اللجوء والإحباط وأنماط الجريمة

اللجوء والإحباط وأنماط الجريمة

د. صبري الربيحات
2017/02/06

لا يمر يوم إلا تحمل الأخبار لنا نبأ جديدا مفزعا عن جريمة وقعت في بلدة أو حي من أحياء مدننا التي اعتادت على أن تنام بهدوء وسكينة. الحديث عن الأشخاص الذين يقتلون أبناءهم أو يحرقون أنفسهم أو حتى الكبار الذين يقررون الانتحار أو يحاولون القيام به كنداء استغاثة أمور جديدة وغريبة الوقع على آذان السامعين الذين غالبا ما يصابون بالصدمة عند سماعهم لتفاصيل بعض هذه الحوادث الغريبة.

السرقات والسطو وأساليب الاحتيال والابتزاز والإتاوات وتسول الشباب والصبايا الجميلات والإتجار بالمخدرات وانتشار بائعات الهوى مظاهر غريبة ومقلقة للمواطن الذي اعتاد على التنقل في مدينة آمنة يشعره كل ما فيها بالطمأنينة والأمن والاستقرار.

لا أحد ينكر أن الأردن كان وما يزال من بين أكثر بلدان المنطقة أمنا وأمانا وأن أرضه وأهله ومؤسساته تشعر المواطن والقادم والمقيم بألفة وطمأنينة قد لا يشعر بها في مكان آخر. وعلى هذه الخلفية تبدو الحوادث الجديدة غريبة ومستغربة ويبدو أثر سماع أخبار حدوثها مقلقا ومفزعا.

في غمرة انشغالاتنا بالحديث عن التطرف والإرهاب وأهمية التيقظ والانتباه لسد كل الثغرات التي قد يستخدمها العابثون لتعكير صفو الأمن الذي عرفت به بلادنا تنهال علينا الأخبار لحوادث تعرض فيها الأطفال للموت على أيدي الآباء والزوجات على أيدي الأزواج، ويقتل فيها الأشقاء من قبل أشقائهم ونندفع جميعا لاستنكار هذه الأفعال وصب جام غضبنا على الأوضاع الاقتصادية والسياسات التي قادتنا لهذا الوضع والتعبير الصامت عن مخاوفنا العميقة من انتشار هذه الظواهر ووصولها إلى أحيائنا وبيوتنا.

العناصر الغائبة عن التحليل تتمثل في قلة انتباهنا لنوعية القصص والأخبار والصور التي يتعرض لها الأفراد عبر القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي والروايات التي يقدمها شهود العيان عن القتل والإبادة والتعذيب الذي يتعرض له أبناء المجتمعات المجاورة ممن لا يختلفون عنا في القومية ولا اللغة أو الدين وعلى أيدي إخوتهم وجيرانهم ومن كانوا أصدقاءهم وأبناء جلدتهم.

المشاهد المتكررة لأعداد الأموات والجرحى التي تبثّ عبر نشرات الأخبار أسهمت في خلق حالة أصبح فيها المشاهد يألف صور الموت وانتهاك الكرامة بطرق متنوعة فتأثرت لديه معاني الحياة وقدسيتها فاختفت رهبة الموت وغيرها من القيم التي أرست قواعدها التنشئة وحافظت عليها القواعد والعادات والأعراف والممارسات الإنسانية التي ترى في الإنسان وحياته وكرامته قيمة ينبغي صيانتها ورعايتها وحمايتها من أي تجاوز أو انتهاك.

العامل الآخر الذي يصعب تجاهله يتمثل في الضغط الذي تعرضت له البيئة والموارد والبنى التحتية الأردنية جراء لجوء مئات الآلاف من السوريين للأردن من جراء الصراع، بحيث تجاوز النمو السكاني للأردن الـ 20 % في أقل من أربع سنوات، وما أحدثه ذلك من اختلالات في البنى الاقتصادية والاجتماعية والقيمية.

الكثير من السوريين الذين تمكنوا من الوصول للبلدان التي قصدوها حملوا في صدورهم وعقولهم وأرواحهم الكثير من مشاعر الغضب والخوف والإحباط وربما الرغبة في الانتقام ممن كان سببا في ويلاتهم ومن لم يعمل على مساندتهم.

تجاهل مستويات الخوف والإحباط والغضب والرغبة في الانتقام وآثار الصدمات النفسية التي يعاني منها اللاجئون وإمكانية تسرب هذه الآثار وتسللها لقيم واتجاهات وسلوك الناس داخل وخارج المخيمات وأماكن تواجد اللاجئين أمر في غاية الخطورة وعامل من العوامل التي ألقت وستلقي بظلالها على حياتنا وعلاقتنا وأمننا الاجتماعي والإنساني.

(نقلاُ عن الغد الأردنية)

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء