الفصح: ثلاثيني يعطي الأمل للعالم

الفصح: ثلاثيني يعطي الأمل للعالم

الأب رفعت بدر
2017/04/17

1) خمسيني يقتل، عشريني يحاول الانتحار، ستيني يختفي... هكذا إذاً صرنا نتكلم عن الأشخاص بالأرقام، ولا يكاد يمر يوم، دون أن نسمع عن هذه القصص المؤلمة التي باتت مثار أحاديثنا ونقاشاتنا. ثلاثيني في هذا الأسبوع، اسمه يسوع المسيح «يلقى حتفه» صلباً على أيدي «التحالف» الهش الذي كان قائماً آنذاك بين القوات الرومانية والقيادات المتشدّدة اليهودية.

هذا الثلاثيني الذي بكته أمه الخمسينية، وتبعه اثنا عشر من التلاميذ... لم يبقَ أسير الموت والفناء، ولكنه نهض وقام بعد ثلاثة أيام، ليحتفل به بعد الزمن «الأربعيني» بزمن الفصح «الخمسيني» الذي ينتهي بعيد العنصرة أو حلول الروح القدس. لم يكن حضور الشاب «الثلاثيني» على الأرض بدون معنى، ولم يغادر هذه الأرض بصعوده، بدون أن يغير قلوباً عديدة وعقولاً متحجرة، كان يصفها بغلاظ الرقاب والمرائين وذوي الروح الموجهنة أو كما في عصره الروح الفريسية. ثلاثيني بيع بثلاثين من الفضّة قد غيّر مسار التاريخ.

2) في القرن الحادي والعشرين، وقبل أيام من الاحتفال بقيامة الثلاثيني، يتسلل عشريني وآخر ثلاثيني إلى كنائس مصر ويقتلان من استطاعا. ثمة اجرام إذاً وثمة رغبة واضحة وصريحة وشريرة في القضاء ليس على تابعيه فحسب، وإنما على التعددية الدينية التي تميز بها شرقنا الأوسطي. عشرينيون وثلاثينيون يجندون نفوسهم ويحزمون أجسادهم لقتل الأبرياء. يا ويل بشريتنا أو اسرتنا البشرية التي سلبت عقول شباب منها بهذه الطرق الوحشية، دعاؤنا إلى المولى عز وجل أن يغيّر العقول والقلوب، ويعيدها من حجريّتها وظلاميّتها وظلمها إلى انسانيّتها.

3) انتحار هنا، مخدّرات هناك، أعمال اجرام نسمع عنها كل صباح، ومن أشد الأخبار ايلاماً، هي ما يجري في البيوت. فخلف جدران باردة اسمنتيا ومعنويا، عائلات كبيرة فقدت «أحلى» شيء في الوجود: أي المحبة، فنشفت، ونشبت على اثر غيابها أعمال كراهية واجرام. رحم الله ضحايا الكراهية وبخاصة في البيوت، وعلينا جميعا إعادة الأمل اليها.

4) في درب الصليب الشهير يوم الجمعة العظيمة، في منطقة الكولوسيوم الرومانية حيث كان يعدم المسيحيون في القرون الاولى، توكل كتابة نصوص هذا العام الى سيدة سبعينية، هي عالمة اللاهوت آن ماري بيلتييه الفرنسية، لتكون أول امرأة تكتب نصوص الجمعة العظيمة، فتغيّر المراحل التقليدية، وتركز على آلام الامهات والاطفال والعائلات المشرّدة والمعنّفة ، فتقول:

«أيها الربّ، يا مَن أتيت لافتقادنا، ومررت وسطنا وأنت تعمل الخير، وأعدت إلى الحياة الذين يقيمون في الظلمة وظلال الـموت، أنت تعرف قلوبنا المعوجة. إننا نؤكّد أننا أصدقاء الخير وأنّنا نريد الحياة. ولكنّنا خطأة ومتواطئون مع الموت. نعلن أنّنا تلاميذك، ولكنّنا نسلك دروبًا تتيه بعيدًا عن أفكارك، بعيدًا عن عدلك وعن رحمتك. لا تتركنا لثورات عنفنا. ولا تدع صبرك علينا ينفد. نجّنا من الشرير»!

5) عيد هذه السنة مشترك. فلا تقويم غربي وشرقي، بل الكل معيّد في آن واحد. وقبر الخلاص تسطع قبته من جديد من بعد الترميم بفضل الخيّرين في العالم. وكم وكم نحتاج إلى أجواء الوحدة على مدار العام وليس في يوم واحد كل 8 سنوات. وهنالك في احد بيوت مصر العادية، يبرز ثمّة أمل في هذا الوجود، قد وضعه «الثلاثيني القائم» في نفوس أحبائه، فبين كل أصوات وخطابات الإدانة وصراخ الألم والفراق، يسطع صوت زوجة أحد الشهداء في كنيسة طنطا المصرية يقول: «انني أسامح». بالمسامحة تستطيع أن تكمل مسيرة حياتك.

شكراً لك أيها الثلاثيني القائم.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء