لكل متهاونٍ، ولكل ما هو مخالف للشرائع والقوانين، ويدين الفساد ويكافئ الأبرار، لكن يسوع لم يتطابق مع رؤية يوحنا المعمدان، إذ لم يكن المسيح الذي يقلع الشر من جذوره، ويعاقب الأشرار، ويلغي الظلم، ويحمل على التمرد السياسي. بل اظهر حنانه وصبره ورحمته بدل الغضب والحكم والعقاب فهو الذي قال " فإِنِّي ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبْرارَ، بَلِ الخاطِئين" (متى 9: 13). جاء طبيباً للبرص (لوقا 17: 11-19)، وحلَّ ضيفاً عند العشارين والخاطئين (لوقا 19: 1-10)! لمس الممسوسين! (متى 8: 28-34). وشفى الوثنيين (يوحنا 4: 37-43)، وعطف على الغرباء (متى 8: 5-1). لذلك لم يكن يسوع متطابقاً وتصورات المعمدان.

ونستنتج مما سبق ان يسوع تصرّف عكس ما تصوره المعمدان، أنه جاء من أجل المرضى والخطأة "لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه " (لوقا 19: 10). وأُعلن يسوع سنة مرضيّة (لوقا 4: 19)؛ وأعلنَ يوحنا المعمدان المسيح المنتظر يأتي ليُعمّد بالروح القدس والنَّار، ورأى فيه إلهاً متواضعاً يقترب، متضامناً مع الفقراء، طالباً منه أن يُعمّدهُ بمعموديّتهِ بالماء. فكان لزاما على يوحنا أن يتعلّم بأن يسوع أتى ليُعلن عن إلهٍ تواضعهُ بلا حدود. إلهٍ، مع أنه بلا خطيئة، جعل من نفسه خطيئةً لأجلنا؛ "لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر"(فيلبي 2: 6-7)، ويعد بالفرح الذين يكتشفون الكنز "مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ كَنْزٍ دُفِنَ في حَقْلٍ وَجدَه رَجُلٌ فأَعادَ دَفنَه، ثُمَّ مَضى لِشِدَّةِ فَرَحِه فباعَ جميعَ ما يَملِكُ واشتَرى ذلكَ الحَقْل"(متى 13: 44-45). وما أسعد الذين يعيشون بتلك الساعة!
تعجّب يوحنا، بالرغم من كل ذلك، حين رأى يسوع ذاك الذي يهتمَّ بالخطأة، ولا يقطعهم كما تقطع الفأس الشجرة (متى 3: 7-12). ويتساءل يوحنا وهو بين جدران سجنهِ، متى ستأتي اللحظة التي سيُظهِر فيها المسيح كامل قدرتِهِ؟ لماذا لم يأتِ حتى الآن ليُخلّصه من هذا السجن الرهيب؟ فتحيّر يوحنا فحمل على طرح هذا السؤال "أَأَنتَ الآتي، أَم آخَرَ نَنتَظِر؟ " فيسوع آية. لقد أنبأ سمعان سابقاً عن ذلك، عندما حمَلَ الطفل يسوع على ذراعيهِ: ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض" (لوقا 2: 34).

ولما أعلن يوحنا عن يسوع أنه حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم (يوحنا 1: 29)، لم يكن يعرف كيف سيُرفع، كما كان لا يدرك سبب رغبة المسيح في الاعتماد منه (متى 3: 13-15). ولكي يرفع يسوع الخطيئة، كان عليه أن يقبل معمودية أخرى، ولم تكن معمودية يوحنا إلا مجرّد مثال لها، وهي معمودية آلام وموت على الصليب كما صرَّح يسوع الى تلميذيه يعقوب ويوحنا إذ قالَ لَهما يسوع: ((إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألان. أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها، أَو تَقبَلا المَعمودِيَّةَ الَّتي سَأَقبَلُها؟" (مرقس 10: 38). وسيتمّم يسوع هكذا كل برّ (متى 3: 15)، لا بإهلاك الخطأة، بل بتبرير الجموع الذين حمل خطاياهم على الصليب " كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ "(أشعيا 7:53). ويُعلق القديس يوحنا للصليب "أن النفس التي ترغب في الحكمة الإلهية، تختار الدُّخول في قلب الصليب. فالصليب هو الباب الذي به يُمكن الدخول الى كنوز هذه الحكمة".

3. من هو المسيح المنتظر في رؤية يسوع؟

يوضّح يسوع مفهوم لقب "المسيح المنتظر" الى يوحنا المعمدان أذ وصفه من خلال اعمال المسيح المنتظر "العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون" (متى 11: 5). فبهذا القول، يعلن يسوع تحقيق نبوءة أشعيا (أشعيا 29: 18-19)، وبالتالي يلمِّح الى يوحنا المعمدان بان يسوع هو حقا المسيح المنتظر الذي تبنا عنه الأنبياء بالقيام بهذه الاعمال العجيبة كما جاء في إنجيل لوقا " في تِلكَ السَّاعَة شَفى أُناساً كَثيرينَ مِنَ الأَمراضِ والعِلَلِ والأَرواحِ الخَبيثَة، ووَهَبَ البَصَرَ لِكَثيرٍ مِنَ العُمْيان، ثُمَّ أَجابَهما:(( اِذهَبا فأَخبِرا يوحَنَّا بِما سَمِعتُما ورَأَيتُما: العُمْيانُ يُبصِرونَ، العُرْجُ يَمشُونَ مَشيْاً سَوِيّاً، البُرصُ يَبَرأُونَ والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومونَ، الفُقَراءُ يُبَشَّرون " (لوقا 7: 21 -22). وهذه البشارة في نظر يسوع تتعلق بالأزمنة الأخيرة. فردَّ يسوع على سؤال يوحنا بعلامات الملكوت واُعاد التلاميذ إلى يوحنا بكلمات أشعيا النبي.

وقد قدّم يسوع لتلاميذ يوحنا صورة حيّة خلال السمع والرؤية، أذ أَجابَهم "اِذهبوا فَأَخبِروا يُوحنَّا بِما تَسمَعونَ وتَرَون" (لوقا 11: 4). فقد سمعوا كلمات محبّته الإلهيّة الفائقة نحو البشريّة ورأوا أعماله، وأخيرًا حذّرهم من التعثّر فيه. لأنه إذ يدخل إلى الآلام ويجتاز الصليب يتعثّر فيه من لا يدخل إلى أسراره العميقة. وهذا التحذير ليس موجَّهًا للقدّيس يوحنا المعمدان، فقد سبق فأعلن يوحنا بنفسه عن سرّ الصليب بقوله: هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يوحنا 1: 29)، فبدعوته "حمل الله" يُعلن الصليب، الذي به يحمل خطيئة العالم. فالحديث إذن موجَّه لتلاميذ يوحنا حتى لا يتعثّروا في صليبه. ويُعلق القديس هيلاري أسقف بواتي "يرسل يوحنا تلاميذ إلى المسيح لينظروا أعماله، فتثبت تعاليم المسيح لهم فلا يكرزون إلا به، غير متطلّعين إلى مسيحٍ آخر".

وتذكر أعمال يسوع أيضا بتنبؤات أشعيا (أشعيا 61: 1 و35: 5-6، 26: 19، 61: 1). وكأنه يقول لهم لقد تحققت فيَّ النبوات. وتدل تلك الاعمال في نظر الذي يعرف الكتب المقدسة على ان يسوع هو المسيح المنتظر حقا. ويُعلق القديس أوغسطينوس "أمَّا قول المسيح فكان لأجل تعليمهم أيضًا: "العّمي يبصرون"... كأنه يقول لهم: لقد رأيتموني فلتعرفوني! لقد رأيتم أعمالي، إذن فلتعرفوا صانعها... وطوبى لمن لا يعثر فيّ، وهذا أقوله لأجلكم وليس لأجل يوحنا".

فلم تكن صفات المسيح المنتظر ذاك الديَّان فحسب، انما هو أيضا ذاك المُخلِّص الرحيم، حمل الله، ابن الانسان، الذي يدعو الخاطئين الى التوبة " لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه"(لوقا 19: 10)، ويدعو المتعبين الى الراحة " تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم" (متى 11: 28-29)، ويُقدِّم يسوع حياته ذبيحة من أجل جماعة كثيرة "هكذا ابنُ الإِنسانِ لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس" (متى 20: 28). وهنا يُصرّح بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله " أَنَّ المسيحَ ماتَ مِن أَجْلِ خَطايانا كما وَرَدَ في الكُتُب" (1 قورنتس 15: 3).

ولكن بعد قيامته فقط، استطاع التلاميذ أن يفهموا ما ينطوي عليه هذا اللقب: أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟ " (لوقا 24: 26). بالطبع، لم يَعد في الأمر مجال لمجد زمني، وإنما الأمر مختلف عن ذلك تماماً. فبحسب الكتب المقدّسة، ينبغي "أن يتألم َ المَسيحَ ويقومُ مِن بَينِ الأَمواتِ في اليَومِ الثَّالِث، وتُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم" (لوقا 24: 46).

وعلى ضوء القيامة، تنسب الكنيسة إلى يسوع لقب הַמָּשִׁיחַ "المسيح". فالقيامة نصبته في مجده الملكي: الآن وإذ نال يسوع الروحِ القدس الموعود به (أعمال 2: 33)، " قد جَعَلَه اللهُ رَبًّا ومَسيحًا" (أعمال 2: 36). ولم تتردّد الكنيسة الأولى في الاعتراف ليسوع بأرفع الألقاب، ألا وهو لقب "رَبًّا ومَسيحًا" (أعمال الرسل 2: 36)، " الـمَسيحُ الرَّبّ" (لوقا 2: 11)، "ربِّنا يسوعَ المسيح"(أعمال 15: 26)، "ابنَ اللهِ" (رومة 1: 4)، وهو "الإِلهُ الحَقُّ" (1 يوحنا 5: 20). وهكذا لم يَعد لقب مسيح بالنسبة إليه لقباً من الألقاب، بل أصبح اسم علم خاص بالنسبة إليه بدون أل التعريف (1 قورنتس 15: 12-23)، وهو يجمع في ذاته كلّ الألقاب الأخرى، ويحمل كلّ الذين خلّصهم المسيح، بحق، اسم "المسيحيين" ((أعمال الرسل 11: 26).

ما اشد التَّباين بين هذا المسيح المنتظر والمسيح الذي نادى به يوحنا المعمدان! لذلك صرّح يسوع بانه “طوبى لِمَن لا أَكونُ لَه حَجَرَ عَثْرَة"(متى 11: 6). هنيئا لمن لا يتعثر ولا يزل امام هذا الانقلاب التام الذي يصطدم به تفكير. وكان قصد السيد المسيح ان لا يشكُّ التلاميذ فيه، إذا ما رأوه مُعلقاً على عود الصليب، أو مُعرَّضاً لإهانات اليهود. فالتعثر في المسيح المصلوب تعنى عدم الإيمان به.

وباختصار، ان شهادة يوحنا المعمدان تُسند شهادة يسوع الذي جاء الى العالم ليشهد للحق وليخلص البشرية باعتباره المسيح المنتظر (يوحنا 18:37). وفي مقابل هذه الرسالة، يمجِّد يسوع رسوله الأمين، يوحنا المعمدان داعياً إيّاه "السّراج المتّقد المنير" (يوحنا 5: 35)، و"أعظم نبيّ في أولاد النساء" (متى 11: 11)، ولكنه يستدرك " أن أصغر الذين في ملكوت السماوات أكبر منه"، مظهراً بذلك تفوّق نعمة الملكوت على موهبة النبوّة، دون أن يحطّ من شأن قداسة يوحنا المعمدان. ويبقى يوحنّا المعمدان ذاك النبي بل خاتم الأنبياء الّذي يُعدّ لمجيء المسيح، وهو مثالنا في زمن المجيـ زمن الاستعداد للقاء الرب مخلصا ودياناً.

الخلاصة

أوضح الإنجيلي متّى موقف اليهود من كرازة يسوع، فقد أرسل يوحنا تلاميذه ليسوع لكي يدخل بجميعهم إلى التلمذة على يديّه نفسه، وقد قابل المسيح هذا العمل بالشهادة ليوحنا.

وعلِم تلاميذ يوحنا ان المسيح المنتظر هو يسوع المسيح الديان والمخلص معا. يسوع المسيح هو الدَّيَّانُ الواقِفٌ على الأَبواب كما أشار اليه يوحنا المعمدان واكّده يعقوب الرسول (يعقوب 5: 9)، لكنه هو أيضا يسوع المسيح الرحيم والمخلص "الذي يَأتي فيُخَلِّصُكم " كما تبنا أشعيا النبي (أشعيا 5: 4) وقد تمم ّ نبوءة أشعيا النبي " حينَئِذ تتَفتَحُ عُيوِنُ العُمْيان وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح وحينَئذٍ يَقفِزُ الأَعرَجُ كالأَيِّل ويَهتِفُ لِسانُ الأَبكَم " (أشعيا 35: 5).

وتناول الربّ يسوع "هذه العلامات " ليُعلن الزمن المسيحاني، زمن خلاص وفرح، زمن انتصار على الشرّ. فإن الله لا يكتفي بان يشير لنا الى الطريق، ويعدّ طريقا لشعبه بيننا، فهو على الدوام بجانبنا في مسيرتنا من خلال ابنه يسوع المسيح. والمسيحي لا يستطيع وحده أن يغلب أهواءه ومحبته للعالم ويسير وراء المسيح، فهذا هو عمل الله كما يؤكده بولس الرسول" فقَد ظَهَرَت نِعمَةُ الله، يَنبوعُ الخَلاصِ لِجَميعِ النَّاس " (طيطس 2: 11).

دعاء

نسألك، أيّها الآب السماوي، أن تُسند مسيرتنا للقاء ابنك الرب المسيح الآتي مخلصا وديانا، كما اوحاه الله في الكتب المقدسة وليس كما نريده نحن، وتثبت قلوبنا لمجيئه القريب من خلال كلمة الانجيل ولأفخارستيا والعمل على خطاه في خدمة الفقير واليتيم والغريب والضيف والسجين والمسنّ والمريض والمُعاق، وضحايا الحروب والمجاعات واضطرابات الطبيعة ونشعر بفرح روح الربّ (غلاطية 5، 22)، فرح معرفة أنّ المسيح الربّ يَحيا فينا (غلاطية 2، 20)، فرح اختبار روحه في قلوبنا (غلاطية 4، 6)، فرح ما قد وعدنا به الربّ (غلاطية 3، 29)، فرح اختبار محبّة إخوتنا وأخواتنا في الإيمان. آمين

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء